قلت و انما كانت استدارة الثاني بطيئة ايضا لحصول الكثرة فيها و كلما كثرت الوساۤئط كثرت الاستدارات و كان ابطي و تترتب العرضيات في القوّة و الضعف فما قرب من الداۤئرة كان اضعف و الذاتية ابداً واحدة .
اقول و كلما كان ابسط كان اسرع في حركته القابلية الانفعالية و كلما كان اكثر تركيباً او اجتماعاً و تأليفاً كان ابطأ و انما كانت استدارة الأصل الثاني بطيئة لأجل حصول الكثرة فيها التي تحصل بها الاستدارات الكثيرة و كثرة الاستدارات لكثرة الوساۤئط لأن المتأخر له علي ما تقدم عليه دورات لكل واحد استدارة و كلها عرضيات اضافية الي ان ينتهي الي الاستدارة علي علة العلل و قطب الأقطاب فتكون استدارته عليها ذاتية و كلما قرب منها كانت عرضيتها اقوي مما تحتها و كلما قرب من الدائرة كانت اضعف لما قلنا من انها في الأعلي استدارة علي العلة و في الأسفل استدارة علي المعلول و ان كان المعلول علة لما تحته فانّ ما فوقه علة له و لما تحته فالاستدارة عليها اقوي فهي عرضيات متفاوتة في الشدّة و الضعف بنسبة [ص 289] القرب من العلة و البعد عنها و الذاتية التي ليست عرضية اصلاً واحدة و لو اطلق علي الدورات المتوسطة الذاتية باعتبار ما تحتها و العرضية باعتبار ما فوقها لميكن به بأس الّا انّه علي جهة المجاز فافهم .
قلت و هكذا حكم كل اصلٍ و لفروع ذلك الاصل هذا الحكم كل فرع كرة واحدة له دورات دورة علي اصله و علي كل ما سبقه دورة و علي القطب الاول كذلك و قس عليه كل شئ بنسبة حال ذاته و عوارضها فكل عالم كرة و كل نوعٍ كرةٌ و كل صنفٍ كرةٌ و كل شخص كرة و كل جزءٍ كرةٌ .
اقول يعني انّ كل اصل من الأصول الكلية الاضافية و الجزئية الاضافية نسبتها في الاستدارات علي عللها و اصولها كنسبة الكليات و الجزئيات فيما مثّلنا به و هو معني قولنا و قس عليه كل شئ بنسبة حال ذاته و عوارضها و الفرع يدور علي اصله و فرعه يدور عليه كما ان الأصل يدور علي اصله اذ النسبة واحدة فكل عالم كرة واحدة و كل نوع منه اي من ذلك العالم كرة واحدة و كل صنف من ذلك النوع كرة واحدة و كل شخص من ذلك النوع كرة واحدة و كل شخص من اشخاص تلك الأصناف كرة واحدة و كل جزء من اجزاۤء تلك الأشخاص كرة واحدة و هكذا و حكم دورة كل جزء منفرداً و منضماً الي غيره في الدورة حكم ما تقدّم من الاسراع و الابطاء و الذاتية و العرضية .
قلت و هكذا احكامها في الاوضاع و التضايف و النسب كلها في التساوي و التعارف و التناكر الا انها في التناكر تدور علي التعاكس هكذا
و في التعارف علي جهة التواجه هكذا
و في التساوي علي جهة المماثلة [ص 290] هكذا
و اما في التّغاير في الذات وحدها فهكذا
و في الصفات وحدها هكذا
و فيهما معاً هو التناكر كما مر قال (ع) الارواح جنود مجنّدة فما تعارَف منها ائتلف و ما تناكر منها اختلف .
اقول و احكام الأصول و الفروع الكليات و الجزئيات في الاسراع و الابطاۤء في الاستدارات العرضية و الذاتية بالنسبة الي احكامها في الأوضاع و التضايف و النسب اما الأوضاع فجمع وضع اعني التحيز او ترتب بعض الأجزاۤء الي بعضها او الي البعض الخارجي و اما التضايف كالأمور المتساوقة في الوجود او الظهور كالأبوّة و البنوّة و كزوجية الأربعة و كايلاج الليل في النهار و النهار في الليل و كوجود الرطوبة من نكاح الحرارة للبرودة و وجود اليبوسة من نكاح البرودة للحرارة و كحمرة الزنجفر من الكبريت و الزيبق و كسواد المداد من الزاج و العفص و ما اشبه ذلك فان لكل واحد من الاثنين استدارة علي الآخر اِمّا فعلية و انفعالية او فاعلية و مفعولية او ظهورية و ركنية او فاعلية باعتبار و مفعولية باعتبار او استدارة تتميم و تكميل او استدارة توليد و ما اشبه ذلك و اما النسب فكالتقييد بالحيثيات و الاعتبارات فان لكل منهما استدارة حيثية او اعتبارية و النسب كلها تنحصر في نسبة التساوي اي التماثل و هو لايقتضي تساوي الاستدارتين في الاسراع و الابطاۤء و ان تساويا ● في العرضية و الذاتية و في نسبة التعارف و هو لايقتضي التساوي في الاسراع و الابطاۤء و لا في عدد العرضية و في نسبة التناكر و هو ايضا كالتعارف في عدم اقتضاۤء التساوي في الاسراع و الابطاۤء و عدد [ص 291] العرضية الّا انّ الاكثر في التعارف و التناكر التساوي بين المتعارفين و المتناكرين في جهة التعارف و التناكر و اذا وقع بينهما التعارف او ( و خل ) التناكر في غير جهتيهما فذلك من جهة الماهية الطاغية الّا انّها اعني ذوات الاستدارات من الكليات و الجزئيات الأصول و الفروع في صورة التناكر تختلف استداراتها اختلافاً كليا فتدور علي التعاكس يعني احدهما يخالف باستدارته استدارة الآخر و صورة استدارتهما هكذا
فاذا ابتدأ احدهما في الاستدارة من الطرف الأعلي مثلا الي جهة اليمين ابتدأ الآخر في الاستدارة من الطرف الأسفل الي جهة الشمال و هذا اذا كان احدهما من اصحاب اليمين و الآخر من اصحاب الشمال و امّا ان كانا معا من اصحاب اليمين اذا ابتدأ احديهما في الاستدارة من الطرف الأعلي الي جهة اليمين ابتدأ الآخر من الطرف الأعلي الي جهة الشمال و ان كانا من اصحاب الشمال معاً اذا ابتدأ احدهما من الطرف الأسفل الي جهة اليمين ابتدأ الآخر من الطرف الأسفل الي جهة الشمال و لايدور اصحاب اليمين من الطرف الأسفل الّا حال معصيته بما فيه من اللطخ و لايدور اصحاب الشمال من الطرف الأعلي الّا حال طاعته بما فيه من اللطخ و في صورة التعارف علي عكس ما ذكرنا في التناكر لتوافقهما في ذاتيهما و صفاتيهما بعكس التناكر و صورة استدارتهما هكذا
فاذا ابتدأ احدهما في الاستدارة من الطرف الأعلي الي جهة اليمين ابتدأ الآخر من الطرف الأعلي الي جهة اليمين و لايلزم تنافٍ اذا ابتدأ كل منهما من اليمين حيث انهما مع التعارف متقابلان فاذا كان في التقابل يمين كل منهما الي [ص 292] جهة يسار الآخر يكون ابتداۤء استدارة احدهما الي جهة انتهاۤء استدارة الآخر فيوهم ذلك انه تناكر مع انه من التوافق لجريان الاستدارتين معاً علي جهة اليمين فلا تنافي بينهما و كذلك لو كان المتعارفان من اصحاب الشمال فانّه اذا ابتدأ احدهما في الاستدارة من الطرف الأسفل الي جهة الشمال ابتدأ الآخر من الطرف الأسفل الي جهة الشمال و لا تنافي بينهما كما قلنا في اصحاب اليمين و في صورة التساوي في اصحاب اليمين و اصحاب الشمال علي جهة المماثلة و ان اختلفت رتبتهما اذ قد يختلفان في الرتبة و في الاسراع و الابطاۤء و في عدد العرضيات و صورة استدارتهما هكذا
و يكونان من اصحاب اليمين و يبتدءان بالأعلي علي اليمين و عن ● اصحاب الشمال و يبتدءان من الأسفل علي الشمال و قد يختلفان ببعض دواعي اللطخ و حينئذٍ قد يختلفان في الابتداۤء و في التوجه و في الاسراع و الابطاۤء و اما التغاير في الذات وحدها و هو التناكر في الذوات و التعارف في الصفات الّا انه بوجه من التناكر و التعارف و لذا عبّرت عنه بالتغاير و رسمت صورة استدارتيهما الذاتيين ● علي غير صفة استدارة التناكر او التعارف فقلت صورة استدارتيهما هكذا
و ما في الفوق ذاتي و هو
و ما في التحت صفتي لكن الذات اعلا منها
و صورة استدارة الصفات علي التعارف و الذات علي التغاير هكذا
و بالعكس هكذا
فكانت صورة استدارة الصفات كصورة استدارة التساوي و اما في الذوات فليست كالتعارف ليتقابلان بالوجوه و لا كالتناكر فيتقابلان بظهورهما و لا كالتساوي فتقابل [ص 293] وجوههما جهة واحدة بل علي حالة مغايرة للثلاثة
و هذا النوع قد لايتنافيان في جهة الذوات و ان كان قليلاً لأجل ملايمة الصفات و قد يتنافيان في الصفات قليلا لأجل تنافي الذوات و قد يتعارفان و قد يتناكران و هذا كله موجب للاختلاف في الاسراع و الابطاۤء و في عدد العرضيات و مثل هذا في جميع ما ينسب اليه حكم التغاير في الصفات وحدها و صورتها هكذا
و ان اختلف التغايران شدّةً و ضعفا فان التغاير في الذات اقوي و اشد من التغاير في الصفات و التغاير في الذات و الصفات هو التناكر كما ان التساوي في الذات و الصفات هو التعارف و قوله عليه السلام الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ايتلف و ما تناكر منها اختلف ، يعني انّ الأرواح عساكر جمعتها العناية الالهية بدواعي طبايعها فما تعارف منها بأن كان في عالم الأظلة و في الورق الأخضر و عالم الذرّ ظل المتعارف و ورقته مقابلاً بوجهه لظل من تعارف معه و ورقته ايتلف في هذه الدنيا لأنّ ورقة كل واحد منهما في غصن واحد متقابلان بوجوههما و كذلك المتناكران و امّا المتساويان فقد يكونان في غصن و قد يكونان في غصنين و اما المتغايران في الذوات خاصة فكل واحد في غصن و ظله قد يكون مع ظل مغايره في غصن و قد يكون في غصنين و اما المتغايران في الصفات فهما في غصن واحد غالبا و قد يكونان في غصنين و صفاتهما في غصنين فافهم .
قلت و معني تعارف ينظر احدهما في وجه صاحبه و معني تناكر ظهره الي ظهر صاحبه و المساواة من التعارف في التبعيّة و المغايرة [ص 294] احوال و انظر الي تمثيل الاشكال ،
و لكل رأيتُ منهم مقاماً شرحه في الكتاب مما يطول .
اقول معني التعارف ● ينظر احدهما في وجه صاحبه سواۤء كانا في غصن واحد ام غصنين كما ذكرنا قبل و معني التناكر ● ظهره الي ظهر صاحبه كما مثّلنا به قبل في الأشكال و في البيان و اما المساوات فمن التعارف في التبعية يعني انها نوع من التعارف الصفاتي و اما المغايرة فهي احوال متعددة كما اشرنا الي نوع ذلك و الا فافراد المتغايرين كثيرة جدّا فالتناكر منها في بعض الأحوال و المساوات قد تكون بمحض الصفات فتكون المغايرة من جهة الذات و قد تكون المساوات بالعكس فتكون المغايرة في غير جهتها اذ لاتجتمع مع المساوات في جهة واحدة و اذا تدبرت وضع هذه الأشكال التي هي تصوير لدورات الكرات ظهر لك الحال ، و لكل رأيت منهم مقاما ، هذا البيت من قصيدة عبدالله بن قاسم ● السهروردي في وصف احوال الساۤئرين و احوال الواصلين و صفات مطلوبهم و هذا الذي ذكرته لك من الاستدارات هو باطن ما ذكره في قصيدته .
قلت ثم اعلم ان الكرة ان كانت استدارتها عبارة عن استدارة قوس من محيطها فهي تدور علي محور و تحدث من الاجزاۤء الدواۤئر لا الكرات و ليس ذلك الاستدارة الصدورية عن العلة البسيطة التي هي فعل الله سبحانه و مشيّته بل الاستدارة الصُّدوريّة اَنْ يَدُور كل جزء من الكرة علي قطبها فتكون استدارة الكرة علي قطبِها لَيْسَتْ الي خصوص جهةٍ لان ذلك من خواصّ الاجسام في حركاتها الجسمانية .
[ص 295] اقول اعلم انّ الكرة التي ذكرناها ليست عبارة عما يحدث عن استدارة قوس من محيطها لأنّ الكرة التي تحدث من استدارة القوس لمتتساو اجزاء سطحها الي مركز قطبها بل كل جزء تحدث عنه داۤئرة قطبها نقطة من المحور تسامتها غير قطب الداۤئرة الأخري فتختلف لذلك تلك فمنها عظام و منها صغار و منها بين ذلك و اذا اعتبرنا استدارة تلك الكرة و استدارة كل واحد من اجزاۤئها علي فعل الله سبحانه كانت استدارة انفعال و تتساوي فيها جميع الممكنات مع اختلاف حقايقها و قوابلها و دواعيها و اوقاتها و كمّها و كيفها لأنّها استدارة صدورية فتكون فيها علي السواۤء من غير ان يكون بعض منها الي جهة بل كل شئ منها يدور علي تلك العلة لا الي جهة لأنّها ليست في جهة اذ الجهات كلها صادرة عنها فلاتحويها فتكون تلك العلة البسيطة التي هي فعل الله و مشيته ليست في جهة فالمستدير عليها يستدير لا الي جهة لأنّ الاستدارة الي جهة من خواص الأجسام في حركاتها الجسمانية فان قلت انك اطلقت القول في جميع الأشياۤء بانّها تدور علي فعل الله تعالي لا الي جهة و منها الأجسام فلمَ قلتَ ان الاستدارة الي جهة من خواص الأجسام في حركاتها الجسمانية قلتُ ان الأجسام تدور الي جهة اذا كانت تدور علي ذي جهة و اما اذا كانت تدور علي ما ليس في جهة وجب ان تكون استدارتها لا الي جهة و الّا لكانت تدور علي غيره الّا ان الجسم لايدور علي ما ليس في جهة حال جموده فانه من هذه الحيثية يدور علي ما في جهة و اما دورانه علي ما ليس في جهة كالعلة الصدورية [ص 296] فانما هو من حيث ذوبانه و اتحاد اجزاۤئه المتباينة و هذا معني ما قلتُ :
و اما الحركات الوجودية الصدوريّة فليست جسمانية و ان كانت من الاجسام فهي دورات دهرية و سرمديّة و الّا لمتحط جهة العلة بجميع جهات المعلول و لهذا قلنا كل جزء كرة فافهم فهمك الله تعالي و اعلم ان هذا الطور من الاستدارة لاتدركه النفس و لا العقل و انما يدركه الفؤاد لانه جهة الصدور و هي ربط الدهر بالسرمد و السلام .
اقول ان الحركات الوجودية كما اشرنا اليه ليست جسمانية من حيث هي جسمانية و ان كانت من الأجسام لأنها حركات صدورية و الحركات الصدورية من قِبَل فعل الله سبحانه سرمدية و من قِبل القابل تكون في المقيد دهرية و في ما فوقه ( فوقها خل ) من الممكنات برزخية يعني ان وجهها في السرمد و قرارها في الدهر و لأجل كون حركة الفعل سرمدية احاطت العلة بجميع جهات المعلول و لو كانت جسمانية لمتحط بها و انما قلنا ان كل جزء كرة لأجل عموم الاحاطة و من ثَمّ لمتدرك النفس و لا العقل هذا النوع من الحركة و انما يعرفه الفؤاد لأنّه اي الفؤاد جهة الصدور يعني وجهه الي المظاهر و به ربط الدهر بالسرمد من جهة ان الفعل و ان تعلق بالمفعول الذي هو المقيد و محله لايخرج عن السرمد و ان كان محله و متعلقه في الدهر بل و في الزمان اذ لايقارن المفعول الا بالتعلق الذي هو من نوع المفعول .
قلت : الفائدة العاشرة اعلم ان الله سبحانه خلق الاشياۤء بفعله و ابداعه من غير سبق فكرٍ اَوْ رَوِيّةٍ و كل شئ فالله خالقه سواۤء كان في [ص 297] الوجود الخارجي ام الذهني و ما في الذهن لميوجد علي احتذاۤء سبقِ ذهنٍ فالوجود الذهني في الواقع وجود خارجي و انما قسّم الوجود الي الذهني و الخارجي للفرق بين الوجود الظلّي الانتزاعي و الاصلي اصطلاحاً و لا مشاحّة في الاصطلاح و الا فهو في الحقيقة قسم من الوجود خلقه الله لحاجة الخلق اليه في التفاهم و التعارف ليحصل لهم ادراك ما غاب عن حواۤسهم الظاهرة و ذلك مما يتوقف عليه تكليفهم و نظام امورهم و معاشهم .
اقول هذا الكلام فيه تعريض بالردّ علي من زعم ان الوجود الذهني ليس وجوداً و انما ( و اما خل ) حقيقة ما يدركه الذهن انما هو الحقايق الثابتة قبل ايجادها و ليس بموجود و علي من زعم ان النفس هي التي تحدثه لا انه صنع الله و علي من زعم ان الوجود الذهني وجود اصلي ليس بانتزاعي ظلي و انما يوجد الشئ بحقيقته في الذهن لا بظله و مثاله و علي من زعم ان الوجود الذهني اصل للوجود الخارجي و الوجود الخارجي ظل للوجود الذهني فقلت ان الله سبحانه خلق جميع الأشياۤء ذهنيّها و خارجيّها بفعله و ابداعه من غير سبق فكر و لا رويّة ليقال ان ما في الذهن ليس الوجود الخارجي بل هو من ذهنيّ قبله و الدليل علي انه مخلوق لله تعالي قوله عز و جل و اسرّوا قولكم او اجهروا به انّه عليم بذات الصدور الايعلم من خلق و هو اللطيف الخبير و انما قال تعالي الايعلم من خلق لأن ما توسوس به النفوس هو الذي في معرض العلم به حيث اخفوه و لميجهروا به فقال انه يعلمه لأنّه خلقكم انتم و ما في انفسكم فكيف لايعلم مَن خَلَقَ و لو اريد به خصوص العلم [ص 298] بهم لا مع ما في نفوسهم كما يوهمه ظاهر مَنْ خَلَقَ لمادلّ علي اطلاعه علي ما اسرّوا به الذي اراد بيان الاطلاع عليه و لايرد علينا انهم اسرّوا ما هو قبيح ممنوع منه فلايكون الله خالقا له و اعلم ان اهل القول الأوّل انكروا الوجود الذهني و زعموا ان ما تراه بخيالك ليس موجوداً في الذهن و انما هو موجود في الخارج و يعنون الأعيان الثابتة و قالوا كما انك تري زيدا بعينك و ليس في عينك و انما هو خارج عنها فليس للذهن وجود ينسب اليه الّا اذا اثبتناه فيه و لميثبت فيه شئ و غلطوا بل نريد بالوجود الذهني ما كان الذهن علة لظهورها و وجودها الكوني و هي الأظلة المنتزعة من الأشياۤء الخارجية و ذلك لأنّه تعالي ● خلق الأشياۤء اقام كل شئ في مكانه المناسب له فالاشراقات النورية لاتظهر الّا في الأجسام الكثيفة فوضعها فيها و الصور لاتظهر الّا في الأشياۤء الصيقلية كالمرآة و الماۤء فوضعها فيها و الصور المثالية المعنوية اي الخيالية لاتظهر الّا في الأذهان فاقامها فيها و الأجسام لا قرار لها الا علي الأرض المتماسكة فاقامها عليها فمرادنا بالوجود الذهني ان الاظلة الخيالية المنتزعة تكون في الذهن و ان ذا الظل موجود في الخارج و ذو الظل و الظل هما موجودان لكن ذا الظل موجود في الخارج و ظله الخياليّ الانتزاعي في الذهن فتنقسم الموجودات الي ما يكون في الخارج و الي ما يكون في الذهن و كلاهما موجودان احدهما في الخارج و هو الموجود الخارجي و الآخر في الذهن و هو الموجود الذهني و دليل هذا ما قلنا مراراً انك لاتقدر ان تتصور بذهنك شيئاً رأيته قبل ذلك حتي [ص 299] تلتفت بذهنك فتقابل ذلك الشئ بمرآة خيالك في المحل الذي رأيته فيه و بالهيئة التي رأيته عليها و في الوقت الذي رأيته فيه فتجد مثاله و هيئته في غيب ذلك المكان و غيب ذلك الوقت فتنتقش في ذهنك تلك الصورة و لاتقدر علي التصور بدون هذا فافهم و اهل القول الثاني يزعمون ان للنفس قوة علي احداث ما شاۤءت من غير سبق مثال فتتصور شريك الباري تعالي و بحراً من زيبق و لا اصل لهما و ليس الا لأنّها تخترع بنفسها و غلطوا فانها لو كانت كذلك لكانت تحدث ذلك من غير ان تتوجه الي جهة مظنته ( مظنّة خل ) و ما تتوهمه فيه لكنها لاتقدر حتي تتوجه الي جهة ذلك فتنتزع من موهومها صورته سواۤء كان شيئاً في الخارج ام لا بل في الحقيقة لا بدّ و ان يكون شيئاً في الخارج كما دلّت عليه الأدلة مثل قول ابيالحسن الرضا عليه السلام قال قلت لمَ خلق الله عز و جل الخلق علي انواع شتي و لميخلقه نوعاً واحدا فقال عليه السلام لئلّايقع في الأوهام انه عاجز و لاتقع صورة في وهم احد الّا و قد خلقه الله تعالي عليها خلقاً لئلاّيقول قائل هل يقدر الله تعالي ان يخلق صورة كذا و كذا لأنه لايقول من ذلك شيئاً الا و هو موجود في خلقه تبارك و تعالي فيعلم بالنظر الي انواع خلقه انه علي كل شئ قدير ه ، رواه في اول كتاب العلل في باب علّة الخلق فتكون الصورة الذهنية منتزعة من الوجودية الخارجية و انما اختلفت الصورة للشئ الواحد بالنسبة الي المتصورين لاختلاف اذهانهم كما يختلف الصور لشئ واحد في المرايا المتعددة المختلفة و هؤلاۤء طائفتان منهم من يزعم انه وجود وهمي ليس بانتزاعي [ص 300] و انما يصدق عليه الوجود لأنه شئ و منهم من يزعم انه انتزاعي من موهوم و كلا الزعمين باطل و اهل القول الثالث يزعمون ان الوجود الذهني اصل للوجود الخارجي و الخارجي ظلّه و تنزّله و هم جلّ الصوفية و من هنا يقول احدهم ماتتحرك نملة في المشرق او في المغرب الا بقدرتي و منهم من يزعم انه متحد مع الخارجي لايفرق بينهما الا بان الذهني مجرد عن اللوازم الخارجية كالنار مثلا فان الموجود منها في الخارج هو الموجود في الذهن بعينه الّا انه مجرّد عن لوازمه الخارجية كالاحراق فانه من لوازم الخارج و قد قال الشيخ جواد الكاظميني في شرح الزبدة في مبحث العلم و ليعلم ان الحق بعد القول بالوجود الذهني و ان العلم من مقولة الكيف ان الأشياۤء بانفسها موجودة في الذهن كما هو مذهب المحققين لا باشباحها و امثالها كما هو مذهب شرذمة قليلة لايعبأ بهم انتهي ، و هذا كله غلط لأن قول الصوفية لو صحّ لكان اذا مات الصوفي بطل نظام العالم كما انه اذا انصرف المقابل للمرآة بطلت الصورة التي في المرآة و هذا ظاهر الفساد و قول الآخرين ايضاً باطل لأنّه لو كانتا صورتان نقشتا من قالب واحد و حضرت عندك واحدة منهما فانك اذا نظرت فيها لاتحضر الأخري في ذهنك و لا عندك و ان حضر اصل القالب فلو كانت النار التي في الذهن هي النار الخارجية لا ظلالها لكنت اذا تصوّرت ما في ذهنك لايلتفت ذهنك الي النار الخارجية اصلا كما انك اذا تصورت احدي صورتين كلاهما من قالب واحد لايلتفت قلبك الي الأخري و ان التفتّ الي قالبهما [ص 301] و الواقع خلاف ذلك بل لايمكنك ان تتصور ما في ذهنك الا اذا التفتّ الي الخارجي و ليس الا لأن ما في ذهنك منتزع من الخارجي و ليس في ذهنك شئ و اذا التفت ذهنك بمرآته الي الخارجي انطبعت فيه صورته المنفصلة المنتزعة و هو الحق اعني كون الوجود الذهني ثابتا و انه ظلي منتزع من الخارجي نعم هنا تفصيل و هو ان ذا الذهن ان كان علة الوجود بان كان هو امر الله الذي به قام كل شئ و ان وجودات الأشياۤء كلها اعني موادها من اشعة وجوده كان ما في ذهنه من صور الأشياۤء عللاً و اسباباً للأشياۤء الخارجية بحيث لو عدمت تلك الصورة التي هي وجوه تلك الأشياۤء اضمحلت الأشياۤء و هذا مثل النبي صلي الله عليه و آله و اهل بيته الطيبين عليهم السلام كما دلّت عليه اخبارهم و نطقت به كلماتهم و آثارهم من انه لو لميكن الحجة في الأرض لساخت و اما من سواهم فكلما فيهم من الصور اي في اذهانهم فانها اظلة منتزعة من الأشياۤء الخارجية و الكلام مبنيّ ( مبتني خل ) علي احوال العوام ( العوالم خل ) و اما احوالهم عليهم السلام فعلي طور غير ما نحن بصدده و انما جري التنبيه عليه استطرادا فاهل القول الأوّل ينفون الصورة عن الذهن و يقولون الذي تراه بذهنك ليس في ذهنك و انما هو في الخارج ثابت لا موجود و لا معدوم و اهل القول الثاني يثبتون صوراً ليست ذواتاً و لا اظلة منتزعة بل هي اظلة قاۤئمة بالذهن و لا خارج لها و اهل القول الثالث يجعلون ما في الذهن اصلاً لما في الخارج او انّ الشئ له مكانان مكان ذهني و مكان خارجي و الحق ان ما في الذهن قسم من الوجود الظلي خلقه الله في [ص 302] الذهن لافتقار الخلق اليه في التفاهم و التعارف يتوصلون به الي مطالبهم ليحصل لهم ادراك ما غاب عن حواسهم الظاهرة اذ لولاه لميدركوا الّا ما تراه عيونهم و تناله اسماعهم و ذلك مما يتوقف عليه تكليفهم بما فيه نجاتهم و نظام معاشهم و هذا ان شاء الله ظاهر .
قلت و انما قلنا انه مخلوق للّه تعالي لما دلّ عليه الدليل القاطع بان اللّه خالق كل شئ قال تعالي و ان من شئ الّا عندنا خزاۤئنه و ماننزله الّا بقدرٍ معلوم ، فان قلت معني ذلك انّ الله تعالي جعل في النفس قدرة علي اختراع ما شاۤءت من الصور فهي تخترع تلك الصور بما يمكن لها فلايكون الوجود الذهني في الحقيقة خارجيّاً قلت انّ ما جعله فيها و في غيرها مما تجري فيه علي اختيارها ليس حيث اعطاها رفع يده عنه بل هو في يده بعد الاعطاۤء كما هو قبل الاعطاۤء بل هو حال واحدة بلا تعدّد الّا في العبارة كناية عن ظهور العطية في نفسها .
اقول انما قلنا انما في الذهن مخلوق لله عز و جل لأنّ الدليل قد دلّ علي جهة القطع و الضرورة بأن الله سبحانه خالق كل شئ قال الله تعالي و ان من شئ الّا عندنا خزاۤئنه و ماننزله الّا بقدر معلوم و قال تعالي قل الله خالق كل شئ و هو الواحد القهّار و قال تعالي و اسرّوا قولكم او اجهروا به انه عليم بذات الصدور الايعلم من خلق و هو اللطيف الخبير و هذا معلوم لأنّه اذا كان شيئاً يصدق عليه اسم الشئ بكل اعتبار فقد دخل في عموم الآيتين الأوليتين و امثالهما و ان لميكن شيئاً اصلا لمتكن النفس مخترعة له و اما الآية الثالثة فهي صريحة في خصوص [ص 303] الدعوي لأنّ الاسرار بالقول هو التصور بدليل قوله تعالي انه عليم بذات الصدور اي عليم بما اسررتم و تصورتم و عزمتم عليه و هممتم به و لاينافيه قوله تعالي الايعلم من خلق بتوهم انه انما خلق المتصورين لا التصور بقرينة مَنْ خَلَقَ لأنه تعالي في بيان علمه بسراۤئرهم و تصوراتهم و ما توهموا و اضمروا و قد علّل تعالي ذلك بانه خلقه فكيف لايعلمه هذا علي معني ان مَنْ خَلَقَ مفعول يعلم يعني الايعلم مخلوقه و اما علي معني ان مَنْ خَلَقَ فاعل يعلم كما هو المشهور في التفسير فهو ادلّ و اظهر و لايرد علينا لزوم الاجبار من خلقه لذلك لأنه تعالي خلق اعمالهم القبيحة بافعالهم اي حكم عليهم بما فعلوا كما تجعل زيداً عاصياً اذا لميطعك فقد حكمت عليه بفعله و كذا ( و لذا خل ) قال تعالي بل طبع الله عليها بكفرهم لأنّه تعالي لما كفروا طبع علي قلوبهم بكفرهم و لايلزم من ذلك الاجبار و اما قولهم ان الله جعل في النفس قدرة علي اختراع ما شاۤءت من الصور الخ ، فبعد ما ذكرنا من انها لو كانت مخترعة لها لماكانت تلتفت بمرآتها الي جهة امكانه لتنطبع صورته فيها انّا نقول حين جعل لها قدرة تخترع بها هل رفع يده عما جعل لها ام هو في يده اذ لو رفع يده لميكن شيئاً فلاتفعل الا بالله فالله في الحقيقة هو الفاعل علي حدّ قوله تعالي و مارميت اذ رميت و لكن الله رمي و قوله افرأيتم ما تحرثون ءانتم تزرعونه ام نحن الزارعون فافهم ان كنت تفهم و قولي كناية عن ظهور العطية يعني انه انما قلنا اعطي خلقه قدرة و علماً او غير ذلك ليس لأنّ العطية انفصلت من يده تعالي ليكون العبد مستقلاً [ص 304] بها و بما يترتب عليها بل انما قيل اعطي كناية عن ظهور العطية من كتم الوجود الامكاني الي علانية الوجود الكوني و الّا فهي في قبضته اذ لو خلّاها من يده لميكن شيئا .
قلت و تلك القوّة المشار اليها فعلها و انفعالها و اضافتها و تعلقها بمخترعها انما كان شيئا في نفسه بكونه في يده فاذا قابلت المرءاة الشئ اوجد الله بهما فيها الصورة و انما لها اختيار المقابلة و انتزاع الصورة اللذان هما شئ بكونهما في يده فافهم و الي هذا الاشارة بقوله (ع) كلما ميزتموه باوهامكم في ادقّ معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود اليكم فافهم قوله (ع) مخلوق مثلكم مردود اليكم .
اقول قولنا و تلك القوة تقدّم بيانه و هو ان جميع ما اعطي خلقه لميخلّيه ● من يده لأنّه ليس شيئاً الّا بكونه في يده فلو خلّاه لميكن شيئاً اصلا فهو فلو ● خلّاه من يده الاكوانية لميكن مكوّنا و لكنه ممكن و لو خلّاه من يده الامكانية لميكن ممكنا و هذا الوجه الثاني خفيّ علي العقول و لكنه كما اقول فاذا قابلت المرآة الشئ هذا تفريع علي ما قبله تفريعاً بيانياً لا تأسيسيا يعني اذا قابلت الشاخص اوجد الله من صورة الشاخص المنفصلة لأنّها هي مادة الصورة التي هي في المرآة فيوجد الله منها بالمرآة لأنّها هي القابلة للصورة فهي صورة الصورة و حدودها هي صقالة المرآة و بياضها و سوادها و استقامتها و اعوجاجها فيها اي في المرآة لأنّ الشئ يوجد في صورته و كل شئ يتوقف عليه الايجاد فمن جعل الله ليس للمرآة فيه شئ و انما لها اختيار المقابلة بالله و انتزاع [ص 305] الصورة بالله اللذان هما شئ بكونهما في يده و هذا معني قولي بالله و الي هذا المعني اشار عليه السلام بقوله كلما ميّزتموه باوهامكم اي تصورتموه او تعقلتموه في ادق معانيه يعني في ادق معانيه بالنسبة الي عقولكم او الي المميّز نفسه يعني في اول مراتب تعيّنه فهو مخلوق يعني خلقه ( خلق خل ) الله سبحانه مثلكم اي كما انتم مخلوقون او مثلكم اي صفة لكم و مثل لكم بفتح الميم و الثاۤء المثلثة اي صفتكم و شبحكم و آيتكم و بكسر الميم و سكون الثاۤء اي نظيركم اِمّا في الايجاد او فيما يترتب علي الايجاد من احكام التكاليف في الدنيا و المعاد مردود اليكم اي غير مقبول منكم ان تجعلوا العبد ربّا او مردود اليكم يعني انه من اشعة وجوداتكم او ذاتكم ( ذواتكم خل ) و هذا معني قولي فافهم قوله عليه السلام مخلوق مثلكم مردود اليكم .
قلتُ : فان قلت يلزمكم ان الله تعالي خلق المعاصي و الكفر و سائر القبايح قلت نعم كذلك الله ربّنا قال تعالي قل الله خالق كل شئ و هو الواحد القهار و لكن ليس علي ما تفهم و ذلك لانه سبحانه لايخلق شيئا الّا علي ما هو عليه في ذاته و صفاته و افعاله و الّا لميكن ذلك المخلوق كذلك بل يكون قد خلق علي غير ما هو عليه فحينئذ لايكون هو ايّاه و انما يكون هو غيره هف .
اقول لايلزمنا من قولنا ان جميع ما وهب عباده من النعم من القوة و الاستطاعة و الفعل و الانفعال و غيرها كلها في يده سبحانه ان يكون الله تعالي عز و جل فاعل المعاصي و الكفر و الشرور علي ما هو معروف لأنّ الاعتقاد الحق ان العبد هو فاعل المعاصي و الكفر و الشرور باختياره و الله سبحانه [ص 306] بريء منها كما قال تعالي فاذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباۤئنا و الله امرنا بها قل ان الله لايأمر بالفحشاۤء أتقولون علي الله ما لاتعلمون و قال تعالي فويل للذين يكتبون الكتاب بايديهم ثمّ يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلا فويل لهم مما كتبت ايديهم و ويل لهم مما يكسبون و غير ذلك من الآيات و اما قولنا ان الله خالق كل شئ من جملته المعاصي و الكفر فنريد به معني آخر غير هذا لايلزم منه هذا المعني الباطل و اخبار الائمة عليهم السلام متواترة بذلك ناطقة به مع تنزيههم جناب الحق عن الظلم و فعل القبايح و بيان المعني الذي نشير اليه يحتاج الي تقديم كلمات نشير فيها الي بيان ما وردت به الأخبار بحيث لايلزم التفويض و لا الاجبار فنقول اعلم ان الله سبحانه لايخلق شيئاً من خلقه من ذات او صفة الّا علي ما هو عليه في ذاته و صفاته و افعاله اذ لو خلق المخلوق علي غير ما هو عليه كذلك لميكن هو ايّاه بل كان غيره لأنّه انما خلق غيره و تفصيل ذلك انه تعالي ان خلق علي مقتضي استطاعة فعله تساوت المفعولات لأنّ نسبتها الي فعله علي السواۤء بل لمتتعدد في انفسها بل تكون واحداً لأنّ فعله واحد و ان خلق علي مقتضي قابلية المفعول فان كان علي نحو القسر و الاجبار كانت كما لو خلقها بمقتضي استطاعة فعله تعالي و ان كان علي جهة الاختيار صح الصنع و ارتفع الاجبار و ذلك بعد ان كانوا شيئاً واحداً وجوداً هيولانيّا حصصهم فلما جعلهم حصصاً متمايزة المواد في الجملة جعل في كل حصة من تلك المادة النوعية الاختيار و التميز و معرفة الخير و الشر و الجيّد [ص 307] و الرديّ و حيث كانت السعادة و الشقاوة و الطاعة و المعصية انما هي في الصور عرض عليهم صور طاعاته في عليين و صور معاصيه في سجين و اخبرهم ان من اجاب دعوتي صوّرته بصورة اجابته و البسته لباس طاعتي و من لميجب دعوتي صوّرته بصورة انكاره و البسته لباس معصيتي فرضوا و قبلوا ثمّ دعاهم الي توحيده و نبوة نبيه صلي الله عليه و آله و ولاية وليّه عليه السلام فقال الست بربكم فقالوا بلٰي فالمؤمن اجاب بلسانه و قلبه مصدقاً مسلماً طاۤئعا و الكافر قال بلي و اضمر انه ان اقتصر علي هذا فلاتضرّنا الاجابة لأنه خالقنا و دعانا الي طاعته و ان تجاوز بنا الي طاعة غيره لمنجب لأنّا اولٰي من غيرنا ثمّ قال لهم و محمد (ص) نبيكم فاجاب المؤمن بقلبه و لسانه كما مرّ و ازداد ايماناً بتسليمه و سكت الكافر و قال في نفسه تجاوز بنا الي غيره لكن هذا الغير لميجعل له ولاية علينا و انما هو داعٍ الي خالقنا فان اقتصر عليه اجبنا و الا انكرنا ثمّ قال لهم و عليّ وليكم فاجاب المؤمن و ازداد ايماناً علي ايمان و انكر الكافر و قال لانقبل ان يكون علينا وليّا بشر مثلنا و لذا قال صلي الله عليه و آله لعلي عليه السلام في حق جميع الأمم مااختلفوا في الله و لا فيّ و انما اختلفوا فيك يا عليّ و كان فيما انزل علي نبيه و لايزالون مختلفين الّا من رحم ربّك و لذلك خلقهم فاذا عرفت ان الله تعالي لميخلق الخلق الّا علي ما هم عليه بحسب قوابلهم باختيارهم و لميكونوا في دواعيهم و لا ما يميلون اليه مجبورين عرفت مقدمة معرفة ان الله خلق كل شئ حتي المعاصي و لميكن فاعلاً لها و بقي تمام المقدمة و هو ما قلتُ :
[ص 308] و اذا خلقه علي ما هو عليه فانما خلقه علي مقتضي سبب ايجاده و قبوله للوجود و ذلك بالاسباب الخارجة عن حقيقة ما افاضه الله بذات فعله و ان كانت بعوارضه و تلك الاسباب مقتضيات لتغيير الحقائق بحكم الوضع و تلك المقتضيات من افعال الخلق و اوضاعهم فلو خلق علي غير المقتضي لكان قد منع ما اعطي و ابطل ما قدّر .
اقول هذا من تمام ما ذكرنا من المقدمة و هو ان معني قولنا انه خلقه علي ما هو عليه انه خلقه علي مقتضي سبب ايجاده و قبوله للوجود ● هو انفعاله بحسب كمّه و كيفه و وقته و مكانه و جهته و رتبته و اوضاعه و كلها منسوبة اليه لأنّها اجزاۤء ماهيته و ليست من فعل الله سبحانه اوّلاً و بالذات بالنسبة الي تشخصه بها و ان كان بفعل الله ثانياً و بالعرض و معني كونها بالعرض بالنسبة الي تشخّصه بها ان منها ما هو مخلوق في ( من خل ) نفسه بالذات من حيث نوعيته بل كلها كذلك لكنها باعتبار اختصاص بعض الأفراد ببعض حصص منها لميكن التخصيص الا باقتضاۤء المفعول فكان التخصيص بالعرض لأنّه للاقتضاۤء لا لنفسه و هذا معني قولنا و ذلك بالأسباب الخارجة عن حقيقة ما افاضه الله بذات فعله و ان كانت بعوارضه لأنّ الذي افاضه الله بذات فعله هو الوجود خاصّة اعني المادة الكلية المسمّاة بالهيولي الأولي و المواد الجزئية رؤس منها كالورق من الشجرة و حصص منها كالذرّ من جوهر الهباۤء هذا هو المقبول و اما اسباب قابليته للايجاد فاشياۤء يقتضيها المقبول من نفسه عند توجه الايجاد عليه فلما توقف قبوله عليها خلقت له فهي مخلوقة بالعرض و بها [ص 309] تغيّرت الحقايق و اختلفت فهي باقتضاۤء المقبول لها و تغاير حقايقها و اختلافها بسبب تغايرها قد جري عليها ايجاد بحكم الوضع لكون تلك منها اسبابا و منها موانع او شروطا و تلك المقتضيات كلها من افعال الخلق و اوضاعهم كما ذكرنا فان خلق الأشياۤء علي غير ما تقتضيه كان قد منع ما اعطي و ابطل ما قدر فانه اعطي الحديد انه يقطع و النار تحرق و البذر اذا وضع في الأرض ينبت و النطفة اذا القيت في الرحم يتخلق منها الجنين و هكذا فاذا اراد الظالم يقتل المؤمن بالسيف او يحرقه بالنار او يغصب حنطة ● و يزرعها في ارض مغصوبة و يسقيها بماۤء مغصوب و الزاني وضع نطفته في رحم الزانية فان منع الحديد ان يقطع و النار ان تحرق و الحنطة ان تنبت و النطفة ان تتخلق كان قد منع ما اعطاها و يلزم من ذلك ان الحديد لايقطع في الجهاد و النار لاينتفع بها العباد و الحنطة لاتنبت عند مالكها مع كمال الاستعداد و النطفة الحلال لاتتكون منها الأولاد و يفسد النظام و تبطل فاۤئدة الايجاد و ان خلق الأشياۤء علي ما تقتضيه طبايعها التي خلقها عليها لمصلحة العباد قطع الحديد رأس المؤمن و النار احرقته و الحنطة تنبت عند الظالم و نطفة الزاني تتكون ● منها ولد الزنا و ليس الله معينا لمن عصاه فلميقتل المؤمن و انما قتله الظالم بالسيف و احرقه بالنار و لميعن الغاصب لحنطة المؤمن و لميأمر الزاني بالزنا فمعني قولنا ان الله خلق الكفر انه تعالي اذا كفر عبده طبع الله علي قلبه بكفره كما قال تعالي و قالوا قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم و معني انّ الله خلق المعاصي [ص 310] انه خلق مقتضاها و لوازمها كما مثّلنا لك به و الأخبار الواردة في هذا الباب كثيرة لاتكاد تحصي كلها من هذا المعني و هو معني ما قلت :
مثلا خلق الحديد يقطع و لايقطع الّا بالله فاذا ذبح زيد عمراً ظلما بالسيف فان لميوجد الله الذبح لمقتضي فعل زيد و الحديد لكان قد منع الحديد ما خلقه عليه فلميكن الحديد حديداً و منع زيداً مقتضي فعله فلميمكّن زيداً من فعل المعصية فلميقدر علي الطاعة لانها لاتتحقق الا بالتمكين من المعصية و اذا لميكن ذلك لميحسن تكليفه فلميكن مكلفا و اذا كان كذلك لميحسن ايجاده و يبطل الايجاد من اصله و الوجود الذهني حدث عن الله بهذا النحو .
اقول مرادي من قولي ان الحديد لايقطع الا بالله ليس كما فهمه الأشاعرة بأنّ القاطع هو الله لأنّ الأسباب في الحقيقة ليست اسبابا و هو غلط لأنّه يلزم الجبر بل الأسباب اسباب في الواقع و الحديد بنفسه هو القاطع بلا مشاركة مع الله عز و جل في القطع و انما مرادي انه تعالي اعطي الحديد القطع و جعله يقطع بنفسه و لكن الحديد و الحركة من الفاعل و القطع قاۤئمة بامر الله قياماً ركنيّا و بفعل الله قياماً صدوريّا و هي شئ يحفظه ● الله فما دام الله حافظاً لوجودها بامره و فعله فهي شئ يفعل بما اودع من القدرة المحفوظة بقبضة الله اذ لو خلّاها من يده لمتكن شيئاً اصلا فان لميوجد الله بالحديد الذبح الذي هو اثر فعل زيد بمقتضي فعله لميكن زيد متمكناً من فعل المعصية و اذا لميكن متمكناً من فعل المعصية لميكن متمكناً من فعل الطاعة لأنّ الطاعة كما يأتي لايتحقق حتي يكون متمكناً من فعل المعصية قادراً عليها باختياره فيتركها و يفعل [ص 311] الطاعة باختياره فحينئذٍ تتحقق الطاعة فاذا لميتمكن من المعصية لميتمكن من فعل الطاعة فاذا لميتمكن من فعل الطاعة لميحسن تكليفه لانتفاۤء فاۤئدة التكليف و اذا لميحسن تكليفه لميحسن ايجاده لانتفاۤء فاۤئدة الايجاد و ايجاد الوجود الذهني من هذا القبيل بالنسبة الي ما ينتقش فيه من خير او شرّ فانها كلها بفعل الله علي نحو ما اشرنا اليه لأنّ الله فاعل لأفعال العباد تعالي عن ذلك علواً كبيرا فافهم راشدا .
قلت : ثم اعلم ان في قوله تعالي و ان من شئ الّا عندنا خزاۤئنه حيث اتي للشئ من جهة افراده بجمع خزاۤئن سرّاً نبّه بذلك عليه و هو ان كلّ شئ له خزاۤئن فاعلي خزاۤئنه الرحمة ثم الرياح ثم السحاب المزجٰي ثم السحاب المتراكم ثم بحر الممكن و هباۤؤه ثم سحابه المزجي ثم المتراكم .
اقول يعني ان سرّ قوله تعالي في جعل خزاۤئن متعددة لشئ واحد هو ان الشئ الواحد له مراتب متعددة من مراتب الوجود و تنزلاته بان يكون مذكوراً في كل مرتبة بما له فيها من التحقق و الشيئية من مراتب المشية كما اشار اليه سلمان الفارسي (ره) علي ما نقله عنه الرضا عليه السلام انه دعا اباذرّ لضيافته فاتي له برغيفي شعير يابسين فاخذ ابوذر يقلبهما فقال له سلمان اراك تقلبهما يا اباذرّ أتدري من اين اتياك والله لقد عمل فيهما الماۤء الذي حمل العرش حتي القيٰهما علي العرش و عمل فيهما العرش حتي القيهما علي الملئكة و عملت فيهما الملئكة حتي القتهما علي الرياح و عملت فيهما الرياح حتي القتهما علي السحاب و عمل فيهما السحاب حتي القيهما علي الأرض و عملت فيهما الأرض و الماۤء [ص 312] و النار او كما قال ثمّ قال انّٰي لك و شكر هذا يا اباذر نقلت بعض معناه و كل واحدة من هذه الخزاۤئن لذلك الشئ يذكر فيها وجهه منها الذي خلق منه فيخلق من الوجه الأعلي ما تحته و يخلق من هذا التحت ما تحته و هكذا حتي يظهر الشئ في مكان حدوده و وقت وجوده و الوجود قارّ علي كل وجه في مكانه من تلك الخزانة لايخرج منها نازلاً و لا صاعدا و ما منّا الّا له مقام معلوم و انما يتنزل ما تحته منه كما تتنزل النار من النار الكامنة في حكّ الزناد بالحجر فاوّل خزانة ذكر فيها ● مراتب التكوين الأربع الاعتبارية الأولي ذكره في تكوين الرحمة و النقطة و السرّ المجلل بالسر و الثانية ذكره في تكوين الألف الأولي و الرياح و النفَس الرحماني الأولي بفتح الفاۤء و الثالثة ذكره في تكوين السحاب المزجٰي و الحروف الأوليات العاليات و الرابعة ذكره في تكوين السحاب المتراكم و الكلمة التامّة التي خلق تعالي بها كل شئ من الأشياۤء اعني المشية و الخامسة بدؤ كونه في بحر الممكن و هباۤئه و السادسة سحابه المزجٰي بعد اثارته من اعلي شجر ذلك البحر برياح الاسم البديع الرحمن و السابعة سحابه المتراكم من ذلك السحاب المزجي المشار ● المذكور .
قلت ثم الاكوان الستة التي اشار اليها الصادق (ع) الكون النوراني و هو الماۤء الذي به حيوة كل شئ ثم الكون الجوهري و هو الحجاب الابيض و هو الركن الايمن الاعلي عن يمين العرش ثم الكون الهواۤئي و هو الحجاب الاصفر و هو الركن الايمن الاسفل عن يمين العرش ثم الكون الماۤئي و هو الحجاب الاخضر و هو حجاب الزمرد و هو [ص 313] الركن الايسر الاعلي عن يسار العرش ثم الكون الناري و هو الحجاب الاحمر و قصبة الياقوت و هو الركن الايسر الاسفل عن يسار العرش ثم كون الاظلة و هو الهباۤء الٰاخِر و كون الذر الثاني .
اقول الأكوان الستّة التي ذكرها الصادق عليه السلام من الخزاۤئن للشئ فهي مع السبع الأُول ثلاثعشرة خزانة و الأول من الستّة الأكوان المذكورة الكون النوراني و هو حجاب السر و هو اعلي الحجب و هو معانيه اي معاني افعاله تعالي و هي حقايقهم عليهم السلام و هو الماۤء الذي حمل العرش في قوله تعالي و كان عرشه علي الماۤء اعني اول فاۤئض عن فعل الله و هو الوجود الراجح و هو الحقيقة المحمديّة و هو الزيت في قوله تعالي يكاد زيتها يضيء و لو لمتمسسه نار كناية عن راجحية وجوده ه ، و الثاني الكون الجوهري و هو عقل الكل المسمّي بروح القدس و بالقلم و الحجاب الأبيض و هو الركن الأيمن اي النوراني الأعلي يعني الباطن لأنّ كل ما بطن فهو اعلي رتبة مما ظهر و هو اول خلق من الروحانيين و اول غصن نبت من شجرة الخلد خلقه الله عن يمين العرش يعني عن يمين السلطنة و المملكة الداۤئمة الكاملة ● و الثالث الكون الهوائي اعني الروح الكلية و الحجاب الأصفر حجاب الذهب و اصل البراق انها بقرة صفراۤء فاقع لونها تسرّ الناظرين و هو ركن العرش الأيمن النوراني الأسفل لأنه ظاهر بالنسبة الي نور العقل و الرابع الكون الماۤئي و هو الحجاب الأخضر حجاب الزمرد او الزبرجد علي اختلاف الروايتين و هو ركن العرش الأيسر يعني الظلماني الجسماني اي [ص 314] المنسوب من جهة ارتباط فعله بالاجسام اليها و الأعلي اي الباطن و النفس الكلية و اللوح المحفوظ و الخامس الكون الناري و هو الحجاب الأحمر يعني الطبيعة الكلية و قصبة الياقوت كما في بعض الروايات و هو الركن الأيسر اي الظلماني الجسماني كما تقدّم الأسفل يعني انه ظاهر بالنسبة الي الأخضر و هو عن يسار العرش اي ظاهره السادس كون الأظلّة سمّي بذلك لأنّه كالظلّ يري و لايدرك باللمس و هو جوهر الهباۤء الآخر يعني آخر المجردات الدهريات و هو المواد البسيطة المحصصة بالمهملات بالحصص الشخصية و كون الذرّ الثاني يعني ان الكون السادس هو عالم الأظلّة و الذرّ و هو هنا اي الذرّ الهباۤء المنبثّ في الهواۤء شبهت تلك الحصص بالهباۤء المنبثّ في الهواۤء لصغرها بالنسبة الي سعة ذلك الفضاء و الّا فهُم علي قدر حجمهم الظاهري كما اذا كان شخص تحت الجبل فانّك تراه لبعد المكان و صغره بالنسبة الي الجبل كالذرّ و اصغر من غير ان يصغر حجمه في نفسه و سمّي بالأظلّة لما قلنا من انّه كالظل يري و لايمسّ فكون الأظلة و كون الذرّ واحد لأنه عليه السلام قال و الكون السادس اظلة و ذرّ و انما قلنا الذرّ الثاني لأنّ الذرّ متعدد باعتبار تعدد رتبته او اعتبار المعتبرين الأوّل و هو المعاني في العقول و الذر الثاني هو الصور الجوهرية في النفوس و الثالث هو ما في هذه الدنيا و الرابع ما في الآخرة و بين الأوّل و الثاني برزخ هو الأرواح و الرقاۤئق و هو عالم الورق الخضر و ورق الآس و بين النفوس و الأجسام عالم المثال و الأظلة الحقيقيّة و الأشباح و هي [ص 315] ابدان نورانية لا ارواح لها اي لا مواد فيها و بين الدنيا و الآخرة عالم البرزخ في القبور بعد الموت و قيل الذرّ الأول عالم النفوس و الثاني ما في هذه الدنيا و قيل الأول ما في الدنيا و الثاني ما في الآخرة و قيل غير متعدّد و هو مجاز ● علي المكلفين في هذه الدار و الأصحّ الحقيق بالتحقيق الأولٰي بالتصديق هو الأول .
قلت ثم العرش محدد الجهات ثم الكرسي ثم فلك البروج ثم فلك المنازل ثم من فلك الشمس في زحل و في القمر ثم من الشمس في المشتري و في عطارد ثم من الشمس في المريخ و في الزهرة ثم ينزل الي الاذهان صورته بتسخير شمعون و سيمون و زيتون لجنودهم و اعوانهم من الملائكة الموكلين بفلك عطارد و ما حمل من متمماته و حامله و مديره و تدويره و كوكبه و اشعته .
اقول اعلم ان العرش له اطلاقات في اخبار الائمة عليهم السلام فتارة يطلق علي الوجود الراجح كالمشية و كاَوّل فاۤئض عنها و تارة يطلق علي الملئكة الأربعة العالين التي هي الأنوار الأربعة الأحمر و الأصفر و الأخضر و الأبيض التي هي اركان العرش لأنّ العرش ينقسم اليها و تارة علي الدين كما في قوله تعالي و كان عرشه علي الماۤء يعني انه تعالي حمل دينه العلم فالعلم حامل له و تارة علي الملك كما قال تعالي رب العرش العظيم يعني رب الملك العظيم و تارة علي العلم الباطن الذي فيه علل الأشياۤء و علم الكيفوفة و منه مظهر البداۤء و الكرسي علي العلم الظاهر اعني صور المعلومات و مُثُلها بضم الميم و الثاۤء المثلثة و اظلتها [ص 316] الكونية و العرضية و تارة علي العلم المؤدّي اوامره و نواهيه الي المكلفين كما ورد في تفسير قوله تعالي و يحمل عرش ربّك فوقهم يومئذ ثمانية انهم اربعة من الأوّلين نوح و ابرهيم و موسي و عيسي عليهم السلام و اربعة من الآخرين محمد صلي الله عليه و آله و عليّ و الحسن و الحسين عليهم السلام و تارة يطلق علي ما سوي الله و تارة يطلق علي محدّد الجهات و قد اشارت الروايات الي هذه الاطلاقات و نحن انما نذكر محدّد الجهات لأنّ اكثر غيره او كله او غيره داخل ● فيما ذكرنا من الخزاۤئن قبل المحدّد ● و هو الخزانة الرابعةعشر و هو خزانة القلوب و الكرسي و فلك البروج و فلك المنازل و فلك زحل و المشتري و المريخ و الشمس و الزهرة و عطارد و القمر فهذه عشرة ● خزاۤئن فالكرسي للعلوم الكلية و فلك البروج للنوعية و المنازل للصنفية و زحل للعقول و المشتري للنفوس و المريخ للاوهام و الشمس للوجود الثاني و الزهرة للخيالية و عطارد للفكرية و القمر للحيوة و اما قولنا من الشمس في زحل و القمر الخ ، فنشير الي سرّ و هو ان الشمس كما هو مقرّر في الطبيعي المكتوم هي اوّل ما خلق الله من الافلاك السبعة فدارت الأفلاك عليها يستمدون منها فوقها و تحتها لأنّها انما كانت منشأ الوجود الثاني لأنّها مهبط الأنوار العلوي ● فهي تستمدّ من نفس النور الأبيض و تمدّ زحل و من صفته و تمدّ القمر و تستمد من نفس النور الأخضر و تمدّ المشتري و من صفته و تمدّ عطارد و تستمد من نفس النور الأحمر و تمدّ المريخ و من صفته و تمدّ الزهرة ثمّ تنزل صورته [ص 317] الي الأذهان بتسخير الملئكة الثلاثة الموكلين بفلك الفكر و هو فلك عطارد الكاتب و هم شمعون و سيمون و زيتون المسبحون باسم الله المحصي و لهؤلاۤء الملئكة الثلاثة جنود و اعوان من الملائكة لايحصي عددهم الّا الله حتي قيل ليس واحد من السموات فيه ملائكة بقدر فلك عطارد و تلك الجنود و الأعوان موكّلون بفلك عطارد من قبل الملئكة الثلاثة و ( او خل ) بما حمل ذلك الفلك من متمماته الأربعة و كوكبه و حامله و مديره و تدويره و اشعة هذه المذكورات اعني نهاياتها و حركاتها و نهاياتها ، هذا اذا كان الشئ النازل صورة لأنّ الذهن هو محلها المقوّم لها و لو كان الشئ جسماً او جوهراً وضعه الله في محله المقوّم له و من فلك المحدّد تخلق القلوب و من الكرسي النفوس و العلوم الكلية و انواعها في فلك البروج و اصنافها في فلك المنازل و من فلك زحل العقول اي التعقلات لأنّ العقول هي القلوب و هي من الفلك المحدد و اما زحل فهو بمنزلة ما في رأس الانسان من عقله فان العقل هو القلب و هو في الصدر قال تعالي و لكن تعمي القلوب التي في الصدور و اما ما في الدماغ من العقل فانه وجهه و بصره و باطنك كظاهرك فانك في الصدر و تري بالرأس كذلك باطنك و من المشتري الذاكرة و هي العلم الذي وصل اليه من الزهرة و يؤدّيه الي الكرسي في حال الترقي كما في حال التنزل و من المريخ الأوهام و من الشمس التكوين الثاني و من الزهرة الخيالات و من عطارد الأفكار و من القمر الحيوة فاذا قدّر الله تعالي و اذن بشيء من الصور او ( و خل ) الهيئات ان يتنزل من الخزاۤئن المشار [ص 318] اليها تلقته الملائكة الثلاثة و سلّموه الي الأعوان باذن الله تعالي و تنزله الأعوان باذن الله بواسطة تلك الحركات و الكواكب و الأسماۤء التي هي الممدّة لهم الي الأذهان و لذا قلت :