رسالة في شرح الرسالة العلمية للملا محسن الفيض
من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد
الشيخ احمد بن زينالدين الاحسائي اعلي الله مقامه
الحمد للّه ربّ العالمين و الصلوة علي محمد و اله الميامين العالِمين العاقلين للايات المضروبة للناس اجمعين في الافاق و في انفسهم ليتبيّن لهم الحقّ المبين .
اما بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زينالدين الاحساۤئي انّ علم الله تعالي قد تكلّم فيه العلماۤء و الحكماۤء و المتكلّمون و قالوا فيه بٰاراۤئهم و اكثرهم قد اخطأ سمتَ الحق لانّهم طلبوا معرفة ذلك من غير اهل العصمة الذين جعلهم الله ادلّاۤء عليه و لميبق احد من خلقه الّا و قد عرّفه مقامهم منه و انّهم لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و لمّا نظرتُ في بعض كلماتهم وجدتهم يطلقون العلم علي ما هو اعم من العلم الذي هو ذاته و العلم الذي هو فعله و مفعوله و يتكلمون عليه بنحوٍ واحد و بيان واحد و لا ريب ان ذلك البيان ان طابق في القديم خالف في الحادث و بالعكس وَ كثيرا ما اميّز بينهما في بعض الاجوبة و المباحثات حتّي وردنا المحروسة من حوادث الزمان بلد اصفهان و اجتمعتُ ببعض العلماۤء الاعيان حرسهم الله من نوائب الحدثان و جري بيننا بحث في ذلك و بيان و كان ما كان و ذلك سنة ثمان و عشرين و مائتين و الف من الهجرة النبويّة حين مررنا بهم و نحن متوجهون لزيارة العتبات العاليات علي مشرِّفيها افضل الصلوات و اكمل التسليمات و وقفتُ فيها علي رسالةٍ موضوعة في هذه المسئلة وضعها العارف المتقن الملّا محسن لابنه المسمي بمحمد او باحمد الملقّب بعَلَمالهدي (ره) فوجدتها [ص 3] قد توغّلَ فيها و تَمحّلَ و سلك مسلكَ اصحاب الحدود المتلقّبين باهل الشهود القاۤئلين بوحدة الوجود فاحببتُ ان اشرح كلماتِها و ابيّن الغِثّ من السمين علي ما يوافق مذهب الائمة الطاهرين صلّي اللّه عليهم اجمعين فان قلتَ انّ
كلّا يدّعي وصلاً بليلي و ليلَي لاتقِرّ لهم بذاكا
قلتُ :
اذا انبجسَتْ دموعٌ من عيونٍ تبيّنَ مَن بكي ممّن تباكي
و اقول :
فهَبْ انّي اقول الصبحُ ليلٌ ايعمي النّاظرونَ عن الضياۤءِ
فاذا اردتَ اَن تعرف الحقَ فانظر فيما اقول لك غير ملتَفِتٍ الي قواعدِك و لا الي ما اَنِسْتَ به من علوم القوم و انّما تنظر في كلامي بنظر اهل الحق ائمّتك عليهم السلم و حجج اللّهِ عليك و علي ساۤئر الخلق و امّا القوم من المتصوّفة و الحكماۤء و المتكلمين فليسوا بحجج الله عليك و لا علي خلقه و ليسوا ائمّتك افمن يهدي الي الحق احقّ ان يتبع امن لايهدّي الا ان يُهدي فما لكم كيف تحكمون ، و لااريد منك انّك تقلِّدهم مع انّي لو قلتُ ذلك لكان حقّا لانّك كما تقلِّد غيرهم ممّن يجهل و ينسي و يخطئ و يغشّ و انت تدّعي انّك اخذته بالدليل العقلي ينبغي اَن تقلِّد من لايجهل و لاينسي و لايخطئ و لايغشّ فان قلتَ ان العقل لايطابق كلامهم قلتُ لك انّ كلامهم حق و عقلك ان لمتغيّره و تبدّله بالعلوم المغيّرة المكدّرة و القواعد المعوجّة حقٌّ لانّه فطرة الله التي فطر الناس عليها و الحاصل اني [ص 4] لااريد منك محض تقليدهم كما يتوهّمه المتوهمون بل تأخذ كلامهم بالدليل العقلي بشرط قطع النظر عن الاقوال بل تنظر بفهمِك لا غير فان فهمتَ كلامي و عمِلتَ بوصيّتي وجدتَ ما اقول لك كلّه امورا قطعيّة ضروريّة فافهم و اللّه خليفتي عليك و هذا اَوان الشروع في المقصود فاقول :
قال عفا الله عنه : بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله العليم الحكيم الذي لايعزب عن علمه مثقال ذرّة في السموات و لا في الارض و الصلوة علي محمد و اهل بيته الذين هم ذريّة بعضها من بعض .
اقول الظاهر من قوله العليم انّ المراد به وصفه بالعلم الذاتي الذي هو عين ذاته و قوله لايعزب عن علمه مثقال ذرّة الخ ، ان المراد بهذا العلم العلم الذاتي و لايريد به ما في الاية الشريفة لان العلم الذي في الاية الشريفة ان اريد به العلم الازلي الّذي هو ذاته و كان معلوماته في السموات و الارض لاتخلو من ان تكونَ في الازل او في الحدوث فان كانت في الازل كان معه في ذاته غيره لانّ الازل ليس شيئا غير ذاته ثم نقول هي عينه بلا مغايرة او عينه مع المغايرة او غيره فان كانت هي عينه بلا مغايرة بوجهٍ ما فلا معني لقولك انه عالم بجميع ما في السّموات و الارض و انت تريدُ انه عالم بذاته و ان كانت هي عينه مع المغايرة فقد اثبتّ المغايرة في ذاته و الاختلاف و هو باطل سواۤء كان بالذات ام بالحيثيّة و الاعتبار و ان كانت غيره فقد اثبتَّ غيره في ذاته و هذا باطل سواۤء جعلتَ الغير عارضا او حالا فيه لاستحالة كون ذاته المقدّسة معروضةً او ظرفاً و هذا لا اشكال فيه و ان فرضتَ ان الازل غير [ص 5] ذاته لتحلّ فيه تلك المعلومات في محلٍّ غير ذاته فهو باطل لانه يلزم من ذلك ان يكون تعالي حاۤلّا في غيره و هو الازل و ذلك الوقت يجمعه مع غيره ايضا فلميجز ان تكون تلك المعلومات في الازل فيجب ان تكون في الحدوث و الامكان اذ لا واسطة بين الواجب و الحادث و قد دلّت عليه الاخبار و صحيح الاعتبار فاذا كانت المعلومات غير ذاته في الامكان فنقول العلم بالشيء لايخلو امّا ان يكون مطابقاً للمعلوم او غير مطابقٍ له و مقترناً بالمعلوم او غير مقترنٍ به و واقعاً علي المعلوم او غير واقع عليه و هو المعلوم او غير المعلوم فان كان مطابقاً للمعلوم و انت تريد به العلم الذي هو ذاته لزمك ان تقول ان ذاته مطابقة لك لانّك من جملة المعلومات فيجري عليها و لها كل ما يجري عليك و لك ، تعالي الله عن ذلك علوّا كبيراً و ان قلتَ انه غير مطابقٍ لزمك انه ليس علماً به لان العلم لايجوز ان يكون غير مطابق للمعلوم مثل ان يكون المعلوم طويلا و العلم قصيراً او المعلوم اسود و العلم ابيض او المعلوم قليلاً و العلم كثيراً او المعلوم مجتمعاً و العلم متفرقا او المعلوم مقترنا و العلم غير مقترن او المعلوم موقوعاً عليه و العلم غير واقع او المعلوم مكيّفا و العلم غير مكيّفٍ و ما اشبه ذلك من عدم المطابقة و بالعكس بين العلم و المعلوم في هذه الصفات لانه اذا كان غير مطابقٍ كان جهلاً لا عِلماً فافهم و ان قلتَ انّه مقترن بالمعلوم و انت تريد به العلم الذي هو ذاته لزمك ان تكون ذاته مقترنةً بك و قد دلّ الدليل العقلي و النقلي علي ان الاِقتران شاهد بالحدوث في المقترنَيْنِ [ص 6] فان الاقتران بالاجتماع او (ظ) الافتراق لايكون الّا بَيْن الحٰادِثَيْن و ان قلتَ انّه غير مقترنٍ بالمعلوم لزمك انه ليس علماً بذلك الشيء اذ لايعقل العلم بالشيء الّا مقترناً بالمعلوم و الّا لميكن علماً به و ان قلتَ انّه واقع علي المعلوم و انت تريد به العلم الذي هو ذاته لزمك ان تقول ان ذاته تعالي واقعة عليك و هذا ظاهر البطلان فان قلتَ قد دلّت الاخبار عن الائمة الاطهار عليهم السلم علي انه سبحانه كان ربّنا عز و جل عالما و العلم ذاته و لا معلوم فلمّا وُجد المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم و هذا صريح بانه لا منافاة بين كون الذات بمعني العلم واقعة علي المعلوم قلتُ ان قوله (ع) و العلم ذاته ، صريح بان هذا العلم الذي هو ذاته كان و لا معلوم فلو حصل في حال و المعلوم معه لاختلفت حالتاهُ و كلّ شيء يختلف حالتاه فهو حادث و هذا هو الذات جل و علا فلايكون هو الواقع علي المعلوم و قوله (ع) فلمّا وجد المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم ، المراد بهذا العلم الواقع ليس هو الاوّل الذي هو الذات لان الذات لاتقع علي شيء و لايقع عليها شيء و انّما المراد بهذا الواقع هو ظهور الاوّل و فعله و مثاله الشمس مثلا فانها في ذاتها مشرقة و ان لميوجد شيء كثيف فهي حينئذٍ منيرة و لا مستنير لعدم وجود كثيف يستنير باشراقها فاذا وجد الكثيف استنار باشراقها لانه لمّا وجد الذي من شأنه ان يستنير بالنور وقعت الشمس عليه فاستنار يعني [ص 7] اشرقت عليه لا انّها وقعت من السماۤء الرابعة علي الارض التي هي المستنيرة بها و انّما المراد بوقوعها ظهور اثرها الذي هو اشراقها علي الارض و اثرها غيرها و انما هو فعلها و كذلك معني فلمّا وجد المعلوم وقع العلم يعني اثر العلم الذاتي علي المعلوم و اثره حادث و يأتي تمام هذا الكلام و ان قلتَ انّه غير واقع لزم انه لميكن المعلوم و الّا لوقع عليه اذ لايكون المعلوم غير معلوم و لايكون معلوما الّا بوقوع العلم عليه و ان قلتَ انه هو اي ان العلم هو المعلوم لزمك ان يكون العلم القديم هو المعلوم الحادث و ان قلتَ انّه غيره لزم احد ما تقدم من التفصيل من المطابقة و عدمها و الاقتران و عدمه و الوقوع و عدمه هذا كله اذا اريد بالعلم في قوله لايعزب عن علمه مثقال ذرّةٍ في السموات و لا في الارض العلم الّذي هو ذاته فانّه كما سمعتَ لايجوز ان يكون المراد به ذلك و ان اُرٖيدَ به العلم الحادث الفعلي صح ذلك علي نحو ما سَمِعْتَ من صحةِ المطابقة و الاقتران و الوقوع و غيرها و هو قسمان علم اِمْكَانيّ و هو الرّاجح الوجود و هو الذي لا اوّل له غير موجده تعالي و هو المشار اليه في قوله عليه السلم علمه بها قبل كونها كعلمه بها بعد كونها و معني هذا ان المراد بهذا العلم نفس امكاناتِها و امكاناتُها علي ما هي عليه عنده في ملكه حاضرة لديه لا في ذاته تعالي و هو سبحانه لميكن خِلْواً من [ص 8] ملكه بل كل شيء حاصل له في وقتِ وجوده و مكان حدوده و القسم الثاني علم اكواني و هو نفس اكوانها كلّ في وقته و مكانه فاذا ظهرَتْ باكوانها لمتخرج به عن امكانها فهي في امكانها قبل كونها و حين كونها و بعد كونها و هذا معني قوله عليه السلم كان عالماً بها قبل كونها كعلمه بها بعد كونها ، و المراد بهذا العلم الذي هو قبل كونها العلم الامكاني فانها ممكنةٌ قبل ان يكوّنها و ممكنة حال وجودِها و ممكنة بعد فناۤء وجودها و المعني في قوله (ع) بعد كونها انّ امكانها قبل وجودها و حال وجودها علي حدٍّ سواۤء لمتخرج بالوجود عن الامكان الَّذي هي عليه قبل الوجود و لميختلف ذلك الامكان الذي هو علمه بها باختلاف حالتَيْها في نفسه بقوّة او ضعفٍ و لا بخفاۤء او ظهور و لا بالنسبة الي خالقه و ربّه في كونه حاضراً عنده في ملكه و حاصلاً له في ملكوته و تصرّفه و يحتمل بعيداً ان يراد به ان ذلك الامكان الذي هو علمه بها و ملكوتُها لايختلف قبل كونها و بعد كونها اي بعد فناۤء كونها لا في نفسه و لا بالنسبة الي خالقه و ربّه و ان اختلف بالنسبة الي الاشياءِ انفسها عند انفسها من حيث هي هي فانّها تشاهد ضعفه حال الوجود نظراً الي وجوب وجود الموجود بالغير فاذا عرفتَ ما ذكرنا ظهر لك انّ العلم قد يكون و لا معلوم كما مثّلنا لك [ص 9] بالشمس فانها قد تكون منيرة و لا مستنير كما تشاهد في الليل فانها تقابل الهواۤء و الافلاك فحيثُ لميكن كثيف لميكن مستنير و كذلك انت سميع و ان لميتكلم بقربك احد و يقال لك سميع و لا مسموع فكما ان السمع ذاتك و لهذا قلنا انت سميع لانك حينئذ ليس الّا انت و لمنقل انت تسمع اذا لميكن كلام ليكون السمع فعلك و هو غيرك كذلك الشمس اذا لميكن كثيفٌ هي منيرة و لا مستنير لان النور حينئذٍ ذاتها و لايقال انها تضيۤء اذا لميوجد المستضيۤء و يلزم ان يكون السمع واقعاً لا علي شيء و مقترناً لا بشيء و لايجوز وصف الشيء بالوقوع و الاقتران الا عند وجود الموقوع عليه و المقترن به كما هو شأن الاضافيات و كذلك الشمس لاتكون مضيئةً الّا علي القابل و المستضيۤء كذلك العلم الذاتي كان و لا معلوم لانّه تعالي عالم و ليس ثَمّ معلوم ليقع العلم عليه و يقترن به و ما يحصل للشيء لذاته لا باعتبار شيء غير الذات يجب ان يكون هو الذات بخلاف ما يحصل لها بواسطة الصفة كالطول او بواسطة الفعل كالارادة و الميل فانه غير الذات و كذلك السمع الذي هو انت لا بواسطة الفعل الذي هو ادراكك المسموع و النور الذي هو الشمس لا بواسطة الفعل الذي هو الاضاۤءة و مَا تدلّك عليه مفاهيم الالفاظ فانّه هو الذي يكون بالواسطة لان قولك هو عالم بكذا تريد به العلم المقترن بالمعلوم الواقع عليه لانّ اعلي ما وضعت له الالفاظ ما كان بواسطة الفعل او الصفة و امّا ما وراۤء ذلك فليس الّا الذات البحت جل و علا و الالفاظ لاتقع عليها لانّها لتمييز جهات التعريف و التعرّف و هي مظاهر الافعال و آثارها و ما ليس [ص 10] بمقترنٍ و لا واقع لايوضع له ما يدلّ علي الوقوع و الاقتران كما تقول عالم بها فان هذا العلم واقع عليها و مقترن بها و هو العلم الامكاني اي عالم بامكانها و العلم التكويني اي عالم باكوانها و هذان و امثالهما مصداق المفاهيم ٱلموضوعة للبيان و اما ما ليس بمقترن بشيء و لا واقع علي شيء فالعبارة الموضوعة لتعريفه عالم و لا معلوم قادر و لا مقدور سميع و لا مسموع و ما اشبه ذلك و مدلولها آياته سبحانه التي اراها عِبٰاده في الافاق و في انفسهم و الايات تدلّ باللزوم عليه سبحانه دلالة استدلالٍ عليه بما دلّ علي نفسه جل و عزّ لا دلالة تكشِف عن كنهه و يظهر لك اَيْضاً ان العلم قد يكون مع المعلوم اي مقترن به و واقع عليه بَلْ متّحدٌ به و امّا انّه هو المعلوم او غير المعلوم فالمراد انّ العلم هل هو المعلوم او غير المعلوم فقيل انّ العلم غير المَعْلوم فانّك تعلم زيداً و انت في المسجد بصورتهِ الّتي في ذهْنِك و زيدٌ في السوق و تعلمه بالحالةِ الّتي رأيتَهُ فيها و هو في السُّوق قد يقعد و لايكون في ذِهْنِك انّه قعد و قد يقوم و قد يمشي و قد يموت و في كلّ ذلك لاتعلمه الّا في الحالةِ التي رأيتَهُ فيها و لو كان ما في ذهنك هو نفس زيدٍ للزم ان يكون زيد في ذهنك لا في السوق او حيث كان في السوق و غاب عنكَ لاتعلمه و لو كان ما في ذهنِك نفسَ صفة زيدٍ الذي في السوق لكان كلّما انتقل من حالة الي اخري و هو في السوق تري ذلك و [ص 11] انت في المسجد اوْ انّك لاتعلم له صفة حين غاب عنك و كلّ ذلك باطل مخالفٌ للوجدانِ فلميبق الّا انّ العلم غير المعلوم و قيل العلم بعضه نفس المعلوم و بعضه اثر المعلوم و صفته المأخوذة منه امّا الاوّل فلانّ صورة زيد التي في ذهن العالم به معلومة لذلك العالم البتّة فان كانَ يعلمها بنفسها كان العلم هنا نفس المعلوم و ان كان يعلمها بصورةٍ اخري فالصورة الاخري ايضا معلومة له و يلزم التسلسل او الدّور فثبت ان العلم هنا نفس المعلوم و امّا الثاني فلانّ العالم لميكن عنده حين غيبوبة زيدٍ الّا ما انتزعه ذهنه من صورته التي رءاه فيها و معلوم ان زيداً الذي هو معلومه في السوق و هو انسان يتقلّب في حواۤئجه يذهب و يجيء و يقوم و يقعد و امّا علمه به فهو ظلّه المنتزع منه حين رءاه و الظل غير الذات و لهذا لايطابقه في جميع حالاته و انّما يطابقه في الحالة التي رءاها فيه لان الذهن كالمِرْءاة ينتقش فيها صورة المقابل و لا شكّ في المغايرة فثبت ان العلم بعضه نفس المعلوم و بعضه غير المعلوم ثبتَ الاول بالبرهان القطعي و الثاني بالوجدان الضروري و القول الاوّل للمتكلّمين و القول الثاني للمشّاۤئين و قيل العلم نفس المعلوم مطلقاً و هو الحق (ظ) امّا في الصورة الذّهنيّة فظاهر للدليل المذكور و قول الاوّلين و لو كان ما في ذهنك هو نفس زيد للزم ان يكون زيد في [ص 12] ذهنك الخ ، مردود بان ما في ذهنك انّما هو صفته التي انتزعها الذهن بواسطة البصر و الحس المشترك منه حين حضوره و هي العلم و هي المعلوم لانّ المعلوم من زيدٍ انّما هو تلك الصفة بخصوصها و انت لاتكون عالما حين غيبوبته الّا بتلك الصفة التي عندك منه خاۤصّةً اَلاتري انّي لو قلتُ لك حين غيبوبته عنك بعد رؤيتك له هل زيد الأن قاۤئم او قاعد متحرك الأن ام ساكن متكلم الأن ام ساكتٌ حيّ الأن ام ميْت لقلتَ لي مااعلم شيئاً من احواله الّا ما فارقني عليه و لو كان ما عندك من الصورة نفسَ زيد لكنتَ تعلمه في جميع احواله و لماقلتَ لي مااعلم و كذا لو كان ما عندك من الصورة نفس جميع احواله لماجهلتَ شيئا منها و لو قلتَ انّ ما عندي من صورته هو العلم به حقيقة و تريد العلم باحواله او العلم بذاته لزمك ان العلم يكون غير مطابق للمعلوم لانّك لمتعلم جميع احواله و لا ذاته و انما تعلم حالةً واحدة منه و هي حالة رؤيتك له قبل ان تفارقه و ما عندك غير مطابق له و لا لاحواله بعد ذلك و هذا باطل بالضرورة فان العلم لايكون علما الّا مع مطابقته للمعلوم و الذي عندك مطابق لمعلومك و هو حالته التي فارقك عليها و الذي عندك من صورته التي في ذهنك ليس نفس صورته التي هي مثاله لان مثاله هذا مكتوب في اللوح المحفوظ و انت اذا قابلته بمرءاةِ ذهنِك انطبع في مرءاة ذهنِك ظهوره لكَ و ظلّه و مثاله لا نفسُ المثال القاۤئم بزيدٍ الاتري انّك اذا قابلتَ المرءاةَ بوجهك انطبع فيها ظهورُ وَجهِك و ظلّه و مثاله لا نفس وجهك و انّما المنطبع هو الشبَح الذي هو ظل المقابل [ص 13] و الدليل علي ذلك النّصُّ وَ الوجدان امّا النصُّ فكثير منه ما روي في الغرر و الدرر عن اميرالمؤمنين عليه السلم و قد سئل عن العالم العلوي يعني عن المجردات فقال عليه السلم صور عالية عن المواۤدّ عاريةٌ عن القوّة و الاستعداد تجلّي لها فاشرقت و طالعها فتلألأتْ و القي في هُويّتها مِثاله فاظهر عنها افعاله الحديث ، و روي المفيد في الاختصاص في حديث طويل باسناده الي موسي بن محمد الجواد عليه السلم انه سئل اخاه اباالحسن العسكري عليهما السلم عن مساۤئل سألها عنه يحيي بن اكثم فكان من جوابه عليه السلم ان قال و اما قول علي عليه السلم في الخنثي انه يورّث من المبال فهو كما قال و تنظر اليه و ينظر اليه قوم عدول فيأخذ كلّ واحدٍ منهم المِرءاة فيقوم الخنثي خلفهم عرياناً و ينظرون في المرءاة فيرون الشبح و يحكمون عليه ه ، فقوله عليه السلم فيرون الشبح و يحكمون عليه ظاهر في انّ المرئي هو المنطبع في المرءاة و هو الشبح و الشّبح ظلّ النور اي الشاخص و المراد بالنور الوجود و الذات كما رواه في الكافي في باب خلق طينة الائمة عليهم السلم عن جابر بن يزيد قال قال ابوجعفر عليه السلم يا جابر انّ الله اوّل ما خلق خلق محمدا و عترته الهداة المهتدين فكانوا اشباحَ نورٍ بَيْنَ يَدي اللّه قلتُ و ما الاشباح قال ظلّ النور ابدان نورانية بلا ارواح الحديث ، و هذا ظاهر من اثارهم عليهم السلم لمن فهم مرادهم و امّا الوجدان انّ الوجه المقابل للمرءاة ينطبع فيها ظلّه و مثاله علي هيئة المرءاة من صغر و كبر و اعوجاج و استقامة و بياض و سواد لا علي هيئة الوجه و هذا ظاهر [ص 14] فلاينطبع في المرءاة الّا الظهور و الظلّ المنفصل من المقابل لا نفس المتصل بالمقابل فانّ ذلك لازم له و حكم ذهنك فيما ينطبع فيه من الصور حكم المرءاة بلا فرق و لهذا لاتذكر شيئا الا اذا التفتَ ذهنُك الي مكانه و زمانه مثلا اذا اجتمعتَ بزيدٍ في السوق بالامس و كلّمته بشيء لاتذكر زيداً بما كلّمته بالامس في هذا اليوم و لا ما بعده من الايام الّا اذا التفتَ قلبُكَ الي ذلك المكان من السوق في ذلك الوقتِ فانّك اذا التفتَّ الي هناك في ذلك الوقت رأي ذهنُك مثالَ زيدٍ و مثالك واقفين هناك في الوقت الذي كنتما اجتمعتُمَا فيه و مثال كلامك و كلامه صادرين كل مثالِ كلامٍ من مثالِ المتكلّم به و هذه الامثلة هي التي قلتُ لك انها مكتوبة في اللوح المحفوظ لانّك ابداً كلّما اردتَ ان تذكر ذلك لايمكنك حتي يقابل ذهنُك بمرءاته ذلك المكان و ذلك الوقت فينطبع مثال زيد و مثال كلامه حين صدوره من ذلك المثال و مثالك و مثال كلامك حين صدوره من مثالك كل ذلك ينطبع في ذهنك فلايمكنك ان تذكر بدون ذلك ابداً و هو الدليل علي ان حكم ذهنك في الانطباع حكم المرءاة بل هو حقيقة مرءاة لاينطبع فيها الّا ظلّ المقابل حين المقابلة بلا فرق الّا انّ ذهنك مرءاة من الغيب ينطبع فيها ظل المقابل لها في الغيب و المرءاة الزجاجيّة و المائية و الاشياۤء الظاهرة الصقيلة من الشهادة ينطبع فيها ظل المقابل لها في الشهادة فثبت بالوجدان و البرهان الضروريّين اَنّ ما في ذهنك من زيدٍ هو العلم بهيئته و حالته المنطبعة في ذهنك لا اللازمة له و ليس عندك علم غير ما انطبع في ذهنك فما في ذهنك هو عين علمك و عين [ص 15] معلومك لانك لاتعلم غير ما في ذهنك و لو كان معلومك غير ما في ذهنك لكان اذا تغيّر ذلك المعلوم تغيّر ما في ذهنك لانه هو علمك كما مثّلنا لك وَ اِلَّا كان العلم غير مطابق للمعلوم و لا واقعٍ عليه هذا خلف و امّا قول الشيخ جواد رحمه الله في شرحه علي زبدة الاصول و ليعلم ان الحق بعد القول بالوجود الذّهني و انّ العلم من مقولة الكيف ان الاشياۤء بانفسها موجودة في الذّهنِ كما هو مذهبُ المحقّقين لا باشباحها و امثالها كما هو مذهب شرذمةٍ قليلة لايعبأ بهم انتهي ، فهو هذيان و الاصل فيه انّ اكثر النّاس يأخذون العبارات من الكتب و هي بعينها هي علمهم و العبارات ليست علما و لاتفيد العلم و هذا اصله مأخوذ من كلام الصوفية لانهم يزعمون انّ العالم الخيالي علة العالم الخارجي و اصله و ان الخارجي ظلّ للخيالي كما صرّح به عبدالكريم الجيلاني في كتابه الانسان الكامل وَ هذا الكلام مبني علي طريقتهم الباطلة حتّي انّ احدهم ليقول ماتتحرّك نملةٌ في المشرق او المَغْرب الّا بقوّتي و قدرتي و هو بناۤء علي هذا و علي القول بوحدة الوجود حتي انه يقول انا اللّٰهُ بِلا اَنا او علي القول بالحلول و امثال ذلك و كلُّ ذٰلِكَ باطِلٌ لٰايُغْني منَ ٱلحَقِّ شَيْئاً و لعلّ المحقّقين الذين عناهم ٱلشيخ جواد رحمه اللّٰهُ هؤلاۤء المُلْحدُون اَوْ مَنْ اخذ كلامهم اذ لا معني لوجود الشيء بنفسه في ذهن العالم به لا بشَبَحِهٖ و مثاله مع انّا نمنع وجودَهُ في الذهن بشبَحه و مثاله كما سمعتَ ما ذكرنا لك سابقا و الّا لتغيّر ما في الذهن بتغيّر الشبح "٢" و المثال في نفسه "-٢" او في هيئتِهٖ مع غيبوبة ذي الشبح و انما المَوْجود في [ص 16] ذهْن العالم الشبَح المنفصل المنتزع من الشبَح المتّصل و هو ظلّه فالموجود في الحقيقة شبحُ الشّبَحِ لانّ الموجود مركب من ماۤدّة و صورة فمادّته ظهور الشبح المتّصل و ظلّه و شعاعه المنفصلُ عن المتّصل و انّما هو في الحقيقة قاۤئم به قيام صدور و تحقّق لا قيام عروض و صورته هيْئة الذهن مِن استقامةٍ او اعوجاج و كبرٍ او صغرٍ و بياض او سواد و صفاۤءٍ اوْ كدورة كما ذكرنا في صورة المرءاة بلا فرقٍ و الحاصل هذا في الصورة الذهنيّة و قد ظهر لمن نظر في كلامِنا هذا و اعتبر بان العلم فيها نَفْسُ المَعْلُوم لايشكُّ الّا مَن علمه التقليد او جاهل اخطأهُ التوفيق و التسديد و يطلقون علي هذا العلم انه من مقولة الكيف و هو الاصح فيه لا انّه من مقولة الاضافة او الانفعال و هذا الذي ذكرنا قسمٌ من العلم و لايتحقق هذا في حق الواجب جل و علا لانّه لايتصوّر و لايفكّر و لايروّي و لايهمّ و انّما العلم في حقه تعالي و ما ينسب اليه سبحانه قسمان : احدهما العلم الذاتي و هو نفس الذات بلا تعدّد و لا مغايرة و لا اختلاف لا في نفس الامر و لا في الاعتبار و الفرض اَوْ حيثيّة بل هو الله تعالي بحكم الاحديّة البَحْت و الاتّحاد الصرف و قد ثبت بالدليل العقلي و النقلي انه بذاته عالمٌ و لا معلوم يعني معه في الازل و هذا حكم ازليٌّ اَبديٌّ ديموميّ كان اللهُ و لا شيء معه و هو الأن علَي ما كان و بهذا العلم الذي هو ذاته عالم بذاته بلا مغايرة و [ص 17] لا تعدّد حيثيّة و لا كيف لذلك لانّه ذاته و لا كيف لذاته و قولنا هو علم و معلوم تعبير للتفهيم و هذا باب قد سدّه الغني المطلق عن كلّ مَن سواه فمن تكلّم في بيان هذا فهو يتكلم في الخلق و يصف به الخالق و هو مشرك حكمه و وصفه كما قال تعالي وَ مَنْ يشركْ باللّهِ فكأنما خرّ من السّماۤء فتخطفه الطير او تهْوي به الريح في مكان سحيقٍ و لقد اجاد عبدالله بن القاسم السهروردي في قصيدته في وصف السالكين في نحو هذا المقام حيث يقول :
ثم غابوا من بعد ما اقتحمُوهَا بين امواجِها و جاۤءَتْ سُيُولُ
قذفتهم الي الرسوم فكلٌّ دمعُهُ في طُلولِها مَطْلولُ
و قد تقدمت الاشارة الي بيان كان عالما و لا معلوم و ثانيهما و لا ثاني و انما هذا لاجل التعبير و البيان العلمُ الحادث و له مراتب متعددة و كلّه خارجي اذْ لا ذهن له و مَن قال بانه في نفسه كتصوّرنا في انفسنا و هو دليل ذلك و آيته او بانه في ذاته بالقوة قبل الايجاد ثم كان بعد الايجاد بالفعل اذ لايعقل علم بالفعل و معلوم بالقوة او بانه هو ذاته باعتبار و غيرها باعتبار او بانه هو المعلوم و المعلوم المخلوقات و هي الأن اي قبل وجودها في ذاته كما هي الأن بعد وجودها في تفصيلها علي وجه اكمل لاينافي الوجوب و البساطة او بانّه ظِلّ لعلمِهٖ بذاته معلّق به كالشعاع من المنير او بانّه هو ماهيّات الاشياۤء لانها صور علمية غير [ص 18] مجعولةٍ مستندة الي ذاته او غير ذلك فقد ضلّ ضلالاً بعيداً و خسر خسراناً مبيناً و اعلم انّ مراتب هذا العلم متعددة بتعدّد مراتب المعلومات لما بيّنّا و نبيّن من ان العلم نفس المعلوم اعلاها العلم الامكاني و هو العلم الممكن الراجح الامكان و بعده العلم الكوني و بعده العلم العيني و بعده العلم الجوهري و بعده العلم الهواۤئي و بعده العلم الماۤئي و بعده العلم الناري و بعده العلم الهباۤئي و بعده العلم الظّلّي و هكذا و هذا الذي ذكرناه من التقسيم تقريبي لانّ الحقيقي لانحصيه و ما احصيناه منه لميمكن ذكره و انما ذكرنا هنا تقريباً للتعريف و هذا العلم بجميع مراتبِهٖ علم حصولي يعني انه حاصل للعالم به كلّ قسم منه في مرتبتِه بنفسه يعني انّ هذا العلم كلّ قسمٍ حاصل في رتبته له تعالي بغير حصولٍ او نسبةٍ اليه تعالي غير نفسه و ان شئت قلتَ انه بجميع مراتبه علم حضوري كلّ حاضر في رتبته عنده عز و جل حضوراً هو نفس ذلك العلم يعني ان وجوده في رتبته عنده تعالي هو حصوله له و حضوره عنده فافهم فعلي ما قررناهُ يكون علمه الذي هو هو ليس بحضوري و لا حصولي و لايعلم ذلك الّا هو و لانعرف له اسما و لاعلّمنا هو تعالي باسمه الّا انه هو الله تعالي و امّا علمه الحادث فلك ان تقول انّه حصولي اي حضوري هو ذات الحاصل الحاضر اوْ انه حضوري اي حصولي هو ذات الحاضر الحاصل فان الاشياۤء حاضرة عنده [ص 19] حاصلة له كلٌّ في مكانه و زمانه و هو اقرب اليها من انْفسها بلا انتقال و لا تحوّل مِنْ حَالٍ الي حال لانه في الازل لميزل لايخرج عنه لانه هو ذاته و هي في الامكان لاتخرج عنه الي الازل لانّ الازل هو اللّه تعالي و لايدخل فيه غيره و انت اذا نظرتَ بعين البصيرة الصاۤئبة وجدتَ علمنا كذلك فانّه في الحقيقة حضوري حصولي لا فرْق بين التّصوري و غيره لانّا قَدْ قلنا ان مراتب ٱلعلم الحادِثِ سواۤء كَانَ علْماً لله سبحانه اَمْ عِلْماً لِخَلْقِهٖ انّما يحصل كلّ فردٍ من افراده للعَالِم بِهٖ في مكانِ ذلكَ الفَرْدِ وَ وَقْتِهٖ و ذلكَ رتبتُه بالنِّسبة الي ذي ٱلعلم فكما قلنا انّ علمه الحَادِث عزّ و جلّ كلّ فردٍ منه حاصِلٌ له و حاضِرٌ عنده في رتبته من مكانِهٖ و وقتِهٖ فكذا علمنا فَانّ عِلْمَنا الخيالي انّما هو حاصل لنا و حاضر عندنا في خيالنا الذي هو رتبة التّصور و في اسفلِ الدَّهْر و كذلك ما عِنْدَنا من الرَّقاۤئِق فانّه حاصل لنا و حاضر عندنا في رتبته من ارواحِنَا و كذلك ما عندنا من المعاني فانه حاصل لنا و حاضر عندنا في رتبتهٖ من عُقُولِنا و كذلك زيد اذا حضر معنا فان حضوره و وجوده حاصل لنا و حاضر معنا في رتبته من مكانِنا و وقتِنا فنسبة وجود زيد و حضوره عندنا و حصوله لنا الينا كنسبة وجود صورته اذا غاب عنّا و حصولها لنا الينا فكلّ منهما في محلِّ وجودِه و وقتِه حاصل لنا و حاضر عندنا في رتبته مِنْ مَشاعِرنا و مداركنا الظاهرة و الباطنة و قولي بان الاشياۤء حاضرة عنده حاصلة له كلّ في مكانه و زمانه و هو اقرب اليها من انفسها بلا انتقال الي اخره ، مرادي بهذا تقرير انّ علمه تعالي بها لميكن خلواً منه في الازل و بيانه انّه تعالي [ص 20] اقرب الي كلّ شيء من خلقه من نفسه اليه قرباً لايتناهي فلايفقد شيئا من خلقه في مكانه و وقته ازلاً و ابداً و ذلك الشيء لميقرب منه تعالي حين قرب هو تعالي منه و في حال قربه تعالي من ذلك الشيء في مكانه و وقته لميتحوّل من ازليّته بل هذا القربُ الذي لايتناهَي هو بعينه بعدهُ عنهُ بُعداً لايتناهَي بجهةٍ واحدة فهو تعالي في الازل اذ هو الازل و قرب من عبدِهٖ الذي هو معلومه و هو علمهُ به قُرباً لايتناهَي من غير انتقالٍ عن حاله الذي هو عليه قبل كل شيء و ذلك لانّ الامكان خلقه اللّه تعالي بمشيّته لانه مكان مشيته و متعلّقها و هي طبق الامكان لاتزيد عليه فيقع الزاۤئد منها علي الواجب تعالي او الممتنع المفروض في العبارة و لاتنقص عنه فيكون الزاۤئد من الامكان عليها خارجاً عنها و اين يخرج الي الذات الواجب تعالي و هو محال لان الطريق مسدود كما قال اميرالمؤمنين عليه السلم علي ان الخارج عن المشيّة ليس ممكنا بل هو القديم و القديم ليس من الممكن ليدخل فيه او يخرج منه ، تعالي اللّه عن ذلك علوا كبيراً او يخرج الزاۤئد الي المحال المفروض و ليس شيئا و انّما هو لفظٌ لا معني له و لو كان له معنيً لكان معلوماً له تعالي و كل معلوم له غير ذاته فهو خلقه و احدثه مع انه تعالي لايعلم المحال الذي يظنّه الجاهلون معلوماً و متصوّرا و انّما هو لفظٌ لا معني له الا المخلوق قال الله تعالي قل سمّوهم ام تنبّئونه بما لايعلم في الارض ام بظاهر من القول [ص 21] فاخبر بانه لايعلم له شريكا في الارض و في الاية الثانية اتنبئون الله (ظ) بما لايعلم في السموات و لا في الارضِ ثم قال تعالي ام بظاهر من القول اي لفظ لا معني له الّا المخلوق كهُبل فانه تعالي قال و الذين تدعون من دونه لايخلقون شيئا و هم يخلقون و لا مفهوم له الّا ما يراد به من المصداق كهبل و اللات و العزّي و امثالها فقد خلق الله تعالي الامكان و ما فيه من الممكنات و هو طبق المشية و الامكان و ما فيه لا غاية له و لا نهاية فكل معلوم او مكون او مفروض او متوهّم او مقدّر فهو شيء محدث خلقه الله تعالي و كل الامكان و ما فيه عند اللّه سبحانه نقطة احاط به علما و احصاه عدداً و ان كانت غير متناهية في انفسها و عند الخلق فهي عنده تعالي متناهية محصورة بالازل الذي هو الابد اوّلاً بلا اوّل و اخراً بلا اخرٍ يا من هو قبل كل شيء يا من هو بعد كل شيء ، و ازله ذاته و ابده ذاته فالازل عين الابد و الامكان الذي هو عندنا و في نفسه لايتناهي اوّلاً و آخراً مع ما فيه من الممكنات التي لاتتناهي محبوس محصور عنده تعالي في خزانة قدرته لميفقده في حال لا فيما لميزل و لا فيما لايزال فاذا فهمت هذا و فهمت انه تعالي استوي اليها فليس اقرب الي شيء منه الي شيء اخر و ان اختلفت نسبتها اليه و فهمتَ ما ذكرنا قبل هذا من انه تعالي لميفقد شيئا منها من مكانه و وقته فيما لميزل و لا فيما لايزال بل كل شيء حاضر عنده تعالي في مكان ذلك الشيء و وقته ليس فيها بالنسبة اليه تقدّم و لا تأخر و ان كانت كذلك في انفسها ليس عند ربّك زمان فليس شيء حاضر عنده في مكانه و وقته قبل شيء و ان [ص 22] كانت متفاوتةً في ازمنتها و امكنتها في التقدم و التأخر فقول الصادق عليه السلام لميزل اللّه عز و جل ربّنا و العلم ذاته و لا معلوم و السمع ذاته و لا مسموع و البصر ذاته و لا مبصر و القدرة ذاته و لا مقدور فلما احدث الاشياء و كان المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم و السمع علي المسموع و البصر علي المبصر و القدرة علي المقدور ، يريد عليه السلام انه تعالي اذا كان العلم ذاته لميكن المعلوم في ذاته لان الازل هو ذاته و ليس في الازل شيء من المعلومات سواه تعالي فلمّا احدث المعلوم وجد المعلوم و العلم الذي وقع عليه ليس هو الذاتي لان العلم الذاتي هو الله و لايصح ان تعتقد او تقول او تتصوّر بان الله تعالي لما احدثك وقع عليك ، تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا فانه يلزمك ان يكون اللّه واقعاً عليك و مقترناً بك و متحوِّلاً من حالٍ الي حال فانه كان قبل ان يحدثك غير واقع علي شيء و لا مقترناً بشيء و لا متحوِّلاً من حاله الذي كان عليه انه كان و لا شيء معه فلمّا احدثكَ تحوّل عن حاله الاوّل و كل متحوّل من حال الي حالٍ محدث مصنوع فاذَا يكون الواقع علي المحدث شيء آخر غير الله تعالي و كلّ ما سوي اللّه فهو خلقه و كوّنه بعد ان لميكن فهو معنيً فعليٌّ لا ذاتيٌّ و الفعل بجميع اقسامه و احواله محدث ، مثال هذا انّك تكون وحدك في مكانٍ ليس فيه غيرك فانتَ سميع و لا مسموع و بصير و لا مبصر فلمّا حضر عندك زيد وقع البصر منك عليه و تكلّم فوقع السمع منك علي المسموع و ليس الواقع منك من البصر و السمع ما كان عندك قبل ذلك و انّما هو ادراكك للمبصر و المسموع و هو معنيً فعلي فان لمتفهم مثالي [ص 23] هذا و بياني فلا كلام لي معك و ان فهمتَ ذلك قلتُ لك هذا هو آيةُ ما ذكرتُ لك في حقه تعالي فانه يقول سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبيّن لهم انّه الحق ، و قال الصادق عليه السلم العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما فُقِد في العبودية وجد في الربوبيّة و ما خفي في الربوبيّة اُصٖيبَ في العبودية ه ، و استشهد بالٰاية فما دام زيدٌ عندك فانت عالم بوجوده و علمُك بوجوده كونه حاضراً عندك حاصلاً لكَ لان علمك بوجوده و حضوره ادراكك لوجوده و حضوره فانت تدرك وجوده بذاتِك او بفعل منك او بنفسِ وجوده لا سَبيل الي الاوّل لانك كنتَ و ذاتك موجودة و لمتدرك وجود زيد قبل ان يأتي اليك و بصرك موجود و لمتبصره قبل ان يأتي اليك و ان فرضتَ ذلكَ و جعلتَ لذاتِك حالتين حالة الفقدان و حالة الوجدان قلتُ لك انت لاتعرف اللّهَ بشيء له حالتان متغايران و هذا معلوم و انما قال اميرالمؤمنين عليه السلام مَن عرف نفسَهُ فقد عرف ربّه ، لانّه يريد ان تعرف نفسك بانّ لها حالاً واحدة لتعرف اللّهَ بذلك لان اللّه تعالي ليس بمختلف الاحوال لِيُعْرفَ بمختلفِ الاحوالِ و لا سبيلَ الي الثاني لانه يلزم منه انّ كونه مدرَكاً لك صدر عن فعلٍ منك و لو كان كذلك للزم انّك يمكنك اَلَّاتدركه اذا [ص 24] حضر عندك بغيْر حجابٍ منه و لا منك مثلا اذا حضر عندك غير محتجبٍ و لا مستترٍ هو و انت لمتغمض عينيك عنه و انت صحيح الابصار و اردتَ الّاتراه انّك لاتراه لانّ الفعل اختياريّ من الفاعل لان الفاعل ان شاۤء فعل و ان شاۤء لميَفعل مع انّك لاتقدر علي ذلك و انّما اذا اردتَ الّاتراه حجبته عن بصرك باغماض العينين او بالقاۤء ساتر عليه او بصرفه عن حضورك و ما اشبهه و العلّة في ذلك هو الوجه الثالث و هو انّك تُدرك وجودَه بنفس وجوده فانّ نفس حُضوره عندك هو علمك بحضوره و ليس عندك شيء من العلم بحُضوره حين حضر الَّا نفس حُضوره لكنّك حين حضوره لمتكن جاهلاً بحُضُورهٖ و لو لميكن حضوره لمتكن عالماً به و اذا لمتكن عالِماً بما لميكن شيئاً لمتكن جاهلاً اذ الجهل انّما يقال للشيء اذا لميحصل له ما كان موجوداً و لهذا قال تعالي اَتُنبِّئُونَهُ بما لايعلم في السّموات و لا في الارض و قال ام تنبّئونَهُ بما لٰايعلم في الارض فحيث لميوجد له شريك و قال انه لايعلم له شريكاً لايقال له جاهل وَ وجود شيء من كلّ ما سواه في الْاَزلِ محال كوجود شريكٍ له في اَزلِيَّتِهٖ و الهيّته و ربوبيّتِه و خلقه و عبادته فكما جاز انّه لايعلم له شريكا جاز انّه لايعلم في الازل غيره و هذا معني قوله عليه السلام كان اللّٰه عز و جل ربّنا و العلم ذاتُه و لا معلوم ، يعني عنده في الازل لاستلزامه الاقتران و المطابقة و حضوره في غير وقته و مكانه و تغايُرَ الاَزلِ و تعَدُّدَهُ لانّ العلم تلزمه المطابقة للمعلوم او الاتحادَ به و الاقتران و حضور المعلوم عند العالم في مكان حدوده و زمان وجوده [ص 25] فلو وجد هناك معلوم غيره كان العِلمُ الّذٖي هو ذاته تعالي مقترناً بهٖ و مُطَابِقاً له اَوْ مُتَّحِداً به و الّا لميكن علماً به و اللّٰهُ تعالي هو ذلك العلم و لايجوزُ اَنْ يَكُونَ تعالي مقترناً بغيره اَوْ مُتَّحِداً به و مطابقاً له لانَّ ذٰلِكَ صفةُ المصنوع و لايجوزُ ذلكَ علي ٱلقديم فتدبّر ما ذكرتُ لك مُكرّراً مُرَدّداً لمن يتشبَّه في هذا المعني لعلّه يتذكّر اوْ يخشي .
قال اما بعد فيقول الفقير الي ربّه المهيمن محمد بن مرتضي المدعو بمحسن طهّر الله سريرته و نوّر بصيرته : هذا لباب القول في الاشارة الي كيفيّة علم اللّهِ سبحانه بالاشياۤء كليّاتها و جزئيّاتها معقولاتها و محسوساتها بحيث لايثْلم في وحدته و بساطته و لايقصر عن حيزته و احاطته علي الوجه الّذي يوافق الاصول الحكميّة و يطابق القواعد الدينيّة و لاتناله ايدي المناقشات و لاتطول عليه السنَةُ المؤاخذات كتبتُه بالتماس ولدي الموفّق للهدي محمّد الملقّب بعلمالهدي زاده الله في الفهم و صفّي عقله عن شواۤئب الوهم فانّها اغمض المساۤئل الحكميّة مدلولاً و ادقّها دليلا و اعزّها منالا و اوعرها سبيلا حتي انّ قوماً من البارعين في الحكمة زلّت فيها اقدامهم و قصرت عن بلوغ ذروتِها افهامهم و انّما التأييد من اللّٰهِ في الوصول و نبين ذلك في اصول .
اقول قد تقدّم انّ المراد بالعلم الّذي يتكلّم فيه هو العلم الذّاتي و هو المستفاد من كلماته فيما بعد و علي هذا فقوله في الاشارة الي كيفيّة علم اللّه سبحانه بالاشياۤء ليس بصحيح لانّ الكيفيّة انّما هي لما يُجَاب به السُّؤال عن كيف هو و هي الصّفة التحديديّة و ضبط الشيء بمميّزاته و [ص 26] كلّما له كيفيّة معلومة مدركة لمخلوقٍ فهو حَادِث فكيف يصح وصف القديم بصفة الحادث فقد ذكر القديم و وصفه بالحادث فان قلتَ لايريد بالكيفيّة الكيفيّة التّحديديّة و انّما يُرٖيدُ بَيانَ ٱلعِبَارة عن كونه عالماً بها قلتُ اذا كان بيّن وجه تعلّقه بالمحدثات فقد كيّفه و لانعني بالكيفيّة الممنوع منها الّا هذا فان قلت انه قال بحيث لايثلم في وحدته و بساطته و لايقصّر عن حيزته و احاطته و هو دليل علي انه لايريد كيفيّة الحادثات قلتُ ان قوله بحيث لايثلم في وحدته الي آخر كلامه لايصحح ما كان باطلا فلو انّ شخصا وصف الله بالجسمية و التركيب و قال علي وجه لايثلم في وحدته الخ ، فقد ابطل و وصف اللّه بصفات خلقه و كيف يكون كلامه هنا دليلاً علي صحة ما قال و هو يصف ذلك و يميّزه و لو كان هذا حال القدم لَماامكنه هو و لا احد من الخلق ان يصف حال القديم لاّنه يصف ما ادركهُ و ليس احدٌ من الخلق يدرك شيئا من وصف القديم و وصفه لذلك دليل علي التكييف و التحديد اللذين لايجريان علي القديم و قوله كلّيّاتها و جزئيّاتها معقولاتها و محسوساتها ، يريد به جميع الاشياۤء مما في الغيب و الشهادة مما في الخارج و الاذهان و في هذا اشارة الي انه تعالي خالق كلّ شيءٍ و فيه اشارة الي الرد علي من قال بان ما في الذهن ليس بوجود و لا من الموجود و علي من قال بانّ النفس تخترع الصور كما ذهب استاذه صدرالدين الشيرازي و ظاهر لمن تتبّع كلماته انّه يقول بقوله و لايخرج عن مذهبه و لعلّ قوله هنا مبني علي العبارة التي تجري علي الطبيعة من ان كل شيء خلقَهُ اللّه كما [ص 27] قال تعالي قل اللّه خالق كلّ شيء فانه يقول بها هو و غيره و يقولون بان كثيرا من الاشياۤء يوجدها الخلق و كلامه من هذا القبيل و قولي ان في قوله كليّاتها و جزئيّاتها الخ ، اشارة الي الردّ علي من قال الخ ، ليس مرادي به انّه اراد الردّ عليهم كيف و هو قاۤئل بقولهم و انما مرادي ان كلامه يلزم منه الردّ عليهم بل و عليه و قوله علي الوجه الذي يوافق الاصول الحكمية ، صحيح ان اكثر ما يقول به يوافق كلام الحكماۤء و لكن الحكمة اختلفت و تناقضت بين الحكماۤء و الناقلين عنهم و المترجمين لكلماتهم فلذا كثر غلط من اخذ عنهم و ذلك لان الحكمة كانت مأخوذة من الوحي و كان شيث علي محمد و اله و عليه السلام نشرها و اخذ في تقريرها علي ما يأتيه الوحي فيها الي زمن ادريس علي محمد و اله و عليه السلام فدوّنها و بحثَ فيها علي طريقة الوحي من الله تعالي و تلقّٰيها (ظ) الحكماۤء عن الانبياۤء عليهم السلام و عن مشاۤئخهم الي ان وصلت الي افلاطون و انقسمت الحكماۤء الاخذين عنه الي اشراقيين الذين اشرقت نفسه علي نفوسهم بمعني انهم فهموا مراده في رُموزاته و اشاراته و الي مشّائين شُبِّهوا بانهم يمشون تحت ركاب افلاطون اذا ركب كناية عن انّهم انما فهموا ظواهر كلامه و اولهم ارسطوطاليس و تبعه ابونصر الفارابي و تلميذه ابوعلي بن سينا و كان الحكماۤء يتكلمون و يكتبون باللغة السّريانيّة و عُرّبت [ص 28] كتبهم فحصل الغلط في الحكمة من وجهين : الاوّل انّ الحكماۤء و ان قرأوا علي الانبياء عليهم السلم المؤيّدون بروح القدس و العصمة لكنهم يأخذون عنهم و يفرّعون عليها بعقولهم و يستنبطون معاني لميسمعوها بخصوصها من اهل العصمة عليهم السلم فيقع الغلط في استنباطاتهم و مقايساتهم لانهم ليسوا بمعصومين كما يقع الغلط في استنباط علماۤء الشريعة فانهم يأخذون احاديث اهل العصمة من اهل بيت محمد صلي اللّه عليه و اله و يستنبطون منها الاحكام و يقع في بعض استنباطاتهم الغلط و الخطأ و ان كان اصل دليلهم من كلام اهل العصمة عليهم السلام و كذلك الحكماء و الثاني ان كتبهم كلها باللغة السريانيّة فترجموها العلماۤء و جاۤء الغلط من جهة الترجمة من وجوه : الوجه الاول ان من المترجمين من ليس له قوّة في لغة السريانية او تكون له قوّة و ليس له قوة في اللغة كما لو ترجم شخص لغة الفارسيّة فوجد فيها شير ففسّره بالسبع و ربّما كان مراد الكاتب الحليب او بالعكس و ربما لمينقط الشين او انمحت نقطها فقال سير بالمهملة ففسرها بالفوم و هو يريد الشّبع ضد الجوع او بالعكس فيبطل المعني بهذا التغيير الوجه الثاني ربّما يكون المترجم جاهلاً بالعلم فيري في علم الصناعة مثلا انّ لبن الكلبة يعقد الزيبق اذا نضج و فسّره بلبن الكلبة المعروف و هم يريدون الماۤء الخالد بعد التشبيب كما هو موجود في الكتب الخُذْخُذِيّات فانّها من هذا القبيل و الغلط من عدم العلم باصطلاح اهل الفن فيقع الغلط من سوۤء فهمه و عدم معرفته بالفنّ الوجه الثالث ان [ص 29] بعض المترجمين يفسرون الكلام بتمامه بمثله و هذا قليل الخطاۤء كما لو ترجم قسم بُخُور في اللغة الفارسيّة فقال معناه احلف و بعض المترجمين يفسّر كلّ كلمة برأسها فيكثر غلطه كما لو فسر قسم بخور بان قسم بمعني اليمين و بُخور بمعني كُلْ فان المعني يبطل لانه يكون معني قسم بُخورْ كُلِ اليمينَ و امثال ذلك فلما حصل التغيير في الحكمة من استنباط الحكماۤء و من المترجمين كثر غلط الحكمة فان اخذتَ الحكمة و صحّحتها بحكمة اهل العصمة عليهم السلم صحّت و معني تصحيحها ان تجعل كلامهم عليهم السلام دليلك و تكون انت تابعاً متعلِّماً لا انّك تصرف كلامهم و توجّهه بكلام الحكماء و المتكلمين و اهل التصوّف و تجعل مرادهم عليهم السلم هو ما اراد الصوفيّة و الحكماۤء كما فعل هذا الملّا في ساير كتبه يعتقد كلام مميتالدين ابن عربي و رابعة العدوية و ابييزيد البسطامي و ابنعطاۤءالله و غيرهم و يأتي الي كلام جعفر بن محمد و اباۤئه و ابناۤئه عليهم السلام و يصرفه الي كلام اعداۤئهم و يقولون نحن معاشر الاخباريّين لانقول الّا بكلام ائمتِنا عليهم السلام هذا و قد قال في انوار الحكمة هكذا قال نور تكلُّمه سبحانه عبارة عن كون ذاته بحيث تقتضي القاۤء الكلام الدالّ علي المعني المراد لافاضة ما في قضاۤئه السّابق من مكنونات علمه علي من يشاۤء من عباده فانّ المتكلم عبارة عن موجد الكلام و التكلم فينا ملكةٌ قاۤئمة بذواتِنا نمكّن بها من افاضة مخزوناتنا العلميّة علي غيرنا و فيه سبحانه عين ذاته الّا انه باعتبار كونه من صفات الافعال متأخّر عن ذاته قال مولينا الصادق عليه السلام انّ الكلام صفة [ص 30] محدثة ليست بازليّة كان الله عز و جل و لا متكلّم ه ، ثم قال و تمام الكلام في كلامه عز و جل يأتي في مباحث الكتب و الرسل ان شاۤء الله انتهي كلامه ، فانظر في كلامه حيث جعل تكلّم الله سبحانه عين ذاته و استدلّ علي انه و ان كان قديما الا انّه لمّا كان من صفات الافعال كان متأخراً عن ذاته تعالي بقول الصادق عليه السلم و صرف كلامه عليه السلام الي كلام الاشاعرة القاۤئلين بالكلام النفسي و الي مذاهب الصوفيّة الفجرة القاۤئلين بوحدةِ الوجود بان صفات الافعال عين ذاته لاجماع العقلاۤء من المسلمين و غيرهم علي اَنّ الفعل محدَثٌ و صفات الفعل صادرة عنه فكيف يكون الصادر عن الحادث عين القديم فيا لهم الويلات اذَا كان هُوَ احدث الفعلَ و الكلام من صفات الافعال و التكلّم كذلك يعني احدثه يكون عين ذاته فيكون احدث ذاته و قد صرّح بهذه اللفظة الخبيثة المجتثّة من فوق الارض ما لها من قرار فقال في الكلمات المكنونة بعد ما صرّح بان الكون كان كامناً فيه معدوم العين و لكنّه مستعدٌّ لذلك الكون بالامر و لمّا امر تعلّقت ارادة الموجد بذلك و اتّصل في رأي العين امرهُ به ظهر الكون الكامن فيه بالقوّة الي الفعل فالمظهر لكونه الحقُّ و الكاۤئن ذاته القابل للكون فلولا قبوله و استعدادهُ للكون لَماكان فماكوّنه الّا عينه الثابتَةُ في العلم لاستعداده الذاتي الغير المجعول و قابليّته للكون و صلاحيّته لسماع قول كن و اهليّته لقبول الامتثال فمااوجده الّا هو و لكن بالحقّ و فيه او نقول ذات الاسم الباطن هو بعينه ذات الاسم الظاهر و القابل بعينه هو الفاعل فالعين الغير المجعولة عينه تعالي فالفعل و القبول [ص 31] له يدانِ و هو الفاعل باحدي يديه و القابل بالاخري و الذات واحدةٌ و الكثرة نقوشٌ فصحّ انه مااوجد شيئاً الَّا نفسه و ليس الّا ظهوره ، انتهي كلامه في كتابه المسمّي بالكلمات المكنونة تفهّم ما قالَ مما هو صريح في القول بوحدة الوجود التي اجمع العلماۤء علي تكفير القاۤئل بها و هو يعلم ذلك و لٰكن لاجل متابعته للصوفية الذين هم اعداۤء ائمّتِنا عليهم السلم قال فصحّ انه مااوجد شيئا الّا نفسه و قد قال قبل انّ الكون كامن فيه و الحاصل ان كان مبني علمه علي الاصول الحكميّة مع انّك سمعتَ ما فيها و القواعد الدينيّة و هو يشير بها الي مثل ما سمعتَ ممّا اخذه عن الصوفية و مثل ما ذكره في الوافي في باب الشقاوة و السعادة و غيره فكيف يدّعي هو او مَنْ يقول بقوله من اكثر مَن شاهدتَ انّه يأخذ عن اهل البيت عليهم السلم و انّ هذا معني كلامهم فيا سبحان الله معني كلام محمد و اهل بيته صلي الله عليه و اله بانّ الله تعالي مااَوْجدَ شَيْئاً الّا نفسه و انَّ اللهَ ليس له ان شاۤء فعل و ان شاۤء ترك و انّما له وجه واحد كما قال في الوافي لانّ علمه مستفاد من حقاۤئق الخلق قال فمشيته احديّة التعلق و هي نسبة تابعة للعلم و العلم نسبة تابعة للمعلوم و المعلوم انت و احوالك انتهي ، هذا كلامه اخذه من عبارة عبدالرزاق الكاشي في شرحه لفصوص مميتالدين فماادري ما اقول في هذه الاصول الحكمية التي يدّعيها و القواعد الدينيّة التي يشير اليها و يحتذيها و لاتتوهّم انّي وَاجدٌ عليه لٰا واللّٰهِ الَّا دِفاعاً عن دينِ ائمّتِنا عليهم السلام فانّ كثيراً ممّن يدّعي العلم يعتقِد حقيّةَ كلامِهٖ و الله سبحانه [ص 32] يقول و لو شئنا لٰاتيْنا كلّ نفسٍ هُديٰها و هو يقول في الوافي في باب الشقاوة و السعادة لو حرف امتناع لامتناع فماشاۤء الّا ما هو الامر عليه و لكن عين الممكن قابل للشيء و نقيضه في حكم دليل العقل و ايّ الحكمين المعقولين وقع فهو الذي عليه الممكن في العلم فمشيته احديّة التعلّق و هي نسبة تابعة للعلم و العلم نسبة تابعة للمعلوم و المعلوم انتَ و احوالك الي ان قال فانّ الممكن قابل للهداية و الضّلال من حيث ما هو قابل فهو موضع الانقسام و في نفس الامر ليس للحق فيه الّا امرٌ واحِدٌ ، انتهي كلامه في الوافي و اللّه سبحانه يقول و لو شاۤء الله لجمعهم علي الهدي فلاتكونن من الجاهلين ، و بالجملة فانا نصحتُك و ما توفيقي الّا باللّه عليه توكلتُ و اليه انيب و قوله و لاتناله ايدي المناقشات ، اقول ان كان كلامه من نحو ما سمعت نالته ايدي المناقشات و جعلته هباۤء منثوراً و قوله فانها اغمض المساۤئل الحكميّة الخ ، صحيح و لكن ليس كما يقول لانه يقول انّا نبحث فيها بالحق و نفهمها فان كان عني بهذا العلم العلم الذاتي فقد اخطأ لان العلم الذاتي هو ذات الله تعالي فكيف يبحث عنه فانّ المتكلّم فيه لاتزيده كثرة السير الّا بعداً و ان عني به العلم الحادث فهو حقّ و هو اغمض المساۤئل الحكميّة لو كانوا يعلمون لكنهم لايعنون الّا العلم الازلي الذي هو اللّه و مع هذا يبحثون عن كيفيّته و هو تعالي سيجزيهم وصفهم انه حكيم عليم ، و قوله زلّت فيها اقدامهم ، كيف لاتزلّ اقدامهم اذا تكلّموا بجهلهم في القدم و قوله و انما التأييد من الله في الوصول ، اقول الله سبحانه حكيم مايؤيد [ص 33] الحادث في ادراك القديم بل هذا محال لاتتعلّق القدرة به لانه ليس بممكنٍ .