قلت و مَا تري من المجبول كنزول الحجر الذي لايقوي ظاهراً علي الصعود فاعلم انّ اللّه سبحانه وكّل به ملكاً يضعه حيث امره اللّه و ذلك مما يمكن في الحجر من النزول و ما تري من المجبور ظاهراً كالحجر الذي يدفعه الشخص الي جهة العلو فيصعد مع ان شانه النزول فاعلم ان الله [ص 436] سبحانه وكّل به ملكا كان موكّلاً بعضو الشخص الدّافع هو اقوي من الملك الموكل بالنزول و قد امر الله الملك الموكّل بالنزول ان يمتثل امر الملك الموكل بالدفع الي انتهاۤء شعاع ذلك الملك و شهوة الحجر في شهوة الملك الموكل بالنزول .

اقول اعلم انّ الحجر اذا ترك و نفسه نزل و لم‌يصعد و يقال هو مجبول علي النزول و يريدون انه خلق علي طبيعة لاتقتضي الّا النزول و انما لم‌يقولوا هو مجبور لأنّ الاجبار لايكون للشئ من نفسه و هذا طريقة العوام فيما يدركون من الأشياۤء و العلماۤء عليهم السلام و المتعلمون منهم عليهم السلام يشاهدون الأشياۤء كلها مختارة و ذلك ان الله عز و جل وكّل بكل شئ ملكا يقدّره حيث يريد الله منه مما هو مقتضي نظام الكون فوكّل بالحجر ملكاً ينزل به لأنّه عز و جل لما خلق الانسان علي اكمل وجه يحتمل الكون جعله في وسط العالم و هو كرة الهواۤء و قدر المكونات فوقه و تحته فجعل النار فوقه و الماۤء و السموات فوقها و الأرض تحته فوكّل بالحجر ملكاً ينزل به الي قراره و ليس انه مجبول ينزل بطبيعته بل موكّل ● به من ينزل به و ليس علي نحو الاجبار و لكنه جعل شهوته في متابعة الملك فان صعد الملك صعد الحجر و ان نزل نزل فاذا ترك الملك المنزل و ما وكّل به و الحجر و شهوته نزل بالحجر لايريد الصعود و قد وكّل الله سبحانه ملكاً بعضو الشخص الدافع و قد جعله اقوي من الملك المنزل للحجر مثلا و امر الله عز و جل الملك المنزل للحجر بطاعة الملك الدافع و جعل شهوته في طاعته [ص 437] في خلاف ما وكّل به بمقدار شعاع الدافع و سعة اجنحته فاذا اخذ الشخص الحجر و زخّه في الهواۤء تولي الملك الدافع قوة عضو الشخص الرامي بمقدار ما امره الله سبحانه و قدّر له من مسافة الصعود و اشتهي الملك المنزل متابعة الملك الدافع فيما امر به من الصعود و اشتهي الحجر متابعة الملك المنزل في شهوته التكليفية كما اشتهي متابعته في شهوته الطبيعية الي ان ينتهي شعاع الملك الدافع و المراد من شعاعه نهاية قوة دفعه للحجر الي جهة العلو فاذا انتهي شعاعه اوحٰي اليه مدبر الأمور و مقدّرها بان يكفّ عن الدافع ● و يمنع العضو الدافع فيرجع الملك المنزل بعد انقضاۤء مدة سلطان الدافع الي مقتضي طبيعته من النزول بالحجر لأنّه هو تكليفه بما يشتهيه فيرجع معه الحجر الي النزول و صعود الحجر بالدفع ذاتي له الّا انه ناقص و الملك الدافع له بالعضو متمم لنقصه فمع المتمم يتساوي عنده الصعود و النزول اذ كل منهما ممكن له و كل ممكن له اذا تمّت شرايطه مال اليه بشهوته و قولي بشهوته انه كالجاۤئع اذا حضر بين يديه الطعام المتمكن من الأكل بدون مانع فانه لا بدّ ان يأكل مع انه لو شاۤء لم‌يأكل و ان مات جوعاً فهو مع نفيه ● للأكل مختار فيه كذلك الحجر و لو قلتُ لك بل ( هل خ‌ل ) يمكن في الحجر الصعود قلتَ نعم الّا انّه بدافع و معين و هذا هو مرادنا من اختياره اذ لو لم‌يكن منه الصعود كان متعذراً فامكان النزول و الصعود بالنسبة اليه كل منهما بشرايطه علي حدّ سواۤء و لانعني بالاختيار الّا هذا و انما كان نزوله و صعوده بميل شهوته لأنّه هو باب استعداده ( استمداده خ‌ل ) الذي به بقاؤه [ص 438] و قوامه و الشئ يلايمه ما به بقاۤؤه و قوامه و هو معني الشهوة و لأنّه هو تكليفه الذي هو علة ايجاده فافهم فشهوة الحجر فيما يكون من الملك في نزول او صعود و شهوة الملك المنزل اذا خلّي و نفسه في النزول بالحجر الي ما يمسكه علي مركزه و اذا حضر الملك الموكّل بالعضو الدافع للحجر الي غير جهة السفل مثلاً كانت شهوة الملك المنزل في متابعته ما دام حكم سلطانه ثمّ رجع ● شهوته الي ميل طبيعته .

قلت فاذا انتهي شعاع الدافع اشتهي المنزل النزول و اشتهي الحجر ما اشتهاه الملك و ليست في الحقيقة قسراً و انما هي شهوة اختيار كشهوة الجاۤئع للاكل فانه ياكل و لكنه مختار مع انك تري انّ الجاۤئع الذي يحصل له الطعام و هو قادر علي الاكل منه و ليس له مانع لا من نفسه و لا من خارج بكل فرض لا بد ان ياكل مع انه مختار قطعاً هذا كمثال الحجر حرفا بحرفٍ لا فرق بينهما و لكن الطرف الاخر من اختيار الحجر و هو عدم النزول منه باختيارِهٖ خفي جدّاً لان الاختيار من الجمادات و النباتاتِ لايعرفه الانسان الّا بطَورٍ وراۤء العقل و ذلك لانسه بابناۤء نوعه و جنسه فلايعرف من الاختيار الّا ما كان من نوعه كالانسان او من جنسه كالحيوان و اذا كان ممن له طَوْرٌ من المشاعر وراۤء العقل عرف اختيار النباتات و الجمادات .

اقول اذا انتهي شعاع الدافع اي قوة دفعه فان القوّة الفعلية شعاع الفاعل و لم‌يكن له ميل الي طبيعته ارتفعت شهوته للصعود كالجاۤئع اذا شبع ارتفعت شهوته للطعام فاذا كان كذلك اشتهي الملك المنزل النزول لأنّها ● [ص 439] مقتضي طبيعته فيميل بشهوته الي النزول لأنّ شهوته للصعود حين انتهي ( اشتهي خ‌ل ) الدافع الصعود ليست بمقتضي طبيعته و انما ذلك شهوة المتابعة فاذا اشتهي المنزل النزول اشتهي الحجر ما اشتهاه الملك المنزل لأنّه من نوع طبيعته لأنّ ذلك الملك الجمادي ● و ليست اعني شهوة الحجر للنزول في الحقيقة شهوة قسر و انما هي شهوة اختيار كشهوة الجاۤئع للأكل فانّه لا بدّ ان يأكل و لايقدر علي ترك الأكل لكنه مختار و تدرك من نفسك انه مختار و هو يدرك ذلك من نفسه انه لو شاۤء ترك و ان مات مع انك تدري ( تري خ‌ل ) انّ الجاۤئع اذا حصل له الطعام و هو قادر علي الأكل منه و لا مانع له لا من نفسه كبعض الأمراض او من خارج علي ايّ حال كان لا بدّ ان يأكل و ميل الحجر الي النزول مثل الجاۤئع في الأكل بلا فرق لكن الطرف الآخر اي ما يقابل ميل الجماد و النبات و الحيوان بشهوته التامّة و الطرف المقابل ناقص الشهوة بدون المتمم اي جهة صعود الحجر مثلاً خفيّ جدّاً و خفاۤؤه علي من يطلب منها اختياراً كاختيار الانسان في ظهوره و عدم خفاۤئه لأنّ مثل هذا الرجل قد انس بابناۤء نوعه و جنسه فلايعرف من الاختيار الّا ما كان من نوع اختيار نوعه لأنّ اختيار الجمادات و النباتات لايعرفه الانسان بعقله و انما يعرفه بطور فوق عقله كما اذا كان من اهل التوسّم الذين ينظرون بنور الله اعني بافئدتهم .

قلت و انا اذكر لك شيئين مِثالاً و بياناً تستدلّ بهما علي اثبات اختيار النباتات و الجمادات و شعورهما فالاول اعلم ان الوجود الصادر عن [ص 440] المشية كالنور الصادر عن السراج و معلوم ان اجزاۤء النور كلّما قرب من السراج كان اقوي نوراً و حرارة و يبوسة مما كان ابعد منه و هكذا حتّي يكون آخر اجزاۤء النور اضعف الاجزاۤء نورا و حرارةً و يبوسة فاذا فقد النور فقدت الحرارة و اليبوسة و لايمكن وجود احد الثلاثة الاوصاف بدون الٰاخرَيْنِ بل اذا وجد واحد وجدت الثلاثة و ان فقد فقدت الثلاثة فكذلك الوجود الصادر عن المشية كلّما قرب منها كان اقوي وجودا و شعوراً و اختياراً كالعقل الاول و كلما بعد ضعفت الثلاثة علي حدٍّ سواۤء الي الجمادات فتكون الجمادات اضعف وجوداً و شعوراً و اختيارا كما قلنا في نور السراج لانه اية الله تعالي في الافاق لهذا المطلب لمن ورد هذا المشرب قال تعالي سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق فافهم .

اقول قد ذكرنا هذا فيما سبق فلا فاۤئدة في ذكره مع ان العبارة ظاهرة ليس عليها غبار و قد ذكرنا فيما تقدّم انّ قولنا العقل الأوّل ليس لانّا نذهب الي القول بثبوت العقول العشرة بل نريد به اول المخلوقات من عالم الغيب و الشهادة و يجري علي الألسن و لانريد به الّا عقل الكل اي عقل العالم كله .

قلت : و الثاني اعلم ان الشئ الجماد مثلا كالحجر اذا اتاه شئ دفعه الي العلو لايندفع الّا اذا كان يمكنه الاندفاع و لايمكنه ما ليس في حقيقته بل انما اندفع الي العلو لان ذاته قابلة لذلك كما ان ذاته قابلة للنزول بنسبة واحدة و لكن اللّه سبحانه جعل علّة النزول و شهوته و اختياره [ص 441] راجحة ملازمة للجماد بتسخير اللّه لاجل منفعة الخلق و ابان علّة الصعود و شهوته و اختياره بوجود المقتضي له كما ان علة النزول و شهوته و اختياره بوجود المقتضي له و هو الذي يسمونه العوام بالثقل و اذا دفعه الي العلو دافع فليس في الحقيقة قاسراً بل هو معين لما تقتضيه ذاته لانّ القاسر هو ما يسلُك بالشّئ ما لايمكن في ذاته و هذا محال لانّه اذا دفعه و كان الاندفاع غير ممكنٍ في ذاته فان لم‌يندفع لم‌يقع قسر و ان اندفع فليس هو ذلك بل المندفع غيره .

اقول انّ هذا الكلام فيه بيان اختيار الجمادات بمعني بيان علة الاختيار فيها مثل الحجر اذا دفعه دافع الي العلو فانه يندفع و لو لم‌يمكنه الاندفاع لذاته لم‌يندفع لكنه امكان ناقص فيتمّ امكانه فيساوي امكان نزوله و يرجّح عليه ما دام موجودا و لهذا يصعد الحجر الذي من شأنه النزول ظاهراً و انما اندفع الي العلو لأنّ ذاته قابلة للنزول و للصعود و ان كان الصعود يحتاج الي شئ آخر يدفعه لأنّا نقول ايضاً النزول يحتاج الي منزل فلاينزل من ذاته علي جهة الجبر حتي يقال انّه لايصعد من ذاته بل نقول هو يصعد كما ينزل ففي كلا الحالتين قدّر الله معه ملكاً بنسبة واحدة الّا انّه اي الملك المنزل ملازم للحجر لأجل منفعة الخلق لأنّ ذلك هو علة اقلالهم لانّ الأرض انما ثقلهم ● بكونهم فوقها و هي تحتهم فجعل بلطيف حكمته الملك المنزل للحجر ملازماً له و ربما سمّوه العوام بالثقل حتي انّ كثيراً من قشرية الحكماۤء جعلوا الملئكة صفات الأشياۤء فقالوا الملك المنزل للحجر هو ثقله و الملك الصادم [ص 442] من الحجر هو صلابته و هكذا بحيث لو اخذت الملئكة من الحجر مابقي منه شئ لأنها عبارة عن صفاته و هذا غلط و باطل بل الملئكة حيوانات متحركة بالارادة موكّلون بكل شئ و هم مفارقون لصفات الحجر مثلا و ان كان كل صفة موكّل بها ملك و هو غيرها و الملائكة انفس طيبة طاهرة مفارقة بذاتها للأشياۤء الموكّلة بها مقارنة لها بافعالها مدبّرة لها و هي مغايرة للأشياۤء و لصفاتها و جميع ما يجري من الأشياۤء فبالملئكة الموكلين بها لانّ الملائكة هي المدبّرات امرا و الملئكة النفسانية فما دونها من الطبيعية و المادية و الصورية و الجسمانية لها اجسام لطيفة شفّافة علي اختلاف انواعها و اصنافها و الحاصل انما ذكرت هذه الاشارة رفعاً ( دفعاً خ‌ل ) لما عسي ان يتوهّم متوهّمٌ انّا نريد بالملئكة هذه الصفات المنسوبة الي الأشياۤء و لأنّك اذا عرفت ان جميع احوال الأشياۤء انما تصدر عنها بواسطة الملئكة الموكلين بها عرفت ان نزول الحجر و صعوده بالنسبة الي ذاته سواۤء باعتبار كون كل منهما ممكن الوقوع منه و ان رجح النزول في حالة عدم وجود الدافع فانما هو لمرجّح غلبة شهوة الحجر لأجل ميل الملك المنزل كما يترجح الصعود حالة الدفع فيكون الدافع معيناً لا قاسرا و الدليل عليه انّه اذا دفعه الي جهة العلو و كان الدافع اقوي من المنزل فان اندفع فقد كان الاندفاع ممكنا و ان كان لم‌يندفع لعدم امكان ذلك في ذاته لم‌يتحقق القسر و ان اندفع حيث لم‌يمكن في حقه فقد ظهر ان المندفع غيره لأنّه لايمكن فيه الاندفاع و هذا المندفع ممكن فيه الاندفاع فهو غيره فلم‌يتحقق القسر اصلا فافهم ان شاۤء الله تعالي .

[ص 443] قلت لانه اذا امكن فيه ما لايمكن فيه لايكون حتّي يغيّر حقيقته الي ما يمكن فيه فلايكون هو ايّاه لان ما لايمكن فيه لايمكن ان يمكن فيه فاذا دفعه فاندفع كان الاندفاع ممكناً فيه و لكن لطيفته من الوجود قصرت عما يمكن فيه ان يكون بنفسه فكان هذا الدافع معيناً لما يمكن ان يندفع و متمّماً له فكان به الاندفاع ممكّناً في ذاته لما في ذاته من قوّة الانقياد و هو مطاوعة و هي اختيار لمن يفهم .

اقول هذا الكلام ظاهر بمعونة ما ذكرنا قبله و كرّرنا معناه و قولي فلايكون هو ايّاه ، اشير به الي ما ذكرت قبله من قولي لأنّ القاسر هو ما يسلك بالشئ ما لايمكن في ذاته و ذلك لانّه ان سلك به ما يمكن في ذاته فهو مطاوع للسالك و السالك متمم لما نقص من المطاوع و المطاوع لايكون مجبورا و ان سلك ● ما لايمكن في ذاته فقد صيّره مما يمكن في ذاته و هو شئ غير الأوّل بخلاف ما اذا كان ممكناً في ذاته فانه مطاوع و لكن لطيفته من وجوده نقصت فتممها الدافع و لطيفة الشئ من وجوده هي كنه حقيقته الامكانية التي البست حلة الكون فلما تممها الدافع بفاضل لطيفته صعد الحجر فكان الدافع معيناً و متمما و كان الحجر مندفعا و المندفع مطاوع مختار و هو قولي و هو مطاوعة و هو اختيار لمن يفهم .

قلت فالاختيار لازم لجميع ذَرّاتِ الوجود و لٰكن الامر المحكم ان يكونَ الشئ علي كمال ما ينبغي و كمالُ ما ينبغي ان يكون التّابعُ تابعاً باختياره لاحوال المتبوع من حيث المتبُوعيَّةِ و الّا لم‌يكن التّابعُ تابعاً و لا المتبوع متبوعاً اذ التّابعيّة و المتبوعيّة نسبة ارتباطٍ بينهما و مشابهةٍ في الذوات تقتضي المجانسة المقتضية للميل الذّاتي المقتضي للاختيار بسبب [ص 444] اختلاف جهة ذاتِ كلٍّ منهما كما اشرنا اليه مراراً .

اقول يتفرع علي ما ذكرنا سابقاً انّ الاختيار لازم لجميع ذرّات الوجود فلايتحقق شئ من ذرّات الوجود من ذات او صفة عارض او معروض عين او معني الّا مع الاختيار لما بيّنّا اوّلاً لأنّ الاختيار شرط التكليف و التكليف شرط الايجاد لأنّ التكليف ارشاد الي القابلية و تحصيلها و حصولها فلو لم‌يكن مختاراً لقبح ايجاده قطعا و الحكيم لايفعل القبيح فلا بدّ ان يكون مختاراً لأنّ صحّة الاختيار مترتبة علي صحّة الايجاد و لكن الأمر المحكم المطابق للحكمة الجاري بمقتضي صنع الحكيم العليم القدير علي ما يريد ان يكون الشئ علي كمال ما ينبغي لأنّه هو مقتضي صنع الحكيم العليم القدير علي ما يشاۤء و من كون الشئ جارياً علي كمال ما ينبغي ان يكون التابع من حيث هو تابع تابعاً باختياره لأحوال المتبوع لأنه لو لم‌يكن تابعاً باختياره لم‌يكن تابعاً في الحقيقة اذ مفهوم التابع ان يكون تابعاً باختياره لأنهّ لو لم‌يكن تابعاً باختياره لكانت التابعية ليست من فعل التابع و انما هي من فعل المتبوع و كذلك حكم المتبوع في امر الاختيار فانّه من حيث المتبوعية مختار و الّا يسقط حكم متبوعيته كما في قصّة عيسي عليه السلام مع من عبده من دون الله سبحانه غير راضٍ بذلك اذ التابعية و المتبوعية نسبة ارتباط بشرط الرضاۤء و هو الاختيار هنا اذ بدون الرضاۤء لايتحقق التابعية و المتبوعية و لهذا سقط اعتراض عبدالله بن الزبعري علي قوله تعالي انكم و ما تعبدون من دون الله حصب جهنم انتم لها واردون بقوله نرضي ان نكون نحن و [ص 445] آلهتنا و عيسي بن مريم عليه السلام في جهنم لأنّه عليه السلام عبد من دون الله فسقط اعتراضه لعدم تحقق النسبة ● التابعية و المتبوعية لأنّ ذلك بغير اختيار عيسي بن مريم عليه السلام و بغير رضاه و ايضاً التابعية و المتبوعية مشابهة في الذوات مقتضية للمجانسة و لولا المجانسة في الجملة لماحصلت المشابهة و لولا المشابهة لماحصلت التابعية و المتبوعية و انما حصلت لوجود المجانسة و المجانسة تقتضي الميل الذاتي من كل واحد من المتجانسين ( المجانسين خ‌ل ) الي الآخر و هذا موجب للاختيار بسبب ان جهة التابعية مخالفة لجهة المتبوعية فميل الموافق الي المخالفة و المخالف الي الموافقة لايكون الّا عن اختيار كما ذكرنا ذلك مرارا فافهم و المخالفة في التابعية و المتبوعية و الموافقة في المجانسة .

قلت و لو كان تابعاً بغير اختياره لم‌يكن تابعاً لما قلنا و النبات و الجماد في الوجود تابعَانِ للحيوانِ لانّهما من فاضل طينته فيجب اَن يكون تابعاً في تلك الاحوال فيجب في الحكمة لانتظام الوجود ان يكون تابع يحمله و يقِلّهُ كالماۤء و الترابِ و تابع يظلّه كالنار و السماۤء و تابع يحيط به كالهواۤء لان جميع الاكوان تابع للانسان فعِلّةُ الصعود و النزول لتسخير ولي التدبير لانّها اعانةً منه لها فيما اراد منها .

اقول قد ثبت انّ التابع تابع باختياره لأنّه لو كان تابعاً بغير اختياره لم‌يكن تابعاً بل هو مجبور و المجبور قاده المجبر له بغير اختياره فلايكون تابعا و لما ثبت ان النباتات و الجمادات كلها تابعة في الوجود للانسان لانّ الحيوانات و النباتات و الجمادات كلها خلقت من [ص 446] فاضل طينته اي من شعاع وجوده لأجله اي لينتفع بها في نفسه و في شؤنه وجب في الحكمة ان تكون كلها تابعة لأحواله لكونها من فاضل طينته خلقت و لمنافعه كوّنت فكان الانسان هو علتها المادية و الغاۤئية فيجب في الحكمة اي ● تجري في جميع احوالها و صفاتها علي متابعة علتها و اصلها فيما يوافقها و ما يوافق العلة التي هي الانسان لانتظام وجوده فيكون بعضها اعني تلك التوابع تابعاً يحمله و يقلّه كالماۤء و التراب و يكون بعضها تابعاً يظلّه من فوقه كالنار و السماۤء و يكون بعضها تابعاً يحيط به كالهواۤء لأنّ الهواۤء به استنشاق روحه و دوام حياته و مادتها بحرارته و رطوبته و لانّه وسط التوابع اذ فوقه النار و سبع سموات و فلك المنازل و فلك البروج و الكرسي و العرش و جسم الكل و المثال و جوهر الهباۤء و الطبيعة و النفس و الروح و العقل فهذه تسعة‌عشر بعدد حروف بسم الله الرحمن الرحيم و تحته الماۤء و سبع ارضين و الملك الحامل لها و الصخرة سجين و الثور و الحوت و البحر و الريح العقيم و جهنّم و الطمطام و الثرٰي و ما تحت الثري و الجهل فهذه تسعة‌عشر اشياۤء بعدد زبانية سقر فالانسان هو القاۤئم بين الطتنجين و المتوسط بين البحرين لأنّ هذه الأكوان العلوية و السفلية كلّها تابعة للانسان فتكون علّة صعود بعضها و هبوط بعضها من تسخير الله سبحانه بتدبيره لمنافع الانسان ببقاۤئها و علّة بقاۤئها بتكليفها و ان من شئ الّا يسبح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم انّه كان حليماً غفورا و علّة تكليفها بكونها مختارة و علّة اختيارها صنع كل شئ منهما مركباً من [ص 447] شيئين مختلفين كما مرّ و اوجدها علي ما تكون مختارة لئلّاتكون للناس و لساۤئر خلقه عليه تعالي حجة و اعانة منه سبحانه لها علي ما يريد منها و له الحمد اولاً و آخراً و باطناً و ظاهرا .

قلت فكمالُ التابع علي ما ينبغي و كما ينبغي اَنْ يختار المتبُوعُ متبوعيّةَ التابعِ و يريدُها و يختار التابعُ تبعيّةَ المتبوع و يريدُها و هو المراد من الاختيار و سخّر اللّه كلّاً منهما معونة منه لما احبَّا و الّا لم‌يكونا ايّاهما اذ لايكون الشئ ايّاه الّا بما يمكن له فافهم ما كرّرنا لك .

اقول هذا من تمام ما تقدّم و هو انه قد ثبت انّ كمال الصنع ان يكون علي كمال ما ينبغي و كمال صنع الشئ ان يكون المصنوع و صنع الشئ علي كمال ما ينبغي ان يكون مختاراً في كل شئ من احواله و من ذلك ان يختار المتبوع متبوعية التابع بمعني ان يكون مختاراً في المتبوعية اذ لو لم‌يختر ذلك لم‌يكن متبوعاً للتابع و لو فرض انّ التابع اتبعه ● لأنّه اذا كان باجباره لم‌يكن متبوعاً له و ان تبعه فلاتترتب عليه احكام المتبوعية اذ لاتترتب الّا مع الرضا بالمتبوعية عن اختيار كما حكي سبحانه عمّن رضوا بالمتبوعية عن اختيار في ترتّب الأحكام علي متبوعيتهم قال تعالي و ليحملن اثقالهم و اثقالاً مع اثقالهم و كذلك التابع فانَّ كمال ايجاده ان يختار تبعية المتبوع كما ذكرنا و انما جعل الله ذلك في كل من التابع و المتبوع لما في حقيقة كونهما و اعانة منه سبحانه لهما علي ما اراد منهما من وقوع التضايف لما يترتب عليه من الأحكام و انما هما كذلك بما جعل لهما من خصوص هذا الميل الاختياري و امثاله و لو لم‌يجعل لهما ذلك لم‌يكونا [ص 448] ايّاهما اي تابعاً و متبوعاً بل كانا شيئاً و شيئاً آخر فافهم .

قلت و ليس تسخيره تعالي قسراً و انّما خلقها علي ما هي عليه و ما هي عليه الّا بما سألتْهُ و لم‌يجبرها علي السؤال بل سألَها باختيارها و لهذا قال الستُ بربّكم استخباراً و تقريراً لما علموا فاتاهم بذكرهم و ما انطوَوْا عليه و رضوا به فلمّا اتاهم بالاختيار و خيّرهم اقرّ مَن اقرّ و جحَد مَنْ جحَد و لو قسرهم لم‌يمتنع منهم احد و هذا البيان و المثال انّما هو باللسان الظاهري .

اقول قد ذكرنا انّ تسخير الله تعالي سبحانه للأشياۤء علي التلازم و الانضمام و الاقتران ليس قسراً بان يكون تعالي عز و جل اجبرهم علي ذلك لما قرّرنا سابقاً من انّ المحدث من ذات او صفة او عين او معني مادي او مجرّد حيوان او غيره مركب او بسيط لايمكن ان يكون حتي يكون له اعتبار من ربّه و هو وجوده و اعتبار من نفسه و هو ماهيته فخلق علي ما هي عليه من كونها لاتتحقق الّا بالاعتبارين المذكورين و لاتكون مخلوقة علي ما هي عليه حتي تخلق علي مقتضي قابليتها باختيارها و لايكون ذلك حتي يجري عليها الايجاد و يوجّه الصنع بسؤالها ذلك منه تعالي و مع هذا لم‌يجرها ● في الصنع علي محض السؤال اذ مقتضي محض السؤال ان يخلق علي مقتضي الفعل سواۤء كان علي نحو الاختيار ام علي نحو الاضطرار الّا انه لو خلقها علي نحو الاضطرار لم‌تكن علي كمال ما ينبغي و ان لم‌تكن علي كمال ما ينبغي لم‌يكن الصنع علي كمال ما ينبغي بل يكون مخالفاً للكمال و الحكمة و ذلك صنع العاجز الجاهل و اما صنع القدير العليم فيجب ان يكون علي كمال ما ينبغي و ذلك مقتضي للايجاد علي جهة الاختيار و [ص 449] الايجاد علي جهة الاختيار اقتضي ان يتوجه طلب قبول التكوين علي جهة السؤال و لهذا قال تعالي الست بربكم استخباراً لهم في الرضاۤء بالاستجابة له فيما طلب منهم و تقريراً لهم علي ما طلبوا منه باجابته لهم بان خلقهم علي ما قبلوا من تكوينه ايّاهم فاتاهم من امره الفعلي و المفعولي بما ذكرهم به حين ذكرهم في خلقه و جعله لهم علي ما ذكرهم به في صنعه و ما انطووا عليه من حقايق ذواتهم و قوابلهم مما رضوا به كما ذكرنا فلما اتاهم بذكرهم علي نحو الاختيار اقرّ من اقرّ باختياره و جحد من جحد بانكاره بعد اعترافه و اصراره و لو قسرهم و اجبرهم لم‌يمتنع منهم احد و لاانكر منكر منهم و لاجحد و هذا البيان و المثال كلّه باللسان الظاهري اعني طريقة المشّاۤئين لأنّهم انما يعرفون من المعاني ما دلت عليه العبارة الظاهرة العامية .

قلت و امّا المعني الباطني فهو ما ذكرنا لك من انّه من ملاۤئكةٍ و كمال البيان يطول به الكلام لما في هذا المقام من الدقائق الخفيّة و لكن هذا تلويح و تمثيل و اشارة و اعلم اَنَّ هذا التكرير في العبارات و الترديد انما هو للتفهيم وَ لَوْ هذّبتُ العبارة و اقتصرتُ علي الاشارة لكلّت البصاۤئر و انسدّت المذاهب الي هذه المطالب و مع هذا فان عرفتَ فانت انت و الله ولي التوفيق .

اقول هذا آخر ما كتبت من الفواۤئد و بيانه آخر ما اردت من البيان و التعليق علي هذه الفوائد حيث انها لاتعرف الا بتعريف منّي لبعدها عن ادراك الأوهام و بناۤئها علي معاريض الكلام من حكمة الائمّة الأعلام عليهم افضل الصلوة و السلام و قولي المعني الباطني فهو ما اشرنا اليه من ذكر ان الانزال و الاصعاد في النبات و الجماد من الملائكة الموكّلين به كما اشرنا اليه قبل [ص 450] هذا الّا انّه هو لسان اهل الشرع عليهم السلام و ايّاك ثم ايّاك ان تطلب فهم هذه المطالب بنمط ما ذكروه في كتبهم فان طريقهم و فهمهم كما قال اميرالمؤمنين صلوات الله عليه ذهب من ذهب الي غيرنا الي عيون كدرة يفرغ بعضها في بعض و ذهب من ذهب الينا الي عيون صافية تجري بامر الله لا نفاد لها ه‍ ، و هذه المطالب المشار اليها في هذه الفواۤئد مستنبطة من معاني كلام العيون الصافية التي تجري بامر الله لا نفاد لها و ايّاك ان تقول :

و كلّ يدّعي وصلاً بليلي و ليلي لاتقرّ لهم بذاكا

فانّي اقول لك :

اذا انبجست دموع في خدود تبيّن من بكٰي ممن تباكي

و انما كرّرت الألفاظ و رددت المعاني رجاۤء ان تفهم المراد و لاتظنّ ان هذا عن عجزي عن تهذيب العبارة فانه امر سهل علي كل احد و لكني رأيت هذه المقاصد بعيدة عن تناول الأفهام فرددت لك و كرّرت عليك و الله سبحانه وليّ التوفيق .

الي هنا انتهي شرح هذه الفواۤئد في الليلة التاسعة من شهر شوال سنة ثلاثة و ثلاثين بعد المأتين و الألف من الهجرة النبوية علي مهاجرها و آله افضل الصلوة و ازكي السلام بقلم المؤلف لها العبد المسكين احمد بن زين‌الدين بن ابرهيم بن داغر الأحساۤئي المطيرفي ( غفر الله له و لهم اجمعين و الحمد لله رب العالمين خ ) .