و انما ينزل الي الذهن بعد ان ينزل من الخزانة العليا الي ما دونها و هكذا الي ان يصل الي الذهن فقوله تعالي و ماننزله الا بقدر معلوم يشير الي ان ذلك النازل من كل مرتبة انما ينزل باذن و اجل و كتاب .

اقول و هذا ظاهر و معني انما ينزل باذن و اجل و كتاب ، ان كل شئ نزل من تلك الخزاۤئن لاينزل من العليا الي ما دونها الا اذا اذن الله له في النزول في وقت معيّن بعد ان يكتب تنزّله في الألواح اعني نفوس الأشياۤء و ذواتها و صفاتها من الجمادات و النباتات و الحيوانات ممّا فوقه الي رتبة ما نزل اليه و اذا نزل من العليا انما ينزل منه ما هو مثل له و حقيقته ( حقيقة خ‌ل ) باقية في الخزانة لاتخلو منها اعني الخزانة التي نزل منها مثل ما ينزل من النار التي في الحجر بالحكّ فان حقيقتها في الحجر باقية و يظهر منها نار مثلها من غير ان يتصور نقص في الحقيقة التي في الحجر فافهم .

قلت و هذه المراتب كلها من الوجود الخارجي و ما في الذهن كما في المرءاة فانه وجود خارجي .

اقول انّ ما في هذه المراتب المذكورة اعني الخزاۤئن كلها من الوجود الخارجي و هي اصول لما في الذهن فيكون ما في الذهن انما ينتقش فيه منها اظلّة ما فيها كما في المرآة و انما تنتقش فيها اظلة ما يقابلها مع انك تحكم بان ما في المرآة من الوجود الخارجي [ص 319] كذلك ما في الذهن لأنّه عز و جل يضع كل شئ خلقه في محله اللايق به الذي يكون مقوّماً له فوضع الشخص في مكانه من الأجسام و وضع مثاله في محل اللايق به الذي يكون مقوّما له و هو الذهن و الكل من الوجود الخارجي و انما اصطلحوا الي ● تقسيمه الي هذين القسمين للفرق بين محل ما للغيب و بين محل ما للشهادة .

قلت ثم ما في هذه المراتب التي هي الخزاۤئن قسمان اصل و ظل و المنتقش في مرءاة الذهن ان كان من الاصل انتقشت صورته و ان كان من الصورة انتقشت صورة الصورة مع مرءاتها الّا ان الذهن انما ينتقش فيه علي قدره من جهة الكم و الهيئة و الكيف فان كان صافيا مستقيما حكي ما في المقابل بلا تغيير و الّا اختلف المنتقش فيه في الكم بكم الذهن و في الهيئة بهيئة الذهن من الطول و العرض و الاعوجاج و الانحراف و في الكيف بكيفه من بياض او سواد و غير ذلك و ذلك كاختلاف صورة الوجه الواحد في المرايا المتعدّدة المختلفة كذلك .

اقول انّ الذهن لما ثبت انه ليس فيه الّا ما انتقش من ظل المقابل لأنّه بحكم المرآة و ان الخزاۤئن قسمان خزاۤئن للذوات و خزاۤئن للصفات كان المنتقش منها في الذهن ان كان من الأصل انتقشت فيه صورته المنفصلة بنفسها اعني ظلّ صورته القاۤئمة به و ان كان المنتقش فيه من الظل انتقشت فيه صورة الصورة مع مرآتها التي انتقشت فيه الّا انّ الذهن تنتقش فيه الصورة علي قدره من الكمّ اي علي قدر الذهن من جهة كمّ الذهن اي سعته و كبره و صغره و من جهة هيئته من استقامته و اعوجاجه و انحرافه و طوله و عرضه و من جهة كيفه من بياضه و سواده و غيرهما و آيته المرآة فان صورة المقابل تنتقش فيها [ص 320] بنسبة كمّها و هيئتها و كيفها و هذا معني قولنا فان كان صافياً مستقيماً الي آخره و هذا ظاهر .

قلت هذا اذا كان ما في الذهن من ظل الحق فان كان ما فيه من ظل الباطل انتكس الي اسفل فقابَل الذي في خزاۤئن الشمال و هي ثمانية‌عشر خزانة منكوسة كل ما فيها دعاويَ لا حقاۤئق الّا انّها تشبه ما في الحق كل خزانة تشابه ضدها فينتقش فيه ما قابله مع ما في الذهن من الهيئة و الكيف و ما له من الكم .

اقول ما ذكرنا كله اذا كان ما في الذهن من ظلّ الحق او ظل ظلّ الحق اعني ما هو مثبت في كتاب الأبرار اعني عليين و هو الصفحة الأولي النورانية من اللوح و اما ان كان ما في الذهن من ظل الباطل انعكس الذهن اي نكس وجهه الي جهة السفل مكبّاً علي وجهه ناكسوا رؤسهم عند ربّهم فاذا انتكس قابل ما في خزانة الشمال و هي الصفحة السفلي الظلمانية من اللوح و هو ما اثبت في كتاب الفجّار اعني سجين من مُثل الباطل بضم الميم و الثاۤء المثلثة المجتثة كما قال تعالي و مثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار يعني ما لها من ثبات مستند الي الحق المتأصّل الثابت الأصل بان يرجع ثبوته الي ما يكون بفعل الله تعالي بالذات و لو بوسايط متعددة و هذه المثل المجتثة ثماني‌عشر خزانة مع عدّ مبدءها منها اعني الجهل و ما فوقه و هو ما تحت الثري و ذلك بلحاظ غيبها و شهادتها و تفصيل ذكرها الجهل الأوّل و فوقه روح الباطل و نفس الباطل المسمّي بالثرٰي و [ص 321] الطمطام اي الظلمة و جهنم بطبقاتها السبعة اعني ابوابها تعدّ كلها خزانة واحدة و الريح العقيم و البحر و الحوت و الثور و الصخرة و الملك الحامل للأرضين السبع و الأرضون السبع بلحاظ نفوسها نفس الجحود و نفس الالحاد و نفس الطغيان و نفس الشهوة و نفس الطبيعة و نفس العادات و نفس الممات فهذه ثمانية‌عشر خزاۤئن ● تقابل مثلها من الحق اوّلها العقل الكلي و روح الكل و نفس الكل و طبيعة الكل و جوهر الهباۤء و المثال و محدّد الجهات و الكرسي و فلك البروج و فلك المنازل و السموات السبع بلحاظ نفوسها العقل اي التعقل كما مرّ و العلم و الوهم و الوجود الثاني و الخيال و الفكر و الحيوة و كل واحدة من خزاۤئن الباطل تقابل ما يشابهها من خزاۤئن الحق الّا انّها ترجع اليها من حيث هي هي لا من حيث رجوعها الي الحق و الّا لكانت حقّا بل علي حدّ قوله تعالي وجدتها و قومها يسجدون للشمس من دون الله و هذه الثمانية‌عشر الخزاۤئن الباطلة كلها دعاوي اي باطلة و كذب لا حقايق لأنّ الحقايق انما تكون للحق و لو كان للباطل حقيقة لماكان باطلا الّا انّها تشابه الحق لأنها تدعي الحق او يدعي بها الحق دعوي باطلة و لأجل كونها مشابهة للحق سمّاهما الله في انفسهما باسم واحد و شبّههما بتشبيه واحد فقال تعالي انزل من السماۤء ماء فسالت اودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابيا و مما يوقدون عليه في النار ابتغاۤء حلية او متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق و الباطل فاما الزبد فيذهب جفاۤء و اما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض الآية ، فسمّي الباطل زبدا و سمّي الحق [ص 322] زبداً مثله و قال تعالي و مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة اصلها ثابت الآية ، و قال تعالي و مثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار الآية ، و انتقاش الباطل في الذهن علي نحو انتقاش الحق فيه الّا ان الحق لما كان اصله ثابتاً كان قارّاً في الذهن كما هو قارّ في الخارج و اما الباطل فهو داۤئماً متزلزل مضطرب و السرّ في ذلك ان الحق هيئة تكوينه و تكوّنه هيئة الفطرة التي فطر الناس عليها فكان مستقرّاً في المحل المطابق له بخلاف الباطل لأنه مخالف للفطرة لأنّ الله عز و جل انما فطر المكلفين علي الحق فان عمل المكلف بامر الله كان موافقاً لما خلق عليه هيئته ( كما خ‌ل ) قال تعالي بل اتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون و ان لم‌يعمل بامر الله كان مخالفاً للفطرة و انما عمل بمقتضي ما طبع نفسه عليه مما تقتضيه شهوته و هوي نفسه اللذان هما خلاف الفطرة و ذلك بعد ان غيّر الفطرة بفطرة تطبعيّة و بدّلها بصورة نفسانية حيوانية او شيطانية فكان للعاصي طبيعتان اصلية هي مقتضي الاجابة في عالم الذرّ و عارضية هي ما تطبع عليها حتي تغيّرت فطرته و لكن الفطرة الأصلية لم‌تضمحل اصلا بل هي موجودة و فيها تغيير بمقتضي الأصلية ينكر المعصية كلما لحظ بها و بمقتضي العارضية يقبل المعصية لما بينهما من المناسبة كلما لحظ بها فهو لايزال مضطربا كما اخبر عنه تعالي فقال و من يرد ان يضلّه يجعل صدره ضيّقاً حرجا كأنّما يصّعّد في السماۤء لما فيه من مقتضي الموافقة و مقتضي المخالفة بخلاف المطيع فان الله تعالي بطاعته يشرح صدره للاسلام و لو اضمحلت الفطرة الأصلية من العاصي لماعرف شيئاً من [ص 323] الحق و اذا لم‌يعرف لم‌تقم عليه الحجة نعم قد يكون بعض المكلفين الذين تبيّن لهم الحق فانكروا كلما تبين لهم حتي اطمأنّت نفوسهم بمعصية الله و هؤلاۤء لم‌تفن منهم الأصلية و انما عدم ميلها الارتباطي الذي يتعلق بافعال الطاعة لعدم امدادها بشئ من اعمال الخير فعدم ميلها الارتباطي بافعال الخير و بقي ميلها الأصلي فبه ( فيه خ‌ل ) يعرف انه عاصٍ مقصّر و ذلك من صنع الحكيم لئلّاتكون للناس علي الله حجة فلايقولوا ماعلمنا او مافهمنا فلذا قال تعالي و ماكان الله ليضلّ قوماً بعد اذ هديٰهم حتي يبيّن لهم ما يتقون .

قلت و انما قلنا انه ظلّي انتزاعي في غير ذهن علة الموجودات لانك لاتدرك ما غاب عن بصرك بخيالك الّا في وقته و مكانه و لايمكنك ان تدرك شيئا سمعته او نظرته اذا غاب عنك او غبت عنه الّا اذا التفتَت نفسُك الي زمانه و مكانه الذي ادركته فيه اوّلاً فتدركه فيه و ان ذهبت شهادته فانّ غيبه لم‌يذهب كلما طلبته وجدته فيه .

اقول انما قلنا ان الشبح الذي في الذهن كله ظلي انتزاعي لأنك لاتدرك ما غاب عن بصرك بخيالك الّا في وقته و مكانه و لو لم‌يكن ظلاً منتزعاً من الخارج لمااحتاج في تصوره الي الالتفات الي جهة الخارجي لأن الذات لاتحتاج في تصورك لها الي ما تتقوم به غير ذاتها بخلاف الصفة فانك تحتاج الي انتزاعها من موصوفها و هذا ظاهر نعم اذا كان الذهن ذهن علة الشئ علة مادية و علة صورية فانه لايحتاج الي اخذه من غيره اذ ليس لذلك الشئ الموجود اصل و لا وجود غير ذهن هذا [ص 324] المتصور فانّ ما في ذهنه علة للخارجي و الخارجي متنزل منه و لذا قلت في غير ذهن علة الموجودات لأنّه لو عدم و العياذ بالله لساخت الأرض لأنّ وجوده هو امر الله الذي به قامت السموات و الأرض و ما فيهما و ما بينهما بخلاف زيد و عمرو و امثالهما من ذوي الأذهان فان احدهما اذا فقد لم‌يفقد شئ بفقده و لم‌يعدم شئ بعدمه فيكون جميع ما تجده في ذهنك اظلة منتزعة من وجود خارجي اما في عالم الشهادة ممّا رأيته او في عالم الغيب مما سمعت به و لو بدلالة لفظ فانه موجود في خلق الله قبل ان تقع صورته في ذهنك كما دلّ عليه كلام الرضا عليه السلام المتقدم و قد ذكرنا قبل انك اذا رأيت زيداً يصلي يوم الثلثا الثالث‌عشر من شهر رجب سنة الثالثة و الثلاثين بعد المأتين ● و هو اليوم الذي كتب فيه هذا الكلام في المسجد بقي مثاله و شبحه اعني ظله قاۤئماً في ذلك المكان و ذلك الوقت الي يوم القيمة فكلما طلبت رؤيته التفت بمرآة خيالك الي غيب ذلك المكان و ذلك الوقت فاذا قابلته بمرآة خيالك انطبع فيها ذلك المثال في ذلك الوقت الذي رأيته يصلي فيه و في ذلك المكان و هو بعينه عين الوقت الأوّل الذي رأيته فيه الّا ان الأول شهادته و هذا غيبه فاما شهادة ذلك فقد مضت و بقي غيبه ثابتاً الي يوم القيمة كلما التفت بخيالك اليه رأيته و لو رأيته علي معصية فكذلك الّا ان المكانين مختلفان في الغيب و ان اتفقا في الشهادة كما لو رأيته يصلّي في الدكان و رأيته يسرق فيه او يزني فان المثال المصلي في العليين و المثال السارق و الزاني في السجين و المكان الظاهر واحد و [ص 325] الباطنان مختلفان و كذلك زيد فانّه في الظاهر واحد و اذا صلّي فهو زيد المؤمن و اذا زني فهو زيد الفاسق و اعلم ان زيدا ما دام علي معصية فانت تري ذلك المثال الزاني لازماً له و هو متصف به لابس له كالثوب و ذلك المثال متقوّم به و باصله المنقوش في كتاب الفجّار سجين فاذا تاب و علمت ذلك منه اذا اتاك وجدت ذلك المثال منفصلاً عنه غير مرتبط به و لا متقوّم به و انما هو متقوم باصله من سجين خاصة فاذا مات زيد علي التوبة و الايمان و العمل الصالح امر الله كلمته فمحت ذلك المثال من غيب ذلك المكان و ذلك الزمان و انسي الملائكة ذكره و ستر بفضله علي عبده المنيب اليه سرّه و هو خير الغافرين و خير الساترين و هو ما قلت :

كما لو ذكر لك زيد انّك كلّمت عمراً امسِ بكذا فانّك لم‌تذكره حتّي تلتفِتَ نفسك بخيالك الي ذلك الوقت و ذلك المكان فتري فيه عمراً بغَيبه و كلامك بغيبه موجودَيْنِ في الكتاب الحفيظ فيُعطي الكتابُ الحفيظُ ذهْنَك صورة الشخص و الكلام و الوقت و المكان فتخبر عمّا انتقشَ في ذهنك من ذٰلك علي نحو ما اشرنا اليه من كيفية الانتقاش .

اقول اذا التفتت ( التفتّ خ‌ل ) نفسك بخيالك الي ذلك الوقت و ذلك المكان لتذكر انك كلّمت عمراً امس بكذا و تذكر نفس كلامك وجدت الكلام ثابتاً بجميع حدوده و مشخصاته في ذلك المكان و في ذلك الوقت فتنطبع صورة ذلك في صورة ذلك المكان في ( و خ‌ل ) صورة ذلك الزمان كلّها في مرآة خيالك فتري عمراً بعينه اي تري مثال عمرو بعينه و كلامك اي مثال كلامك بعينه موجودين و الذي رأيته من كلامك و من عمرو و ( عمرو خ‌ل ) هو الشبح اعني [ص 326] الظل منهما لأنهما مكتوبان بهذه الهيئة في الكتاب الحفيظ اقتباس من قوله تعالي قد علمنا ما تنقص الأرض منهم و عندنا كتاب حفيظ اي حافظ لكل شئ و هو اللوح المحفوظ و مثل هذا ما قال تعالي حكاية عن سؤال فرعون لموسي و جوابه (ع) له قال فما بال القرون الأولي حيث كانوا تراباً و اضمحلوا ● في الأرض فكيف يرجعون قال علمها عند ربّي في كتاب لايضلّ ربّي و لاينسي فهذا الكتاب المكتوب فيه اعمال الخلايق بامثالهم و اشباحهم يعطي ذهنك ما يقابله من صورة تلك الأمثال القاۤئمة و من اظلتها المنفصلة فتخبر عمّا حصل في ذهنك مما نقشه فيه القلم الخاص بك و ينقشه علي نحو ما ذكرنا سابقاً من الانتقاش .

قلت : و اعلم ان الوقت الذي ذكرت فيه و المكان الذي رأيتَ فيه الشخص و الكلام هي نفس ما رأيتَ اوّلاً في الزمان لان الجسم المرئي بالبصر و الكلام المسموع بهذه الاذن قبل هذا الذكر في الزمان و هو شهادتهما و اما ادراكك لحاليتهما في ظرفيْهما ففي وقت واحدٍ و مكانٍ واحدٍ و نظيره في غير الوقت لو كان عندك كتابة في قرطاس فنظرت اليها في وقتين فان المرئي و المكان واحد و ما نحن فيه كذلك الا انّ الوقت واحد و هو وقت الاظلّةِ من يوم الجمعة وقت العصر بعد الاذان و الصلوة فان كان بصرك حديداً عرفتَ هناك ذلك الشخص هل صلي ام لا فافهم .

اقول مرادي انّ كل شئ فله غيب و شهادة فاما شهادته فتدركها الحواس الظاهرة و اما غيبه فتدركه الحواس الباطنة كالخيال و النفس و الروح و العقل علي تفصيل ما ذكرنا فيما سبق الاشارة عليه ● فالوقت الذي [ص 327] ذكرت فيه الشخص و كلامك معه و مكانهما هو باطن ما ادركته بالحواس الظاهرة و لو ذكرته مرّة ثانية و ثالثة سواۤء كانت بين الذكرين مدة طويلة ام قصيرة كان الوقت و المكان و المذكور فيهما هو بعينه ما ذكرته قبل ذلك تعدّد الذكر ام اتّحد لأنّ المثل مكتوبة بوقتها و مكانها في اللوح و انت تقابله بادراكك الباطن فينتقش فيه ذلك المنتقش الأوّل بعينه و هذا معني قولي هي نفس ما رأيت اولاً في الزمان يعني بحواسك الظاهرة الّا انّ الجسم المرئي بالبصر و الكلام المسموع بهذه الأُذن قبل هذا الذكر في الزمان و لهذا قلت و هو اي المرئي بالعين و المسموع بالأُذن شهادتهما اي الشخص و الكلام و غيبهما هو الذي ادركته بالذكر بالخيال او بالنفس و مرادي باتحاد الحالتين انّ ما ادركت من حالتي الشخص و الكلام في وقت واحد و مكان واحد و كنت انت معهما في زمان واحد و مكان واحد فلما سرت في سفينة الزمان و تجاوزتهما بقيا ● مكانهما و وقتهما فاذا التفتّ اليهما لم‌تر شهادتهما لبعدك عنهما و ذلك لسرعة سيرك في سفينة الزمان و ضعف بصرك و سمعك الظاهرين و صغرهما و لكنك تراهما بغيبك بعينك الباطنة لقوته و سعته فتراهما ابدا في ذلك المكان و في ذلك الوقت و اذا اردت مثاله فنظيره في غير الوقت الظاهر لأنّي لو لم‌استثن لك ذلك الوقت لاشتبه المثال عليك مع ان مغايرة الوقت ايضا في الأوّل كذلك اذا لم‌ترد الوقت الظاهر فانه في الممثل و المثل متّحد و اذا اردت الوقت الظاهر ظهر لك التغاير فيحصل لك الاشتباه في التنظير فلذا استثنيت الوقت يعني الظاهر و هو شهادة [ص 328] الوقت الذي لاتزال تراهما فيه كل ما ذكرتهما فنظيره لو كان عندك كتابة في قرطاس فنظرت اليها في وقتين فانّ المرئي و المكان واحد اذ المرئي هو الكتابة في كل وقت و لم‌تر غيرها و المكان هو القرطاس لم‌تر غيره لكن الوقت الأول لرؤيتك للقرطاس و الكتابة غير الوقت الثاني لأنّ الزمان باعتبار سير اهله عنه غير قارّ الذات و ان كان في نفسه قارّ الذات فاذا استغربت كلامي هذا لما ملأ سمعك من انه غير قارّ الذات فانا اقول لك الآن الواحد من الزمان حين حضرك قبل ان يفني كما يتوهمون هل كان داخلاً في ملك الله سبحانه و في قبضته ام لا فان قلت كان داخلاً ● في قبضته كما هو حكم الاسلام عليك قلت لك فاذن بعد ان يمضي عنك او تمضي عنه و يأتيك آن آخر كان الأول خارجاً عن ملك الله و عن قبضته حتي تحكم عليه بانه كان عدماً محضا فان قلت خرج فهو الكفر و العياذ بالله و ان قلت لم‌يخرج قلت هذا حق الّا انك انتقلت عنه الي وقت غيره و بقي في مكانه فاذا عملت بقول سيدنا الرضا عليه السلام قد علم اولوا الألباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الّا بما هيٰهنا فانظر فانك حين خرجت من اصفهان و اتيت العراق قد عدمت عنك ● اصفهان كما عدم عنك ● الزمان و اصفهان باقية في مكانها علي ما هي عليه كذلك الزمان الذي تجاوزت عنه فانه باقٍ في مكانه علي ما هو عليه و ذكرك له و رؤيتك له بخيالك و بنفسك كذكرك لاصفهان و رؤيتك لها فافهم و قولي و ما نحن فيه كذلك الّا انّ الوقت واحد ، اريد ان رؤيتك للكتابة في القرطاس كرؤيتك للشخص و كلامك له [ص 329] الّا ان مسئلة رؤية الكتابة ● في المحسوس فيختلف وقت الرؤية و ما نحن فيه ليس من المحسوس فلايختلف وقته لأنّه من الدهر لا من الزمان كوقت المثل بل يكون هذا وقته واحداً في كل وقت ذكرته و هو وقت الأظلّة اعني النفوس من يوم الجمعة اي وقت اجتماع النفوس بافعالها مع الاجسام و هو وقت العصر يعني انّ عند تعلّق النفوس بافعالها بالأجسام حتي تعلقت بها تعلّق التدبير عصر منها ● اي خلق مما اجتمع منها ● الانسان الذي هو محل ذلك الذكر و ذلك الادراك الذي هذا الوقت المذكور هو وقت ادراكه و ذكره بعد الأذان اعني الاعلام في الدعوة بقوله الست بربكم و محمد نبيكم و علي وليكم و الصلوة هي الصدق في قوله بلٰي يعني بلسانه و قلبه عارفاً بذلك مصدقاً مسلّماً و بالتسليم تمت الصلوة فان كنت ممن لطف حسّه و دقّ فهمه و اجاب علمه عمله ● حين هتف به كما قال صلي الله عليه و آله العلم يهتف بالعمل فان اجابه ثبت و الا ارتحل عنه ، اذا نظرت الي كل شخص عرفت امره هل صلّي هناك اي اجاب بقلبه و لسانه مصدقاً مسلّماً ام لا و هذه المسئلة ذكرتها استطراداً عند ذكر وقت الذكر لا انّها ( لأنّها خ‌ل ) مما نحن .

قلت : الفائدة الحادية‌عشرة في بيان صدور الافعال من الانسان و الاشارة اليه ، اعلم ان الانسان مركب من الوجود و الماهية و المخلوق ابداً محتاج في بقاۤئه الي المدد من احد طرفين طرف الوجود و طرف الماهية فمدد الوجود بفعل اللهِ الذاتي فهو ابداً قاۤئم بامره قيام صدور و من فعله للاعمال الصالحة فالحافظ امر الله و المدد من [ص 330] الاعمال من فعل الله و من فعل العبد فما بفعل الله مقبول و ما من فعل العبد قبول .

اقول قد تبيّن فيما تقدّم ان الشئ مركب من الوجود و الماهية و انه وجد في طورين : الطور الأوّل هو الخلق الأوّل و هو ايجاد مادته في ضمن ايجاد المادة و الصورة النوعيتين اللتين مادته الخاصة به حصة من مجموعهما و قد تقدّم انّ الخلق الأوّل اعني المادة النوعية التي هي الهيولي مركب من وجود و ماهية و الوجود هو المادة و الماهية هي الصورة ثمّ اخذ من هذه الهيولي اعني المادة النوعية حصة هي وجود الشئ و مادته و الحق بالصورة الشخصية التي هي الماهية و هذا هو الخلق الثاني و الوجود في هذين الطورين اي الخلق الأوّل و الخلق الثاني في كليهما بالمعني الأوّل للوجود و المعني الثاني للوجود باعتبار لحاظ كون الشئ اثراً لفعل الله او كونه نور الله فانه بهذا اللحاظ وجود و بلحاظ انه هو هو ماهية سواۤء اعتبر ذلك في الخلق الأوّل ام في الخلق الثاني فافهم هذا الأصل و لاتنسه حين نقول بالمعني الأوّل او بالمعني الثاني و نحن و ان كان ● قد نريد العموم في كثير من العبارات لكنّا انما نجري الكلام في الخلق الثاني لأنه هو الذي يظهر فيه حكم الشقاوة و السعادة الناشئتين من الافعال الاختيارية التي نحن بصدد الكلام عليها فنقول ان الشئ و نريد ان المكلّف مركب من وجود و ماهية و الوجود و الماهية محدثان اخترعهما الله سبحانه بفعله فخلق الوجود لا من شئ و انما هو اثر فعله و تأكيده مثاله ايجادك ضَرْباً الذي هو المصدر من ضَرَبْت [ص 331] الذي هو فعلك و هذا بناۤء علي المذهب المحقق ● من ان الأسماء مشتقة من الأفعال كما هو رأي الكوفيين و خلق سبحانه الماهية من نفس الوجود من حيث هو هو و اذا كانا مخلوقين كانا مفتقرين محتاجين في بقاۤئهما الي المدد فيلزم كل منهما لذاته الميل الي الاستمداد من شئ من نوعه فالوجود نور و يميل الي الاستمداد من النور اذ لا بقاۤء له بدون المدد اِمّا بالذات و اِما بالعرض و الماهية ظلمة تميل الي الاستمداد من الظلمة اذ لا بقاۤء لها بدون المدد اِمّا بالذات و اما بالعرض و اريد ما هو بالذات ما اذا كان الشئ استمداده من نوعه و بالعرض ما اذا كان استمداده من نوع ضدّه و ذلك بعد تلازمهما اذ لايتحقق احدهما منفرداً عن الآخر فلما تلازما كان المجموع منهما هو المكلف فصار المكلف مركّباً من الوجود اي النور و من الماهية اي الظلمة فكان لذاته ميلان ميل الي الطاعات التي هي من نوع النور و ذلك من ميل الوجود المفتقر الي المدد و ميل الي المعاصي التي هي من نوع الظلمة و ذلك من ميل الماهية المفتقرة الي المدد فان رجّح المكلف العمل بالطاعات كان استمداد وجوده بالذات و ماهيته بالعرض لأنّها لما كانت لازمة للوجود و حصل له الاستمداد تقوّم به و تقومت هي بتبعيته و ان رجح المكلف العمل بالمعاصي كان استمداد ماهيته بالذات و وجوده بالعرض لأنّه لما كان ملزوماً لماهيته التي حصل لها الاستمداد تقومت به بالذات و تقوّم هو بتبعيتها بالعرض فذو الاستمداد الذاتي اذا اتصل به قوي و استولٰي علي الآخر حتي لايبقي للآخر ميل تامّ بل و لايبقي لذاته انيّة [ص 332] متحققة الّا بقدر ما يتماسك به الذي استقوي باتّصال الاستمدادات الذاتية لأنه و ان قوي الي رتبة الكمال لايضمحل ضدّه اصلاً بل يبقي من الضد ما يحصل به الاستمساك نعم يكون الضعيف تابعاً للقوي متقوماً بتبعيته له و لذا قلنا انه متقوّم بالعرض لأنّ استمداده ليس مما هو من نوعه و لا مما هو له بل مما هو لضدّه و قولي فمدد الوجود بفعل الله الخ ، اريد انه خلقه الله اوّلاً و بالذات و استمداده من نوعه الذي هو نور فيكون مدده بفعل الله الذاتي فهو نور يستمد من النور و هو ما يمدّه الله سبحانه بتاييداته و الطافه و يستمد بالنور اي بفعل الله اذ هو المقصود من الايجاد فهو اي الوجود ابداً يعني داۤئماً بغير انقطاع قاۤئم بامر الله عز و جل يعني بفعله قيام صدور و متقوم بامر الله اعني باثر فعله الذاتي تقوّماً ركنيّا و من فعله اي انّ مدد الوجود بفعل الله الذاتي و من فعله اي فعل الوجود للأعمال الصالحة لأنّها من نوعه فالحافظ لبقاۤء الوجود امر الله الذي هو فعله و المحفوظ به امر الله الذي هو اثر فعله و هو هيئة الفعل المنفصلة فلذا قلنا قيام صدور و الهيئة المنفصلة هي مادة الوجود لأنّها اثر الفعل و لذا قلت تقوّماً ركنيّا و قولي فما بفعل الله مقبول الخ ، اريد ان الحافظ للمكلف حتي يتوجه اليه التكليف و يتحقق كونه شيئاً هو امر الله و هو شيئان الأمر الذي هو الفعل قام به وجود المكلّف قيام صدور و الأمر الذي هو اثر الفعل و متعلقه و اوّل صادر عنه اعني به الحقيقة المحمدية قام به وجود المكلّف قياماً ركنيّا بمعني ان مادته من شعاع تلك الحقيقة و هو قولي [ص 333] قبل هذا قام بامر الله الذي هو اثر فعله قياماً ركنيّا و اعني به هيئة الفعل المنفصلة و هي التي بفعل الله و هي المقبول لأنّه المادة ● علي ما برهنّا عليه سابقا و ما من فعل العبد هو قبول و هو انفعاله لفعل الله كما اراد عز و جل .

قلت : و مدد الماهية بفعل الله العرضي فهي ابداً قاۤئمة بامره العرضي قيام صدور و من فعلها من الاعمال الخبيثة فالحافظ امر الله التابع و المدد بالاعمال الخبيثة بفعل الله و من فعل العبد فما بفعل الله مقرِّر و مقوِّم و ما من فعل العبد متقوِّم و متكوِّن .

اقول انّ مدد الماهية كاَصلها بفعل الله العرضي لأنّ ذاتها انما وجدت لأجل تقوّم الوجود اذ لايتقوم محدث بسيط بنفسه من دون تركيب لأنّه في نفسه لايقدرُ ( اَنْ يبقي و يقوم خ‌ل ) فلا بدّ من ضدّ له يمسكه فلم‌تخلق الماهية لنفسها و انما خلقت لأجل قوام الموجود ( الوجود خ‌ل ) فكان وجودها ثانياً و بالعرض و كذلك مددها فما بفعل الله سبحانه في اعمالها الخبيثة هو التخلية بان يكلها الي نفسها و ما من افعالها الخبيثة فلأنه سبحانه انما جعل الآلة المخلوقة للطاعة صالحة للمعصية و تمكين المكلّف من المعصية لأجل ان تصحّ الطاعة اذ لايكون المكلف طاۤئعاً حتي يتمكن من فعل المعصية و يتركها باختياره و بفعل الطاعة و لو لم‌يتمكن من فعل المعصية لم‌يكن بالطاعة طاۤئعا اذ لايقدر علي غيرها فجعلت آلة الطاعة صالحة للمعصية و جميع دواعيها كذلك فلذا كان الفعل حافظاً ● لها عرضيا لأنّها لم‌تكن مقصودة لذاتها و جميع استمداداتها و اسبابها كلها عرضية لم‌تجعل لنفسها و انما جعلت [ص 334] للطاعة فعلي هذا يكون ما بفعل الله هو التخلية و الخذلان و ما من فعل العبد هو المعاصي كما تقدّم و يأتي و اعلم ان منشأ الاختيار في افعال المكلّف هو من كونه مركباً من ضدّين وجود هو نور و ماهية هي ظلمة و ميل كل واحد منهما علي خلاف ميل الآخر فكان للمكلف ميل و داعٍ الي فعل الطاعات من الوجود و ميل و داعٍ الي فعل المعاصي من الماهية فلذا كان مختارا ان شاۤء فعل و ان شاۤء ترك .

قلت : ثم لمّا كان الانسان في نفسه مركّبا من ضدّين متعادِيَيْنِ في الذات و الصفة و الانبعاث محدثين محتاجين في تقوّمهما الي المدد منهما او من احدهما فَاِنْ كان منهما جري علي ذلك الانسان الوزن يوم القيمة و الحساب و ان كان من احدهما ضعف الاخر و لم‌يبق منه الّا قدر ما يحفظ الاخر و يكون حكمه حكم القوي .

اقول ان الانسان مركب من ضدّين نور و ظلمة متعاديين يعني متعاكسين في الذات نور و ظلمة و في الصفة معرفة و انكار و قبول و عدم قبول و في الانبعاث انبعاث علي التوالي و انبعاث علي خلاف التوالي و ذلك لأنّ الوجود اذا مال الي فعل شئ مالتِ الماهية الي تركه و بالعكس و هما معاً محدثان كما تقدم محتاجان في تقومهما و بقاۤئهما الي المدد منهما او من احدهما الوجود او الماهية فان استمدّ كل واحد من نوعه فلايكون استمداد احدهما معاً لأنّه يلزم منه انفكاك كل واحد عن الآخر و ذلك موجب لعدم كل واحد منهما بل يكون استمداد كل منهما علي التعاقب و اذا كان المكلّف هكذا جري عليه حكم الوزن و الحساب [ص 335] يوم القيمة فمن ثقلت موازينه لكثرة حسناته فاولئك الذين هم ● المفلحون و من خفّت موازينه لقلة حسناته و كثرة سيئاته فاولئك الذين خسروا انفسهم و حيث كان الوجود يدور علي نقطة مبدئه علي التوالي كان ميله الذاتي علي التوالي فاذا استمدّ من نوعه كان دوره علي التوالي و تنجذب الماهية معه علي التوالي لعدم قدرتها علي انفرادها و انفكاكها و علي معاكسة ضدّها فيضعف ميلها الذاتي فتميل بالعرض ● مع الوجود و ان كانت هي المستمدة من نوعها دارت علي خلاف التوالي و ينجذب الوجود معها علي خلاف التوالي لعدم قدرته علي الانفراد و الانفكاك و علي معاكسة ضدّه فيضعف ميله الذاتي فيميل بالعرضي معها ( معهما خ‌ل ) و قد ذكرنا انه اذا انحصر الاستمداد في احدهما ضعف الآخر و رقّ حتي لايبقي منه الّا مقدار ما يستمسك به القوي و بنسبة ما بقي من الضعف يكون له ميل بنسبته الّا انه قد لايظهر اثر و اذا كمل الشخص في طرف من الوجود او الماهية سكن ميل ضعيفه حتي لايكاد يلتفت الي جهته و اذا لم‌ينحصر فان تساويا في الميلين كان الشخص من المرجوين ● لأمر الله اِمّا يعذبهم و اِما يتوب عليهم و ان زاد احدهما علي الآخر جري علي الشخص حكم الوزن و يستقر حكمه في الغالب علي حكم الزايد و الله سبحانه يفعل في ملكه ما يشاۤء و من اجل ما اشرنا اليه قلت :

فان كان القوي الوجود اطمأنت النفس و كانت اخت العقل و رقّت الماهيّة و شابهت الوجود كالحديدة المحماة بالنار فلا فرق في الفعل بينهما و ان كان ما بها بالعرض كالحديد قال الشاعر :

[ص 336]

رقّ الزجاجُ و رقّت الخمرُ فتشاكلا و تشابه الامرُ

فكأنما خمر و لا قدحٌ و كأنّما قدحٌ و لا خمرُ

و ان كان القوي الماهية كان الامر علي العكس و كل واحد منهما انما يستمد و يقوي بمددٍ من جنسه اذ لايستمد الشئ من نحو ما هو من ضده فلايستمد النور من الظلمة و لا العكس من حيث هو كذلك و ميل الاخر معه انما هو لبقاۤئهما .

اقول هذا بيان لبعض احوال القويّ و الضعيف و هو انه ان كان القوي هو الوجود اطمأنت النفس التي هي وجه الماهية و وزيرها كما انّ العقل وجه الوجود و وزيره و النفس الناشئة من الماهية لها في الاصطلاح سبع مراتب المطمئنة هي المرتبة الرابعة و ذلك لأنّ النفس اول حصولها و ظهورها في طبيعتها النفس الأمّارة بالسوء و الثانية من مراتبها اللوّامة لكونها تلوم صاحبها علي فعل الطاعة لطبيعتها و علي فعل المعصية لتطبّعها ببعض افعال العقل و استعمالها لبعض افعال الخير و الثالثة الملهمة لاِلهامها حبّ الطاعة و ميلها الي متابعة العقل في اغلب احوالها و الرابعة المطمئنة لاطمينانها علي متابعة العقل و الأفعال الصالحة و الخامسة الراضية لأنّها لمّا اطمأنت علي افعال الخير رضيت من الله تعالي بما اجري عليها و السادسة المرضية لأنها لما استقامت في الرضا من الله تعالي رضيها سبحانه فكانت مرضية له و السابعة الكاملة و هي نهاية كمال النفس الناطقة فاذا عمل المكلف بميل وجوده الذاتي و هو ما بيّنه الشارع عليه السلام باوامره و استقام علي ذلك [ص 337] اطمأنت لعدم استمدادها من نحو ما هو من نوعها فكانت اخت العقل و رقّت الماهية و لطفت و شابهت الوجود في ميلها الي النور بملكتها التطبُعية فكانت اخت الوجود فالنفس بالنسبة الي العقل و الماهية بالنسبة الي الوجود كالحديدة المحمٰية بالنار فانها مثل النار في الاحراق كذلك النفس مثل العقل لظهور اثره فيها و استقرارها عليه و كذلك الماهية مع الوجود اذا استولي عليها الّا انّ ما بالنفس و ما بالماهية من النور انما هو بالعرض و لهذا قلنا انها اخت العقل حينئذٍ و الماهية اخت الوجود حينئذٍ ايضا و انما عبّرنا عن كل واحدة منهما بالاُخت من تأويل قوله تعالي فان تابوا و اقاموا الصلوة و آتوا الزكوة فاخوانكم في الدين و هي الكلاب المعلّمة التي علّمها الوجود و العقل مما علّمهما الله و استشهادي بالبيتين لمشابهة الماهية للوجود فانها هي اناۤؤه و لمشابهة النفس للعقل فانها ايضاً اناۤؤه و اذا عمل المكلّف بميل ماهيته الذاتي كان علي عكس حكمه اذا عمل بميل وجوده الذاتي حرفاً بحرف كما ذكرنا و اعلم ان كل واحد من الوجود و الماهية انما يقوي اذا استمد بمدد من نوع جنسه بالأصالة لأنّه اذا لم‌يكن بالأصالة كان استمداده اِمّا من غير نوع جنسه كاستمداد الضعيف منهما بتبعيته القوي و اِمّا من نوع جنسه بالتبعية و حينئذٍ لايكون ذاتاً بل يكون صفة كاستمداد الميل من الماۤئل و ليس كلامنا فيه اذ كلامنا في الذوات و هو يقوي باستمداده من جنسه بنفسه و لايقوي باستمداده من ضدّه بل يضعف لأنّه بخلاف حقيقته لكنه لا بدّ له اي الضعيف من الميل مع القوي لما قلنا من عدم قدرته علي [ص 338] الانفراد و لا التفرّد و الّا لاضمحلا فيميل مع القوي لأجل بقاۤئهما فانه اذا لزمه استمد بالتبعية و بها يحصل له البقاۤء في الجملة و يحصل للقوي الاستمساك بالضعيف بلزومه له كما يحصل للضعيف البقاۤء بفاضل مدد القوي اعني شعاعه المسمّي بالتبعية و بالعرض ( و العرض خ‌ل ) .

قلت فالوجود يستمد من انواع الخيرات لانها من نوعه و الماهية يستمد من انواع الشرور لانها من نوعها و المركب الواحد لايستمد من طرفيه معاً اذا كانا متعاندَينِ الّا علي التعاقب و اذا كان وجود احد الجزئين شرطاً لوجود الاخر لزم ان يكون فعل ذلك الشئ واحداً فلو فعل الوجودُ الخير و الماهيّة الشرّ في حالٍ واحدٍ لزم الانفراد المستلزم للانفكاك المستلزم لفناۤء الشئ لانه عبارة عنهما منضمّين و يفنيانِ هما ايضا لتوقف وجود كلٍ منهما علي انضمام الاخر اليه .

اقول قد بيّنّا مراراً ان كل شئ يستمد لذاته فانما يستمد من نوعه فالوجود خير كله فيستمد من انواع الخيرات لذاته و الماهية شرّ فتستمد لذاتها من انواع الشرور لأنّها من نوعها و هذا ظاهر و اذا كان الشئ مركباً منهما معا يستمدّ من كل واحد من طرفيه علي التعاقب او من احدهما كما ذكرنا سابقا و لايمكن ان يستمدّ من كلا طرفيه دفعة لأنّهما ضدّان و استمداد كل واحد خلاف جهة استمداد الآخر فلو وقع منهما دفعة انفرد كل واحد عن الآخر لأن ميله علي خلاف ميل ضدّه و يلزم انفكاك المركب و ذهابه و لذا قلنا و المركب الواحد لايستمدّ من طرفيه معا اي دفعة اذا كانا متعاندين اي ضدين كالوجود و الماهية و [ص 339] ذلك هو قولنا و اذا كان وجود احد الجزئين اي جزئي المركب شرطاً لوجود الآخر كالوجود و الماهية فان الوجود شرط لتحقق الماهية و الماهية وجودها شرط لظهور الوجود بالتكوّن فيجب ان يكون المركب منهما فعله واحدا و لو تعدد فعله من كلا جزئيه المتضادّين لزم انفراد كل منهما عن الآخر و ذلك يستلزم انفكاكهما و انفكاكهما يستلزم فناۤء المركب اصلا لأنّه عبارة عنهما منضمين و انفرادهما موجب لفناۤئه و لفناۤء كل واحد من الجزئين ايضا لما قلنا من توقف وجود احدهما علي وجود الآخر .

قلت و لكن يتعارضان في الميلِ المنبعث عن شهوة كلٍّ الي الاستمداد من جنسه لان ميل احدهما الي شئ يقتضي ميل الاخر الي ضده لانهما ضدّان في كل شئ و لهذا يضعف احدهما بفعل الاخر لانجذابه مع الفاعل الي خلاف ما يتقوي به و من ثَمّ يتعارضان و يطلب كل واحد من الاخر ان يكون معه في محبته لتوقف فعله لما يريد علي تحقّقه في نفسه و اذا فارقه الاخر لم‌يتحقق .

اقول و لكن يتعارضان في الميل لأنّ الوجود يشتهي المدد من انواع النور فيميل بشهوة طبيعته و كُنه نفسه فاذا مال مالتِ الماهية بشهوة طبيعتها و كُنه نفسها علي خلاف ميل الوجود لأنّ ميل احدهما يقتضي ميل ضدّه الي ضدّ ميله ( ميل ضدّه خ‌ل ) الاتري ان احدهما يضعف اذا مال الآخر و هو ممنوع عن تعلق ميله بما هو من نوعه لأنّه اذا مال القوي و لم‌يقدر علي معارضته انجذب مع الفاعل بغير محبته فكان استمداده من فاضل استمداد ضدّه بتبعيته له فيكتفي به مع قلّته لأنّه بالنسبة الي استمداده له [ص 340] بنفسه نسبة الواحد الي السبعين فيستولي عليه الآخر المستمدّ حتي يكون تابعا له و يعلّمه مما علّمه الله ان كان المستولي هو الوجود و يعلمه مما تعلم من الشيطان ان كان المستولي هو الماهية و اعلم ان الميل التام اعني الميل الذي يكون عنه الاستمداد لايكون من الضعيف الذي لايحصل منه الاستمداد و اما الناقص فانه قد يكون من الضعيف لأنّه هو لازم وجوده لايكاد ينفكّ عنه لحظة لكنه لايحصل منه استمداد و لهذا قد يقع ● ميل القوي معا لكن لما لم‌يكن له اثر لم‌يكن يصدر منه انفكاك فلذا جاز مع الميل التام وقوعه .

قلت و اما مجرّد الميل و هو الالتفات لشهوة المشاكل فليس كالفعل يحصل به نيل المدد المسكّن للشهوة فلايحصل به السكون و لا ترجيح احد الميلين و لايمكن انبعاثهما معاً مجتمعين الّا ان يكون احدهما ذاتيا و الاخر عرضيا و لا مختلفين لاستلزام ذلك المفارقة لاستحالة انبعاثين متضادّين من المركب الواحد الذي لايوجد الّا بالانضمام دفعة لاستلزام ذلك عدمهما لتوقف تحققهما علي الانضمام فوجب ان يكونا علي التعاقب .

اقول هذا ما ذكرته قبل هذا ان مطلق الميل لاينافي وقوعه وقوع ضدّه لحصوله من الضعيف ( الضعف خ‌ل ) بمجرد كراهته لمتابعة القوي و لأنه شهوة و ليس كالفعل فلايجتمع المنافيان في شئ واحد لأن الميل التام يحصل به مدد يسكّن ● الماۤئل و تابعه بخلاف الميل الناقص فانّه لايحصل به السكون للضعيف ليحصل منه عدم الانقياد مع القوي الموجب للانفكاك و لايحصل به ترجيح يجوز عليه السكون لأنّهما كما قدّمنا لايحصل منهما انبعاثهما [ص 341] معاً مجتمعين الّا اذا كان احدهما ذاتيا و الآخر عرضيّا ليدل علي انضمام ● الموجب للتحقق فيكون سكون الضعيف من فاضل القوي الذي بتبعيته و اِلّايكن ( و ان لم‌يكن خ‌ل ) بالتبعية وجب علي التعاقب كما مرّ .

قلت فاذا مال الوجود الي الخير مال بالماهية فمالت معه بالعرض علي خلاف محبتها و اذا مالت الي الشر مالت بالوجود فمال معها بالعرض علي خلاف محبته و يتعاقبان علي هذه الحال فمن رجح ميله بحيث لايميل مع الاخر غلب و فعل مطلوبَهُ الاخر بالعرض و فعل الغالب مطلوبه بالذات فيقوي الفاعل و يضعف التابع بنسبة ما يقوي به المتبوع و لايحصل السكون للمركب الّا بالفعل و لايزال كذلك حتي ينمحق ميل الضعيف في ميل القوي اِلي اَن لّايبقي من الضعيف الّا ما يتقوم و يحقق به القوي .

اقول هذا الكلام بمعونة ما ذكرنا معناه ظاهر فانّا قد ذكرنا ● بيانه و هو في نفسه غير خفيّ .

قلت لانّ وجود الضعيف شرط في تحقق وجود القوي و يكفي فيه نقطة راس المخروط و انما قلنا راس المخروط لان الضعف المتناسب يقتضي حصول هيئة المخروط لانه في كل مرة يضعف التّابع و يقوي الفاعل .

اقول لمّا كان المؤثر في تأثيره كالسراج في اشراقه وجب ان يكون ما يليه ممّا هو بالذات اقوي و اشدّ نورا و مما هو بالعرض اضعف كما ان نور السراج كلّما قرب اليه من الأجزاۤء النورانية اشدّ نورا و ما هو بازاۤء هذا النور القوي الشديد من الأجزاۤء الظلمانية اضعفها ظلمة فان النور من المنير كهيئة المخروط قاعدته عند المنير و كلما تباعد ضعف حتي [ص 342] ينتهي الي نقطة هي رأس مخروط النور و الظلمة ايضا مخروط بعكس النور فاضعفه الذي هو نقطة هي رأس مخروط الظلمة عند قاعدة مخروط النور و كلما بعد النور من السراج ضعف و يقوي ما بازاۤئه من اجزاۤء مخروط الظلمة حتي ينتهي مخروط النور الي نقطة منه عند قاعدة مخروط الظلمة و اريد بقولي ان مخروط النور ينتهي الي نقطة منه عند قاعدة مخروط الظلمة و مخروط الظلمة ينتهي الي نقطة منه عند قاعدة مخروط النور ليس ان رأس المخروط من كل واحد منهما نقطة في الحجم بل هو في الحجم بقدر سعة قاعدة مخروط ضدّه بحيث تكون تلك النقطة شايعة في كل قاعدة الآخر لكنها لو جمعت بحيث تكون في قوّة قاعدة مخروطها كانت نقطة و يكون من خلق من قاعدة مخروط النور في تمام الكمال و كمال التمام و تمام التمام و كمال الكمال بحسب الامكان و من خلق من قاعدة مخروط الظلمة في غاية البعد من الخير و من هو من دون القاعدة دون ذلك كل بحسبه فكلما بعد من النور ضعف نوره و قويت ظلمته و بالعكس .

قلت : و شرح حال ذلك الشّان انّ الوُجُودَ له وجه الي ميله و مطالبه الطّيّبة و هو العقل و هو وزيره و للماهيّة وجه الي ميلها و مطالبها الخبيثة و هو النفس الامّارة بالسُّوۤء و هي وزيرها .

اقول بيان ما اشرنا اليه سابقاً من ذكر منشأ الاختيار في المكلّف و من ذكر ما يلحق ذلك مما ذكرنا و شرح ذلك يعني حال ما ذكرنا بمعني ● زيادة بيان ما بيّنّاه هو ان الوجود الذي هو الركن الأعظم من الأنسان اعني [ص 343] مادته محتاج في بقاۤئه الي المدد كغيره من ساير المخلوقات و لا بدّ من ان يكون له باعث و هو ما عبّرنا عنه بالميل و بابه الي ميله و هو وزيره و وجهه الي مطالبه و هو العقل و كذلك الماهية فانها محتاجة الي المدد في بقاۤئها و لها باعث الي المدد و هو ميلها و بابها الي ذلك الميل هو وجهها و وزيرها ● الي مطالبها و هو النفس الأمّارة بالسوء فاذا احتاج الي وجود الاستمداد من نوعه في بقاۤئه مال العقل بميل الوجود الي ما احتاج اليه من افعال الطاعات و انواع الخيرات و فعلها الجسم بالآلة المسخرة بالعقل و اذا احتاجت الماهية الي الاستمداد من نوعها في بقاۤئها مالتِ النفس الأمارة بميل الماهية الي ما احتاجت اليه من افعال المعاصي و انواع الشرور و فعلها الجسم بالآلة المسخرة بالنفس الأمّارة .

قلت : و لما كان الانسان هو ذلك المركب منهما ظهرت فيه الواحدية بصورتِها فوجب ان يكون له جسم واحد و جسد واحد و اسم واحد و اٰلة واحدة فوجب في ذلك ان تكون كلها صالحة لاستعمال الوجود لها علي الانفراد بمقتضي فعله لما قلنا و صالحة لاستعمال الماهيّة لها علي الانفراد بمقتضي فعلها و كذلك متعلقات افعالهما من المأكل و المشارب و الملابس و المناكح و غير ذلك و كلّ منها صالح لاستعمالهما علي الانفراد و هي كافية للوجود اذا استعملها بواسطة العقل بحيث لايحتاج الي شئ في جميع مُيولاته لايوجد في مقتضي العقل من الخيرات و كذلك الماهيّة بل تكون تلك الامور مغنية لكل منهما في كل شئ .

اقول لما كان الانسان مركباً من الوجود و الماهية الموصوفين بما تقدّم [ص 344] ذكره ظهرت فيه الواحدية بصورتها لأنّه واحد لاتحاد انيّته لأنّ الوجود لايجد نفسه و انما تجد نفسها الماهية فوجب ان يكون له جسم واحد و هو النفس الحيوانية الفلكية الحسّاسة و ما يرتبط بها من النفوس الي النفس الجوهرية الملكوتية التي من الملكوت اعني عالم النفوس و هي اعلي مراتب جسميته و ان يكون له جسد واحد و هو هذا البشري و ما يرتبط به من الأجسام البرزخية كعالم هورقليا و هو اعلي الأجساد و ان يكون له اسم واحد اذ لايعرف منه ازيد من واحد و لما كان في حقيقته مركّباً من شيئين لا تحقق لأحدهما الا بالآخر و هما ذاته وجب ان يكون كل واحد من هذه اللوازم اعني وحدة الجسم و الجسد و الاسم ان يكون صالحاً لكل واحد من الشيئين اللذين تركب منهما لأنّ كل واحد من اللوازم كما كان صالحاً للمركب علي نحو الاستقلال كذلك يكون صالحاً لكل واحد من الجزئين لعدم انفكاك الآخر عنه فقد حصل المركب في ارادة الجزئين و انما اهمل الآخر لعدم ميله و عدم حصول مطلبه الذاتي كما تقدّم و هو معني قولي فوجب في ذلك ان تكون كلها صالحة لاستعمال الوجود لها علي الانفراد يعني بدون الماهية بمقتضي فعله الذاتي لما شاۤء من انواع الخيرات و ان تكون صالحة لاستعمال الماهية لها علي الانفراد بدون الوجود بمقتضي فعلها الذاتي لما شاۤءت من انواع الشرور و كذلك متعلقات افعال الوجود و الماهية يعني مطلوباتهما من المآكل و المشارب و الملابس و المناكح و غير ذلك و كل واحد من الوجود و الماهية صالح الاستعمال للمآكل ● و المشارب و الملابس [ص 345] و المناكح فيستعملها الوجود علي الانفراد من حيث يحبّ ( يحبّه خ‌ل ) الله سبحانه و تسكن الماهية معه بالعرض حيث لا حكم لها و يستعملها الماهية علي الانفراد من حيث يكره الله سبحانه و يسكن الوجود معها بالعرض حيث لا حكم له و حيث يتعاقبان في الاستعمال يتعاقبان في الأحوال فقد يتساويان و قد يترجح احدهما و اذا استعملها الوجود حيث يضعف الماهية كفته بحيث لايحتاج الي شئ لايوجد الّا في نوع الماهية و كذلك اذا استعملتها الماهية حيث يضعف الوجود كفتها في جميع مطالبها بحيث لايحتاج الي شئ لايوجد الّا في نوع الوجود و ذلك لعموم صلوح الأشياۤء لاستعمال كل من الوجود و الماهية كما مرّ مكررا بل تكون تلك الأمور اي المطالب التي هي متعلق ميل كل منهما مغنية لكل منهما في كل شئ من احوال الدنيا و الآخرة سبحان ربّي ( ربّ خ‌ل ) ● التدبير و مالك التقدير و هو علي كل شئ قدير و بكل شئ خبير و اليه المصير .

قلت : ثم اعلم ان العقل في الانسان و النفس الامّارة مرءاتان مرءاة العقل عن يمين القلب وجهها الي السماۤء فتنطبع فيه صورة الراس المختصّ به من العقل الاول و علي الاذن اليمني من القلب التي هي باب وحيه ملك مُؤيِّد و تحته جنود كثيرة من الملاۤئكة بعدد افعال العقل و مُيُولات الوجود تعينه علي كل خير و مرءاة النفس عن يسار القلب وجهها الي الارض فتنطبع فيها صورة الراس المختص بها من الجهل الاول و علي الاذن اليسري من القلب التي هي باب وحيها شيطان مقيّض و تحته جنود كثيرة من الشياطين بعدد افعال النفس الامّارة و ميولات [ص 346] الماهيّة تعينه علي كل شرّ .

اقول ان الله سبحانه حين امر كلمته فقبض لخلق الانسان من السماۤء ● قبضة خلق من القبضة التي من فلك المحدّد القلب الصنوبري و جعله مرآتين مرآة الي جهة السماء و العلو و هي التي عن يمين القلب فانطبعت فيها صورة الرأس المختص بذلك الشخص من العقل الأوّل اعني عقل الكل و قد قدّمت انّي انما قلتُ الأوّل من باب جريان اللسان بذكر ما اصطلحوا ● عليه مثبتوا العقول العشرة و ان كان اعتقادنا بطلان قولهم اذ ليس في العالم كله الّا عقل واحد و لذا نقول عقل الكل و تلك الصورة هي عقل ذلك الشخص و قوته و سعته و صفاؤه و كبره و عكس ذلك علي حسب تلك المرآة في صفاۤئها و سعتها و اعتدالها و عكسها و لذلك القلب الصنوبري اذنان علي الأذن اليمنٰي ملك مؤيّد لذلك العقل و معين له و تحت هذا الملك جنود من الملاۤئكة لايحصيها الّا الله و هي بعدد افعال ذلك العقل بنفسه مثل معانيه التي يدركها و بعدد ميولات سلطانه اعني الوجود و كلها تعين ذلك الملك المؤيّد علي كل خير و هو يعين العقل علي طاعة الله سبحانه تحصيلاً لمطالب الوجود و جعل سبحانه مرآة الي جهة الأرض و السفل منكبة و هي التي عن يسار القلب فانطبعت فيها صورة ● المختص بذلك الشخص من الجهل الكلي و هذه الصورة هي نفس ذلك الشخص الأمّارة بالسوء و اختلافها في الشدّة و الضعف و البُعد من اللطف علي حسب قابلية هذه المرآة كما قلنا في العقل و علي اذن القلب اليسرٰي شيطان مقيّض مزيّن لتلك النفس الأمّارة [ص 347] و معين لها علي معاصي الله و تحت هذا الشيطان شياطين لايحصي عددهم الّا الله تعالي و هم بعدد افعال تلك النفس من صورها و خيالاتها و خطراتها و بعدد ميولات سلطانها اعني الماهية و كلها تعين ذلك الشيطان المقيّض علي كل شرّ و هو يعين النفس علي معاصي الله تحصيلاً لمطالب الماهية و هذه النفس هي التي تتطور مع مداومة الأعمال الصالحة من الأمّارة الي اللوّامة ثم الي الملهمة ثم الي المطمئنة ثم الي الراضية ثم الي المرضية ثم الي الكاملة و ليس وراۤء عَبّادان قرية .