قلت : لان هذا باطل و ذلك لانّ الاختيار المنسوب الي كل ممكن بحيث ان شاۤء فعل و ان شاۤء ترك فانّما ذلك لانّ كلّ اثرٍ مشابِهٌ لصفة مؤثّره و هو ما في المشيّة في نفسها اذ جميع ما يمكن ان ينسب الي الممكن من فعل او انفعال او اضافة او غير ذلك صفة لذات ذلك الممكن فما لايمكن في ذاته لايمكن ان يكون منه او ينسب اليه بكلّ اعتبارٍ و لايمكن في ذاته الّا ما يمكن في المشيّة و لايمكن في المشيّة الّا ما يمكن في العلم و هو الذات الحق سبحانه و تعالي فاختيار الممكن اثر لاختيار المشية و اختيار المشية اثَرٌ لاختيار الواجب .
اقول قولي لأنّ هذا باطل ، اريد به ان الاختيار الجزئي الذي في البسيط الممكن كالوجود ليس كاختيار الواجب لشدّة بساطته لأنّ هذا اي نسبة اختيار الواجب تعالي الي الجزئي باطل من جهة انّ الاختيار التام الذي في الممكن الكلي المركب انما هو اثر لاختيار فعل الله اعني المشية لأنّ جميع هيئات الممكن و صفاته الذاتية بل و الفعلية اثر هيئات المشية [ص 408] التي هي فعل الله لما تقرّر من انّ كل اثر يشابه صفة مؤثره التي هي مبدء تأثيره و ذلك هو ما في المشية في نفسها اي هو ما اختص بالمشية في نفسها من صفاته الفعلية و من آثار صفاتها الذاتية المنفصلة اعني عنواناتها التي هي ذوات تلك الآثار اذ جميع ما يمكن في الممكن و ينسب اليه من فعل الذي هو آية فعل مؤثره و انفعال الذي هو آية قابلية الأثر للتأثير و اضافة التي هي آية التقييد و التشخص كلها و اشباهها صفات ذلك الشئ و قولي صفة لذات ذلك الممكن ، اريد ( به خل ) انّ هذه صفات لذاته في الجملة بمعني انّها مشابهة لما منه او به او له او عنه لا انّها صفات لمحض ذاته بل لما ينسب الي جهة ذاته فالمشابه لما منه كالدواعي و ميولات وجوده و ماهيته فانها مشابهة لوجوده او ماهيته لأنّها جهة فقره من احدي حقيقتيه حقيقته من ربّه كالوجود او حقيقته من نفسه كالماهية و المشابه لما به كالنسب و الاضافات كالعلم الاشراقي مثل علمه بزيد عند حضوره اذ هذه النسبة انما تحصل بحصول زيد و تذهب بذهابه فهي في الحقيقة ما حصل به من العلم بزيد مما انكشف له منه و المشابه لما له كالأعمال الصادرة منه فانّها مشابهة لما له لأنّها من مشخصات ذاته و المشابه لما عنه كالافعال الاختيارية فانها مشابهة لما عنه كاِرادته و ميولاته و بالجملة فالمراد بالمشابهة للذات المشابهة لما ينسب اليها بوجه لأنّ الآثار صفة للافعال و انما نمنع من قول انّ الآثار صفة للذات حذراً من ان تتوهم ان الآثار راجعة الي الذات و منتهية اليها و هي انما تنتهي الي الأفعال و الأفعال الي انفسها التي هي مباديها [ص 409] مع انّها اي الآثار و الأفعال يقال عليها انّها صفات الفاعل الّا انها صفات اشراقية و هي في الحقيقة حدود للأغيار لا للذات ( للذوات خل ) و اذا اردت ان تفهم هذا المعني فافهم قول الرضا عليه السلام كنهه تفريق بينه و بين خلقه و غيوره تحديد لما سواه ، فافهم معني غيوره تحديد لما سواه فان قولك انه تعالي ليس بجسم مثلاً ان هذه الصفة السلبية صفة غيره و تحديد للجسم و الحاصل انه لايمكن في ذات الممكن بل و لا فيما ينسب اليه الا ما يمكن في المشية اي يصحّ عنها اذ كل ما لايكون ممكناً كالواجب لايصحّ في الممكن و لا عنه و لا به و لا له و لا منه و كل ممكن فهو بالمشية او عنها فيكون مشابهاً لصفة المشية علي نحو ما ذكرنا في الممكن بالنسبة الي ما ينسب اليه و لايمكن في المشية الّا ما يمكن في العلم الذي هو الذات ● الحق تعالي و معني الامكان في المشية الامكان الراجح و الامكان المعبّر عنه في الذات الحق فهو حكاية التعريف حيث قيل يمكن في حق الحق و يمكن في حق الواجب تعالي فصحّ التعبير بالامكان اجراۤء للعبارة علي نمط واحد و الّا فلايصحّ استعمال الامكان في حق الواجب تعالي حتي الامكان بالمعني العام اعني سلب الضرورة من الطرف المخالف فان هذه و امثالها حدود الحوادث حتي الوجوب المعروف و لكن لا مناص عن التعبير به لانّ الحادث لايقدر الّا علي ما هو من نوعه و المعني في قولنا الّا ما يمكن في العلم اي ما يصحّ يعني يجب و معني كون المشية مشابهة لصفة الحق تعالي علي نحو ما ذكرنا في الممكن فاذا فهمت ذلك في حق الممكن فاعلم انه آية و دليل علي التعبير في التعريف لعنوان الواجب الحق المسمّي بمقاماته و علاماته التي لا تعطيل لها في كل مكان قال عليه السلام :
[ص 410]اعتصام الوري بمغفرتك عجز الواصفون عن صفتك
تبْ علينا فاننا بشر ماعرفناك حق معرفتك
و الحاصل اختيار الممكن اثر اختيار المشية لأنّه اثر احداثها له علي قابليته و اختيار المشية اثر اختيار الواجب لأنّها اثر احداثه تعالي لها بها حين شاۤء بها ما شاء من خلقه و لله المثل الأعلي و قال الصادق عليه السلام في الدعاۤء عقيب الوتيرة بعد العشاۤء علي ما رواه الشيخ في المصباح : بدت قدرتك يا الهي و لمتبد هيئة يا سيدي فشبّهوك و اتخذوا بعض آياتك اربابا يا الهي فمن ثَمّ لميعرفوك الدعاۤء ، و الي ما ذكرنا من الترتيب الاشارة بقوله تعالي فجعلناه سميعاً بصيرا و هو القاۤئل عز و جل في كتابه في وصف نفسه ● و انه هو السميع البصير فافهم .
قلت : فان قيل هل يعلم في الازل زيداً في الحدوث انه حيوان ناطق ام لا فان كان يعلم ذلك لميجز الّايخلقه او يخلقَهُ فرساً و الّا انقلب علمه جهلاً و ان لميعلم لزم الجهل بما سيكون و هو باطل بالضرورة فوجب انّه يعلم انّه حيوانٌ ناطق و المشية صفة تابعة للعلم فيجب ان يخلقه كذلك و لايمكن في حقّه غير ذلك و ان كان زيد في نفسه من حيث هو ممكناً في حقه التغيير .
اقول هذا السؤال هو الذي ادخلهم في الخطاۤء حتي قالوا بما يلزمهم القول بالايجاب كما سمعت من قولهم انه ليس للحق تعالي الّا وجه واحد و ان الاختيار المنسوب اليه تعالي تنافيه وحدة المشية لان المشية نسبة تابعة للعلم و العلم نسبة تابعة للمعلوم و المعلوم انت و احوالك كما نقلناه من الملّا محسن في الوافي و هو كلام عبدالرزاق في شرح الفصوص [ص 411] و مرادهم ما افادهم امامهم مميتالدين من ان علمه تعالي مستفاد من المعلوم حتي انه في الوافي نقله ثمّ اعترض علي نفسه بأنّ هذا يلزم منه الافتقار في علمه الي الغير ثمّ اجاب بتوجيه هذا الكلام و ردّه ثمّ بعد الردّ بقليل قال به في قوله السابق و العلم نسبة تابعة للمعلوم و المعلوم انت و احوالك و تحرير شبهتهم انه تعالي عالم في الأزل بانّ زيداً حيوان ناطق فلو لميخلقه اصلاً او يخلقه ● فرساً حيواناً صاهلاً انقلب علي جهله ● لعدم مطابقته و لو لميعلم به في الأزل لزم كونه جاهلاً لعدم علمه بما سيكون قبل ان يكون و كلا الفرضين باطل و هذا ظاهر فوجب ان يكون عالماً بأنّ زيداً حيوان ناطق فيجب ان يخلقه كما علمه لأنّ فعله كذلك من اثر مشيته لذلك و مشيته من علمه و عند خصوص اتباع ابنعربي و علمه من المعلوم حصلت لهم هذه لأنّ المعلوم يعطي العالم العلم به فعلمه مستفاد من المعلوم و اما جواز كون الممكن في نفسه قابلاً للشئ و نقيضه فامر راجع الي تجويز العقل بكون الممكن قابلاً للشئ و نقيضه و ايّ الأمرين وقع عليه الممكن فهو ما هو عليه في نفس الأمر لا غيره هذا في الجملة تحرير شبهتهم و ما يتفرع عليها و الجواب عن هذه بحيث يرتفع عمن قال بها اذا كان طالباً ( للحق خل ) منصفاً يتوقف علي تطويل بتقديم مقدمات و ايراد شبهات تعارض شبهتهم حتي تنسلّ من القلوب التي اشربت حبّ هذه الأوهام و قد ذكرنا كثيراً ● في شرح رسالة العلم للملّا محسن من ارادها طلبها الّا انّا نذكر شيئاً يكفي العارف المنصف اذا ساعده التوفيق .
[ص 412] قلت : قلنا هو سبحانه يَعْلم ما يكون و ما يشاۤء ان يغيّر الي ما شاۤء فكلّ طورٍ يمكن ان يكونَ الممكن عليه فهو يعلمه و كل احتمال فيما يشاۤء فهو يعلمه و يعلم ما يكون مما يكون حين يشاۤء كيف يَشاۤء فاذا علم زيداً انّه سيكون حيواناً ناطقاً فهو في علمه و اذا شاۤء ان يغيّر الي ما يَشاۤء فهو في علمه فاذا اراد غيّر ما يشاۤء كيف يشاۤء و في كلِّ تغييرٍ و تقريرٍ و محوٍ و اثباتٍ فهو مطابقٌ لِمٰا هُوَ عليه في علمه فتغيير ما علم اذاً تقريرٌ لما علم لانّه شاۤء ما علم فاذا شاۤء تغييره كان شاۤئياً لما علم سبحانه سبحانه لايقدر الواصفون وصفه .
اقول و الاشارة الي الجواب انه يعلم ما يكون و يعلم ما يشاۤء ان يغيّره الي ما شاۤء قبل ان يكون او ( و خل ) بعد ان يكون و امّا تغيير ما علم انه يكون قبل ان يكون هو عنده سبحانه من نوع التغيير ● ما علم انه يغيّره بعد ان يكون لانه تعالي اذا علم انه يغيّر ما علم انه يكون قبل ان يكون كان معني كونه الذي علم تغييره انّه يتحقق في رتبة او رتبتين مثلاً من مراتب اكوانه و انه يغيّره بعد ذلك كما لو علم تحقق معناه في العقول ثم يغيّره بعد ذلك او في العقول و النفوس ثم يغيّره الي ما شاۤء من حكم قوله يمحو الله ما يشاۤء و يثبت و هكذا و ليس معناه انه علم انه يكون و انه يغيره قبل ان يكون لأنّ هذا مستحيل اذ ليس علمه زمانيا و ليس فيه استقبال كما قال عليه السلام ليس عند ربك زمان و انما تعلق علمه بكونه حين كان في وقت وجوده و مكان حدوده قبل ان يكون عند الخلق و عند نفس المكوّن لأنّ الكون و التحقق عند الخلق فيما سيكون [ص 413] مستقبل فاذا وقع في وقته الخاص به في مكان تكوّنه انتهي الاستقبال و الانتظار عند ساير الخلاۤئق و عند نفس المكوّن و ليس عند الله عز و جل انتظار و لا استقبال فيتعلق ( يتعلق خل ) علمه بكونه حين كونه لا قبل كونه و ان كان عند الخلق قبل كونه فاذا علم انه يكون فمعناه انه تعالي علم انه كان فلايصحّ ان يقال علم انه سيكون و علم تغييره قبل ان يكون الّا علي معني كونه في بعض مراتب وجوداته و علم تغييره في غير ذلك البعض هذا حكم الكون و اما الامكان فان الشئ عند الله يمكن فيه ما لايتناهي من الأكوان فاذا البسه كوناً منها بقيت ساير اكوانه الغير المتناهية في امكاناتها من مشيته تعالي و ازمّتها بيده ما شاۤء منها كان و ما لميشأ لميكن و العلم بها اشراقي سواۤء كان امكانيّاً ام كونيّا اما الامكاني فقد تعلق بها ازلاً ابداً و احصاها عددا و اما الكوني فهو ما كان منها لا غير سواۤء استمر ام غيّر فانه عز و جل لايفقد شيئاً من ملكه من المكان الذي اقامه فيه و وقته الذي كوّنه فيه و الحاصل ان كل شئ فقد احصاه في كتبه و هو عالم بما يمكن فيها و بما يكون منها و بما يغيّره بعد كونه و بما يغيّره اذا شاۤء كيف يشاۤء فكل طور يمكن ان يكون الممكن عليه فهو يعلمه سبحانه ففي علمه ما كوّن و في علمه ما غيّر و في علمه ما لاغيّر ● و ما لايكوّن و في علمه ان يغيّر ما لميغير و ما لايغيّر اذا شاۤء ذلك كيف شاۤء فاذا علم زيداً انه سيكون حيواناً ناطقاً فهو ما في علمه لأنّه كان عنده و ان لميكن عند نفسه و لا عند احد من خلقه لأنّه تعالي لاينتظر شيئاً من ملكه و اذا شاۤء ان يغيّره الي ما شاۤء فهو اي [ص 414] التغيير في علمه لأنّه كان في ملكه اذ ليس معه استقبال فاذا كان ما في كون علمه ● زيد حيواناً ناطقاً في عالم الأجسام و اراد تغييره فهو في ملكه ان شاۤء جعله صاهلاً مثلا قبل وقت كونه ناطقاً او بعده او في حال كونه ناطقاً بان يجعل ظاهره ناطقاً و باطنه صاهلاً او ناهقاً او نابحا فكل ذلك من ملكه الذي لميكن منتظراً لشئ منه فهو تعالي مختار في صنعه بكل معني للاختيار و لميتجدد له شئ لما قلنا من ان كل محتمل ففي علمه بما يمكن لها يلبس منها ما شاۤء من ملابس اكوانها فهو لميفقد شيئاً من ملكه فكل ما يحتمل و يمكن فيما يشاۤء فهو يعلمه و يفعله بعلمه و يعلم ما يكون في بقاۤئه و استمراره كما اجّل له و في تغييره حين انتهي اجل بقاۤئه مما يكون حين يشاۤء كيف يشاۤء و في كل تغيير فهو في علمه و عن علمه و في كل تقرير فهو في علمه و عن علمه و في كل محو و اثبات ففي علمه و عن علمه فكل شئ فهو من علمه الي علمه و كل شئ فهو مطابق لما هو عليه في علمه فتغيّر ● ما علم اذاً تقرير لما علم لأنّه علم ان اجل ما علم قد انقضي و ان انقضي يكون منتهياً الي ما يقتضيه حاله من علمه تعالي فاذا غيّره فقد سبق علمه بتغييره فتغييره ما علم تقرير لما علم و هو معني قولي لأنّه شاۤء ما علم فاذا شاۤء ما علم تغييره كان شاۤئياً لما علم سبحانه و تعالي عما نسبوه اليه من عدم الاختيار و التصرف في ملكه متي شاۤء كيف يشاۤء و سبحانه لايقدر الواصفون وصفه سبحان ربك ربّ العزّة عما يصفون تسبيحاً عظيماً و تعالي علوّاً كبيرا .
قلت و ذلك لان جميع ما يمكن في حقّ الممكن فانما هو من مشيته و ما في [ص 415] مشيته في علمه فاذا علم ان زيداً يكون في الوقت المخصوص في المكان المخصوص ثم انتقل زيد عن المكان كانت الحالة الاولي في علمه و الحالة الثانية في علمه من غير تغيير بل هو الثبات الّا انه في كونه في المكان الاوّل هو في علمه في المكانين فاذا كان في الاول وقع غيبه علي شهادته فاذا انتقل الي الثاني فارقت شهادته غيبه و وقع غيب الثاني علي شهادته بغير تغيير في العلم علي الحالين و انما تغير زيد بتغيّره .
اقول هذا تكرير للبيان مرّة بعد اخري و هو ان جميع ما يمكن في حق الممكن فانّما هو من مشيته و ان كان ذلك بقابلية الممكن لأنّ اقتضاۤء القابلية لايكون موجباً للايجاد و انما هو استعداد لقبول المقبول و المقبول من افاضة الفاعل كرماً و جوداً اذ لايجب عليه شئ و كل ما يقع علي الممكن من آثار مشيته و اما تغيّرها الي الخير و الشر فمن القابلية و ما يمكن ان يصدر من المشية فهو في علمه الامكاني او الذاتي الذي هو الله عز و جل اما الامكاني فظاهر و اما الذاتي فلا بدّ من ارتكاب المجاز ليعود الي الامكان بتقدير التعلق و الوقوع الذي هو المعني الفعلي او بارادة العنوان الذي هو المقامات و العلامات التي لا تعطيل لها في كل مكان و الحاصل اذا كان الممكن في حالة ثمّ تغير الي اخري ففي علمه الحالة الأولي و الثانية من غير تغيير بل هو الثبات اني اذا علمت بأنك الآن هنا و بعد ساعة تنتقل الي المكان الآخر فاذا مضت ساعة و انتقلت فليس هذا تغييراً و انما هو الثبات الباتّ هذا بخلاف ما لو لميكن في علمي الحالة الأولي كما توهم من قال بانه تعالي لايعلم [ص 416] الجزئيات الزمانية الّا بعلم كلي و الّا لزم انقلاب علمه جهلا و حصل التغيير فيه فهو غلط و جهل بل الحق ان العلم الحق الذي لا جهل فيه و الثبات الذي لا تغيّر فيه هو ان يعلم الشئ في الحالة الأولي و انه ينتقل عنها الي كذا فالأولي و الثانية في علمه لاتخرج الأولي عنه بحدوث الثانية و لاتفقد منه الثانية قبل حدوثها فالممكن في المكان الأول هو في علمه تعالي و في المكان الثاني هو في علمه ففي علمه في المكانين فاذا كان الممكن في المكان الأوّل وقع غيبه اي صورته في الكتاب الحفيظ علي شهادته المدركة بالحواس و انطبق عليها فاذا انتقل بشهادته الي المكان الثاني فارقت شهادته غيبه الأوّل اي السابق علي شهادته و لبقي ● غيبه اي مثاله العلمي القاۤئم في الكتاب الحفيظ في غيب المكان الأول و في غيب الوقت الأول و وقع غيب المكان الثاني و غيب الوقت الثاني بمثاله الثاني علي شهادته بغير تغيّر في العلم علي الحالين بل حصلت مطابقته للمعلوم في الحالين و انما التغيّر المتوهم في تغيّر حالتي زيد حين تغيّر من حاله ● الي اخري من غير تغيّر في العلم و لا تجدد و لا اختلاف اصلا .
قلت و ذلك لانك اذا علمتَ زيداً في مكان في وقت و علمت انه ينتقل الي اخر لايتغير علمك اذا انتقل كما علمت بل كان علمك ثابتا و علمك به اوّلا لميتغير بتغيّر حال زيد بل لمتزل تعلم انه كان في الاول و الصورة العلمية من حالته الاولي باقية عندك و الثانية التي طابقها زيد بانتقاله باقية لمتتغيّر و انما انطبقت و وقعت علي المعلوم حين انتقل [ص 417] فافهم ثم انك تقول بالبداۤء و ان الله يمحو ما يشاۤء و يثبت و هذا شرح ما نحن فيه و تفصيل الاشياۤء يطول بها الكلام فلا فائدة فيه مع ظهور المرام .
اقول هذا بيان بعد بيان و ترديد لما كان ليحصل لك بالعيان و هو ظاهر لايحتاج الي بيان و قولي ثمّ انك تقول بالبداۤء الخ ، فاذا اعترفت بانّ البداۤء ثابت في خلق الله تعالي لأنه سبحانه اجري حكمته علي احداث الأشياۤء علي حسب قوابلها و حصرها بآجالها فجعل آجالها مقوّمة لها فاذا انتهي اجل بقاۤئها في عالم الأكوان الذي اجّل لها محي عنها ما يترتب علي آجالها التي انقضت و اثبت ( اثبتت خل ) لها ما اقتضته حكمته فيما يتقوم به من الآجال و هذا مما لا اشكال فيه فاذا اعترفت بهذا لزمك ان تقول بأنّ علمه لايتغيّر ● من خلقه علي انّ كلامنا هذا جارٍ علي الظاهر و الّا ففي الحقيقة فبيان هذا الذي تنكشف به كل شبهة متوقف علي القول الحق من انّ العلم عين المعلوم في كل رتبة من مراتب ما يطلق الوجود من قديم و حادث فاذا وجدت هذا ظهر لك انّ علمه تعالي بخلقه اشراقي و هو وقوع علمه الذاتي علي ما وجد من الحوادث في امكنة حدوده و ازمنة وجوده و هو الذي اشار اليه الصادق عليه السلام في قوله كان ربّنا عز و جل و العلم ذاته و لا معلوم و السمع ذاته و لا مسموع و البصر ذاته و لا مبصر و القدرة ذاته و لا مقدور فلما احدث الأشياۤء و كان المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم و السمع علي المسموع و البصر علي المبصر و القدرة علي المقدور ه ، فالعلم الذاتي الذي هو ذاته التي لمتقترن بمعلوم و لاتطابقه و لاتقع ( عليه خل ) و الوقوع الحادث بحدوث المعلوم هو العلم الاشراقي يوجد بوجود المعلوم [ص 418] و يتغيّر بتغيّر المعلوم لأنّه المعلوم فتغيّر المعلوم لايلزم منه شئ غير نفسه فان بقي فهو العلم و ان تغيّر فهو العلم و لو فرضت انه غير العلم و الّا يلزم تغيّر العلم عند تغيّره قلنا لك ان تغيّر المعلوم و بقي العلم علي حالة ● الأولي لميكن العلم مطابقاً له و هو باطل بل العلم هو الذي يتغيّر بتغيّر المعلوم الاتري انك اذا علمت ان زيداً قاعد فاذا قام و لميتغيّر ما عندك من النسبة لمتكن عالما و لهذا دخلت الشبهة علي القوم حيث وجدوا هذا و لميجدوا ان العلم عين المعلوم و اذا وجدوا ان العلم عين المعلوم و لميجدوا ان العلم الذاتي هو ذاته و انّه تعالي عالم لذاته و لا معلوم لأنّ ذاته لاتطابق شيئاً و لاتقترن بشئ و لاتقع علي شئ و ليس بينه و بين شئ غير ذاته نسبة بوجه و انما التعلق و الاقتران و الارتباط و المطابقة انما هو في العلم الاشراقي و لايلزم من كلامنا هذا انه قول بأنه لايعلم لذاته لأنّا نقول ان قلت هو عالم بها في الازل فهو باطل اذ لا شئ معه في الازل و ان قلت انه عالم في الأزل بها في الحدوث فهو حق لأنّه تعالي لايفقد شيئاً من ملكه في الامكان كل شئ في مكانه الذي وصفه ( وضعه خل ) فيه و وقته الذي حصره فيه فهو تعالي في الأزل الذي هو ذاته المقدسة لايفقد شيئاً من ملكه في اماكنها و رتبها ( وقتها خل ) من الامكان علي ان الذي يلزم منه الجهل هو قولك هو عالم بها في الأزل بأنك تعتقد انه ليس في الأزل من الحوادث شئ فما معني انه عالم بها هناك بل الحق ان يقال هو عالم هناك بها هيٰهنا لأنه تعالي مااوجدها في الأزل فكيف يعلم ما ليس بشئ و قد قال في [ص 419] كتابه أتنبؤن الله بما لايعلم في السموات و لا في الأرض و حيث قال لايعلم يلزم منه نفي علمه لانّه لو علم انّ له شريكا و لميكن له شريك كان علمه جهلاً و اذا قال لايعلم له شريكاً كان ذلك علما فعدم علمه بها في الأزل لايلزم منه الجهل بل هو العلم فافهم و مثال الاشراقي اذا حضر عندك زيد عن يمينك فان كونه عن يمينك انما يوجد بقعوده عن يمينك فاذا ذهب زالت هذه النسبة و لميحصل تغيّر بوجوده و لا بذهابه فان يمينك يمينك و انت انت قبل مجيئه و بعد ذهابه و انما التغيير في نسبة زيد اليك و لاينسب اليك الّا كونه عن يمينك و هي نسبة الاشراقي الي المشرق و التعلق الحادث بحدوث الحادث و الحادث الذاهب بذهابه هو العلم الاشراقي المشار اليه .
قلت فهو سبحانه مختار بمعني ان شاۤء فعل و ان شاۤء ترك و ليس علي حد اختيار ما ذكرنا في الوجود البسيط و لايقال ان العلة في الوجود انما كانت لبساطته و ذات الله سبحانه اشد بساطة من كل شئ فيجري ذلك فيه بالطريق الاولي فيكون معني انه مختار انه يفعل ما شاۤء بقصدٍ و رضيً بما فعل لا انه ان شاۤء فعل و ان شاۤء ترك لانَّ هذا مقتضي المركب من الضدين كما قرّرتم سابقاً .
اقول ان الاختيار اذا فسّر بمعني ان شاۤء فعل و ان شاۤء ترك كان الموصوف به اشدّ تصرفاً و اقوي تسلطاً و ان فسّر بمعني القصد و الرضا كان الموصوف به محصوراً في جهة واحدة فيكون اوهن تصرفاً و اضعف تسلّطاً و الموافق بل الواجب ان يكون الاختيار الموصوف به الحق عز و جل [ص 420] ما يكون المتصف به اشدّ تصرّفاً و اقوي تسلّطاً و هو انه ان شاۤء فعل و ان شاۤء ترك و لا ريب انه اولي بل يجب و انما عدلوا عن تفسيره في حقه تعالي بذلك الي انه بمعني القصد و الرضا لتوهم لزوم تغيّر علمه تعالي و هذا جهل بمقام الجبّار تعالي و قد اشرنا الي عدم لزوم ما توهموه علي ان عظمة الله عز و جل لاتقدر بعقول البشر فهو مختار بمعني اكمل معنييه و توهم منافاة وحدة المشية للاختيار و معارضتها له غلط فاحش لأنّا لانسلّم وحدة المشية له لدلالة العقل و النقل علي تعددها اما العقل فلأن ما كان من نوع البدوات التي هي مورد النفي و الاثبات مثل ما شاۤء الله كان و ما لميشأ لميكن مع ما يشاهد من الأمور المتجددة و المتغيّرة علي الاستمرار لايكون متحدا و ما نسب اليها من الاتحاد مثل ما خلقكم و لا بعثكم الا كنفس واحدة و قوله تعالي و ما امرنا الا واحدة فيراد منه الكلية و الأمر الكلي و ما اشاروا اليه من الوحدة يريدون به ما يتعلق بكل جزئي و اما النقل فلايكاد يحصي من الكتاب و السنة مثل يمحو الله ما يشاۤء و يثبت الشامل لكل شئ حتي الأحوال و الحركات و هذا ظاهر علي انّا اذا نظرنا الآيات التي جعلها سبحانه دليلاً علي كل غاۤئب عنا مثل سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و في انفسكم افلاتبصرون و مثل قول الصادق عليه السلام العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما فقد في العبودية وجد في الربوبية و ما خفي في الربوبية اصيب في العبودية الحديث ، و مثل قول الرضا عليه السلام قد علم اولوا الألباب انّ ما هنالك لايعلم الّا بما هيٰهنا ه ، [ص 421] وجدنا ان مشيّتنا لاتنافي وحدتها اختيارنا بل لا وحدة لها اصلاً الا في نفسها لا في تعلقها بل تعلقها متعدد بتعدد شئوناتنا انّ في ذلك لآيات للعالمين و انّ ما نسبناه الي الوجود من الاختيار الناقص لبساطته فلأنّه اذا نسب الي ما يتركب منه و من ضدّه يكون ناقصا فلايكون له ميلان متغايران في المتعلق كالنور و الظلمة بل و لا ميل واحد يختلف تعلّقه بنور و ظلمة بل مع ما نثبت له من الاختيار لايميل بطبعه الي ضدّ نوعه و ان مال الي اصناف متعددة من نوعه خاصة و الواجب عز و جل ليس من نحو ما ندركه حتي نحكم عليه باحكام مدركاتنا بأن البسيط يكون اثره بسيطاً كما توهمه المشبّهون حيث قالوا ان الواحد لايصدر عنه الا واحد ● فاحالوا جواز تعدد العقل الكلي قياساً علي احوال خلقه فهو قياس مع الفارق و مع عدم معرفة الخلق ايضا لأنّ الصادر من الواحد ان كان من ذاته فتلك الولادة و ان كان بفعله فالصادر من الفعل متعدد باختلاف الكمّ و الكيف و المكان و الوقت و الرتبة و الجهة بل الذي اظهر سبحانه لنا من آثار افعاله هو الجمع بين الأضداد ليعلم ان لا ضدّ له و كثرة الشئون و كثرة اختلاف خلقه ليعلم ان عظمته لاتقدر علي مقدار عقول خلقه فقد تعرّف لنا بانّه تعالي ينسب اليه ما هو عندنا جمع بين الأضداد و ارتفاعها و انّ ارتفاعها عين اجتماعها في وصف تعرّفه فهو الأوّل في آخريته و الآخر في اوّليته و الظاهر في بطونه و الباطن في ظهوره بعيدٌ في قربه قريبٌ في بعده دانٍ في علوه عالٍ في دنوّه و امثال ذلك كلها في حال واحدة بجهة واحدة في حقه تعالي قال اميرالمؤمنين [ص 422] عليه السلام لميسبق له حال حالاً فيكون اوّلاً قبل ان يكون آخرا و يكون ظاهراً قبل ان يكون باطنا ه ، و عرّف صنايعه لنا فقال و ان من شئ الا عندنا خزاۤئنه و ماننزله الّا بقدر معلوم فكل ما يصدق عليه اسم الشئ و كل ما يسمّي باسم ماخلا الله فقد خلقه الله من كل ما هو ظاهر او ما يجري في الضماۤئر و تكنّه السراۤئر اِمّا بالذات او بالعرض بمقتضي اوهام الملحدين و الغافلين و لقد روي الصدوق في اول كتابه عللالشرايع باسناده الي ابيالحسن الرضا عليه السلام قال قلت له لمَ خلق الله سبحانه الخلق علي انواع شتّي و لميخلقه نوعاً واحدا فقال عليه السلام لئلّايقع في الأوهام علي انه عاجز و لاتقع صورة في وهم احد الا و قد خلق الله عز و جل عليها خلقاً لئلّايقول احد هل يقدر الله عز و جل علي ان يخلق صورة كذا و كذا لأنّه لايقول من ذلك شيئاً الّا و هو موجود في خلقه تبارك و تعالي فيعلم بالنظر الي انواع خلقه انه علي كل شئ قدير ه ، فيكون القياس علي بساطة الوجود غلطاً و الأولوية ممنوعة فيكون معني كونه تعالي مختاراً خصوص انه يفعل ما يشاۤء بقصد و رضاۤء بل يكون مع هذا ان شاۤء فعل و ان شاۤء ترك و اما جعل معني ان شاۤء فعل و ان شاۤء ترك مقتضي المركب من الضدّين فهو ما ذكرنا من قياسهم الباطل حكم الربوبية علي حكم العبودية و ليس هذا الّا حيث لمتظهر لهم هيئة من الربوبية فقاسوها علي ● انفسهم كما قال الصادق (ع) في الدعاۤء المذكور سابقا بدت قدرتك يا الهي و لمتبد هيئة يا سيدي فشبّهوك و اتخذوا بعض آياتك اربابا يا الهي فمن ثَمّ لميعرفوك الدعاۤء .
[ص 423] قلت : لانا نقول قد قرّرنا انه سبحانه يتصف بجهتي النقيضين و بجهتي ارتفاعهما و بجهة المركب من حيث بساطته لان كلّما يمكن في غيره يمتنع عليه و كلّما يمتنع في غيره يجب له و لهذا قال الرضا (ع) كنهه تفريق بينه و بين خلقه و غيوره تحديد لما سواه ، فالبسيط من حيث بساطته لاتصدر عنه اثار المركب و بالعكس هذا في الخلق و امّا في ذاته سبحانه فذلك بخلاف ما يمكن في الخلق فهو العالي في دنوه الداني في علوه بجهة واحدة الظاهر ببطونه الباطن بظهوره بجهة واحدة القريب في بعده البعيد في قربه بجهة واحدة الاول باخريته الاخر باوليته بجهة واحدة و لايجري ذلك و ما اشبهه فيما سواه و يجب في حقه سبحانه فهو في بساطته احدي المعني فلا تكثر في ذاته و لا تعدّد و لا حيث و حيث و لا جهة و جهة و لا اختلاف في ذاته بكل اعتبار لا بالامكان و الفرض و التوهم و لا بالواقع .
اقول قد قرّرنا مما عرّفناه ● سبحانه من صفات افعاله علي لسان نبيه صلي الله عليه و آله و السن خلفاۤئه صلي الله عليهم اجمعين انه يتصف اي يوصف بجهتي النقيضين و بجهتي ارتفاعهما و بجهتي المركب من حيث بساطته امّا انّ قولي يتصف يعني يوصف فلأنه عز و جل اكرم و اجل من ذلك و مما تتوهمه الأوهام و لو في التنزيه الامكاني و امّا انه تعالي يوصف بجهتي النقيضين الخ ، بأن يوصف بمعني اجتماعهما في وصفه لأنّ امتناع اجتماعهما و ارتفاعهما من حدود الحوادث فيكون وجوب اجتماعهما الذي هو عين ارتفاعهما وصفاً للقديم اذ ما يمتنع علي خلقه [ص 424] يجب له و ما يجوز عليهم يمتنع منه تعالي فكون اجتماعهما عين ارتفاعهما ان قولك عالٍ دانٍ معناه ليس بعال و لا دانٍ لأنّ قولك عالٍ يدلّ علي جهة ● العليا و الداني عكسه و المعنيان محالان عليه تعالي لأنّ هذا معني حادث و انما الواجب له سبحانه ما يراد منه انه ليس بعالٍ اِمّا بمعناه اي يراد منه معني لايدل علي علوّ الجهة او بمعني ضدّه و هو دانٍ يعني اذا قلنا في معني عال نريد انه بمعني دانٍ و دانٍ معني عالٍ و كذا معني اول هو آخر و ليس بذي بدء و هكذا فالأوّل الآخر ليس باوّل و لا آخر و الظاهر الباطن ليس بظاهر و لا باطن و العالي الداني ليس بعالٍ و لا دانٍ و القريب البعيد ليس بقريب و لا بعيد و هكذا و ليس ما بين كل ضدّين يعني ليس بعالٍ و لا دانٍ و لا ما بينهما و هكذا باقي الصفات و الحاصل هو عز و جل لذاته لايعرف بشئ و لا ضدّه و لا اجتماعهما و لا ارتفاعهما بل باجتماعهما بمعني ارتفاعهما و بارتفاعهما بمعني اجتماعهما و يتصف بجهتي المركب ايضاً من حيث بساطته بمعني ان شاۤء فعل و ان شاۤء ترك لأنّ هذا لايكون لذات شئ الّا اذا كان مركبا و هذا حكم الحادث و اما القديم فيصحّ منه ان شاۤء فعل و ان شاۤء ترك من حيث بساطته بخلاف الحادث لأنّ كل ما يمكن في غيره يمتنع عليه و كل ما يمتنع في غيره يجب له لا بمعني العكس اذ الوصف بمعني العكس من احكام الحوادث و هو المراد بقول الرضا عليه السلام كنهه تفريق بينه و بين خلقه و غيوره تحديد لما سواه ، اذ لايعرف تعالي بشئ و لا بضدّه لأنّ كلا الوجهين من [ص 425] احكام الخلق اذ كل منهما غير معني القديم سبحانه و ما هو غيره فهو حدّ لخلقه اي حدّ لذلك الغير و جهة الارتفاع غير ( عين خل ) جهة الاجتماع في وصف الحق تعالي نفسه لخلقه و اتحاد الجهة في كل حال عنوان معرفته فهو في بساطته احديّ المعني في نفس الأمر و في الخارج و في جميع احتمالات الأوهام فلا تكثّر في كنه ذاته و لا فيما تعرف به و لا حيث و حيث و لا جهة و جهة و لا اختلاف في ذاته و لا فيما تعرّف به بكل اعتبار لا بالامكان اذ لا امكان في ذاته و لايعتبر امكان فيما تعرف به لخلقه و الّا لماعرف به اذ لايعرف بالامكان و لا بالفرض فانه امكان و لا بالتوهم فانه امكان و لا في الواقع كثرة في ذاته و لا في صفات ذاته لأنّها ذاته و انما تكثرت المفاهيم من الفاظهما و تعددت الفاظهما ● باعتبار ارادة صفات افعاله و انما تعددت صفات افعاله باعتبار تعدّد متعلقاتها و لا فيما تعرّف به كذلك كما ذكرنا مكرّرا .
قلت فكلّما ميّزتموه في ادق معانيه فهو مَخلُوق مثلكم مردود اليكم يعني منكم اليكم و اللّه الغني و انتم الفقراۤء و مع هذا فهو المؤلّف بين المتعاديات و الجامع بين المتعاندات و تصدر عنه الافعال المتضادّة فليس بين فعله و بين ما سواه موافقة و لا مخالفة لانه اثر ذاته التي لايضادّها شئ و لايُنَادّها شئ هو هو لا اله الّا هو انما الشئ من مشيته ففعل الشئ و تركه بالنسبة الي مشيته سواۤء فهو ان شاۤء فعل و ان شاۤء ترك بجهة واحدة و مشيّةٍ واحدة كذلك الله ربي كذلك ربي .
اقول فكلّما ميّزتموه الخ ، من كلام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام و [ص 426] معناه كل شئ ميّزتموه من غيره بنوع من انواع التمييز جسماني او نفساني او عقلاني بحيث يتميّز بالماۤئز انّه هو لا غيره بمعني التعيّن بالتعيين و التميّز بالتمييز باوهامكم مما تتوهموه بخيالاتكم و عقولكم في ادقّ ما يحتمل من معانيه فهو مخلوق يعني خلقه الله الذي خلقكم مثلكم اي كما انكم مخلوقون او مثلكم اي انه خلق بمقتضي مدارككم فهو مثل لكم يعني صفة من صفات انفسكم او من صفات افعالكم فهو صورة افعالكم مردود اليكم او عليكم علي نُسخ الحديث و المعني ان ما ميزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو غير المعبود تعالي فلاتقبل منكم هذه المعرفة و التوحيد بل هو مردود عليكم و ● انه من امثال ذواتكم يردّ اليها لأنّه من صفاتها صدر منها و اليها يرجع و الله سبحانه مستغنٍ عن معرفتكم ايّاه و انتم محتاجون الي معرفته بما تعرّف به لكم و مع هذا اعني ما وصفنا مما عرفنا من نفسه سبحانه من عدم التعدد و التكثر البالغ فوق الادراك من البساطة فهو المؤلّف بين المتعاديات لعموم قدرته و احاطة علمه لو انفقت ما في الأرض جميعاً ماالّفت بين قلوبهم و لكن الله الّف بينهم انه عزيز حكيم و الجامع بين المتعاندات كالأضداد ليعلم عباده ان لا ضدّ له و ابرز من فعله القدير علي ما يشاۤء من امره الأفعال المتضادة بمفاعيلها المتعاندة ليعلم انه ليس بين فعله و بين شئ من خلقه مخالفة و لا موافقة اذ لو وافقها لشابهها و لو خالفها لماصدرت عنه لأن فعله اثر ذاته التي ليس لها ضدّ فيضادها و لا ندّ فيشابهها هو هو لا اله الا هو و قولي هو هو ليس ما يكشف عنه ● كنه ذاته لأنّ ذلك [ص 427] اشارات الي الخلق و هو قول اميرالمؤمنين سيد الوصيين عليه السلام في خطبته المسمّاة بالدُّرّة اليتيمية قال عليه السلام و ان قلت ممَ فقد باين الأشياۤء كلها فهو هو و ان قلت فهو هو فالهاۤء و الواو كلامه صفة استدلال عليه لا صفة تكشف له الي آخره ، انما الشئ من مشيته فلايكون ضدّا له و لا ندا له لأنّ الشئ لو كان ضداً لماصدر عن المشية و لو كان ندّاً ● لاستغني عنه و قولي انما الشئ من مشيته مقتبسٌ من قول علي عليه السلام في خطبة يوم الجمعة و الغدير و هو منشئ الشئ حين لا شئ اذ كان الشئ من مشيته فهو انما سمّي شيئاً لأنه مشاۤء و اما اطلاق الشئ عليه عز و جل فمن باب التسمية اذ لا بدّ من التعبير عما يعينه ( يعنيه خل ) من صفاته التعرفيّة بما يدلّ عليها من الالفاظ و لاجل انّا انما نعرف مما وصف به نفسه ما هو من نوع الخلق قال الرضا عليه السلام و اسماۤؤه تعبير و صفاته تفهيم ، فاذا فهمت ما اشرنا اليه ظهر لك ان فعل الشئ و تركه بالنسبة الي مشيته سواۤء فهو ان شاۤء فعل و ان شاۤء ترك بجهة واحدة و مشية واحدة سبحانه و تعالي .
قلت و التنظير بالخلق تشبيه بكل اعتبار و في الدعاۤء بدت قدرتك يا الهي و لمتبد هيئةٌ فشبهوك يا سيدي و جعلوا بعض آياتك ارباباً يا الهي فمن ثَمّ لميعرفوك يا الهي ، و هذا حال مَن عرف من نفسه هيئة فعرف بها ربّه و اللّه لايعرف بخلقه بل الخلق يعرفون به فان قلت انا عالم و هو عالم و انا حي و هو حي و انا موجود و هو موجود و لايستدل علي شئ من وصفه بتلك الصفات الّا بما نجده .
[ص 428] اقول ان التنظير بخلقه في شئ مما عرّف به نفسه ليعرفوه به تشبيه له تعالي بخلقه علي ايّ فرض كان و الواجب علي العباد انهم اذا وجدوا شيئاً في انفسهم و في الآفاق فان كان بنحو معرفتهم و طريق تمييزهم نزّهوا مقامه عز و جل ● ان يعرف به و ان كان بنحو ما علّمهم علي السن اولياۤئه عرفوا بأنّ ذلك من آياته التي يعرف بها و علي الوجهين ينزّهون ذاته المقدسة عن كل شئ قال سيد العارفين و جمال الموحدين جعفر بن محمد صلوات الله عليهما في الدعاۤء عقيب الوتيرة بدت قدرتك يا الهي و لمتبد هيئة ، يعني بدت قدرتك بآثارها التي انحطت دون معرفة ادناها عقول خلقه و لمتبد هيئة لها ليصفوها بتلك الهيئة اذ لو بدت هيئتها لفني جميع خلقه و في الحديث النبوي ان لله سبعينالف حجاب من نور و ظلمة لو كشف حجاب منها لأحرقت سبحات وجهه جميع ما انتهي اليه بصره من خلقه و روي ابنادريس من مستطرفات السراۤئر عن الصادق عليه السلام و قد سئل عن الكروبيين فقال عليه السلام قوم من شيعتنا من الخلق الأوّل جعلهم الله خلف العرش لو قسّم نور واحد منهم علي اهل الأرض لكفاهم و لمّا سئل موسي ربّه ما سَئَلَ امر رجلاً من الكروبيين فتجلّي للجبل فجعله دكّا ه ، و لما لمتبد هيئة و لميقفوا علي حدّ لهم من معرفته علي بيانه في كتابه و فيما اوحي الي اولياۤئه عليهم السلام فشبّهوه بخلقه و اتّخذوا بعض آياته ارباباً كالصوفية الذين قالوا ان الله عز و جل هو وجود كل شئ فكل شئ من خلقه مركب من وجود و هو الوجود الحق تعالي و من ● حدود [ص 429] موهومة فاذا زالت حدود الخلق ظهر الوجود الحق و قد قال شاعرهم :
و ما الناس في التمثال الا كثلجة و انت لها الماۤء الذي هو نابع
و لكن يذوب الثلج يرفع حكمه و يوضع حكم الماۤء و الأمر واقع
و يقول احدهم انا الله بلا انا يعني اذا تجردت عن حدود الماهية فانا الله و الله سبحانه علّمهم في كتابه انه اذا تجرد عن حدود الماهية كان آية الله اي دليل معرفته و حقيقة وصفه نفسه لهم قال تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و لميقل ● ذاتنا و قال اميرالمؤمنين عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف ربه ، بمعني انه تعالي خلق نفس عبده و صفاته ● وصف استدلال عليه لا وصف كشف له لانّه تعالي وصف نفسه فلما خلق ذلك الوصف جعله حقيقة عبده فاذا عرف العبد حقيقته عرف ربّه لأنّ حقيقته وصف ربه لعبده و الشئ انما يعرف بوصفه و هذا الوصف حادث لانّه عز و جل كان و لميوصف وصف و لا موصوف له فخلق وصفاً يعرف به و جعله نفس عبده الذي تعرّف له به و هو وصف دالّ لا وصف كاشف لأنّه كالدخان فانه يدلّ بوجوده علي وجود النار و لله المثل الأعلي و هو العزيز الحكيم و القوم طلبوا معرفته عز و جل من نحو ذاتهم ● فشبّهوه بخلقه و اتّخذوا بعض آياته اربابا فمن ثَمّ لميعرفوه فان قلت انا عالم و هو عالم اه ، كما توهمه بعضهم حيث استدل بمفهوم وحدة الوجود قال اني موجود يعني هستم و هو موجود يعني هست و اذا امرنا بالاستدلال علي معرفته بمعرفتنا دلّ علي الاتحاد فقاسوا صفاته علي صفاتهم و هو ظاهر الفساد .
[ص 430] قلت : قلت هذا معني قوله (ع) بدت قدرتك يا الهي و لمتبد هيئة الخ ، انا انّما وصفناه بالعلم لانه خلق فينا العلم و بالحيوة لخلقه فينا الحيوة و بالوجود لايجادنا و ليس هذا كمثل ما هو عليه و انّما قبل منكم هذه التوصيفات و تعبّدكم بها لانها مبلغ وسعكم و حقيقة ذواتكم التي تعرف لكم بها فتصفونه بما هو كمال عندكم و ان الذرّة لتزعم انّ للّه زبانين لانّ كمالها في وجودهما لها و لهذا قال الرّضا (ع) و اسماۤؤه تعْبير و صفاته تفهيم سبحان ربّك ربّ العزّة عما يصفون .
اقول هذا جواب قول من اعترض بقوله انا عالم و هو عالم و تقرير الجواب انّ قولكم هذا هو قول الصادق عليه السلام اخباراً عمن شبّه صفاته تعالي بصفات خلقه بقوله عليه السلام بدت قدرتك يا الهي الخ ، فانهم كما ذكرنا لما لميفهموا قول الله سبحانه سنريهم آياتنا توهموا انّ ما يرونه في انفسهم هو الله و صفاته الذاتية و لو فهموا ان ما يرونه آية معرفة الله سبحانه بما تعرّف لهم به من الوصف الحادث لنزهوه عن مشابهة مخلوقاته و شبهتهم بانّا انما نعرف ذاته و صفات ذاته بما خلق فينا من صفاتنا ، غلط لانّ معرفة ذاته و صفاته بخلقه تشبيه و انما نعرف صفاته بما اظهر لنا من صفات فعله فنعرف صفات افعاله بآثارها و ● الأثر يشابه صفة مؤثره و اما ذاته فليس لنا طريق الي معرفتها و صفاتها عينها و لايمكن معرفتها بالكنه و انما نعرفه بصفات افعاله اذا نظرنا الي آثارها فنعلم انه تعالي عالم لأنّه خلق العلم و العالم و لما خلق فينا العلم علمنا ان الجاهل لايصنع العالم و عرفنا انه تعالي حيّ لأنّه احدث [ص 431] الحيوة فينا اذ الميت لايحدث الحيّ و عرفنا انه تعالي موجود لأنّه اوجدنا لأنّ المعدوم لايوجد شيئا و ليس هذا الذي عرفنا من صفات افعاله بآثارها كمثل ما هو عليه في كنه ذاته لأنّ الأفعال لاتدلّ الا علي الصفات الفعلية كما اذا رأينا الكتابة فانها انما تدل علي صفة الفعل امّا انّها تدل علي صفات الفاعل الذاتية فلاتدلّ علي قوته او ضعفه او بياضه او سواده او طوله او قصره او حسنه او قبحه و انما قبل منكم هذه الصفات ● التي لاتدلّ الّا علي صفات الأفعال و تعبّدكم بها لأنّها مبلغ وسعكم و غاية طاقتكم و حقيقة ذواتكم التي تعرف لكم بها اذ لاتعرفون كمالاً الّا علي ما عندكم و ما تجدونه كمالاً فهو كمال عندكم فما معرفتكم و توحيدكم بالنسبة اليه الّا كمعرفة النملة كما روي عن الصادق عليه السلام ان الذرّة تزعم انّ لله زبانين يعني ان النملة الصغيرة الحمراۤء تزعم ان لله سبحانه زبانين اي قرنين لأنّ الكمال في وجودهما عندها و في عدمهما نقص فتصف الله بما هو كمال عندها و الخلق كلهم بالنسبة الي ذاته المقدسة كمثل الذرّة فانهم يصفونه بما هو كمال عندهم و هو سبحانه منزّه عن جميع ما وصف به خلقه و انما تعرّف لهم علي حسب ما يمكن منهم و هو اكبر و اجل من ان يوصف بذلك و لهذا قال الرضا عليه السلام و اسماۤؤه تعبير و صفاته تفهيم يعني اموراً عبر بها لهم ليفهموا بها و كلها حادثة و هو متعالٍ عنها و هنا قال عز و جل سبحان ربّك ربّ العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و انما قال و سلام علي المرسلين لأنّه لما نزّه نفسه تعالي عما نسبوه اليه من قولهم انّ الملئكة [ص 432] بنات الله بقوله سبحان الله عما يصفون الّا عباد الله المخلصين يعني بهم المرسلين الذين نزّهوه عن تلك النسبة فانهم وصفوه بما امرهم به و علّمهم ايّاه فاستثناهم من المشركين بمعني استثني وصفهم من وصف المشركين فربما يتوهم ان وصف المرسلين الذين نزّهوه عن جميع النقايص يليق بعزّه فبيّن لعباده ان وصف النبيين انما قبله منهم لأنّه علّمهم ايّاه و وصف نفسه بذلك لهم لأنّه مبلغ علمهم و غاية امكانهم و الّا فهو اجل و اكبر من ذلك فبيّن هذا في آخر السورة اشعاراً بانّه هو نهاية النهايات فقال سبحان ربك رب العزة عما يصفون هم و المرسلون ( هم المرسلون خل ) و سلام ● علي المرسلين حيث فعلوا ما امروا فقال و سلام علي المرسلين اي السلام المؤمن حفظهم من كل ما لايحبّ و حفظ عليهم رضاه لابلاغهم و تبليغهم و قيامهم بما امروا به ثمّ اثني علي نفسه لتنزيهه ذاته المقدّسة بالاختصاص بالحمد علي ما خلق و علم و رزق .
قلت : ثم اعلم ان ما تجد من الاختيار التام فهو اثر اختيار فعله و اختيار فعله اثر اختيار ذاته و الوجود باسره ليس في شئ منه اضطرار محض و لا جبر خالص بل كله مختار و كل ذرّة من الوجود مختارة لان اثر المختار مختار و هذه الحقيقة اشترك جميع ما خلق فيها الانسان و الجماد الّا انه كلّما قرب من الفعل كان اقوي اختيارا و اظهر و كلما بعد كان اضعف اختياراً و اخفي كالنور المتشعشع عن المنير كلما قرب منه كان اشد نوراً و اقوي اظهاراً و ظهوراً و كلما بعد كان اضعف و اخفي حتي ينتهي الوجود فيفني الاختيار حيث يفني الوجود سواۤء كان ذاتيا ام عرضيا كلّ بحسبه .
[ص 433] اقول اعلم انّ الاختيار التام المشار اليه بأنّ معناه ان شاۤء فعل و ان شاۤء ترك و هو المنسوب الي المكلفين هو اثر اختيار فعل الله لأن المنسوب الي فعل الله هو الذي معناه ان شاۤء فعل و ان شاۤء ترك و اختيار فعل الله اثر اختيار ذاته تعالي و اختيار ذاته هو ما ينسب الي فعله بلا مغايرة بكل اعتبار امّا الاختيار الواجب فهو ذاته تعالي و لا كلام للخلق فيه و انما الكلام في الاختيار المنسوب الي فعله و معناه علي ما قرّرنا سابقاً ● ان شاۤء فعل و ان شاۤء ترك و امّا تفسيره بمعني القصد الي الفعل و الرضاۤء بما يفعل فقد اشرنا سابقاً الي بطلانه و اعلم ان الوجود الممكن بأسره ليس في شئ منه اضطرار و لا جبر الّا ما نفي ● به من رجحان الفعل عند الفاعل بحيث يتعيّن عنده الفعل بحيث لايتركه الّا انّه قادر علي تركه و لكنه لايشتهيه فمن ثَمّ عيّن الفعل علي نفسه و ذلك لغلبة شهوته علي جهة العقل ● و كذا كل ذرّة من ذرّات الوجود من كلي او جزئي اذ ( او خل ) كل او جزء من ذات او فعل او صفة او موصوف او عرض او معروض مختارة لأنّها اثر المختار و اثر المختار مختار لأنّه مشابه لصفة مؤثره و هذه الحقيقة اعني الاختيار بمعني ان شاۤء فعل و ان شاۤء ترك اشترك فيها جميع ما خلق الانسان و الجماد و ما بينهما من انواع الحيوانات و النباتات و المعادن و ما بين جميعها من البرازخ الّا انّه كلما قرب من الفعل الذي هو امر الله الفعلي و امر الله المفعولي كان اقوي اختياراً لأجل قرب مشابهته لصفة مؤثره و اظهر بمعني ظهور ( ظهوره خل ) اختياره كما تري في الانسان فانّ الاختيار فيه اقوي منه في الحيوان و [ص 434] في الحيوان اقوي منه في النبات و هكذا حتي يتوهم من لميقف بسرّه علي هذه الحقيقة و لميعثر بلطيف ( بلطف خل ) حسّه علي هذه الدقيقة ان النبات و الجماد غير مختارة بل الحيوانات العجم مع انه يسمع كلام الله ينطق باختيارها كما قال في السماۤء و الأرض ائتيا طوعاً او كرهاً قالتا اتينا طاۤئعين و قال و ان من شئ الّا يسبح بحمده و مثل ذكر الضماير العاۤئدة اليهم بمضمرات العقلاۤء و قد تقدّم بعض بيان ذلك و كذلك يسمع السنّة المسنون ● ناطقة بتكليف الجمادات و النباتات و معاقباتها علي المخالفة و ما اعجب حال من ينكر ذلك و لايقبل التعريف ممن يعرف و ما هو الّا كما عني الشاعر بقوله :
اذا كنت ماتدري و لا انت بالذي تطيع الذي يدري هلكت و لاتدري
و اعجب من هذا بانك ماتدري و انك ماتدري بانك ماتدري
و كلما بعد من الفعل كذلك كان اضعف اختيارا و ذلك مثل الجمادات و اخفي اختيارا حتي انّ من لايعرف يدري ( يري خل ) بانّها ليست مختارة اصلا فانه يدري ( يري خل ) انّ الانسان يتصرّف في الجمادات و النباتات كيف يشاۤء و لايمتنع عليه منها شئ و لميتفطن في نفسه مع انه لاينكر كونه مختارا مع ان القدر يجري عليه و هو لايشعر و يفعل الله به ما يشاۤء و هو لايعلم كما قال عز من قاۤئل و الذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لايعلمون فهو مع اختياره بالنسبة الي من فوقه بحكم الجماد فليعتبر بهذا في اختيار الجماد بالنسبة الي اختياره و مثال ذلك كالنور المتشعشع عن المنير هو شئ واحد و لكن اجزاؤه متفاوتة فكلما قرب من المنير كالسراج مع اشعته [ص 435] كان اشدّ نوراً و اقوي اظهاراً لغيره و ظهوراً في نفسه و كلما بعد من السراج كان اضعف اظهاراً لغيره و اضعف ظهوراً في نفسه اي اخفي و هذا مثل خلقه الله للوجود الكوني و انبساطه في مراتبه من الفعل فان وجود الانسان و وجود الجماد و ما بينهما كله فاۤئض عن الفعل مثل نور السراج فانه فاۤئض عن السراج فكما انّ نور السراج متساوي الاجزاۤء في مطلق النورية في الطبيعة و انما اختلفت في الشدّة و الضعف من جهة قربها من السراج و بعدها و القرب و البعد هو من متممات قابليتها للاستنارة من المنير و تختلف باختلاف قوة المتمم و ضعفه كذلك اجزاؤ الوجود الكوني فان اختلاف مراتبه من متممات قابليات اجزاۤئه فتختلف الأجزاۤء باختلاف قوتها و ضعفها مع تساويها في مطلق قابلية صفاته من النورية و الاختيار و الشعور و الادراك و اختلاف هذه الصفات فيها باختلاف القرب و البعد من الفعل و هكذا حكم تفاوت مراتب الوجود حتي ينتهي في انبعاثه من الفعل فيفني الاختيار بفناۤء وجودها فما دام شئ من التحقق ثابتاً فالادراك و الشعور و الاختيار ثابت بنسبة تحققه بل هي مقتضي الكون فلايوجد ما لميوجد بل حيثما عدم عدم الاختيار و بالعكس و هكذا كل ذاتي او عرضي كل بحسبه .