قلت و كل ملك موكل بشئ واحد من الخير لا غير و ضدّه شيطان موكّل بضدّ ما وكّل به الملك من الشرّ لا غير فاذا طلب الوجود من العقل شيئا من الخير و طلبه العقل بجنوده طلبت الماهيّة ضده من النفس الامّارة بجنودها فوقع بينهما الحرب فان غلب العقل قتلَ ذلك الملكُ ذلك الشيطانَ الخاۤصّ بمضاۤدّته و ذلك بعون من اللّه سبحانه و ان غلبت النفس الامارة ذهب ذلك الملك عن ذلك الشئ و لحق بمركزه من الوجود يعبد الله و استولي ذلك الشيطان الخاصّ علي ذلك الشئ و ذلك بتخلية من الله سبحانه .

اقول كل ملك من جنود الملك الذي علي اذن القلب اليمنٰي موكل بشئ من الخير مثلاً فعل الصلوة موكل بها ملك و الباعث الي فعلها موكل به ملك فاذا مال الوجود بشهوته الي فعلها ليستمدّ به طلب من العقل ذلك و ان يسخّر لها الدواعي و الأركان و اعانه الملك المؤيّد مع جنوده و مالتِ الماهية الي ترك الصلوة و طلبت من النفس الأمّارة بالسوء ذلك و ان [ص 348] تسخّر له ( لها خ‌ل ) الدواعي و الأركان بالتكاسل و التهاون و اعانها الشيطان المقيّض مع جنوده فيقع بين العسكرين الحرب فان كان الغالب عسكر الوجود تسلّط الملك الخاص بفعل الصلوة علي الشيطان الخاص الموكل بترك الصلوة فيقتله و يجلس مكانه فيتباعد الشيطان ● و تخرج عن محل الترك للصلوة و تحيط بذلك الملك الجالس كثير من الملائكة و لايزال الحكم هكذا مثلاً كل حين يقتل ملك شيطانا حتي تستولي الملائكة علي مملكة النفس الأمّارة من القلب فتأسرها الملائكة و يأتون بها الي العقل فيعلمها ممّا علّمه الله حتي تكون مطمئنة فتكون اخت العقل بان تريد ما يريد و عليه تأويل قوله تعالي فان تابوا و اقاموا الصلوة و آتوا الزكوة فاخوانكم في الدين و ان كان الغلبة لعسكر الماهية تسلط الشيطان الموكل بترك الصلوة ● و استولي باعوانه علي الترك و جري القضاۤء علي الشخص بالخذلان و العياذ بالله خرج ذلك الملك الموكل بفعل الصلوة و لحق بمركزه يعبد الله و جلس الشيطان يعبد الماهية من دون الله و يجري باعوانه في الأركان فتكسل عن فعل الصلوة و يجلس الدواعي الي فعل الصلوة من جهة العقل و يطلقها من جهة النفس الأمّارة و لايزال هكذا حتي يرتفع العقل عن محله و تستولي النفس علي ذلك المحل و تعلّمه مما ابتدعته الماهية من سنن انيّتها حتي يكون ذلك المحل اخاً للنفس الأمّارة يريد ما تريد و هو النكراۤء و هو الشيطنة و يجري القضاۤء بتأويل قوله تعالي و ان نكثوا ايمانهم من بعد عهدهم و طعنوا في دينكم فقاتلوا ائمة الكفر الآية ، و المراد بالنكتة البيضاۤء التي في [ص 349] القلب هي نور العقل و بالنكتة السوداۤء التي فيه هي ظلمة النفس الأمّارة كما في الأخبار و المراد ببياض القلب و بسواده بغلبة احدي النكتتين هو ما اشرنا اليه من حال صفة القلب عند غلبة العقل و الملك و جنوده او غلبة النفس الأمّارة و الشيطان و جنوده كما اشرنا اليه فافهم .

قلت : و لذلك مثال و بيان علي سبيل الاشارة فالاول اعلم ان الشمس اذا اشرقت علي الجدار استنار وجهه بشعاع الشمس و ظهر الظل من خلفه و لولا الجدار لماظهر نور الشمس و ان كان منها و لولا الشمس لَماظهر الظل من الجدار و ان كان منه فالاستنارة من الشمس بالجدار و الظل من الجدار بالشمس و اعلم انا نريد بالجدار نفس النور من حيث نفسه لا من حيث الشمس .

اقول انّ ما نحن بصدد بيانه من ابتداۤء هذه الفاۤئدة بيان صدور افعال العباد عنهم علي جهة الاختيار بحيث يتحقق المنزلة التي هي الحق بين المنزلتين الباطلتين اللتين هما الجبر و التفويض و قد قدّمنا ما فيه بيان منشأ الاختيار و كيفية صدوره و هنا ذكرنا مثالاً لصدور الأفعال من المكلّفين علي نحو ما ذكرنا من المنزلة بين المنزلتين اذ لايصدر فعل من افعال المكلفين ممّا امروا به او ندبوا اليه او نهوا عنه الّا علي نحو لايكون الفاعل مجبوراً بحيث يفعل بغير اختياره و لا مفوّضاً اليه بحيث يفعل ما يشاۤء بل علي حال وسط و هو انه مختار و الله تعالي سبحانه لم‌يفعل فعله و لم‌يشاركه فيه و لم‌يكن مستقلاً مفوّضاً اليه بان اهمله الله في ملكه يفعل فيه ما يشاۤء كيف يشاۤء و ذكرت للمنزلة الحق [ص 350] مثالاً و بيانا امّا المثال و هو النور الواقع علي الجدار عند طلوع الشمس و عكسه و ذلك ان الشمس اذا طلعت و لم‌يقابلها كثيف كالأرض و الجدار لم‌يظهر لها النور المنفصل اعني الشعاع الواقع علي الجدار و انما قلتُ المنفصل لأنّي اريد انه انما يظهر بقابله كالجدار و قبل الجدار ليس موجوداً في الأكوان و انما هو موجود في الامكان لأنّه من الشمس بمنزلة صورتك التي تظهر في المرآة فانها قبل المرآة لم‌يكن ● شيئاً مكوّنا و ان كانت شيئاً ممكنا و لو كانت متصلة بك لكانت لازمة لك موجودة بوجودك وجدت المرآة ام لم‌توجد كما في صورتك القاۤئمة بك و لهذا قلنا المنفصلة فالنور الواقع علي الجدار لم‌يكن موجوداً مع الشمس و لهذا يقوي و يضعف ببياض الجدار و صقالته و عدمهما و هو في الحقيقة نور ظهورها للجدار لا النور الذي هو قاۤئم بجرمها الّا انه من تجلّيها فهو منها بالجدار لأنّ ظهورها ● متوقف علي كثافة الجدار فاذا طلعت وقع نور تجلّيها علي وجه الجدار و ظهر ظل الجدار من خلفه من الجانب الآخر و الظلّ ليس من الشمس و انما هو من الجدار لكنه لايظهر من الجدار الّا بالشمس فكان ظهور النور ليس من الشمس ليقال ان الجدار ليس هو المستنير و لا من الجدار ليقال انه هو المنير و انما هو بين بين يعني الاستضاۤئة انما تحققت بقابلية الجدار اي بكثافته فهو الفاعل لها الّا انه بالشمس لأنها منها و كان ظهور الظل ليس من الشمس ليقال انها هي الظلمة الكثيفة و لا من الجدار ليقال انه مستقل بايجاده طلعت عليه الشمس ام لم‌تطلع و انما الظل بين بين يعني ان الظل انما [ص 351] يتحقق بقابليته تجلي الشمس من حيث نفسه لا من حيث الشمس و من كثافة الجدار اذ هي حقيقته ( حقيقة خ‌ل ) لأنّه في الحقيقة صفتها فهو مخلوق منها فالجدار مثال المكلّف و الاستضاۤئة عن وجهه مثال الطاعة و الظل من خلفه مثال المعصية فكما ان الاستضاۤئة و ان كانت في الأصل من نور الشمس الّا انّها لاتظهر الا بالجدار كذلك الطاعة و ان كانت من فضل الله و رحمته الّا انها لاتظهر الا بفعل المكلّف علي جهة الاختيار بان يتمكن من المعصية و يتركها باختياره و يفعل الطاعة و لو لم‌تكن الطاعات باختياره لم‌يكن مطيعا لأنّه لايقدر علي تركها كما لو جبرت شخصاً علي الصلوة فانه غير مصلٍّ و انما فعل صورة الصلوة خوفاً منك فلم‌يكن مصلّيا و كما ان الظل و ان كان من الجدار الّا انه لايوجد و لايتحقق الّا بالشمس كذلك المعصية فانها و ان كانت من المكلف الّا انها لايتحقق الّا بقدر من الله بان يخليه و يحدث مقتضي فعله الاختياري اي يحدث صورة عمله الاختياري لأجل قابلية ذلك الفعل فانها اقتضت ان يحدث الله ذلك كما قال تعالي و قالوا قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فان كفرهم بقلوبهم علي جهة الاختيار اقتضي ان يطبع الله عليها و ايجاد مقتضي قابليته ● الفعل هو القدر لأنّه مساوق للفعل لا سابق و لا لاحق و مثال آخر الصورة في المرآة فانك اذا قابلتها وجدت فيها و المرآة مستقلة بتحريكها اذا تحرّكت اي المرآة و ان كنت ساكناً و انت مستقل بتحريكها اذا تحرّكت انت تحركت الصورة و ان كانت المرآة ساكنة فانت مثال امر الله و مقابلتك للصورة مثال قدر الله و المرآة مثال المكلف و الصورة مثال [ص 352] فعل المكلف في الخير و الشرّ فالمكلّف مستقل بفعله في الخير و الشرّ و لكن بقدر الله بمعني انّه لولا قدر الله لم‌يكن فعل اصلا كما ان الصورة التي تكونُ ( فِي خ‌ل ) المرآة مستقلة بتحريكها لولا انّك مقابل للمرآة لم‌تكن صورة اصلا فما الذي تحركه المرآة الا اذا كنت حافظاً للصورة بمقابلتك لها كذلك القدر مع فعل العبد فان حفظ الفعل و نشوه و تمامه و امضاۤءه بالقدر و اعلم انا اذا قلنا في نحو هذا المثال الجدار فانا نريد به نفس النور من حيث هو هو لا من حيث الشمس فانك اذا اعتبرته من حيث الشمس كان نورا و المخلوق منه يكون نورا و حيث اعتبرناه من حيث نفسه كان ظلمة و المخلوق منه يكون ظلمة كالظل و الليل و لو اردنا بالجدار نفس الجدار لكان لقاۤئل ان يقول ان المثل غير صحيح لأنّ علة الظل اذا كانت كثافة الجدار لم‌تكن الشمس دليلاً عليه و قد جعلها سبحانه عليه دليلا يعني بها يكون فيكون المراد فيما نحن بصدده انه هو المكلّف و المكلّف لم‌يكن مركباً من الوجود الذي مثل نور الشمس و من الماهية التي هي ظلمة ذلك النور اي انيته و ظله الذي به ظهر و من شئ آخر مثل الجدار في المحسوس ليكون المكلّف مركباً من ثلاثة اشياۤء و انما هو مركب من شيئين لا غير نور و ظلمة فمثال النور الذي هو الوجود استضاۤئة الجدار و مثال الظلمة التي هي الماهية ظل الجدار لأنّها خلقت من انية الوجود و انفعاله من حيث هو هو بل الماهية نفس تلك الانيّة و اين الجدار المغاير للنور و الظل في الانسان و انما مثّلنا بالجدار لكونه صورة نفس النور في ايجاد الظل و الّا لكان اجنبياً من الشمس كما [ص 353] في المحسوس و ليست مؤثرة فيه و لا في كثافته و لا فيما منها فلاتكون دليلاً علي ظله كما لايكون زيد دليلاً علي صفة عمرو و ظله فالمراد بالجدار في المثال نفس النور من حيث هو هو فافهم ان كنت ذا فهم .

قلت فالاستنارة تقوّمت بنور الشمس تقوّم صدور و بالجدار تقوّمَ تحقّقٍ و الظّل تقوّم بالجدار تقوّم صدورٍ و بنور الشمس تقوّم تحقّق ثم جعلنا الشمس عليه دَليلاً فالاستنارة آية الحسنة بفعل العبد من قدر اللّه و الظل آية المعصية من فعل العبد بقدر اللّهِ .

اقول استنارة وجه الجدار تقوّمت بنور الشمس تقوّم صدور لأنه هو المحدث لها في وجه الجدار و هو الحافظ بدوام الامداد بلا انقطاع لأنها تجليه بها علي وجه الجدار و تقومت الاستنارة بالجدار تقوّم تحقق لأن الجدار ● علة تكونه الذي هو علة تكوينه فان قلت هذا علي خلاف ما قررتم لأن الذي قررتم ان قيام التحقق انما يطلق علي القيام الركني و انما الموافق لما قررتم انها قاۤئمة بالجدار قيام ظهور قلتُ الأمر كما قلتَ ظاهرا و لكن قيام الظهور انما نقوله للفرق بين التحقق المادي الذي هو قيام تحقق و قيام ركنيّ و بين الصوري الذي اصطلحنا علي تسميته قيام ظهور و هو في الواقع كما هو قيام ظهور بلحاظ ان المادة في نفسها قبل الصورة و انها قبل حال الاجتماع موجودة في وجودها الامكاني او ( و خ‌ل ) الدهري فاذا لحظنا ان علة ظهورها في مرتبة كونها هو الصورة قلنا ان المادة تتقوم بالصورة قيام ظهور و اذا لحظنا ان الصورة جزء ماهية الشئ المركب منها ● كالسرير فان جزء ماهيته التي لاتتحقق بدونه الصورة [ص 354] الشخصية و ان الخشب بدونها لايدلّ علي السرير بواحدة من الدلالات الأربع الّا حال انضمام الصورة اليه فانه يقال ان المادة تقوّمت بالصورة قيام تحقق بلحاظ ان الصورة علة التكوين ( التكوّن خ‌ل ) و هو علة التكوين كما تقدّم فيقال انّ المادة قاۤئمة بالصورة قيام تحقق اذ لايتحقق تكوينها و لا تكوّنها الّا بها فلذا قلتُ قيام تحقق و لئلّايتوجه علينا الاعتراض و ان لم‌يكن صحيحا و هو انه اذا كانت الحسنة من العبد قاۤئمة به قيام ظهور كان العبد غير فاعل لها حقيقة و لما ثبت انه فاعل للحسنة دلّ علي ان قيامها به قيام تحقق اي بفعله لأنّ فعله هو صورة الحسنة و مادتها حصّة من امر الله اي من شعاع الحقيقة المحمديّة صلي الله عليه و آله و الأمر الشرعي الوارد بالخطاب للمكلّفين حامل صورة ذلك الشعاع قال اميرالمؤمنين عليه السلام نحن الصلوة و نحن الزكوة و نحن الأعمال و نحن الثواب و نحن العقاب انتهي ، نقلته بالمعني من اقواله عليه السلام و اذا عرفت هذا المثال فاعلم ان الله سبحانه ضربه مثلا لذلك يعرفه من يعرفه اذ لايعرف حكم المنزلة بين المنزلتين الّا بذلك و نحوه و المثل هو آية الممثل و دليله فالاستنارة في وجه الجدار هي آية للحسنة و مثالها بفعل العبد لأنّ العبد ليس من فعله الّا صورة الحسنة و من قدر الله تعالي لأنّ مادتها من قدر الله تعالي اعني من امر الله الذي ظهر لفظ الخطاب الشرعي و معناه علي صورته لأنّ الأمر الشرعي هو صورة امر الله الذاتي اعني ذلك الشعاع المادي اي النور الذي هو مادة الحسنات و الطاعات و لأجل هذا قلنا ان الحسنة بفعل العبد من قدر الله و لانريد بالقدر المادي الّا [ص 355] هذا الذي اشرنا اليه و اما القدر الايجادي الذي هو فعل الله الذي به خلق الحسنة و الطاعة من مادة امره الشعاعي و من صورة فعل المكلّف و امتثال امره التكليفي فهو فعل الله المتعلق بهندسة المفعولات بحدودها و به صور الحسنة و الطاعة و به نفخ فيها الروح من امره حتي كانت حورية او شجرة او مسكناً او ملبوساً او مأكولاً او مشروباً او غير ذلك من نعيم جنانه و دار رضوانه فافهم راشدا و الظل الذي ظهر بتلك الاستنارة في خلف الجدار آية المعصية و دليلها من فعل العبد المكلّف اي ان صورتها من فعل العبد و انما فرقنا في صورة الطاعة و قلنا بفعل العبد من قدر الله لأنّ حقيقتها وجود و الله سبحانه خلقه اوّلاً و بالذات و اذا نسبنا ما من العبد الي ما من الله كان ما من العبد طريقاً و مجازاً الي ما من الله كما اذا نسبنا ما من الجدار في حصول الاستنارة الي ما من الشمس كان طريقاً و مجازاً الي ما من الشمس الاتري انها اذا غربت الشمس لحقت بها فلذا نقول انها من الشمس و اليها تعود و قد قال الله تعالي اليه يصعد الكلم الطيّب و العمل الصالح يرفعه و في الدعاۤء الخير في يديك و الشر ليس اليك و قلنا في المعصية من فعل العبد بقدر الله لان حقيقتها عدمية اذ هي مخلوقة من نفس النور من حيث نفسه و انيّته لا من حيث المنير فهي ظلمة فكانت صورة المعصية من فعل العبد لأنّها اي صورة المعصية لم‌تصدر من فعل الله اوّلاً و بالذات اذ لم‌تكن مرادة لنفسها و انما اريدت لغيرها فهي مخلوقة ثانياً و بالعرض و ما ينسب الي قدر الله منها ليس [ص 356] لذاتها و انما هو لتحقق الطاعة كما مرّ و يأتي فهو عن القدر ثانٍ و بالعرض فلذا قلنا بقدر الله و لم‌نقل من قدر الله لأنّها بعكس الحسنة فلذا قال تعالي في الحديث القدسي الآتي و ذلك انّي اولي بحسناتك منك و انت اولي بسيئاتك منّي ، كما لو خاطبت الشمس الجدار لقالت انا اولٰي باستنارتك منك و انت اولٰي بظلك منّي فافهم .

قلت : و الثاني قال اللّه تعالي في الحديث القدسي و ذلك اني اولي بحسناتك منك و انت اولي بسيّئاتك مني و هو معني ما اصابك من حسنة فمن اللّه اي انا اولي بها و ما اصابك من سيّئة فمن نفسك اي انت اولي بها كما في المثال تقول الشمس يا جدار انا اولي بالاستضاۤءةِ منك لانها من نوري و ان كانت لاتتحقّق الّا بك و انت اولي بالظل منّي لانه منك و ان كان لايتحقّق الّا بي .

اقول المراد بالثاني البيان المذكور مع المثال و المراد بالبيان بيان الله تعالي للمنزلة بين منزلتين ( المنزلتين خ‌ل ) لأنّه تعالي خلق النور و الظل مثلاً و آيةً للخير و الشرّ اي الطاعة و المعصية و قد قال تعالي و تلك الأمثال نبيّنها لقوم يعلمون و قال تعالي و تلك الأمثال نضربها للناس و مايعقلها الّا العالمون و في قوله تعالي في الحديث القدسي بيان انّ الحسنة منه تعالي اي مددها و مادتها من قدره الذي هو شعاع امره الذي هو الحقيقة المحمديّة صلي الله عليه و آله و تكوينها من قدره الذي هو فعله بفعل العبد و هو صورتها كما ان احداث استضاۤئة الجدار من تجلي الشمس و مادتها من شعاعها المنفصل و صورتها من كثافة الجدار فلذا قال [ص 357] تعالي انا اولٰي بحسناتك منك لأنّ مادتها من قدره تعالي و ليس من العبد في الحقيقة الّا صورتها و صورتها و ان كانت جزء ماهية الحسنة لكنها اي الصورة جزء صوري مقداري و المادي اقوي من الصوري فلذا قلنا هي من ذي المادي و بذي الصوري اشارة علي ان الصورة هي قابليتها للايجاد و بالعكس في المعصية فمن هنا قال و انت اولي بسيئاتك منّي لأنّ مادتها من مخالفته للأمر و صورتها من فعله و المخالفة استدعت الخذلان منه سبحانه فلذا كانت به مادة للمعصية لأن المراد بالمخالفة ليس نفس معاكسة الأمر لأنّ تلك الصورة هي التي هي ● فعل العبد و انما المراد منها الأمر المخالف و نريد بكون مادة الحسنة من موافقة الأمر انّها نور الأمر المعمول به اي وجوده و مادة السيئة ظلمة الأمر المخالف اي ماهيته فافهم .

قلت فالحسنة من الله اَوّلاً و بالذات بمعني راجحية جهة الوجود فيها لرجوعها من جهة قدر اللّه الي فعله و بالعبد ثانيا و بالذات ايضا لانها من وجوده باللّه فهي من جهة فعل العبد ترجع الي وجوده الراجع الي فعل اللّه تعالي و السيئة من العبد اوّلا و بالذات بمعني راجحية ماهيّته فيها و باللّه ثانيا و بالعرض بمعني المساوقة في الوجود و تحقّق الماهيّة بالوجود المتقوّم بامر اللّه تعالي .

اقول انما قيل الحسنة من الله مع انها فعل العبد لأنّ جهة وجودها اعني جهة مادتها راجحة علي جهة ماهيتها اي صورتها لرجوع جهة مادتها بتقدير الله سبحانه الي فعله عز و جل فهي اثر فعله الصادر عنه [ص 358] و اما صورتها فهي فعل العبد المكلّف الواقع باختياره و هو و ان كان راجعاً الي الوجود لأنّه من بعث العقل بطلب الوجود الّا انه منسوب الي العبد المركب من وجود و ماهية فقد صدر ذلك الفعل عن داعيين ذاتي و عرضي فلايساوي الذاتي المحض لما في العرضي من الكراهة الملابسة فلذا رجحت جهة مادة الحسنة علي صورتها من وجوه منها جهة الذكورية لأنّ المادة هي اب الحسنة و الصورة امّها و منها خلوص ذاتية المادة و شوب الصورة و منها سبق المادة و اقربيتها و منها ان المادة روح الحسنة و الصورة جسدها كما يشير اليه حديث سيد الساجدين عليه السلام و منها ان مادة الحسنة من امر الله و قدره اوّلاً و بالذات و صورتها ثانياً و بالذات لكونها من العبد من جهة وجوده المتقوم بامر الله و قدره تقوّم صدور و تقوّم ركنيّ فلأجل ذلك كان ثانيا و ان كان بالذات و لأجل ما ذكر و نحوه قال تعالي انا اولي بحسناتك منك و اما السيئة فهي من العبد اوّلاً و بالذات و انما قلنا اوّلاً و بالذات مع كونها بقدر الله من جهة راجحية جهة ماهيته فيها لأنّ ما في السيئة من جهة ماهية العبد ذاتي في السيئة لأنها كانت برجحان دواعي النفس الأمّارة بطلب الماهية فكان ميل ماهية العبد في السيئة اقوي من ميل الوجود فيها بعكس الحسنة و ميل الوجود فيها بالعرض و التبعية و هو قولنا و بالله ثانياً و بالعرض لأنّ ما في السيئة من فعل الله التكويني هو ان اوجدها بمقتضي عمل العبد ● و انكاره و تركه الحق و من قدر الله انه خذله و وكله الي نفسه و من مفعوله الذاتي اعني [ص 359] الوجود و هو ميله مع ماهيته بالعرض و التبعية فكل ما فيها من فعل الله سبحانه و من قدره و من مفعوله الذاتي المستمدّ من النور اعني الوجود بالعرض و ثانيا و ما فيها من جهة ماهية العبد و ميولاتها و دواعيها بالذات و اوّلا و معني كونها في كل ما كان من فعل الله و قدره و مفعوله اي الوجود بالعرض انّها اي ماهية العبد الفاعل للسيئة مساوقة في الظهور للوجود بمعني انها خلقت من نفسه من حيث هو لا من حيث النور كما خلق الظل مساوقاً لاشراق الشمس بنورها من نفس النور من حيث هو لا من حيث الشمس و الّا لكان نورا فالماهية راجعة الي نفس الوجود من حيث هو و الوجود راجع الي نور الله الذي هو امره الذي به قام كل شئ .

قلت فمشيّة العبد للحسنة بالذّات من مشيّة الله لها بالذات و مشية العبد للسيّئة بالذات من مشيّة الله بالعرض علي نحو ما اشرنا لك اليه و اسلك طريقا بين هذه الحدود جامعاً لها علي نحو ما يأتي و هذا الطريق الجامع هو سبيل الله قال تعالي فاسلكي سبل ربّكِ ذُللاً .

اقول يعني انّ مشية العبد للحسنة هي من ميل الوجود الذي هو حقيقة العبد من ربّه فهي مشية ذاتية له و للحسنة ايضا لأن الحسنة ايضاً يرجح فيها جهة النور كما تقدّم و هي من مشية الله للحسنة بالذات لأنّها هي المطلوبة من المكلف و مشية العبد للسيئة ايضاً بالذات لأنّ هذه المشية من ميل الماهية التي هي حقيقة العبد من نفسه و انيته فهي ذاتية له و للسيئة لأن السيئة يرجح فيها جهة الظلمة كما مرّ [ص 360] فمشيته لها بالذات من مشية الله لها اي السيئة بالعرض لأنّ السيئة ليست مطلوبة من العبد و انما مكّن من فعلها بان جعلت مشيته و آلات فعله صالحة لها و ان كانت انما خلقت للطاعة ليتمكن من فعل الطاعة اذ لو فعل الحسنة و لم‌يقدر علي السيئة لم‌يكن محسنا و لايكون محسناً حتي يتمكن من السيئة و يتركها و يفعل الحسنة فكانت السيئة و التمكين منها مطلوباً لله تعالي ثانياً و بالعرض لتتم الحسنة فافهم و قولي و اسلك طريقا بين هذه الحدود الخ ، اريد به انك اذا عرفت ان الحسنة من فعل الله يعني بمحبته و تأييده و من وجود العبد و ان السيئة من فعل العبد بتمكين الله له منها لتتم له الطاعة و ان الحسنة لكانت من فعل العبد و بقدر الله يعني بتمكين الله تعالي للعبد منها لأجل ان يتمكّن من الحسنة و عرفت ان قدر الله الذي قام به كل شئ هو الحافظ للعبد و لأفعاله الخير و الشرّ كما ذكرنا سابقاً علي نحو ما تحفظ المادة صورة السرير و صورة الصنم فكما ان خلق الله الخشب لمنافع العباد لايكون به فاعلاً لصنم ● و لا معيناً لعامليه و عابديه كذلك خلقه للقدر المادي لمنافع الخلق لايلزم منه كونه فاعلاً لأفعال العباد بل هم الفاعلون لافعالهم لم‌يشاركهم فيها و لم‌يهمل العباد في ملكه و سلكت بين ذلك خارجاً عن كلا الطرفين عن الاجبار و التفويض فقد سلكت سبل ربك ذللا اي منقاداً لما اشار اليك في آياته و علي السن اولياۤئه من ان الله لايظلم العباد و لايهملهم في ملكه ففي التوسط بين هذين منزلة لايعلمها الا العالم عليه السلام او مَن علّمه ايّاها العالم (ع) كما في رواية [ص 361] التوحيد عن سيد الساجدين عليه السلام .

قلت : و اصل المسئلة هو ان تعلم ان الشئ انما يتحقق بوجوده و ماهيّته و ذلك لانه ( الّا انه خ‌ل ) لا قيام له بنفسه لا في افراده و لا في المجموع و انما يتقوّم بامر اللّه قيام صدور فهو قاۤئم به ابداً قيام صدور فهو طريّ ابداً و اليه الاشارة بقوله تعالي و من اياته ان تقوم السماۤء و الارض بامره و في دعاۤء يوم السبت رواه في المصباح قال (ع) كل شئ سواك قامَ بامرك .

اقول في هذا الكلام اشارة الي بيان كيفية قيام الأشياۤء بامر الله لاحتياجها في صدورها و في بقاۤئها الي الامداد و المدد و ذلك لتعلم ان الشئ لايتحقق الّا بوجوده و ماهيته فهو متقوم بهما قياماً ركنيّا فانه ليس مستقلا و انما هو متقوم بغيره سواۤء اعتبر ذلك في نفسه ام في افراده ان كان ذا افراد ام في اجزاۤئه بل و في لوازمه و اشراقاته و اعلم انّا قد اشرنا انّ امر الله الذي به تقوم الأشياۤء يطلق علي شيئين : احدهما فعل الله و هو المشار اليه بقوله تعالي الا له الخلق و الأمر و هذا تتقوم به الأشياۤء تقوّم صدور فكل شئ من فعل الله في حال صدوره و بقاۤئه طريّ ابدا فاوّل آناته كآخره اذ وجوده انما هو شئ بفعل الله سبحانه فلا تحقق له في البروز في عالم الاكوان الّا بالفعل فهو منه كالنهر الجاري من الينبوع و الآخر اوّل مفعول صدر عن الفعل و هذا تتقوم به الأشياۤء تقوّماً ركنيّاً كتقوم السرير و ابناۤء نوعه بالخشب و المراد بهذا الوجود هو الماۤء الذي جعل منه كل شئ حيّ و هو الحقيقة المحمديّة صلي الله عليه و آله فان الأشياۤء كلها موادها التي تتقوم بها من اشعتها او اشعة اشعتها و الآية المذكورة و الدعاۤء يحتمل الامر منهما ● علي الوجهين بان يكون المراد بالامر العلة الفاعليّة او العلة الماديّة .

[ص 362] قلت الّا انه في كل حال نهر يَجري مستديراً استدارة صحيحة و ليس قولنا انه نهر يجري انه داۤئرة بل هو كرة مجوّفة و افعاله ايضا قاۤئمة بامر الله من جهة ما تقوّمت به ذاته تَقوُّماً تَبعِيّا علي نحو ما اشرنا اليه سابقا و المراد بالتّبَعي ان يكون نسبة ما تقوّمت به الافعال اِلَٰي ما تقومت به الذات نسبة الشعاع الي المنير نسبة واحد من سبعين .

اقول يعني انّك اذا اعتبرت حال استمداد الشئ في حال جريان المدد عليه من فوّارة القدر و انه لايمدّ الّا بما له و ان ما انفصل عنه عاۤئد اليه كان كالنهر الجاري علي الاستدارة بان يكون آخره متّصلاً باوّله بمعني ان ما يأتيه انما هو مما له و ان ما ذهب منه بعد استمداده به عاۤئد اليه مدداً جديدا سواۤء رجع في انفصاله عنه و ذهابه منه الي غيب الأكوان ام الي غيب الامكان فانه لايأتيه ما ليس له و لا منه و لايأتيه الّا مدد جديد من جهة ينبوع استغناۤئه التي هي مبدء فيض امداده و تلك الينبوع ليست في جهة و لا مكان و لا وقت بل تظهر الافاضة عليه من كل جهة فيكون في استمداده كرة صحيحة الاستدارة مجوّفة لأنها تدور علي نقطة هي علتها لا الي جهة و اعلم ان بعض من وصل الي ساحل هذه اللُجّة قال بأن الشئ لايوجد بعينه في آنين بل يتبدل في كل لحظة تبدّلاً سيّالا فهو في كل آن غير ما قبله و ما بعده مغايرة حقيقية ( حقيقة خ‌ل ) لأنّه نهر يجري و النهر في كل لحظة هو غير ما قبل ذلك و ما بعده فالذاهب منه لايعود ابدا و الآتي اليه لاينقطع ابدا و قد اخطأوا و غلطوا لأنّه لو كان كما يقولون لكان في جميع احواله جديداً طريا فلاتتصف ذاته بطاعة و [ص 363] لا معصية لأنّها كلها تذهب و لم‌يبق شئ منها له و لا عليه فيأتي يوم القيمة لا ثواب له و لا عقاب عليه لذهاب كل جارحة مع ما كسبت و فناۤء كل طبيعة بما اقتضت و ليس كذلك بل قوله تعالي لها ما كسبت و عليها ما اكتسبت و قوله تعالي فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره و من يعمل مثقال ذرّة شراً يره و قوله سيجزيهم وصفهم و قوله و لكم الويل مما تصفون ، ان هذا ما كنتم به تمترون و امثال ذلك تنادي بعدم فناۤء شئ منهم و لا من اعمالهم فلما دل الدليل علي عدم الاستقرار و الثبات و علي عدم الاستغناۤء عن الامدادات ظهر بانّ اعمالهم لازمة لهم و ليس الا لبقاۤئهم و قد قال عليه السلام و انما خلقتم للبقاۤء و انما تنقلون من دار الي دار ، و هذا كله مترتب علي ما اشرنا اليه من انّه نهر يجري مستديراً و يستمد اوله من آخره و عاۤئده من ذاهبه و انّه لايمدّ الّا ممّا له فان ما ذهب عنه و لحق بغيب كونه او بامكانه هو ما يمدّ به و فاۤئدة هذا مع ما ذكرنا من لزوم الأوصاف و الأعمال انه اذا تكرر في اطوار الكسر و الصوغ و الحل و العقد نعّمت اجزاؤه و تلززت ذراته و قويت بنيته و صفت طينته و ترقّت بتكرار الحل و العقد و الكسر و الصوغ الي غايات كمالاته لتردده في مراتب اطواره و هذا ظاهر لمن عرف كيفية تكوين الأشياۤء في مراتب اطوارها فان الياقوت انما عزّ و تميّز عن اصله الذي هو التراب بكثرة السحق و الحل و العقد و الطبخ علي النظم الطبيعي حتي تخلّص عن الأوساخ و الأعراض و زالت عنه الغرايب و نضج بكرّ الكواكب عليه فكذلك جميع الأشياۤء فلذا تنتهي الي غاية كمالاتها من غايات [ص 364] الخيرات او الشرور و قولي و افعاله ايضا قاۤئمة بامر الله تعالي الخ ، اريد به ان افعال المكلّف من حيث كونها محفوظة بامر الله انّها قاۤئمة بامر الله الذي هو فعله و الذي هو مفعوله الأوّل من جهة ما تقومت به ذاته يعني ما تقومت به الأفعال مطلقاً اي صدوراً و امداداً هو ما تقومت به الذات فنسبته الي ما تقومت به الذات نسبة الأفعال الي الذات فكما انّ الأفعال صفات فعلية للذات كذلك الأمر الذي تقومت به الأفعال صفات فعلية كذلك لما تقومت به و هي نسبة الشعاع الي المنير و رتبته في الشدّة و الضعف نسبة الواحد من السبعين و هو جارٍ في الأفعال كجريان اصله في الذوات بمعني ان الذوات قاۤئمة بالأمر الفعلي قيام صدور و بالأمر المفعولي قياماً ركنيّا كذلك الأفعال قاۤئمة بالأمر الفعلي الذي تقومت به الذوات قيام صدور كأصله و بالأمر المفعولي الذي تقومت به الذوات قيام تحقق اي قياماً ركنيّا و لكن لايشتبه عليك من كلامنا انا نريد انّ الأفعال صادرة بأمر الله ليكون المكلّف مجبورا و انما نريد به ان هذه هي الحافظة للأفعال و فاعلها المكلّف كما قلنا سابقا ان الحافظ للصورة التي في المرآة من حيث التقوم الصدوري و الركني هو مقابلة الشخص لها و مع هذا فهي اي المرآة مستقلة بتحريكها و تسكينها مما هو من جهتها كما ان امر الله تعالي مستقل بتحريكها و تسكينها مما هو من جهته فافعال المكلّف الاختيارية مستندة في صدورها اليه علي جهة الاستقلال لا الي حافظها كما توهمه كثير من اهل المعرفة كالملّا محسن و شيخه الشيرازي و اضرابهما فانهم كثيراً ما يقولون بأن المنزلة التي بين المنزلتين لايعثر [ص 365] عليها اهل الظاهر و لايعرفها الّا اهل الكشف و الشهود و ربما بيّنوها فقال الملّا محسن في كتابه قرة‌العيون ما معناه كما ان خلق الموصوفات متفرد به الباري سبحانه لايشاركه في صنع شئ منها احد من خلقه كذلك خلق الصفات و الأفعال ● و معلوم عند كل من نظر عبارته و فهم مقصوده منها انه قول المجبّرة بان افعال العباد من الله اذ لا مؤثر في الوجود الّا الله و نحن نتبرء الي الله من هذا القول بل افعال العباد منهم و هم لها فاعلون كما قال سبحانه و لهم اعمال من دون ذلك هم لها عاملون و ان كنّا نقول بأن الله حافظ للمكلّف و لأفعاله بامره بمعني انه تعالي سبق لهم ● و لأفعالهم بامره تعالي الّا ان افعالهم صادرة منهم باختيارهم هم لها فاعلون علي الاستقلال لم‌يشاركهم سبحانه فيها و لم‌يكن فاعلاً لها .

قلت فالذات قامت بامر اللّه و افعالها قامت بنور ذٰلكَ الامر و اختلافها علي حسبِ اختلاف مراتبه من ذلك الامر فالامر هو الحفيظ لها كما ذكرنا و الفعل المحفوظ مستند الي فاعله المحفوظ و حفظ الاستناد من ذلك الامر ايضا و الي هذا المعني الاشارة بقول الرضا (ع) هو المالك لما ملّكهم و القادر علي ما اقدرهم عليه .

اقول هذا الكلام تكرير لبيان كون امر الله حافظاً للعبد المكلف و لأفعاله و المكلف المحفوظ بهذا الأمر فاعل لأفعاله المحفوظة بنور ذلك الأمر اذ لو لم‌يحفظ المكلف لم‌يكن شيئاً بحيث يفعل او لايفعل و لو لم‌يحفظ له فعله لماقدر ان يفعل شيئاً لم‌يحفظ له و عليه فقلت الذات قامت بامر الله الذي هو فعله قيام صدور و بامر الله الذي هو مفعوله الأوّل قيام [ص 366] تحقق يعني قياماً ركنيّا فكان امر الله الفعلي حافظاً لها بالايجاد و امر الله المفعولي كان حافظاً لها بالامداد فبالوجهين كانت شيئاً يصحّ التكليف لها و يقع منها الفعل و افعالها اي افعال الذات قامت بنور ذلك الأمر الذي قامت به الذات و ذلك النور هو صفة الأمر لأنّه امر من امر الله و هو شيئان كالأمر فصفة فعل الله قامت بها افعال الذات قيام صدور و صفة مفعول الله قامت بها افعال الذات قياماً ركنيّا و هذا مثل ما في الذات و اعلم اني قد كشفت لك من سرّ القدر ما لاتجده في غير هذا الكتاب الّا فيما كتبناه في غيره و ذلك من اسرار اخبار الائمة الأطهار عليهم السلام و ليس من الانتحال و لا من التوهم و الخيال و لم‌ابق عنك في هذا الّا ما لايسعه في المقال ● و انا اوقفك علي ما كتمته فان وصلت الي حدّه من مصدره فهمته و الّا فلاتفهمه و ايّاك ان تخرج عن حدود الحق الذي ذكرته و انا اذكره و اقول ان افعال المكلف صورها صادرة منه باختياره علي الاستقلال بالله اي ان موادها من امر الله الفعلي ايجادا و من امر الله المفعولي امدادا فلايشتبه عليك من قولي انها قاۤئمة بصفة امر الله الفعلي قيام صدور و بصفة امر الله المفعولي قياماً ركنيّا ان الأفعال ليست صادرة من المكلف علي جهة الاستقلال بل هي صادرة من المكلّف علي الاستقلال اذ جميع صورها منه علي النحو الذي ذكرناه و هذا الذي ذكرته لك هو الذي كتمته عنك فان بيّنه لك صاحبه عليه السلام فانت تفهمه و ان وقفت علي حدود ظاهر كلامي فانت تسلم مع انك تفوز بالسهم الأوفي من النصيب بالمعلي و الرقيب و ان اردت [ص 367] ان تتخطأ الي قعره بغير تبيين صاحبه عليه السلام قلتَ بالاجبار و ان تنزلت عن حدود ظاهر كلامي قلتَ بالتفويض و اعلم انّ في قعره شمس تضيئ لاينبغي ان يطلع عليها الا الواحد الفرد فمن تطلع عليها فقد ضادّ الله في حكمه و نازعه في سلطانه و كشف عن ستره و سره و باۤء بغضب من الله و مأويٰه جهنم و بئس المصير و مِن منازعته ( مَن نازعه خ‌ل ) في سلطانه تعالي ان تنحطّ عن حدود ظاهر كلامي فانه قول بالتفويض فافهم و قولي و حفظ الاستناد من ذلك الأمر ايضا ، اريد به انّ الاستناد نفسه اعني استناد الفعل الي فاعله من ذلك الأمر لكنه من نوره فهو نور نوره و صفة صفته علي ما قرّرنا و قول الرضا عليه السلام هو المالك لما ملّكهم ، نفي التفويض بقوله هو المالك و نفي الجبر بقوله لما ملّكهم و لم‌يقل لما ملكوا و كذا قوله عليه السلام علي ما اقدرهم عليه ، لأنّه عليه السلام يشير الي الدقيقة التي فيها اني كتمتها عنك و ان كنت بيّنتها لك لأن فهمك لها موقوف علي تعليم العالم عليه السلام فتفهّم هذا الكلام المكرّر المردد و الله سبحانه ولي التوفيق .

قلت و الاختيار الذي في العبد نشأ من اقتضاۤء الضدّين الوجود و الماهية لاقتضاۤء ما لهما كما مرّ و من خلق الٰالة الصالحة للمتضاۤدين و من الاستطاعة للفعل في الفعل و من امكانها قبل اي الصحة و هي التي يكون العبد بها متحرّكا مستطيعاً للفعل و لانه اثر المختار فتكون مختاراً قال تعالي فجعلناه سميعاً بصيراً .

اقول انا قد اشرنا في الشرح الي بيان منشأ الاختيار و هنا ذكرناه في المتن [ص 368] و الضدّان هو الوجود و الماهية و المكلف مركب منهما و كل منهما بسبب افتقاره يقتضي الميل الي ما هو من نوعه للاستمداد منه ما له مما تقوّم به فاختيار المكلف نشأ من تركيبه من اقتضاۤء كل من الضدّين اللذين تركّب منهما و من الآلة المخلوقة ● لتحصيل ما يقتضيه كل واحد من الضدّين حيث خلقت صالحة لكل من الميلين و من الاستطاعه لما يشاۤء من افعاله فانه تعالي خلق فيه استطاعة امكانية سابقة علي الفعل جايزة الحصول له و استطاعة فعلية واجبة الحصولِ ( لَهُ خ‌ل ) مع الفعل لا قبله و لا بعده و هي المفسّرة في الأخبار بأنها الصحة التي بها يكون العبد متحركاً مستطيعاً للفعل و ممّا دلّ عليه قوله تعالي فجعلناه سميعاً بصيرا اي مختاراً يعرف الخير و الشر و الجيّد و الردي لأنه اثر فعل المختار و الأثر يشابه صفة مؤثره التي هي منشأ الأثر .

قلت فاذا فعل العبد المختار المتقوّمُ بامر اللّهِ الفِعلَ المتقوِّم بنور امر اللّهِ و هو قادر علي تركه كان قد فعل فعله وحده بقدر اللّه لان الفعل المحفوظ مستند الي فاعله المحفوظ وحده فبقدر الله تقوّم الفاعل و الفعل و تقومَ اِسْنادُه الي فاعله و الي ذلك يشير تأويل قوله تعالي ثم قبضناه الينا قبضاً يَسٖيراً فقدرُ اللهِ رُوح فعلِ العبدِ و فعلُ العبد جسده و هكذا في كل حركةٍ و سُكونٍ و هو سرّ الامر بين الامرينِ .

اقول اذا فعل العبد المختار من جهة تركّبه من شيئين متضادّين لكل واحد منهما داعٍ يبعثه علي خلاف داعي الآخر كان قادراً علي فعل ذلك الفعل المأمور به او المنهي عنه بباعث احد جزئي ذاته و علي تركه بباعث [ص 369] الجزء الآخر و تركّبه من الباعثين المختلفين هو منشأ الاختيار و قد قدّمنا ان انبعاث الداعيين لايكون دفعة لاستلزام ذلك انفكاك كل عن الآخر المستلزم لفناۤء المركب منهما و انهما ينبعثان علي التعاقب و قد سبق ان كل شئ فهو محفوظ فما دامت شيئيته محفوظة عليه فهو شئ تنسب اليه الأفعال و الّا فليس شيئاً اصلا و هو المراد بقولنا المتقوم بامر الله و الفعل كذلك فان فعله انما هو شئ في نفسه و منه انما هو بحفظ نور امر الله كما بيّنّا سابقا فالعبد فاعل و تارك بقدر الله اي بامره الفعلي ايجاداً و بامره المفعولي امداداً و اليه الاشارة بقوله تعالي و ماتشاۤؤن الا ان يشاۤء الله هذا هو المراد في قولنا بان العبد مستقل بايجاد فعله و احداثه لأنّه انما كان فاعلاً بقدر من الله و هو الامر الفعلي و الامر المفعولي و هو معني قولنا فبقدر الله تقوّم الفاعل و الفعل و تقوّم استناده الي فاعله و معني الاشارة بتأويل قوله تعالي ثم قبضناه الينا قبضاً يسيرا انّ الظل مددناه و قبضناه بعد مدّه ( مدّة خ‌ل ) قبضاً يسيراً بالتدريج مساۤئرين له من المساۤئرة بمعني المصاحبة يعني انا قبضناه و لم‌نخله من ايدينا و هو من ظاهر الظاهر و الظل آية فعل المكلّف فانه و ان كان بفعل المكلف مستقلاً به لكنا حافظون له بالايجاد و الامداد ليتمكن المكلف من احداثه و الّا لم‌يكن شيئا فلايحدث المكلّف ما ليس بشئ فقولي فقدر الله روح فعل العبد و فعل العبد جسده ، اريد به ما ذكره علي بن الحسين عليهم السلام ● من انّ القدر و العمل كالروح و الجسد فكما ان الروح بدون الجسد لاتحسّ و الجسد بدون الروح لا حراك [ص 370] فيها كذلك القدر و العمل فلو لم‌يكن القدر بموافقة من العمل لم‌يعرف الخالق من المخلوق و كان القدر شيئاً لايحسّ و لو لم‌يكن العمل بموافقة من القدر لم‌يتم و لم‌يمض و لله فيه العون لعباده الصالحين انتهي ، نقلته بالمعني او بما يقرب من اللفظ و المعني في تمثيله عليه السلام بالروح و الجسد ما ذكرناه مكرراً من ان كل شئ فايجاده من فعل الله و امداده من امر الله و ان المكلّف و افعاله من هذه المقولة الّا ان صورة الأفعال هو محدثها باختياره كما مثّلنا سابقاً بالصورة التي في المرآة من انّ مادتها من صورة المقابل القاۤئمة به اعني ظلّها المنفصل القاۤئم بها قيام صدور و القاۤئم بالمرآة قيام عروض و حلول و القاۤئم بصقالتها و هيئتها قيام ظهور و صورة الصورة من صقالة المرآة و هيئتها فما من صورة المقابل حافظ للصورة في المرآة عن التهافت و الفناۤء و الاضمحلال لأنّ صورة المقابل المتصلة به حافظة للصورة في المرآة بظلها الذي هو مادة الصورة في المرآة و هو بمنزلة قدر الله في فعل المكلف و ما من المرآة من صقالة و اعتدال و اعوجاج او كبر او صغر او بياض او سواد او طول او عرض هو صورة الصورة التي فيها من المقابلة و ذلك شئ احدثه المرآة فهي مستقلة به احداثه ● اعني صورة الصورة كما انها مستقلة بتحريك الصورة المحفوظة فكذلك المكلّف مستقل باحداث صورة فعله و بتحريك مجموع الفعل اعني ما من القدر من مادته و ما منه من صورته كما مرّ و كل حركة و سكون فقدر الله حافظ له كما قلنا من انه روحه و الحركة و السكون جسده فافهم فان هذا هو سرّ الأمر بين الأمرين و من هنا قلت :

[ص 371] و مثال ذلك التقوّم كما تقوّمت الاستضاۤءة في الجدار بنور الشمس فالامر وجه الشمس و النور الذي هو الماۤء نور الشمس المنبثّ و الاستضاۤءة في الجدار وجود الانسان و الجدار الذي اشرنا اليه و هو نفس الاستضاۤءة من حيث هي هي ماهيته و فعله المنسوب اليه هو مثل الانعكاس عن الاستضاۤءة و هو نوعان فما انعكس عنها من جهة نور الشمس فهو خير و نور و حسنة و طاعة و ما انعكس عنها من جهة نفسها فهو شر و ظلمة و سيّئة و معصية فالنوع الاول فعل العقل عن الوجود و الثاني فعل النفس عن الماهية فتفهم .

اقول قولي و مثال ذلك التقوّم الخ ، مبنيّ علي قاعدتي من تكريري لما اذكره فاني اكرّره مراراً كثيراً ● ليتفهمه الطالب بكثرة ذكره مرّة بعد اخري و ذلك لعدم انس الأذهان بمثل هذه المعاني و بُعدها عن مدارك الأفهام حيث لم‌تذكر في كتاب و لم‌تجرِ في خطاب و انما اشارت اليها الأخبار اشارة خفيّة لأولي الأبصار و ذلك ان تقوّم حسنات العبد و طاعاته بقدر الله مع انها منسوبة الي العبد و حادثة بفعله كتقوّم الاستضاۤئة التي ظهرت في وجه الجدار بنور الشمس لأنّها هي انعكاس نور الشمس الّا انّها لاتظهر الّا بالجدار فكان الجدار هو المحدث لها في الظهور و ان كانت من نور الشمس لأنّها قاۤئمة بنورها الفعلي قيام صدور و بنورها المفعولي قياماً ركنيّا لكنها لاتتحقق في الأعيان الكونية الا بالجدار كذلك الطاعة فانها و ان كانت من نور الوجود الأوّلي المفعولي و بنور الوجود الأوّلي الفعلي كما مرّ الّا انها لاتتحقق في رتبة كونها الا [ص 372] بفعل العبد و كذلك تقوّم سيئاته و معاصيه بقدر الله العرضي المعبّر عنه بالتخلية و الخذلان في ظاهر الشريعة فامر الله الذي تقومت به الطاعة اوّلاً و بالذات مثَله وجه الشمس و هو المرئي المضيء لانّه بمنزلة الأمر الفعلي و الأمر الذي منه مادة الطاعة اعني النور الذي هو الماۤء يعني الذي جعل منه كل شئ حيّ اعني المفعول الأوّلي ( الاوّل خ‌ل ) مثل ● نور الشمس المنبث من فعلها و هو الذي كانت منه استضاۤئة الجدار بالانعكاس و الاستضاۤئة في الجدار مثل وجود الانسان في تكوينه و الجدار نعني به نفس الاستضاۤئة التي هي وجود المكلّف و هذه النفس هي ماهية المكلّف لأنّ الماهية نفس الوجود من حيث هو هو و فعل المكلف للطاعة المنسوب اليه علي الاستقلال مثَل انعكاس النور عن الاستضاۤئة التي هي مثَل الوجود و المنعكس عنها هو النور الممازج للظل هذا اذا جعلت الاستضاۤئة مثلاً للوجود و لو جعلتها مثلاً للحسنة كان الظل مثلاً للسيئة فما انعكس عن الاستضاۤئة ان جعلتها مثلاً للوجود من جهة نور الشمس مثَل للطاعة الصادرة عن دواعي العقل بطلب الوجود و هو خير و نور و حسنة و طاعة و ما انعكس عن الاستضاۤئة ان جعلتها مثلاً للوجود ايضا من جهة نفسها لا من جهة نور الشمس فهو مثَل للمعصية الصادرة عن دواعي النفس الأمّارة بطلب الماهية و هو شرّ و ظلمة ● و معصية فالنوع الأوّل اعني الخير و النور و الحسنة و الطاعة فعل العبد من جهة دواعي عقله و العقل انبعث الي هذه الخيرات من جهة ميل الوجود اليها و طلبه من العقل ان يسخّر الأركان في تحصيلها و كل ذلك بمؤنة ● [ص 373] من الله بمدده من قضاۤء الخير و النوع الثاني اعني الشرّ و الظلمة و السيئة و المعصية فعل العبد من جهة دواعي نفسه الأمّارة و هي انبعثت الي هذه الشرور من جهة ميل الماهية اليها و طلبها من النفس ان تسخّر الأركان في تحصيل هذه الخباۤئث و كل ذلك بتخلية و خذلان من الله و ذلك مقتضي قضاۤء الله بسوء فعل العبد و خبث نيّته و ما ربّك بظلام للعبيد .

قلت : و اعلم ان الماهية موجودة بوجود الوجود ما دام موجوداً و اذا لم‌توجد لم‌يوجد الوجود لانها شرط لايجاده و تمام لقابليته للايجاد كالعكس و انما قالوا انها عدم ماشمّت راۤئحة الوجود لانهم يريدون انها لم‌توجد اوّلاً و بالذات قط لا انها لم‌توجد اصلاً بل هي موجودة بفاضل ايجاد الوجود كما قلنا آنِفاً و ذلك الفاضل اذا نسب الي ايجاد الوجود كان نسبة الواحد من سبْعين كما هو شأن الاثار و الصفات هذا في الظاهر .

اقول ● انّ الماهية موجودة بوجود الوجود ما دام موجوداً بها لأنّها هي هويته من نفسه و الشئ لايكون شيئاً الّا بهويته فهي دعامته التي لايتقوم الّا بها و هي كذلك بمعني انها اذا كانت هي هوية الوجود لاتتحقق بدونه لأنه اذا لم‌يكن فلا هوية فهو شرط كونها و تحققها و هي شرط ظهوره و قابليته و اما قولهم انها ماشمّت راۤئحة الوجود فهي عبارة متلقاة من كلام المتقدمين و هم يريدون بها انها موجودة ثانياً و بالعرض لأنّها لم‌تكن مقصودة لنفسها و انما طلبت لتوقف ظهور المقصود عليها اعني الوجود الذي هو المراد اوّلاً و بالذات الا ان المتأخرين من [ص 374] الحكماۤء كثيراً منهم لم‌يفهموا مرادهم من ذلك لأنّهم غلطوا في كثير من مرادات المتقدمين و كانت الحكمة محفوظة بالوحي النازل علي الأنبياۤء صلوات الله عليهم و تلقّوها الحكماء المتقدمون عنهم فلما انفردوا عن الأخذ منهم كما جري للمشّاۤئين و الرواقيين فانهم ربما فهموا من تلقاۤء انفسهم اشياۤء لاتجري علي قواعد وحي الله سبحانه و خصوصاً حكماۤء الاسلام لتلك العلة و لأنّ المترجمين لكلامهم المكتوب في كتبهم باليونانية ربما ترجموا كل لفظة علي حدة فيقع الغلط و الخطاۤء اذ قد يكون المعني لايتأدّي الّا بالمجموع كما لو ترجمت قول الفارسي قَسَمْ بخُورْ فقلت قسم بمعني اليمين و بخور بمعني كُلْ فانه يبطل المعني و يكون غير مراد الفارسي لانّ مراده احلف و علي ترجمتك يكون المعني كلِ اليمين فلما كثر الخطاۤء من اجتهاد الحكماۤء من انفسهم من غير اخذه من قواعد الوحي كما نزل بل ربما فرّعوا عليه ما لايدخل تحت قواعده و من الخطاۤء في الترجمة و من تجويز سوء الفهم اختلف رأي المتقدمين مع المتأخرين و برهان هذا ما نص عليه حفّاظ الشريعة محمد و آله عليهم السلام فانهم قد بيّنوا عن الله تعالي دقيق الحكمة و جليها ● بما يطابق العقول و يطابق قواعد التوحيد و يطابق القرآن المجيد و هؤلاۤء المختلفون في الماهيات فقالوا فيها بالأقوال المتعددة فمنهم من قال انها مجعولة مطلقا و بعضهم لم‌يقل بل قال بعدم كونها مجعولة و بعضهم فرّق بين مرتبتها في الأعيان و مرتبتها في العين فقال به في الثانية دون الأولي و بعضهم قال جعله تعالي متعلق اوّلاً و بالذات بها [ص 375] و بالوجود ثانياً و بالعرض فجعل الوجود تابعاً لجعل الماهية علي معني انه لايحتاج لجعل جديد و بعضهم علي العكس من ذلك فجعل الماهية تابعة لجعل الوجود علي انّها لايحتاج ● الي جعل جديد و بعضهم قال لجعلها ● بمعني انها فاۤئضة من الله سبحانه في الأعيان دون العين و بعضهم قال ان الجعل تعلق بها و اطلق و بعضهم قال تعلق الجعل بها بمعني انها فاۤئضة منه سبحانه بتجلياته الثانية بصور شؤنه المستجنة في غيب هوية ذاته بلا تخلل ارادة و اختيار بل بالايجاب المحض و بعضهم قال انها ليست مجعولة بل هي صور علمية للأسماۤء الالهية التي لا تأخّر لها عن الحق الا بالذات لا بالزمان اي بالوقت بمعني انّ ظهورها مساوق لأزليته و ان كانت بعده في الرتبة فهي ازلية ابدية غير متغيرة و لا متبدلة و بعضهم قال و المراد بالافاضة التأخّر بحسب الذات لا غير و بعضهم قال بجعل استعداداتها ايضا و اطلق و بعضهم قال بمعني انها فاۤئضة من الحق سبحانه الخ ، من غير طلب منها بلسان حالها اليه و بعضهم قال بطلب منها بلسان حالها اليه و بعضهم لم‌يقل بافاضتها بل قال بعدمه و بعضهم قال انها من مقتضياتها و مقتضي الذات لايتخلف عنها ، الي غير ذلك ما تضمنته ● تلك العبارات عنهم و هذه الأقوال الخمسة‌عشر ربما تداخل بعضها في بعض و منشأ تكثّرها ما قال اميرالمؤمنين عليه السلام العلم نقطة كثّرها الجاهلون او الجهّال علي اختلاف الروايتين و بالجملة الماهية ان كانت شيئاً فالله سبحانه خالقها و الا فهي تكون قديمة غيره تعالي او تكون هي الله اذ الشئ لايخرج عن [ص 376] ذلك فان كانت مخلوقة تمّ المطلوب و ان كانت قديمة غيره تعددت القدماۤء و ان كانت هي الله العياذ بالله لم‌يجز ان تكون ماهية لزيد و عمرو الّا علي الآراۤء الباطلة المبنية علي القول بوحدة الوجود التي ثبت الاجماع علي كفر قاۤئلها و ان لم‌تكن شيئاً فلا معني للاسناد اليها بجعل او عدمه و الحقّ انها شئ محدث خلقها الله من نفس الوجود من حيث نفسه فكل محدث مركب من وجود و ماهية اي من مادة و صورة و هو قول الحكماۤء الالهيين الاوليين كل ممكن زوج تركيبي يعني ان كل ممكن مركب من شيئين حادثين و هذا هو الذي يجري علي قواعد الاسلام و ضوابط التوحيد و براهين العقول و تبيان الوحي و قولي انها موجودة بفاضل ايجاد الوجود ، قد تقدّم الكلام في بيانه و ان المراد بهذا الفاضل هو نور الفعل المحدث للوجود و هذا النور فعل مشتق من فعل الله الذي صدر عنه الوجود فراجع هناك و قولي و ذلك الفاضل اذا نسب الي ايجاد الوجود كان نسبة الواحد من سبعين كما هو شأن الآثار و الصفات اذا نسبت الي المؤثرات و الي الموصوفات و قد اشرنا في تأليفاتنا الي وجه ذلك العدد من ان كل شئ فهو مربع الكيفيات مثلث الكيان لأنّه حرارة و رطوبة و برودة و يبوسة و جسم و نفس و روح فكل شئ جوهر او موصوف ذو سبعة فاذا نسب الي الصفة و العرض ● اللذين في الرتبة الثانية كان سبعين لأنّ السبعة في المرتبة الثانية سبعون و الصفة و الأثر واحد منها لأنّه عرض و لو كان من نوع موصوفه كان واحدا من عشرة فافهم .