[ص 377] قلت : و اما في الحقيقة المطابقة للواقع فهي موجودة بوجود آخر مستقلٍّ في نفسه و ان كان مترتّبا علي الاول فان نسبة وجوده الي الاول كنسبة وجود الانكسار الي وجود الكسر و ذلك لان الاول من تمام قابليّة وجودِها للايجاد فالوجود في الاول موجود بالايجاد الذي هو الفعل اوجده بنفسه لا بوجود مغايرٍ لنفسِه .
اقول انّ الماهية في الواقع و هو الذي خلق الله عليه خلقه و في نفس الأمر و هو الذي قام عليه الدليل القطعي موجودة بوجود الآخر اي ايجاد آخر غير ما به ايجاد الوجود و ان كان مترتباً عليه لأنّه من نوره و شعاعه كما تقدّم فان نسبة ايجادها الي ايجاد الوجود كنسبتها اليه و هو نسبة وجود الانكسار الي وجود الكسر و ذلك لأنّ وجود الوجود من تمام قابلية الماهية للايجاد فهو لها كالجوهر للعرض فالوجود احدثه ( احداثه خل ) الفعل بنفسه لا بوجود آخر لأنّه هو المادة و المادة لمتكن موجودة بمادة اخري بل بنفسها بخلاف الماهية فانها موجودة بالوجود هكذا قالوا و انا ابيّن لك ما هو الواقع و هو ان الماهية موجودة بنفسها كما في الوجود لكن لما كان الوجود في الحقيقة هو المادة كان مادتها نفسها فيكون وجودها مادتها و هي نفسها و هي ماهيته فان قلت انها موجودة بالوجود فهو صحيح بمعني ان مادتها موجودة به و هي ماهيته و ان قلت انها موجودة بنفسها كما في الوجود فهو صحيح بمعني ان ماهيتها بنفسها فقولي فالوجود في الأوّل اي في الوجود و هو نفسه لأنّه هو المادة و هو محدث بالايجاد الذي هو فعل الله و [ص 378] الوجود في الثاني كما يأتي اي في الماهية و هو نفسها .
قلت الّا ان ايجاده بنفسه ادارته علي نفسه كرة تدور علي كرةٍ تدور علي نقطةٍ هي الحركة الكونية من الفعل و الكرة الظاهرة تدور علي خلاف التوالي و الباطنة علي التوالي و في الثاني موجود بنور ايجاد الاوّل من الفعل و هو نقطة تدور نفس الماهية عليها علي خلاف التوالي و الماهية تدور علي نفسها علي خلاف هيئتها و خلاف التوالي و علي الوجود في جهة غير جهته .
اقول يعني ان ايجاده بنفسه عبارة عن ادارته في احداثه علي نفسه كرة تدور في استمدادها من علتها علي كرة هي علتها و هذه العلة في استمدادها من علتها تدور علي علتها التي هي علة العلة و هي نقطة و هي الحركة الكونية اي التكوينية من الفعل و هي الفعل الخاص بها من الفعل الكلي و الكرة الظاهرة اعني الوجود يدور علي التوالي من جهة كونه مطيعاً في رتبة المعلولية و علي خلاف التوالي بالنسبة الي رتبة العلة لأنّ العلة تدور بمعلولها علي التوالي و الكرة الباطنة اي العلة و هي نفس الوجود تدور علي التوالي بالنسبة الي معلولها و هي الكرة الظاهرة و الكرة الباطنة بالنسبة الي علتها اعني الحركة التكوينية تدور في استمدادها منها علي خلاف التوالي لأنّها مفعول و الحركة الكونية فاعل و امّا من حيث المطابقة اي مطابقة المعلول لعلته فالظاهرة مطابقة للباطنة و الباطنة مطابقة للحركة التكوينية و كلها جارية علي التوالي فخلاف التوالي فيهما اعني الظاهرة و الباطنة اضافي و المراد بالتوالي ما جري علي مقتضي طبيعة مؤثره فانه حينئذٍ جارٍ علي النظام الطبيعي و [ص 379] لا ريب ان الوجود و نفسه الاعتبارية اللذان ليسا شيئاً ● غيره و الحركة الايجادية كلها جارية علي كمال النظم الطبيعي و قولي و في الثاني اي و في الماهية انها موجودة بنور ايجاد الأوّل اي الوجود من الفعل و هذا النور تدور نفس الماهية الاعتبارية التي هي الماهية في نفس الأمر عليه علي خلاف التوالي لأنّها علي خلاف مقتضي ذلك النور فجرت علي غير النظم الطبيعي و الماهية في استمدادها من نفسها تدور علي خلاف التوالي و علي خلاف هيئتها اي هيئة نفسها فتخالف هيئتها و تخالف علتها و تخالف التوالي و تدور علي الوجود في جهة غير جهته لأنّها خلقت من نفسه من حيث النفس لا من حيث جهته التي هي جهة الي فعل الله فاستدارتها معوجّة لاتنطبق علي شئ من الحق حتي الفعل الذي حدثت به لأنّ استدارته اي الفعل علي ايجاد المستقيم و المعوج مستقيمة فاذا دار علي المستقيم كالوجود كانت استدارته عليه مستقيمة لانطباقها علي مقتضي الوجود و اذا دار علي المعوج كالماهية كانت استدارته عليها مستقيمة لانطباقها علي ما اقتضته من الاعوجاج من غير زيادة و لا نقيصة بل لو جرت علي خلاف مقتضي الماهية بحيث تكون جارية علي مقتضي نفس الفعل اي ذاته حال ايجاد الماهية لكانت استدارة الفعل في نفسها معوجّة حيث تعلقت علي خلاف ما تعلقت به .
قلت فحصل من الوجود و الماهية كرتان متداخلتانِ في الاجزاۤء متمازجتانِ في الذرات متقابلتانِ في السطوح مختلفتان في الدوران و تمازجهما من غير استهلاك شئ مِن اجزاۤئهما و ذرّاتهما في اخر و لا استبانة شئ من شئ الّا في الاعتبار و الافعال و الميول لاختلاف الشهوتين [ص 380] لتعاند الذاتين .
اقول قد تقدّم فيما ذكرنا ما يدلّ علي هذا الكلام فتمامه انّ كلاً من الوجود و الماهية كرة و لما كان الشئ مركباً منهما و كان وجود كل واحد منهما شرطاً لتحقق الآخر و ظهوره كانا متداخلين في الأجزاۤء لتحقق الوحدة في المركّب منهما و ان كان كل واحدة من هاتين الكرتين متمازجتان في الذرّات لأن كل واحدة قد ملأت محل ظهورها فاذا ملأت واحدة ذلك المحل في جميع ذرات اجزاۤئه و المفروض انها جزء شئ واحد وجب ان تكون الكرة الثانية تحلّ في ذلك المحل و تملؤه كما تملؤه علي فرض الاستقلال فيجب ان تتداخل اجزاؤهما لأنّ كل واحدة قد ملأت جميع اجزاۤء ذلك المكان و لما كانتا مختلفتين متضادّتين في المبدء و الكُنه كانت اجزاۤء كل واحدة منهما متوجهة الي مبدئهما كالسراج اذا شعّلته في الشمس فان المحل الذي هو الهواۤء من الكرة البخارية كان جميع اجزاۤئه مملوة من نور الشمس بحيث لميبق جزء منه الّا و هو مشغول بشعاع الشمس و مملو من نور السراج بحيث لميبق جزء منه الّا و هو مشغول بنور السراج الّا ان جميع اجزاۤء نور الشمس متوجهة الي جرم الشمس المنير و جميع اجزاء نور السراج متوجهة الي جرم السراج و لا بدّ ان تكونا متقابلتي السطوح مختلفين في الدوران لأنّ هاتين الصفتين من لوازم التضادّ و لا بدّ ان تكونا متمازجتين في الأجزاۤء لأنّ ذلك من لوازم وحدة المركب منهما و ان تكون التمازج من غير استهلاك شئ منهما في آخر لأنّ ذلك من لوازم [ص 381] تباين المبدء و تمايزه اذا كانت الأجزاۤء قاۤئمةً بذلك المبدء قيام صدور و ان يكون ذلك التمازج من غير استبانة شئ من شئ و لا استهلاك شئ من شئ لأنّ ذلك من لوازم ملأ المحل بكل واحد من شيئين متبايني المبدء بحيث قد قام كل واحد بمبدئه قيام صدور و قولي الّا في الاعتبار يعني عند ملاحظة كون كل واحد قاۤئماً بمبدئه قيام صدور و في الأفعال فانها تصدر متميزة بحيث ان كل فعل لايصحّ ان يصدر عن الآخر فيكون ● مستبينة بعضها من بعض و في الميول جمع ميل فانها تتمايز لتمايز مبدئها فان الوجود خير و يميل الي كل خير و الماهية شرّ و تميل الي كل شرّ لأن كل واحد منهما شهوته فيما هو من نوعه فيميل اليه فتختلف الميول لاختلاف الشهوتين و لهذا قلت لتعاند الذاتين اي تضادّهما .
قلت و كلما قرب من النقطة الكونية كان انور لغلبة الوجود و كلما بعد كان اشد ظلمة لغلبة الماهية حتي تنتهي الشدة و الضعف الي نقطة الحركة الكونية و الي محدّب الكرة فتنتهي الظلمة في جهة الحركة الكونية الي نقطةٍ عند وجه الحركة الكونية فتبعد منفرجة علي هيئةِ مخروطٍ قاعدته محدّب الكرة الظاهرة و ينتهي النور في جهة محدب الكرة الي نقطةٍ علي هيئة مخروط قاعدته عند وجه الحركة الكونية .
اقول انّ الوجود الذي هو النور كرة و الماهية التي هي الظلمة كرة و كل منهما بنسبة بعض اجزاۤئهما الي بعض في الشدّة و الضعف علي هيئة مخروط و الوجود قاعدة مخروطته عند وجه علته اعني الحركة الكونية فكلما قرب من اجزاۤئه من الحركة الكونية كان اشدّ نوراً لغلبة [ص 382] الوجود اعني الافاضة من الفعل الذي هو الحركة الكونية و نعني بها الحركة التكوينية كما مرّ و كلما بعد عنها كان اضعف حتي ينتهي الي نقطة و هذا في الشدّة و الضعف لا في الحجم بل الأمر في الحجم علي العكس في الظاهر و مثاله مثل اشعة السراج فانه نور السراج كهيئة مخروط قاعدته عند شعلة السراج و كلما بعد ضعف حتي ينتهي الي نقطة فيعدم و في الظاهر علي العكس فان التي عند السراج هي الصغيرة الحجم و كلما بعدت الأشعة اتسعت داۤئرة كرتها و في الحقيقة لو جمعت آخره و هو اعظم داۤئرة كرته و اوسعها حتي يكون مساوياً للأشعة التي عند شعلة السراج في شدّة الاضاۤئة كان جميع ما جمعت نقطة لاتنقسم بالنسبة الي ما عند الشعلة فكانت بهيئة مخروط قاعدته عند شعلة السراج و رأسه المنتهي الي نقطة هي ما تنتهي اليه في جهة البعد و الماهية كهيئة مخروط في الشدّة و الضعف كما ذكرنا في الوجود و في مثاله من اشعة السراج لا في الحجم الظاهر لأنّهما في الظاهر كرتان متداخلتان و اما في الشدّة و الضعف فهما مخروطان متقابلان فمخروط الوجود و النور قاعدته عند مبدئه و ينتهي الي نقطة هي غاية بعده عن المبدء و مخروط الماهية و الظلمة قاعدته عند غاية بعد الوجود و النور عن المبدء و رأسه ينتهي الي نقطة هي غاية قربه من مبدء الوجود و النور فمخروط النور ينتهي ضعفه الي محدّب كرة الظلمة التي هي قاعدة مخروطها بنقطة و مخروط الظلمة ينتهي ضعفه الي محدّب كرة النور التي هي قاعدة مخروطه بنقطة و مبدء [ص 383] الوجود هو الحركة التكوينية فقولي الي نقطة الحركة الكونية و الي محدّب الكرة ، اريد به انّ الماهية علي هيئة مخروط ينتهي راسه الي نقطة عند نقطة الحركة الكونية و ان كانت بالعرض و الي محدب الكرة اي كرة الوجود اعني قاعدة مخروطه و كل ذلك في الشدّة و الضعف لا في الحجم اذ هما في الحجم متساويان لأنّ صورتهما عند اجتماعهما في الشئ المركب منهما صورة كرة واحدة فاقوي النور في تلك الكرة غاية باطنها التي هي عند الحركة التكوينية لأنّ المحدّب كرة مجوفة و نقطة قطبه وسطه و هو عند علته التي هي الحركة التكوينية و كلما بعد النور عن باطنها ضعف حتي ينتهي الي محدّب الكرة بنقطة منه و اضعف الظلمة نقطة منها عند اقوي النور ● يتقوم بها و كلما بعدت قويت بعكس النور حتي تنتهي الي ظاهر الكرة و محدّبها فتقوي الظلمة و هو قولي قاعدته محدب الكرة الظاهرة .
قلت فتدور الكرتان الممتزجتان علي وجه الحركة الكونية في الخلق تحت الحجاب الاحمر بثلاث حركاتٍ ابداً حركة الوجود الذاتية علي التوالي و حركة الماهية الذاتية علي خلافِ التوالي و الحركة الثالثة عرضيّة ففي حال الطاعة تدور الماهية بالحركة العرضيّة علي التوالي و بحركتها الذاتية علي خلاف التوالي و في حال المعصية يدور الوجود بالحركة العرضية علي خلاف التوالي و بحركته الذاتية علي التوالي .
اقول الكرتان الممتزجتان يعني في تركيب المكلّف مثلا و هما الوجود و الماهية و هما يدوران علي الحركة الكونية اعني علتها ● في الخلق اي في [ص 384] قابليتهما للفعل الايجادي و هو الخلق الثاني تحت الحجاب الاحمر و هو الروح الذي علي ملئكة الحجب و هو ركن العرش الأيسر الأسفل اي الظاهر و هو يؤدّي الي جبرئيل و جبرئيل يخدمه فيما يتلقي منه في جميع ايجادات الغيب و الشهادة بثلاث حركات ابدا يعني ان الكرتين اعني وجود الشئ و ماهيته يقبلان الامدادات و التكونات من الحركة الكونية بواسطة حاملها و هو جبرئيل عليه السلام و اعوانه بثلاث حركات و هي بيان لكيفية القبول من العلة فانهما في القبول منهما يدوران عليها بثلاث حركات داۤئماً في كل تكوّن سواۤء كان في ايجاد ذات او صفة لازمة او غير لازمة كالأعمال و الأقوال الأولي حركة الوجود الذاتية علي التوالي في تكون ساۤئر الخيرات من الأفعال و الأقوال و الاعتقادات و غيرهما ● من الذوات التي هي ثمرتها و الثانية حركة الماهية حينئذٍ الذاتية علي خلاف التوالي كما هو مقتضي ذاتها و الثالثة حركة عرضية ففي الخيرات تكون العرضية من الماهية لأنّها لذاتها لاتدور علي الخيرات و لكن اذا ترجّح جانب الوجود في طلبه للخير وجب عليها متابعته بالعرض اذ لو لمتتبعه انفكّ التركيب الذي به تقوّم المكلف و اذا انفكّ بطل المركب اعني المكلّف و يفني و يضمحل و اذا ترجّح جانب الماهية في طلبها للشرور و المعاصي وجب علي الوجود متابعتها بالعرض اذ لو لميتبعها انفكّ التركيب كما ذكرنا ففي حال الطاعة تدور الماهية عليها بالعرض علي التوالي و تدور بحركتها الذاتية علي خلاف التوالي علي نفسها بمعني انها غير قابلة للطاعة برضاها بل مكرهة اكرهها [ص 385] علي الطاعة الوجودُ و جنوده من العقل و الملئكة فتابعته علي الطاعة بالعرض و في حال المعصية يدور الوجود عليها بالعرض علي خلاف التوالي و يدور بحركته الذاتية علي التوالي علي ربّه اي علي امر ربّه بمعني انه غير قابل للمعصية برضاه و انما اكرهته علي المعصية الماهيةُ و جنودها من النفس الأمّارة و الشياطين فتابعها علي المعصية بالعرض و لايزال يقوي الغالب منهما حتي ينعدم اعتبار المغلوب فاذا استقرّ علي ذلك تغيرت حقيقته فكان اخاً للغالب يدور معه حيث ما دار فان كان الغالب الوجود كانت الماهية اختاً له تحب ما يحب و تكره ما يكره فحينئذٍ تدور علي التوالي برضاها و ان كان الغالب هو الماهية كان الوجود اخاً لها يحب ما تحب من المعاصي و يكره ما تكره من الطاعات فحينئذٍ يدور علي خلاف التوالي بمحبته و رضاه فتكون الماهية في الأوّل نوراً ليس فيها من الظلمة الّا ما يمسك حقيقتها و اليه الاشارة بقول الصادق عليه السلام علي ما رواه في الكافي في حديث معراج النبي صلي الله عليه و آله قال فكان بينهما حجاب يتلألأ بخفق و لا اعلمه الا و قد قال زبرجد و هذا الحجاب هو ما بقي فيه من الماهية فانّها لما استولت عليها الأنوار تلاشت ظلمتها حتي لميبق منها الّا كالزرقة السماوية و ذلك حين استولي النور علي ظلمة ذاتها بقي من الظلمة ما يمسك كنهها فكان من بقية الظلمة مع النور زرقة عبّر عن قلة الظلمة بقوله عليه السلام يتلألأ بخفق اي باضطراب يكاد تفني و يكون الوجود في الثاني ظلمة ليس فيه من النور الّا ما يمسك كنهه و يأتي تتمة هذا الكلام .
[ص 386] قلت فاذا تتابعت الطاعات ضَعُفت حركة الماهيّة الذاتية و ابطأت و اسرعَتْ عرضيتها و اذا تتابعت المعاصي ضعفت حركة الوجود الذاتية و ابطأت و اسرعت عرضيّتُه و لاجل ان الحركة الذاتية لاتتبع الذاتية الاخري ابداً و انما تتبع بالعرضيّة ثقلت الطاعة و المعصية لحصول التعاكس حتي يفني اعتبار احدهما لميله فيخفّ مقتضي الموجود الميل .
اقول فاذا تتابعت الطاعات من المكلّف ضعفت حركة الماهية الذاتية اعني ميلها الذاتي علي خلاف التوالي لعدم استمدادها من نوعها و ابطأت في استدارتها علي نفسها لضعف ذاتيتها و اسرعت عرضيتها لأنّها تدور مع الوجود علي التوالي تبعاً له لأنّها حينئذٍ من الكلاب المعلمة لأن الوجود علّمها مما علّمه الله و اذا تتابعت المعاصي ضعفت حركة الوجود الذاتية التي هي ميله الذاتي و دورانه علي ربّه و ذلك لعدم استمداده من نوعه من انواع الخيرات و الطاعات و ابطأت في استدارته علي ربّه و اسرعت عرضيته و هي حركته و استدارته مع الماهية علي خلاف التوالي لوجود ميل الماهية و قوته فيتبعه ميل الوجود لضعفه و هذا ظاهر و لأجل ان الحركة الذاتية سواۤء كانت من الوجود او الماهية لاتتبع ذاتيّة الآخر ابدا لعدم انقلابه الي نوع الآخر اذ لو انقلبت ● الوجود عند استيلاۤء الماهية بدوام المعاصي الي الماهية او انقلبت الماهية عند استيلاء الوجود بدوام الطاعات الي الوجود لميبق في الشئ الذي هو المكلّف تركيب و هو موجب لفناۤئه لما ذكرنا مرارا فوجب ان يكون الميل الذاتي من كل واحد منهما جارياً علي طبيعته و ان كان قد يضعف [ص 387] و يبطئ عند قوة ضدّه و غلبته عليه لأنّه لا بدّ من بقاۤء شئ من الضدّ الضعيف به يحفظ الضدّ القويّ عن الاضمحلال و يبقي لذلك الميل الضعيف حركة علي وجهه و لو بأقل قليل فلاتتبع الحركة الذاتية حركة الضدّ الذاتية ابدا اي ما دام المركب من الضدّين شيئاً موجودا و انما تتبع حركة التابع العرضية حركة المتبوع الذاتية و لأجل انّ الذاتية لاتتبع ذاتية الضدّ كان ميل الماهية الذاتي في كل حال لميعدم اصلاً عند غلبة الوجود و استيلاۤئه بدوام الطاعات و ميل الوجود الذاتي كذلك لميعدم اصلاً عند غلبة الماهية و استيلاۤئها بدوام المعاصي و لأجل بقاۤء الميل ● التابع لذاته حال متابعته لضدّه ثقلت الطاعة و المعصية فثقلت الطاعة لوجود حركة الماهية الذاتية علي خلاف الطاعة في حال الطاعة و ثقلت المعصية لوجود حركة الوجود الذاتية علي خلاف المعصية في حال المعصية لحصول التعاكس في الجملة و ان ضعف المعاكس و لايزال حكمها كذلك اعني ثقل المعصية علي المطيع و العاصي و ثقل الطاعة علي العاصي و المطيع حتي يفني اعتبار كل واحد من الوجود و الماهية لميله عند غلبة الآخر فيفني اعتبار ميل الماهية عند استقرار غلبة الوجود بطاعات الله سبحانه و يفني اعتبار ميل الوجود عند استقرار الماهية بمعاصي الله عز و جل فيخفّ مقتضي الموجود ● الميل اي يخفّ حينئذٍ مقتضي الذي يكون ميله موجودا فان كان هو الوجود خفّ مقتضاه من الطاعات لوجود ميله التام اليها و عدم ميل الماهية في عكسه و انما بقي من ميلها لنفسها قدر ما يحفظ وجودها عن الاضمحلال و ليس لها منه [ص 388] استمداد و انما يستمدّ من دواعي الوجود و مطالبه و ان كان الموجود ميله هو الماهية خفّ مقتضاها من المعاصي لوجود ميلها التامّ اليها مع عدم ميل الوجود في عكسها اذ لميبق له من الميل الّا قدر ما يحفظ به نفسه عن الاضمحلال و ليس له منه استمداد و انما استمداده حينئذٍ من دواعي الماهية و مطالبها القبيحة .
قلت : و تدور الكرتان علي وجه الحركة الكونية في الرزق تحت الحجاب الابيض بثلاث حركات حركة الوجود الذاتية لمدد الرزق علي التوالي و حركة الماهية الذاتية لمدد الحرمان علي خلاف التوالي و الحركة الثالثة عرضية ففي حال الرزق تدُور الماهية بالحركة العرضيّة علي التوالي و بالذاتية بالعكس و في حال الحرمان يدور الوجود بالعرضيّة علي خلاف التوالي و بالذاتية بالعكس .
اقول ايضا تدور الكرتان كرة الوجود و كرة الماهية بحركة ميل كل منهما علي وجه الحركة الكونية لاستمدادهما منها في الرزق كل واحد من نوع رزقه فرزق الوجود امداد وجوديّ كاَنوار المعارف الالهية و المعاني العقلية و الصور العلمية و القوي الحيوانية كروح الشهوة و روح المدرج و روح القوّة و كالأرزاق الجسمانية و رزق الماهية مدد عدميّ بمعني ان اصله من المخلوق و ذلك كمدد الانكارات بعد البيان القطعي و الدعاوي الباطلة من الجهل المركب و الأوهام السجينية لأنّها من كتاب الفجّار ( لفي خل ) سجين و القوي النفسانية و الأرزاق المحرمة و ذلك هو ما قسّم لهما فقسّم للوجود و اعوانه ارزاقاً محتومة بمقتضي فطرته و [ص 389] ارزاقاً مشروطة بوجود قابليته بما امر به هو و اعوانه و قسم للماهية مدداً لها و لأعوانها بمقتضي قابليتها و مدداً بمقتضي اعمالها الصورية و صورها الوهمية و اوهامها الانكارية و ذلك تحت الحجاب الأبيض الذي هو ركن العرش الأيمن النوراني الاعلي الباطني لأنّه مصدر الأرزاق و هو علي صراط مستقيم و يقتضي لذاته الخيرات و تختلف تعلّقاته باختلاف متعلقاتها و يجري فيه قضاۤء السوء بسبب قابلية المتعلق السيّئ فيدور كل قابل منه علي وجه استمداده منه مطلقا اي سواۤء كان القابل الوجود او الماهية بثلاث حركات حركة الوجود الذاتية لمدد الرزق اي طلب الامداد و هو استمداده من وجه الحجاب الابيض علي التوالي و حركة الماهية الذاتية لمدد الحرمان علي وجه استمدادها علي خلاف التوالي و الحركة الثالثة عرضية كما مرّ ففي حال الرزق باستمداد الوجود تدور حركة الماهية العرضية علي التوالي لتبعية الوجود لغلبته لها فتتبعه و تدور بالذاتية علي خلاف التوالي لمقتضي طبعها و في حال الحرمان من الرزق المذكور سابقاً في شئ من انواعه او في فرد من نوع من انواعه تدور علي خلاف التوالي لموافقة طبعها و يدور الوجود حينئذٍ اي حين كونه مغلوباً بحركة ( بحركته خل ) العرضية علي خلاف التوالي لأنّه تابع و علي التوالي بحركته الذاتية بمقتضي طبعه كما مرّ و استمداد كل تابع حال التابعية من كسب المتبوع و في هذه الدواعي و المطالب و الحركات من الطرفين اسرار يطول بذكر تفصيلها الكلام و الله سبحانه يرزق من يشاۤء بغير حساب و قد ذكرنا كثيراً منها في هذا الشرح مفرّقاً فتفقده تجده [ص 390] في محله و ذلك ما يترتب في الخلق و الرزق و الحيوة و الممات و يتوقف بعض منها علي بعض و ينشأ بعض من بعض كالشرعيات الوجودية و الوجودات الشرعية .
قلت : و تدور الكرتان علي وجه الحركة الكونية تحت الحجاب الاخضر بثلاث حركات في الموت حركة الوجود الذاتية علي خلاف التوالي و حركة الماهية الذاتية علي التوالي و عرضيتهما علي العكس .
اقول ان الكرتين اعني الوجود و الماهية تدوران علي وجه الحركة الكونية الذي هو مصدر مددهما و خزانة امدادهما تحت الحجاب الأخضر الذي هو اللوح المحفوظ و هو ركن العرش الأيسر الجسماني الأعلي الباطني عند موت كل كليّ او جزئيّ او كل او جزء بثلاث حركات حركة الوجود الذاتية علي خلاف التوالي لأن الموت خلاف الحيوة و حركة الماهية الذاتية علي التوالي لتوافق الماهية للموت في الأصل العدمي و عرضيتهما اي عرضية حركة الوجود و الماهية علي العكس فعرضية حركة الوجود علي التوالي لمتابعتها لذاتية الماهية و عرضية حركة الماهية علي خلاف التوالي لمتابعتها لذاتية الوجود .
قلت : و تدور الكرتان علي وجه الحركة الكونية في الحيوة تحت الحجاب الاصفر بثلاث حركات كل واحدة بعكسِها في الموت في الذاتية و العرضية .
اقول انّ الكرتين اعني الوجود و الماهية تدوران في كل كليّ او جزئيّ او كل او جزء علي وجه الحركة الكونية في قبولهما منهما ( منها خل ) في الحيوة التي هي ضدّ الموت تحت الحجاب الأصفر اي الركن الأيمن النورانيّ الأسفل [ص 391] الظاهري من العرش و هو الروح من امر الله التي قال تعالي في الاشارة الي ذكره و نفخت فيه من روحي بثلاث حركات كما مرّ في نظاۤئره فيدور الوجود علي علته في قبول الحيوة بحركته الذاتية عليها علي التوالي و تدور الماهية عليها بعكس دوران الوجود عليها في الذاتيات و العرضيات و هذا يعرف ممّا تقدّم .
قلت فكان للوجود و الماهية في مراتب الوجود الاربعة التي بني عليها العرش و تجلّي الرحمن بافعاله علي العرش بها و هي الخلق و الرزق و الموت و الحيوة كما قال اللّه تعالي اللّه الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يُحييكم اثنتاعشرة حركةً ، ثمان ذاتيات و اربع عرضيات في عالم المعاني عالم الجبروت .
اقول هذا مجمل ما تقدّم ذكره من الاشارة الي الحركات الصادرة من الوجود و الماهية في قبول آثار مصادر الخلق و الرزق و الحيوة و الممات ● و هو انّ الحركات الصادرة من الوجود و الماهية في تلقّيهما من المبدء الفيّاض و قبولهما منه في الأركان الأربعة الخلق و الرزق و الموت و الحيوة اثنتاعشرة حركة في كل ركن من اركان الكون ثلاث حركات اثنتان ذاتيتان و واحدة عرضية و ذلك في كل ذرّة من ذرّاته فاذا نسبت هذه الأركان الي كل واحد من العوالم الثلاثة الجبروت و الملكوت و الملك و البرزخين اللذين بينهما اعني عالم الرقاۤئق و عالم المثال اذ في كل واحد منهما خلق و رزق و موت و حيوة كان مجموع حركاتها ● في العوالم الخمسة ستين حركة و تفصيلُها [ص 392] ان لهما في خلق الجبروت اعني العقول ثلاث حركات و في رزقها ثلاث و في موتها ثلاث و في حيوتها ثلاث فهذه اثنتاعشرة حركة ثمان ذاتيات و اربع عرضيات و في خلق الملكوت اعني النفوس و رزقها و موتها و حيوتها اثنتاعشرة حركة كذلك و في خلق البرزخ بين هذين العالمين اعني عالم الرقاۤئق و هي عالم الأرواح و رزقها و موتها و حيوتها اثنتيعشرة حركة كذلك و في خلق الملك اعني الأجسام و رزقها و موتها و حيوتها اثنتيعشر حركة كذلك و في خلق البرزخ بين الأجسام و النفوس و هو عالم المثال و رزقه و موته و حيوته اثنتيعشرة حركة فهذه ستّون حركة اربعون منها ذاتيات و عشرون منها عرضيات و هو معني ما قلت :
و اثنتاعشرة حركة كذلك في عالم الصور عالم الملكوت و اثنتاعشرة كذلك في عالم الاجسام عالم الملك و في عالم الرقاۤئق عالم الاظلة كذلك و في عالم الاشكال عالم المثال كذلك الّا ان عرضيتهما في عالم الجبروت بالقوة و في عالم الاظلة بالتّهَيُّؤِ و في ما دون ذلك بالفعل فهذه ستون حركة للوجود و للماهية اربعون منها ذاتية و عشرون عرضيّة .
اقول و قد تقدّم بيان هذه ● في تفصيل الحركات بقي فيه بعض الألفاظ ربما يحتاج الناظر فيها الي بعض البيان و هي قولنا عالم الصور عالم الملكوت و المراد بالصور هنا الصور الجوهرية و هي المتقومة في تعلّقها و وجودها بالمادة بخلاف الصورة المثالية فانها في تعلقها لاتحتاج الي المادة و ان كانت في وجودها تحتاج الي المادة فالصور الجوهرية ذوات [ص 393] قاۤئمة بنفسها في الظاهر يعني انها متقومة بمادتها و صورتها و اما الصور المثالية فهي صفات و اظلة و اشعة للذوات قاۤئمة بغيرها كما هو شأن الأظلة و قولنا الا ان عرضيتهما اي الوجود و الماهية في عالم الجبروت بالقوة و في عالم الأظلّة بالتهيؤ الخ ، معناه اذا نسبنا الي واحد منهما الحركة العرضية اذا كان تابعاً لضدّه لاتتحقق اي العرضية من واحد منهما في الحسّ و التميّز بالفعل في شئ من العالمَيْن عالم الجبروت و عالم الأظلّة لشدّة بساطة عالم الجبروت فالمغايرة فيه خفيّة الّا انها في الحقيقة منشأ للمغايرة الظاهرة فاذن هي عند التعبير عنها مغايرة بالقوة و في عالم الأظلّة الذي هو عالم الأرواح و عالم النفوس بالتهيؤ يعني متميزة تميّزاً اجمالياً ضمنيّا لأن المغايرة التي في النفوس و الأرواح لميتميز تميّزاً تفصيليّاً كما في الأجسام فان المغايرة في الأجسام بالفعل ظاهرة متميزة فيكون تميّز الذاتية من العرضية بحسب ظهور المغايرة و خفاۤئها .
قلت : ثمّ اعلم ان للوجود و للماهية باعتبار ذرّاتهما حركة دهريّة غير حركة الكل فكل ذرّة من الوجود تدور علي وجهها لا الي جهة و كل ذرّة من الماهية تدور علي وجهها لا الي جهة و كذلك نهايات كلّ منها و لكل ذرّة من كل منهما بالنسبة الي المجموع حكم فلك التدوير في الحامل من الاسراع و الابطاۤء و الاقامة و الرجوع و حكم المجموع في الحاجة و الاستمداد و الكرويّة فكلّ متوجّه الي مبدئه واقِف بمسئلته بباب ربّه لاۤئذ في فقره بجناب غناه .
[ص 394] اقول اريد انّ لكل واحد من الوجود و الماهية هذا الحكم اذا نسب الي ذرّة من ذرّاته من جزء او جزئيّ بالنسبة الي واحد منهما فانه كلي بالنسبة الي جزئياته و ذلك مثل وجود زيد بالنسبة الي عقله و نفسه و تعقله و علمه و وهمه و خياله و فكره و حيوته فان كل واحد منها جزئيّ منه و باعتبارٍ جزء منه و من تلك الذرّات جزء الجزء و هكذا فاذا نسب وجوده الي واحد من تلك الذرّات بان لوحظ حاله معها و حالها معه كان له علي ذلك الجزء حركة دهرية عقلية او روحية او نفسية او طبيعية او هباۤئية و هي حركة الكلي علي جزئياته و الكل علي اجزائه حركة تقوّميّة ركنيّة اذ الكل متقوم باجزاۤئه و الكلي كذلك علي الأصحّ و كذلك لكل ذرّة من ذرّاته حركة تدور بها علي وجهها منه و هذا الوجه هو الذي يدور به علي هذه الذرّة لأنّ الوجه هو باب الوجود الي تلك الذرّة و بابها اليه و كذلك الماهية بالنسبة الي ذرّاتها و هذه الحركات كلها دهرية و ذلك كدَوْرة الكل علي الجزء و بالعكس و الشرط علي المشروط و بالعكس و الصفة علي الموصوف و بالعكس و الفعل علي الفاعل و علي المفعول و بالعكس و الكلي علي الجزئي و بالعكس و كذلك كل منهما كنور النور و صفة الصفة و هكذا و بالعكس و المثل علي نظيره و بالعكس و الضدّ علي ضدّه و بالعكس و ما اشبه ذلك سبحانه ● من ليس كمثله شئ و هو السميع البصير و لكل ذرّة من ذرّات الوجود و الماهية بالنسبة الي ما تنسب اليه حكم فلك التدوير الحامل للكوكب في حامل فلك التدوير بالنسبة الي بادي الرأي فانه اذا توافقت الحركتان اسرع [ص 395] سير الكواكب و ذلك لأنّ الفلك الأعظم يدور الي ناحية المغرب و تداوير المتحيرة اعلاها يدور الي المشرق و اسفلها الي المغرب فاذا تلاقت حركات اعاليها في نقطة اوجاتها مشرقة مع حركة الفلك المحدّد مغربة اقامت المتحيرة في بادي رأي البصر لتعاكس الحركتين و هي الاقامة و اذا اخذت في دورانها الي جهة المشرق بحركة تداويرها عرض لها الرجوع و الابطاۤء لأنّ الفلك يردها الي جهة المغرب و اذا اخذت في دورانها الي نقطة حضيضها او الي نقطة المغرب استقامت و اسرعت لموافقة حركتها لحركة الفلك الأعظم و هذا مثال حركات ذرّات كل من الوجود و الماهية اليه لأنّ حركة الذرّة و الجزء اذا كانت في نقطة اوجها و هو اعلي اطوار تشخّصها وقفت و اقامت لأنّها قد خرّت ساجدة بين يدي مُبدئها تعالي و اذا شرعت في التعين رجعت و ابطأت و اذا كانت في غاية عبوديتها او توجهت الي حكم محض تبعيتها استقامت و اسرعت لموافقتها لحكم جملتها و مجموعها و ايضاً لكل ذرّة من كل واحد من الوجود و الماهية حكم الكل في الحاجة الي الامداد و الي قيّوميّة علته في التقوّم و حكم الكروية في استدارتها لا الي جهة كالمجموع فكلٌ اي كل واحد من الوجود و الماهية و من ذرّاتهما و اجزاۤئهما و جزئياتهما متوجهٌ الي مبدئه علي الانفراد و الاجتماع اي متوجهٌ الي مبدئه و مبدء مبدئه و مبدء جملته و هكذا واقفٌ بمسئلته بباب ربّه لاۤئذٌ في فقره الي كل شئ مما اشرنا اليه بجناب غناه لأنّه قاۤئم بامره الفعلي قيام صدور و بامره المفعولي قيام تحقق اي قياماً ركنيّا .
[ص 396] قلت : ثم اعلم ان عرضيّة كل شئٍ مما ذكرنا هي جهة فقره الي ضده فعرضيّة الوجود جهة فقره الي الماهية في الظهور و عرضيتها جهة فقرها الي الوجود في التحقق فلهذا تتبع عرضيّة كل واحدٍ ذاتيّة الاخر .
اقول قد ذكرنا ان الوجود و الماهية و ذرّات كل واحد بالنسبة الي ذرّات الآخر لاينفكّ الشئ عن التركيب من ضدّين منهما بان يتركب بعض الأشياۤء من وجود و ماهية و بعض الأشياۤء من من جزئيهما و بعض الاشياۤء من ذرّتين منهما سواۤء كان المركب من جوهرين ام من جوهر و صورة ام من صورتين و ذكرنا ان المركّب مكلّف و ان كل مكلّف لاينفكّ في كل فعل او قول او عمل عن ثلاث حركات ذاتيتان و عرضية و هنا ذكرنا انّ عرضيّة كل واحد هي جهة فقره الي ضدّه فلهذا يدور علي خلاف مقتضي ذاته فعرضيّة الوجود جهة فقره الي الماهية في الظهور لتوقف ظهوره في عالم الأكوان علي الماهية لأنّها صورته و لايقوم الشئ بدون صورته و عرضية الماهية جهة فقرها الي الوجود في التحقق لتوقف تحققها في الأكوان علي الوجود و من ثَمّ تتبع عرضية كل واحد من الوجود و الماهية ذاتية الآخر لما بينهما من التلازم بحيث لايستغني احدهما عن الآخر لأنّه شرط له .
قلت : الفائدة الثانيةعشرة في بيان ثبوت الاختيار ، اعلم انّ الاختيار نشأ من ميل الوجود الي ما يناسبه و ميل الماهية الي ما يناسبها كما ذكرنا مراراً و هو ذاتي و فعلي فالاول هو استدارة الشئ بوجه افتقاره علي قطب استغناۤئه اي ما يطلب منه الاستغناۤء و قد اشرنا الي هذا فيما سبق من [ص 397] حركته علي قطبه و الثاني استدارته بٰالاته علي جهة قطبه لحاجته من احدهما .
اقول انّ الاختيار المنسوب الي المحدثين من المكلّفين اي مما يتوجه اليه التكليف لانّ التكليف شرط صحّته الاختيار و هو اي التكليف شرط لصحّة الايجاد فلو لميكن مختاراً لميحسن تكليفه و لو لميحسن تكليفه لميحسن ايجاده و حيث دلّ النقل من الكتاب و السنّة بانّ كل شئ مكلّف و كل شئ يسبح بحمد الله الّا انّ مراتب تكاليفها مختلفة فكل شئ تكليفه بحسب تنبه العقل بنص الكتاب و السنّة فطلب بيانه فوجده كما نصّ عليه النقل و استدل بذلك علي ثبوت الاختيار لكل موجود و نشير الي ذلك و هو انّه قد ثبت ان كل شئ مركب من وجود و ماهية و قد تقدّم ان هذا الكلام عبارة عن المادة و الصورة كما هو المذهب الحقّ و ان الوجود هو حقيقة الشئ من ربّه لأنّه اثر فعله عز و جل و ان الماهية هي حقيقته من نفسه و ان كل واحد مخالف بحقيقته لحقيقة الآخر و انّ كلاً منهما لايستغني في بقاۤئه عن المدد و انه لايطلب الاستمداد الّا من نوعه و انّهما في الشئ المركب منهما غير متمازجين تمازج استهلاك و ان ميل كل منهما مخالف لميل الآخر و ان المركب منهما يحصل له الميلان المتعاكسان بواحد منهما يطلب و بالآخر يترك فحصل له الاختيار من حصول الميلين له المنسوبين اليه بواسطة جزئي ذاته فاذا امر بالصلوة مثلا مال اليها الوجود لأنّها من نوعه و طلب فعلها ليتقوي بها لأنّها صالحة لكونها مدداً له يحصل بها بقاؤه الّا انّها خلاف [ص 398] مدد الماهية و تضعف بفعلها فتميل الي تركها لأنّ ترك الصلوة من نوعها و تتقوي به و الميلان صدرا من الشئ من جزئي ذاته و هذا الاختيار لازم لكل مركب من الوجود و الماهية و كل مخلوق فهو مركب منهما لا فرق في ذلك بين الانسان و الحيوان و النبات و الجماد و لذا قال الله تعالي هو الذي خلق الليل و النهار و الشمس و القمر كل في فلك يسبحون اخبر عنهم بضمير العقلاۤء و لميقل يسبحن او تسبح و قال تعالي و ان من شئ الّا يسبح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم و لميقل تسبيحها و قال تعالي أولميروا الي ما خلق الله من شئ يتفيؤ ظلاله عن اليمين و الشماۤئل سُجّداً لله و هم داخرون و لميقل و هن داخراتٌ او و هي داخرةٌ فان قلتَ انما استعمل ضمير العقلاۤء للتغليب قلتُ فلمَ لميغلّب في قوله الي ما خلق الله فانه لميقل الي مَن خلق الله علي انّه اتي بضمير العقلاۤء مع عدم من يغلب به كما قال تعالي و هو الذي خلق الليل و النهار و الشمس و القمر كل في فلك يسبحون لأنّهم مكلّفون و المكلّف يلزم ان يكون عاقلاً لما يكلّف به و ان كان كل شئ كان له عقل بحسبه قال تعالي فقال لها و للأرض ائتيا طوعاً او كرهاً قالتا اتينا طاۤئعين و لمتقولا ● طاۤئعة و بالجملة فحيث كان الوجود في تنزّله بمراتبه بمنزلة شعاع السراج كلما قَرُبَ من السراج كان انور و كلما بَعُدَ من السراج كان اضعف نوراً و هو اي الوجود في نفسه ادراك و فهم و شعور و ما اشبه ذلك من اسباب التكليف و شرايطه و كلما قَرُبَ من المبدء قويت فيه جهات المدارك و كلما بَعُدَ من المبدء ضعفت فيه تلك [ص 399] الجهات و التكليف يتعلق بالمكلّف بنسبة تلك الجهات و اقوي مراتب التكليف ما توجه الي الانسان لأنّ اقوي تلك الجهات ما وجدت فيه و اضعف مراتب التكليف ما توجه الي الجماد لأنّ اضعف تلك الجهات ما وجدت فيه و ما بينهما من العوالم تكليفه بنسبة قوة الجهات و ضعفها و هذا ظاهر لمن نظر ببصيرته طالباً للحق ثمّ ان الميل المذكور من كل شئ علي قسمين : الأول الميل الذاتي و هو استدارة الشئ اي طلب الشئ بوجه افتقاره يعني بميل افتقاره حال تكوّنه و حال استمراره في بقاۤئه علي قطب استغناۤئه و هو امر الله الفعلي صاحب القيّوميّة له و امر الله المفعولي الحافظ له فيستغني من فعل الله في صدوره و قبوله للتكوين و من امر الله المفعولي الذي هو الماۤء المسمّي بالحقيقة المحمديّة في بقاۤئه و دوامه لتقوّم الشئ به تقوّماً ركنيّا اذ مادة كل شئ حصّة منه و هذا معني قولي اي ما يطلب منه الاستغناۤء فانّ كل شئ يطلب الاستغناۤء من امر الله كما فصّلنا و الثاني الميل الفعلي و هو استدارة الشئ بآلاته التي بها يعمل و يتسبب علي جهة قطبه يعني قطب استدارته و هذه الجهة التي يدور عليها بآلاته هي آثار ذلك القطب فان هذا القطب الذي هو امر الله الفعلي و امر الله المفعولي كما ذكرنا يتلقي الشئ من آثاره و بها تقوّمه صدوراً و تحققا و قولي لحاجته من احدهما ، اريد به انّه انما يميل لفقره و حاجته الي الاستمداد فان كان المستمدّ اعني الوجود او الماهية استمدّ من نوعه كما لو استمدّ الوجود من الطاعات و الماهية من المعاصي قوي و غلب الآخر و استولي عليه و [ص 400] ان لميستمد من نوعه و انما تبع المستمدّ من نوعه ضعف و غلبه الآخر و استولي عليه لأنّه انما ينتفع بمتابعته لضدّه في حفظ اصل نفسه و لهذا يتخلق باخلاقه و يتصف بصفاته و يتابعه في مطالبه فله من مدد متبوعه مدد عرضي و هو جزء من سبعين جزء ● لأنّ ميله مع متبوعه عرضي فعلي ناقص في اصل اقتضاۤئه للمدد و انما تمّ اقتضاۤءه بجزء من سبعين من الصفة ( صفة خل ) متبوعه بفضل ميله الذاتي و هذا الفضل شعاع من الميل الذاتي فاستفاد من كل تابعيته حفظ اصل نفسه عن الفناۤء و التلاشي .
قلت و حيث كان للشئ ميلان متعاكسان يكتفي بمتعلّق احدهما جاۤء الاختيار فهو ان شاۤء فعل و ان شاۤء ترك هذا في الميل الفعلي و امّا الميل الذّاتي فهو مختار في كل واحدٍ من شِقَّيْه اي مختار في ميل الوجود نفسه الي ما يقتضيه و في ميل الماهية نفسها الي ما تقتضيه .
اقول لمّا كان للشئ ميلان متعاكسان ميل من وجوده الي انواع الخيرات و الطاعات و ميل من ماهيته بعكس ميل الوجود يعني الي الشرور و المعاصي يكتفي بمتعلق احدهما يعني ان الشئ المركب منهما و هو المكلّف يكتفي في سدّ فاقته و بقاۤئه بمتعلق احدهما من الطاعات او المعاصي علي الانفراد او علي التعاقب لأنّ متعلق كل ● منهما عام لكل ما يحتاج اليه بحيث لايحتاج في طلب الطاعات و الخيرات الي شئ لايوجد في متعلق ميل الوجود الّا في متعلق ميل الماهية و في طلب المعاصي و الشرور لايحتاج الي شئ لايوجد في متعلق ميل الماهية الّا في متعلق ميل الوجود بل كل شأن من شئون احدهما يوجد [ص 401] في متعلق ميله لأنّه سبحانه خلق جميع ما خلق لعباده صالحاً لأحد السلطانين و اليه الاشارة بقوله تعالي انا جعلنا ما علي الأرض زينة لها لنبلوهم ايّهم احسن عملا و لمّا كان له الميلان المتعاكسان كما سمعت جاۤء الاختيار اي ثبت له الاختيار بمعني انه ان شاۤء فعل باحد الميلين و ان شاۤء ترك بالميل الآخر و قولي يكتفي بمتعلق احدهما ، جملة فعلية وقعت صفة لقولنا ميلان و لو جعلتها حاليةً جاز علي بعد و هذا الكلام بيان للميلين الفعليين و اما الميلان الذاتيان لهما فالشئ المركب من الماۤئلين الوجود و الماهية مختار فيهما بمعني ان ميل كل بذاته الي قطب استغناۤئه بقابليته عن اختيار مساوق لكونه و هذا المعني من اسرار القدر التي تسافلت عنها افهام الفحول من العلماۤء و وفق ( و وقف خل ) لها من سبقت له العناية و الله يرزق من يشاۤء بغير حساب فان الشئ مختار في ميل كل من شقَّيْه الوجود و الماهية فيميل وجوده الي الطاعات باختيار الشئ لحصول ميل ضدّه عنده و باختيار الوجود نفسه لحصول ميل ضدّه معه و تميل ماهيته الي المعاصي باختيار ● الماهية نفسها لحصول ميل ضدّها معها كل الي ما يقتضيه و ميل الجزء باختياره ايضا لحصول الموجب للاختيار و هو وجود الضدّ فان الشئ انما كان مختاراً لتقوّمه بتركّبه من الضدّين ● كذلك يعني انما كان مختاراً لتقوّمه في نفسه بانضمام ضدّه اليه كما تقدّم من انّ كل واحد من الوجود و الماهية يعتبر في وجوده و تحققه وجود الآخر اذ كل ممكن زوج تركيبي و كل منهما ممكن فالشئ مركب منهما و الوجود مادته نفسه و صورته انضمام [ص 402] الماهية اليه و الماهية مادتها نفسها و صورتها ضمّ الوجود اليها فكما كان الشئ مختاراً لتركّبه من الضدّين الماۤئلين علي التعاكس كذلك جزؤه كان مختاراً لتركّبه من نفسه و انضمام ضدّه اليه و هما الماۤئلان علي التعاكس .
قلت و بيان ذلك ان الوجود لايشتهي الّا النّور و لايشتهي لذاته الظّلمة و ان اشتهاها بالعرض و الاعتياد الذي هو عرضي و لايمكن في ذاته من حيث صدوره بفعل اللّه اَنْ يشاۤء الظلمة لانها جهة الماهية منه فلايمكن ان يشاۤء الّايشاۤء ما يشاۤؤه اذ المشية واحدة فلاتنبعث حيث لاتنبعث و كذا الكلام في الماهية نفسها من حيث هي .
اقول هذا بيان لنفس الميل بأن اصل منشأه الشهوة و طلب الملايم و هو المراد بالاستمداد من النوع كما مرّ لأنّ الميل الذاتي لايكون من الشئ لما ينافي ( ينافر خل ) طبيعته فلذا قلنا ان الوجود لايشتهي الّا النور و كذا الماهية و اما اذا مال الوجود الي الظلمة في حال كونه مغلوباً فانه ميل بالعرض و الاعتبار الذي هو بالعرض لا بالذات الذي هو شأن صدوره بفعل الله فانه لايشتهي لذاته عنه الّا النور فاذا كان كذلك لايشتهي من ذاته الظلمة اذ لايمكن ان يشاۤء من ذاته عدم مشيته لما يشاۤء من ذاته فانه اذا كان يشاۤء من ذاته النور لايشاء عدمه اذ يلزم ان يشاۤء ما لايشاۤء لأنّ المشية واحدة فلاتنبعث لغير موجب انبعاثها لأنّه ( لانّها خل ) ضدّ فيكون انبعاثه بموجب عدم انبعاثه و هو محال و اما بالعرض فلا بأس به كما قلنا و كذا الكلام في الماهية .
قلت و لايُظن انّ هذا منافٍ لما نذكره من انه لايكون شئ من شئ الّا باختيار و لا جبر في جميع الاشياۤء لا لَهٰا و لا منها لانّ الوجود لا شيئيّة له [ص 403] الّا في الماهيّة و الماهيّة لا شيئيّة لها الّا بالوجود و ما ليس له في حقيقته بكل اعتبار الّا جهة واحدة لايمكن فيه تعدّد مَيْل او اختلاف انبعاث و ليس هذا جبراً لان الجبر اَنْ يميل الشئَ غيره علي خلاف مقتضي ذاته او بغير ميل ذاته و هذا بمَيْلِ ذاته فليس جبراً فهو اختيارٌ اذ لا واسطةَ بينهما .
اقول لاتظنّ انّ هذا و هو انّ كل واحد من الوجود و الماهية اذا كان مغلوباً يكون له ميل عرضي الي خلاف ما يقتضيه ذاته فانه اذا كان مغلوباً فهو مجبور علي خلاف ما يقتضيه و لايراد من الجبر غير هذا فلايكون منافياً لما تذكرونه بعد هذا من انّه لايكون شئ من شئ اي لايصدر من شئ حركة او سكون في غيبه او في شهادته الا باختيار منه و ان جميع الأشياۤء من الناطق و الصامت و الحيوان او النبات او الجماد من الذوات او الصفات لا جبر فيها ، لا لها اي لايجبرها غيرها و لا منها اي و لاتجبر غيرها لما سنبيّنه من ان ما ترونه في كون الشئ يسلك به غيره غير ما يكون من شأنه مثلاً اذا رميت الحجر الي جهة العلو فان صعود الحجر بغير اختياره اذ شأنه النزول و لانريد بالجبر الّا هذا و ليس هذا جبراً لأنّ الرامي للحجر ليس قاسراً له و انما هو معين له لأنّ في الحجر امكاناً ناقصاً للصعود فكان دفع الرامي له الي جهة العلو متمّماً لما يمكن منه كما يأتي و مضي بعض الاشارة الي هذا فراجع و ايضاً انما قلنا انّ الوجود لايشتهي الّا النور و ان مال مع الماهية في فعلها للظلمة ليس لذاته و انما هو ميل عرضي لأنّ الوجود في ذاته [ص 404] بسيط لا شيئية له و لا تحقق من حيث نفسه الا في الماهية التي لاتشتهي الّا الظلمة و ذلك لأنّه لما كان في ذاته بسيطاً لأنه نور و به ● امتنع تعدد ميله من ذاته و انما يميل الي النور خاصة الذي هو من نوعه و اما اعتبار شيئيته من نفسه ليلزم تعدده في ذاته فيتعدد ميله فيميل الي الظلمة كما يميل الي النور فلأنّ ملاحظة شيئيته هي ملاحظة ضدّه اعني الماهية اذ لا شيئية له الّا بالماهية ● التي ميلها عكس ميله فليس فيه لذاته تعدد فلايميل الي الظلمة بذاته قطّ و اما انضمام الماهية اليه الذي قلنا انه صورته التي يتقوم بها فحاصل ميله انما هو الي الظلمة اذ ليس الانضمام جزءاً لذاته من جهة محدثه و كذلك الماهية لاتشتهي النور لبساطة ذاتها فلايكون لها ميلان ذاتيان و اما شيئيتها من ربها ليس الا ضم الوجود اليها و ميله الي النور فليس ذات احدهما مركبة لان التركيب المعتبر في كلٍ ممكن بحيث تكونُ ( ذاته خل ) مركّبة انما هو في الشئ الممكن لا في اجزاۤئه و اما فيما كان حصّة من مركّب كحصة الحيوان للانسان فهي مركب و يجوز ان يكون له ميلان فان الحيوان جسم متحرك بالارادة فللحصّة منه ميل الجسمية و ميل التحرّك بالارادة الذي هو الفصل الاضافي و ما كان حصّة من بسيط فليس له الا ميل واحد كالحصّة من الوجود و الماهية و الفارق بينهما ان البسيط هو الذي لايظهر الا مع انضمام فصل و الحصّة المأخوذة منه كذلك و المركب هو الموجود قبل اخذ الحصة كالخشب فانّه موجود قبل حصّة السرير و كالحيوان في مثالنا و المايز بين الحصتين انّ المأخوذ من نفس المادة [ص 405] بسيط له ميل واحد و هذا لايدخل في الأكوان الّا مع صورته التي هي فصله و المأخوذ من المادة و الصورة النوعيتين مركب له ميلان فافهم و قولي لأنّ الجبر ان يميل الخ ، هو ما قلت لك ان الجبر اَنْ يميل المجبر المجبور الي غير ما يمكن في ذاته لا بالفعل و لا بالقوة و امّا اذا ماله بما في قوته فهو مما يمكن في ذاته الّا انّه ناقص لايقتضي الميل بدون معين و المجبر متمم لنقصه فعلي هذا لايمكن الاجبار اصلا و انما ( انما الممكن خل ) القلب لحقيقته ثمّ بعد القلب يقتضي الميل بنفسه او بمتمم و القلب ايضاً لايكون الّا فيما يمكن كذلك فالاجبار في الحقيقة اي الاجبار الحقيقي ممتنع فافهم و يأتي تمام هذا الكلام .
قلت الّا انه يقال عليه انه جزء اختيار لان المعروف من الاختيار هو الميل الي جهتين مختلفتين لداعيين مختلفين عن الارادة المركّبة من ذلك الشئ المركب فهذا الاختيارُ هو الاختيار الناقص و نظيره المعني الذي في الحرف فاِنّه اذا ضُمَّ اِلَي غيره تَمَّ المعني و لايقال ان هذا هو اختيار الواجب لبساطة ذاته فليس له الّا اختيار جهة كما قاله كثيرون من ان وحدة مشيته ينافي الاختيار و امّا امر ان شاۤء فعل و ان شاۤء ترك فحكم راجع الي الممكن من حيث هو .
اقول قولي الّا انه يقال عليه الخ ، اريد به انّ كون اختيار الوجود او الماهية متحققا مع انه ليس له ميلان يمكن ان يقال عليه انه جزء اختيار و يراد من جزء اختيار انه اختيار ناقص لأنّه ● احد شقي الاختيار فانّ احد شقي الاختيار موجب لأنّ المعروف من الاختيار عند الاطلاق هو الميل الي [ص 406] جهتين مختلفتين بميلين مختلفين لداعيين مختلفين عن الارادة المركّبة الاختيارية لأنّها مركّبة من ارادتين علي التعاقب منبعثين من ذلك الشئ المركب و ليس المعروف من الاختيار عند الاطلاق الميل الطبيعيّ الجبلّيّ ليمكن ان يراد من جزء الاختيار احد ميلي شقي المركّب لأنّ هذا علي الظاهر من نوع الايجاب بل معناه يرجع الي الاختيار الناقص و المراد بهذا النقص ملازمة الماۤئل لشئ واحد غالباً لضعف اعتبار ميل الجهة الضدّيّة حتي يضمّ اليه الضدّ كما في الشئ المركّب و نظيره المعني الذي في الحرف فانه معني ناقص و لهذا قيل الحرف ما دلّ علي معني في غيره و مثله قول اميرالمؤمنين عليه السلام لأبياسود الدؤلي و الحرف ما دلّ علي معني ليس باسم و لا فعل ، فاذا ضمّ الي ذلك المعني معني آخر فان المعني حينئذٍ يتمّ و لايقال انّ هذا يعني جزء الاختيار هو اختيار الواجب تعالي لكمال بساطته سبحانه فليس له الّا ميل واحد فليس ( لَهُ خل ) الّا اختيار جهة واحدة لأنّ التعدد يلزم منه التركيب كما قاله كثيرون مثل الملّا صدرا و داماده الملّا محسن ● في الوافي و هو عبارة عبدالرزاق الكاشي في شرح فصوص ابنعربي من انّ وحدة مشيته تنافي الاختيار لأنّ المشية نسبة تابعة للعلم و العلم نسبة تابعة للمعلوم و العلم و المعلوم ● انت و احوالك و اما حكم ان شاۤء فعل و ان شاۤء ترك فحكم راجع الي الممكن من حيث هو بمعني ان ايّ الطرفين وقع فهو الذي عليه الممكن في نفس الأمر نقلت بعض كلامه في الوافي بالمعني و صرّح الملّا صدرا في كتبه منها شواهد الربوبية انّ الاختيار الذي [ص 407] يوصف به الواجب و ينسب اليه هو القصد الي الفعل و الرضا به لا انّه ان شاۤء فعل و ان شاء ترك حتي ان الملّا محسن (ره) في الوافي قال فليس للحق الّا وجه واحد و هو الذي يليق لشأن الحق سبحانه و هذا كله غلط بل هو سبحانه مختار بمعني ان شاۤء فعل و ان شاۤء ترك و لايلزم من هذا تغيّر علمه كما توهموا لأنّه يعلم انّ هذا يكون متحركاً ان شاۤء ذلك و يكون ساكناً ان شاۤءه فاذا غيّر شيئا غيّر ما علم انه يغيّر الي ما علم فلايلزم تغيّر علمه تعالي و انما يلزم ثبات علمه .