اقول فالكسر بعد الصوغ الأوّل في النور الأحمر لأنّ الأشياۤء لا بدّ لها في [ص 260] صنعها من كسرين و صوغين فالكسر الأوّل في الماۤء الأوّل عند اذابته لقبول الماهية التي تسمّي بالصورة النوعية و الامتزاج اي انحلال الأجزاۤء و كونها شيئاً واحدا و تحصيصه حصصاً مبهمةً في العقل و اول التخلق و النموّ في الروح و تمام العقد الأول و الصوغ الأول في النفس و الكسر الثاني في النور الأحمر يعني الطبيعة و الامتزاج و التحصيص في جوهر الهباۤء و العقد في المثال و هو البرزخ و هو اول العقد و النمو و تمامه في هذه الدنيا و اذا حلّ حلين و عقد عقدين تمّ اكسير الاجابة لدعوة الله عز و جل عند التكليف و الحل الثالث عند القاۤئه علي المعدن الناقص و ذوبانه معه و العقد الثالث الذي هو غاية الغايات و نهاية النهايات هو حصول النقدين علي اكمل وجه و هذا في الانسان الفلسفي و في الانسان الأوسط الناطق كسره موته و دفنه في الأرض حتي يضمحل و لايبقي من تركيبه الّا الطينة الأصلية التي خلق منها في قبره مستديرة ثمّ يتمّ عقده يوم القيمة و يبعث حياً بحيوة قارّة لايجري عليها ( عليه خل ) الموت و لا التغيير و هو غاية الغايات و نهاية النهايات و قولي و العقد في المثال ، اريد به اول العقد و النموّ كما قلنا في الروح لأنّ تمام العقد في هذه الدنيا كما ذكرنا فافهم .
قلت و المثال بين الزمان و الدهر فوجهه في الدهر و اسفله في الزمان اي بالعرض لتبعية الجسم فله الجهتان الذاتية و العرضيّة و بهما معاً تحقّقت برزخيّته .
اقول انّ المثال برزخ بين المجردات و الماديات فله احكام البرزخ كغيره [ص 261] فوجهه اي الذي هو جهة تلقّيه و هو اعلاه في الدهر الذي هو ظرف المجردات و اسفله اي محل حلوله منه يعني الذي يحلّ منه في المحل الجسماني و هو تعلّقه بالمواد في الزمان لأنّه ظرف الماديات بالعرض يعني ان كونه في الزمان بالعرض حيث ارتبط بالمادة الزمانية فجذبته الي الزمان و لولا ذلك لمينحطّ في الزمان فله اي المثال جهة ذاتية و هي جهة تلقّيه من المجردات و بها تحقق فهي ذاتية له و جهة عرضية و هي جهة ارتباطه بالأجسام و انما كانت هذه عرضية لأنها ناشئة عن فعله او عن فعل الفاعل به في المادة علي الاحتمالين من انه هو امّ الشئ كما هو الصحيح عندنا و المروي عنهم عليهم السلام و اب الشئ مادته او هو اب الشئ و الأمّ مادته كما قيل و بهاتين الجهتين تحققت برزخيته و ان كانت احديٰهما عرضية .
قلت ثم اعلم ان كل شئ من ذي روح او غيره قد بَدٰا عن فعل اللّهِ علي الاستدارة الصحيحة و يعود الي الله كذلك و يَقْبَل من الله كذلك و سرعة تدويره و بُطؤه علي حسب كونه و وقته و هي تنقّلاتٌ تعدّ وَقته و لايسرع لذاته ازيد من نسبة كونه و وقته .
اقول لمّا كان فعل الله سبحانه هو مبدء كل ما سوي الله و ما كان كذلك فانه يجب له ان تكون في كل جهة و كل مكان و كل وقت فهو محيط بالأوقات و الأمكنة و الجهات و الرتب و كل شئ و ما كان كذلك يجب ان يكون اثره قابلاً عنه من كل جهة و وقت في كل شئ ينسب اليه علي حد واحد فيكون جهات افتقار اثره اليه علي السواۤء و لانعني بالاستدارة الّا تساوي [ص 262] الخطوط و النسب و الأوقات و الجهات الي القطب الذي هو مبدؤها و كذلك يعود الي ما منه بدء ● ايضا يعني علي الاستدارة اذ البدء كالعود و يكون في دورانه علي علته في بدئه و عوده علي حدّ واحد في سرعة حركة دورانه و بطئها و هذا ظاهر ان شاۤء الله و سرعة حركته في استدارة اقباله و ادباره تكون علي حسب كونه اي علي حسب رتبة كونه اي وجوده و وقته من دهر او زمان و من كونه في اول الدهر او الزمان او في وسطهما او في آخرهما فان كان كونه اي وجوده اوّل فاۤئض عن فعل الله سبحانه مثل وجود نبيّنا صلي الله عليه و آله فان استدارته علي قطب علته اسرع من جميع ما خلق الله بعد المشية و من دونه ارض الجرز و من دونهما العقل الكلي اي عقل الكل و من دونه الروح و من دونها النفس و من دونها الطبيعة و من دونها جوهر الهباۤء و من دونه المثال و من دونه الجسم المطلق و من دونه الأطلس و من دونه المكوكب و من دونه فلك الشمس و من دونه زحل ثم القمر و من دونه المشتري ثم عطارد و من دونه المريخ ثم الزهرة ثم النار و الهواۤء و الماۤء و التراب فكلما قرب من المبدء كان الطف و اسرع و كلما بعد كان ابطأ فكل شئ محدث كرة مجوّفة يدور علي نقطة هي علته لا الي جهة فيستمد منها ما لميصل اليه مما له و مما وصل اليه بعد ان تجاوزه الي مبدئه و هذه الحركات و التطوّرات تنقلات اذ بها يسير الشئ الي منتهاه و هي تعدّ وقته اي تحصي المدد و الأوقات التي ينتهي فيها الي ما منه بدئ و الي غايات المتحركات اذا تناهت حركاتها لأنّها مدد و اوقات يتطور فيها [ص 263] المتحرك كما يقال ان الانسان يتطور في بطن امّه ستة اطوار كل طور مدته عشرون يوما فتطور النطفة في الرحم عشرين يوما فتكون علقة و تتطور العلقة عشرين يوما فتكون مضغة فتطور ● المضغة عشرين يوما فتكون عظاما فتطور ● العظام عشرين يوما فتكسي لحما فتطور ● العظام المكسوة لحماً في تقديراتها عشرين يوما بتتميم آلات الروح و مجاري ( محاوي خل ) النفس و حواملها فتنفخ فيه الروح فصار مدّة ذلك اربعة اشهر فتلك الحركات للنفس النباتية تنقلات تعدّ مدة تمامها و تحصيها بتنقلها من طور الي طور حتي ينتهي الأربعة الأشهر ثمّ ان الشئ لايسرع في حركاته و تنقلاته لذاته ازيد من نسبة كونه اي وجوده من مقتضي رتبته من المبدء الفياض و من وقته اي وقت المتحرك اذ هذه الحركة مقتضي ذاته فلاتزيد عليها نعم يمكن ان يسرع في حركاته بمعين خارجي كما قيل في تخليل الخمر اذا اراد صاحبها ان يقلّبها خلّا فانها يتخلل ● في مدّة معيّنة ● لكن لو وضع فيها عصارة السلق اسرع انقلابها خلّا حتي قيل انها تنقلب خلاً في اربع ساعات و هذا الاسراع ليس لذاتها و انما هو من عصارة السلق و هو النبات المعروف فانه معين لمقتضاها الناقص اذ كل شئ يمكن ان يكون كذا فان كان ذلك الامكان له لذاته كان ما يمكن له لذاته مقتضيا لكون ذلك ذاته اذا كان تامّاً بالنسبة الي ذاته ما لميحصل له مانع اقوي من مقتضي ذاته و ان كان ما يمكن لذاته ناقصاً عن اظهار مقتضاه لميلبس ذلك الامكان حلّة الكون فان حصل له معين يتمم ذلك الناقص لبس حلة الكون بسبب تتميم المعين و لذا قلت :
[ص 264] فاذا حصل له شئ اسرَعَ به فليس قاسراً لذاته من حيث هي فلايحدث لها تغيّر و انما يعين ذاته بما يمكن لها اذ ما يمكن للشئ علي قسمين قسم يمكن لذاته بذاته و قسم يمكن لها بخارج عنها و هو المعين .
اقول اذا حصل للشئ شئ اسرع به اسراعاً زايداً علي مقتضي ذاته فليس ذلك الشئ المسرع به قاسراً له و مجبراً له رافعاً لأصل اختياره الذي هو مقتضي ما تركبت منه ذاته فيرتفع التركيب المستلزم لارتفاع ذاته من الوجود اذ لو فرض انه قاسر لكان احدث اقتضاۤء لميكن في ذات المجبور فان كان ذلك الاقتضاۤء قائماً بالجابر لميصحّ اسناد شئ من آثاره الي المجبور و لو فرض استنادها ● اليه لماصحّ الاستناد الا ان يكون مقتضياً لها و لايكون مقتضياً لها حتي يكون هو غير ما هو عليه في ذاته و ان كان غير ما هو عليه في ذاته مقتضياً لذلك كان هذا شيئاً آخر يقتضي هذا الأثر لذاته فلايكون القاسر قاسرا بل اِما معيناً و اما مانعاً للمانع او لمنعه فلايحدث للشئ بسبب المعين او مانع المانع او منعه تغير و انقلاب لذاته فلايمكن للشئ ان يكون منه ما لايمكن في ذلك الّا ان تقلب حقيقته عما هي عليه كما اشار اليه عز و جل لايزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم الا ان تقطع قلوبهم و لأجل ما اشرنا اليه قلت :
و لو حصل بالخارج عكس مقتضي ذاته فهو معين ايضاً لَا قاسر ما دام لمقتضاها فعل و الّا فهو قاسرٌ و ح لايكون الشئ ذلك الشئ بل هو غيره و هذا يسمي قاسراً باعتبار قلب الذات الموجودة و الّا ففي الحقيقة ان الشئ لاينقلب الي ما لايمكن في ذاته في جميع الوجود بل ليس ذلك [ص 265] شيئا فلاتتعلق به قدرة لانّ القدرة لايتعلق الّا بالشئ .
اقول و لو حصل بالخارج عكس ذاته اي عكس مقتضي ذاته فهو اي المتمم لذلك الامكان الناقص معين يعين الشئ بتتميم مقتضاه الناقص عن التأثير بدون المعين فهذا المتمم معين للشئ لا قاسر ما دام لمقتضي تلك الذات فعل اي تأثير بدون المعين و بالمعين و المتمم يتمّ ما كان ممكناً في ذاته و يظهر اقتضاؤه و قد تقدّم بيان هذا لأنّه اذا انقلبت ذاته لميكن هو ايّاه بل غيره و هذا جارٍ علي ظاهر اللفظ و الّا ففي الحقيقة ان الشئ لاينقلب الي ما لايمكن في ذاته فان الواجب عز و جل لايمكن ان يكون ممكناً و لا ممتنعا و الممكن لايمكن ان يكون واجباً و لا ممتنعا و الممتنع لايمكن ان يكون واجباً و لا ممكنا و هذا كلام لا شك فيه و ان كان في نفس الأمر و في الخارج غير معقول اذ الممتنع علي مرادهم ليس شيئا لا في الذهن و لا في نفس الأمر و لا في الخارج و انما هو لفظ وضع بازاۤء حادث و كذلك هذا الفرض في حق الواجب تعالي لأن فرض ان الشئ لايكون كذا انما يصحّ بين شيئين يجدهما الفارض في محل وجدانه مجتمعين سواۤء كان المحل ذهناً ام خارجا و لايحوي الممتنع و الواجب شئ و لا الممكن مع الواجب اذ لايجتمع الممكن الا مع الممكن و لا اجتماع ينسب الي الواجب عز و جل انما هو اله واحد لا اله الا هو سبحانه عما يشركون و الممتنع ليس شيئاً الّا الممكن فالصحيح في التعبير ليرفع ( لرفع خل ) غبار الأذهان ان يقال لايمكن ان يكون الممكن واجبا و لايمكن ان يكون الواجب ممكنا و في الصورتين يراد من [ص 266] الواجب علاماته ليمكن ان يعقل ما ينفي امكانه .
قلت و الشئ الممكن له خمسة مقامات الاول في الامكان و لايكون ابداً و هو في المشية ممكن الكون و الثاني في الامكان و سيكون و في المشية يمكن اَلّايكون و الثالث انه كان و لايزال ابداً و في المشية يمكن محوه فيما بعد و اثباته و محوه و هكذا و الرابع انه كان و سوف يعدم اي يرجع الي ما قبل كونه و في المشية يمكن الّايعدم و ان يعدم و يعاد و هكذا و الخامس انه قد كان كونه و لاتكون عينه و كانت عينه و لايكون قدره و كان قدره و لايكون قضاؤه و كان قضاؤه و يستر امضاؤه و ظهر امضاؤه و يعدم منه ما كان الي غير ذلك و كل ذلك و ما اشبهها مما يمكن في ذاته .
اقول هذا الكلام لبيان ما يمكن للشئ فانه قد يكون تامّاً يقتضي في نفسه ما يترتب عليه من غير ان يضاف اليه شئ و قد يكون ناقصاً يعجز بنفسه عن اقتضاۤء ما يترتب عليه الا اذا اضيف اليه ما يتمم نقصه و فاعل ذلك يسمّي معيناً و متمما و الممكن في مراتب الامكان علي خمسة اقسام : الأوّل في الامكان ● اي هو في نفسه ممكن و الحكمة لايقتضي وجوده في جميع الأحوال و ذلك كشقاوة الأنبياۤء و سعادة الشياطين و ساير الأشقياۤء فانه ممكن في نفسه و في مشية الله سبحانه و لكن حكمة الله يقتضي ● عدمه و هو لايكون ابدا و في مشية الله ممكن ان يكون كما قال تعالي و لئن شئنا لنذهبن بالذي اوحينا اليك فهو عز و جل قادر علي ذلك و لكنه لايفعله ابدا الثاني في الامكان يعني في نفسه ممكن و سيكون فيما بعد [ص 267] اذا تمت شرايط وجوده و في المشية يمكن ان لايكون قبل ان يكون و بعد ان يكون يمكن ان يعدم و ذلك كساير المعدومات الثالث انه كان و لايزال ابداً كعقل الكل و في المشية يمكن محوه بعد كونه اذا شاۤء الله و يمكن ان يثبته بعد محوه و محوه بعد اثباته و هلمّ جرّا الرابع انه كان و سوف يعدم بان يخلع حلّة الكون و يرجع الي رتبته في الامكان الراجح اي الي ما قبل كونه و في المشية يمكن ان لايعدم و يمكن ان يعدم و يمكن ان يعاد و ان لايعاد و الخامس ما تجري عليه احكام قوله تعالي يمحو الله ما يشاء و يثبت و عنده ام الكتاب و هو ان الممكن ربما قد كان كونه اي وجوده يعني مادته النوعية و لاتكون عينه اي صورة مادته النوعية بان تتعلق به المشية فيحدث كونه ثمّ يمحي قبل ان تتعلق الارادة بعينه و ربما تتعلق الارادة بعينه اي بصورة مادته النوعية اعني الصورة النوعية فكانت عينه يعني الصورة ● ثمّ تمحي قبل ان يجري عليه القدر و ربما جري عليه القدر فتحدث به الهندسة و الحدود الظاهرة كالطول و العرض و العمق و الاستدارة و التثليث و التربيع او غيرها و الباطنة كالبقاۤء و الفناۤء و الرتبة من المبدء الفياض و الجهة و الكمّ و الكيف و ما اشبه ذلك ثمّ تمحي قبل ان يقضي و ربما تعلق به القضاۤء فتمّت بنيته و كمل تركيبه ثمّ يمحي قبل امضاۤئه و اظهاره مشروحاً مبيّن العلل معروف الأسباب واضح الدلالة و الاستدلال به و عليه و ربما جري عليه الامضاۤء كذلك و يظهر امضاۤؤه بعد ما كان مستورا و ربما عدم ما كان ظاهراً عدم تفكك او عدم فناۤء الي غير ذلك من الفروض [ص 268] الممكنة للشئ و ما اشبهها مما يمكن لذاته من تامّ او ناقص فان كل ذلك اذا ظهر منه شئ بسبب تتميم معين لايقال انه مقسور مجبور و ان الفاعل به ذلك اجبره علي الحقيقة كما يأتي تمثيل ذلك .
قلت و اما ما لايمكن في ذاته بان يكون مستحيلا اي لا شئ بكل اعتبارٍ او يكون واجبا لذاته اي هو الشئ لا سواه فيستحيل عليه فرض الامكان فلايمكن فرض واحد منهما وَ لَا تَصوُّرُهُ لان التصور و الفرض من الامكان بل لايفرض و لايتصوّر الّا ما هو موجود في الامكان قبل ذلك و سيأتي بيان ذلك .
اقول انّ ما لايمكن في ذاته بان كان مستحيلاً فهو في نفس الأمر و في الخارج و في الذهن لا شئ بكل اعتبار فلاتتحقق له شيئية اصلاً لا في الخارج و لا في الذهن و لا في نفس الأمر و لا في الوهم و لايدخل في مطلق مفهوم و لا مصداق بكل مشعر من المشاعر الوجود الحقة و الباطلة كالسفسطة اذ كل ما ينطبق عليه شئ بكل فرض فهو ممكن اما الممتنع فلأنه لفظ ممكن قد يفهم من دلالة مادته و هيئته شئ محدث لا غير ذلك لأنّ المتولد من الممكن او بالممكن او في الممكن ممكن و اما الواجب لذاته عز و جل و تقدس ● مما سواه فلأنّه هو الشئ لا سواه و جميع ما يدخل في مطلق الاحتمال و الفرض و الامكان و التجويز و التصور و غير ذلك فانّه سواه و كل ما سواه خلقه تعالي احدث بعضه لبعض و لايجري عليه ما هو اجراه فلايمكن تصوّر الممتنع و لا فرضه اذ ليس شيئاً و لايتصور ● الواجب و لا فرضه لما اشرنا اليه من ان التصور و الفرض و الاحتمال و ما اشبهها انما يعقل في الممكن .
[ص 269] قلت ففي الحقيقة لايتحقق القاسر الّا بقلب الشئ الي غَيْرِ ما يقتضيه من ذاتٍ او صفة و هو مما يمكن له فهو مُطاوع فلا قلب فلا امتناع في الاِمْكَان فلا قَسْرَ و لا امكان في الواجب و لا في المستحيل فالشئ الذي هو الشئ لا سواه لا امكان فيه و لا رجحان لايمنع النقيض بل هو وجوب بَحْتٌ و المستحيل الذي هو لا شئ بكلّ اعتبارٍ لَا اِمْكانَ فيه فافهم هذه العبارات المكرّرة المردّدة للتفهيم .
اقول يعني ان القاسر بالمعني المذكور في الحقيقة غير متحقق اذ لايتحقق الا اذا كان بقلب الشئ الي غير ما يقتضيه مطلقاً لا بالفعل و لا بالقوة من ذات او صفة فلو قلّبه الي غير ما يقتضيه فان قبل القلب فهو مما يمكن له و في قلبه الي ما يمكن له فهو مطاوع و اذا كان مطاوعاً فلا قلب و لا قسر و ان لميقبل القلب لميكن قسر فلا قصر و لا امكان في الواجب و لا في المستحيل فالشئ الذي هو الشئ لا سواه هو الواجب عز و جل و هو خالق الامكان و الرجحان فلايجري عليه الامكان و لا الرجحان الذي لايمنع النقيض و اما الرجحان الذي يمنع النقيض فهو الواجب البحت و المستحيل الذي هو لا شئ بكل اعتبار اي سواۤء اعتبرت شيئية خارجية ام واقعية ام ذهنية ام امكانية ام وهمية ام غير ذلك مما يعتبره معتبر لا امكان فيه فلايعتبر بحال .
قلت : الفاۤئدة التاسعة كلُّ شئ لايدرك ما وراۤء مبدئه لان الادراك ان كان بالفؤاد فهو اعلي مراتب الذات و اوّل جزئيها و اعلاهما و اشرفهما و ليس له وراۤء ذلك ذكر في حالٍ فلايجد نفسه هناك و لايجده غيره اذ اوّل [ص 270] وجدانه ذلك الادراك و ان كان بالعقل و النفس و الحس المشترك و بالحواس الظاهرة فهي بجميع ادراكاتها و مدركاتها دون ذلك فلايدرك الشئ ما وراۤء كونه فاذا تصوّر شيئا بغير الفؤاد ادرك ما وراۤءه اي انّ وراۤءه شيئا يدركه فاذا ادرك ذلك الاعلي ادرك وراۤءه شيئا و هكذا لايقف علي حدٍ لايجد وراۤءه شيئا .
اقول في هذه الفاۤئدة ابتدئناها بالاشارة الي انّ الادراك بالفؤاد الذي هو اعلي مراتب الذات فعل ذاتي له فلايدرك ما يكون اعلي منه اذ لايميل الشئ الي اعلي مما هو له او منه و انما قلت اذ لايميل الشئ الخ ، لأنّ قولي فعل ذاتي له ، اريد به ميل الذات الي وجهها من مبدئها و هذا الميل ليس ميلاً فعليا لأنّ الأوّل من القابلية التي هي جزء الماهية و الميل الفعلي تأثير الذات بفعلها فيما دونها و الميل الفعلي لايساوي الذات بل ينحطّ عنها و الميل الذاتي يساويها و لهذا قال عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف ربه و معني معرفة نفسه انه يدرك نفسه بها لا بشئ غيرها و ذلك هو الفعل الذاتي و يكون الشئ بهذا الادراك مدركاً لنفسه لكنه لايدرك به ما هو فوقها و الا لكان الشئ اعلي من نفسه و لكان موجوداً في ادراكه قبل ان يكون موجودا هذا خلف فكل شئ لايدرك ما وراۤء مبدئه لأنّ الادراك ان كان بالفؤاد الذي هو اعلي مراتب الشئ اي بالذات ادرك نفسه و لميدرك ما فوق نفسه اذ ليس فوق نفسه شئ منه ليميل الي ما منه فلو نظر ما وراءه اي ما فوقه لميجد نفسه فلا نظر هناك و لايجد ● غيره ممن يكون اعلي منه و انما يجده من [ص 271] هو اعلي منه في الرتبة التي كان فيها شيئا لأنّ اول وجوده اول وجدانه و فوقها ليس واجداً و لا موجودا و ذلك لأنّ الفؤاد عبارة عن الوجود الاوّلي ( الأوّل خل ) الذي هو مادته النوعية التي تؤخذ منها حصة للشئ و تضاف اليها صورته المشخصة له التي بها هو هو فالحصة هو فؤاده و هو نور الله في قوله عليه السلام اتّقوا فراسة المؤمن فانّه ينظر بنور الله ، و هو حقيقة ● من فعل الله و هو وجوده و هو مادته و هو كونه و الصورة المشخصة له هي حقيقة ● من نفسه لأنّها قابليته و ان كان الادراك بما دون الفؤاد كالعقل و النفس و الخيال و الحسّ المشترك و الحواس الظاهرة فهي بجميع ادراكاتها و مدركاتها دون الفؤاد و دون ادراكه فتدرك انفسها و ما دونها و لاتدرك ما وراۤء ذلك اي ما فوقها لأنّ الشئ لايدرك ما فوق كونه اي وجوده فاذا تصوّر شيئاً باحدهما ● اي بغير الفؤاد ادرك بالفؤاد ما فوق ما ادركه بواحد منها بمعني انه يدرك شيئاً فوقه كما لو ادرك بعقله شيئاً ادرك بفؤاده ان فوق العقل شيئاً و ادرك ايضاً بفؤاده ان ما ادركه بعقله فوقه شئ و ادرك ان وراۤء هذا الأعلي شيئا و هكذا حتي يدرك فؤاده و ينقطع السير حتي انه لو كان الادراك بما هو دون الفؤاد وجد مدركات بعضها فوق بعض بلا نهاية و لا غاية حتي يكون الادراك بالفؤاد لاعلي مراتبه الذي هو نور الله تعالي فيستدير و ينقطع السير .
قلت و هذه حروف نفسه و مراتبها و تلك الحروف و المراتب لاتتناهاها نفسه اي لاتقف علي حد لاتتوهم اَلَّا قَبْلَ له فهي لاتفقد نفسها في تلك المراتب .
[ص 272] اقول و هذه المراتب التي تقع عليها و فيها ادراكات مشاعره حروف نفسه اذ كانت نفسه كلمة لكلمته تعالي يعني ان نفسه مجموع تلك الأطوار و كلما وصلت الي رتبة كانت اعلي نفسه و كانت الأُولي التي كانت اعلاها متأخرة عن علوّها مثل الجدار المبني فان اعلاه ارفع ما فيه فاذا بنيت عليه كان اعلا ● اوّلاً وسطاً للجدار و كان اللاحق اعلاه و هكذا فهذه الأطوار جزء ذاته و حروفاتها ● و اعلم بان الانسان نزل من مكان عالٍ في الامكان و هو الآن عاۤئد اليه فهو يترقي بلا نهاية في سيره الي مبدئه الحادث الممكن الذي كان في رتبة ذات الحق عز و جل ممتنع الوجود عدماً محضاً لا ذكر له و لا رسم و لا اسم و لكنه مع هذا كله لايقف في صعوده الي مبدئه علي حدّ لا سير فيه لأنّه محدث لا من شئ قد كوّنه الله عز و جل و اخترعه بفعله و لميكن له قبل ان يخلقه بفعله ذكر و لا وجود الّا في رتبة امكانه الذي امكنه بمشيته الامكانية و اما قبل الامكان فلا ذكر له في وجود و لا في علم و لا في حال من الأحوال فلما اخترعه لا من شئ كان مبدأ امكانه من مشيته الامكانية و مبدء كونه من مشيته الكونية بعد المبدء الامكاني و المبدء الكوني مع انه مسبوق بالمبدء الامكاني المسبوق بفعل الله تعالي لا نهاية له سبحان من احدث ما لا نهاية له و قولي لا نهاية له ، اعني به انه كذلك في الامكان و الا فهو متناهٍ الي فعل الله و الفعل محدث احدثه الله بنفسه فهو متناهٍ فانٍ عند الله سبحانه قال عليه السلام يا من هو قبل كل شئ يا من هو بعد كل شئ ، و الانسان يسير صاعداً الي مبدئه الكوني و هو لاينتهي في الأكوان [ص 273] و لايصل الي مبدئه ابدا و الاشارة الي بيان ذلك للمؤمنين الممتحنين قلوبهم ان الانسان خلقه الله و المخلوق محتاج في كونه و بقائه الي المدد لا غني له في حال من الأحوال بل يحتاج في بقائه الي المدد و هو سبحانه يمدّه مما هو حادث ممكن و لايمدّه مما ليس له و لا مما هو فوق مبدء كونه و هويته التي اليها معاده و ليس لهذا الأمداد غاية و لا نهاية و الّا لفني و اضمحل و قد دلّت الأدلة القطعية الضرورية من العقلية و النقلية بانّه باقٍ ابد الآبدين و لايعرض له فناۤء ابدا و لا بقاء له الّا بذلك المدد و المدد حادث لايجوز ان يكون مما هو فوق مبدء كونه و هويته التي لميكن له ذكر قبلها و لا مما ليس له فقد ثبت عند من ثبت علي الايمان الموصوف بالامتحان ان الانسان عائد الي مبدئه و لايتجاوزه و لايقف في سيره و لايفني و لايستغني عن المدد في بقاۤئه و انه مع ذلك كله حادث بفعل الله سبحانه و انه قبل ان يخلقه الله لميكن لمبدئه الذي لميصل اليه و لميقف فيه و لايتجاوزه و لا له قبل ان يجعله ممكناً في الامكان ذكر لا في امكان و لا في علم ، أولايذكر الانسان انا خلقناه من قبل و لميك شيئا و لاتتوهم من كلامي اني قائل بقدم شئ مما سوي الله او يلزم من كلامي شئ من ذلك حيث انّي قلت ان سير الانسان لاينتهي الي حدّ فانّ صاحب الشريعة اخبر تبعاً لما انزل الله تعالي اليه صلي الله عليه و آله انّ اهل الجنة خالدون فيها ابداً بلا نهاية و ان اهل النار خالدون فيها ابداً بلا نهاية و ان الموت يؤتي به في صورة كبش املح و يذبح بين الجنة و النار و ينادي منادٍ [ص 274] بامر الله عز و جل يا اهل الجنّة خلود و لا موت و يا اهل النار خلود و لا موت ، علي انّي بيّنت لك ان الله سبحانه خلق ما لايتناهي بعد ان لميكن و ما ذلك علي الله بعزيز و اما قول من انكر الحدوث الذاتي و حصره في الزماني فهو ممن قال الله سبحانه ان يتبعون الّا الظنّ و ان هم الا يخرصون مع ان الحكماۤء من المتقدمين و المتأخرين اتفقوا علي قاعدتين بل لايختلف فيهما اثنان من العقلۤاۤء و هما ان كل ما له اول فله آخر و ان ما سبقه العدم لحقه العدم و هذا مما لا اشكال فيه عند من عرف ما اشرت اليه و الّا فالاشكال لازم لأنك اذا قلت ان الحادث له اول في الحدوث لزم ان يكون من في الجنة غير باقين لأنّهم سبقهم العدم فيلحقهم العدم فان قلت ان الانسان ليس له اول في الحدوث لزم القول بالقدم و التفصي من الاشكال و كل اشكال قد ذكرته لك فتفهم كلامي و اما قول من قال بان الانسان سبقه العدم في الحدوث و الامكان و لايلحقه العدم فانه جارٍ علي نمط عجيب يستعمله اكثر ● ممّن ( ممّا خل ) يقال انه لبيب و هو انا لو لمنقل بهذا لزمنا اِمّا قدم ما سوي الله او فناۤء الجنة و النار و كلاهما باطل و هذا ليس بدليل و ليس له الي الحق سبيل بل ينبغي ان تقول بما هو الحق علي نمط لايلزمك شئ من ذلك و لا بطلان ما اتفق عليه العقلاۤء من القاعدتين و ها انا ذا بيّنت لك السبيل و اقمت لك عليه الدليل و حسبنا الله و نعم الوكيل و انما اطلت الكلام هنا ليقول من اراد الحق بالدليل و من اراد الباطل او الجهل بالوهم و التخييل فافهم و هذا كله مما اشرت اليه هو معني قولي لاتتناهي ● نفسه [ص 275] اي لاتستطيع ان تحصيها لأنّها لاتقف في سيرها علي حدّ لاتتوهم ان ليس وراۤء ذلك شئ بحيث ينقطع السير و لهذا تراها لاتفقد نفسها في تلك المراتب لأنّها ما دامت تدرك غيرها فهي واجدة نفسها .
قلت فاذا رأت ذاتها بذاتها اي نظرت بفؤادها انقطع وجودها و تناهي كونها اذ ذاك لانها نظرت من مثل سمّ الابرة فاستدارت علي نفسها قال الشاعر :
قد ضلّت ( طاشَتْ خل ) النقطة في الداۤئرة و لمتزل في ذاتها حاۤئرة
الخ ، قال عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف ربه و قال (ع) لكميل محو الموهوم و صحو المعلوم .
اقول ان النفس لأجل ما قلنا لاتزال تطلب ادراك ما غاب عنها و لاتزال كل ما وصلت الي مطلوبها طلبت ما فوقه و هكذا حتي تنظر بفؤادها و اذا نظرت بفؤادها وجدت شيئاً بلا اشارة و لا كيف فهناك انقطع وجودها و تناهي كونها اي وجودها حينئذٍ لأنّها نظرت الي ما فوقها فيكون نظرها من مثل سمّ الابرة لعظم ما فوقها و صغرها بالنسبة اليه و لاجتماع نظرها و لكنها لاتدرك ما فوقها و انما تدرك ما فيها منه لأنّها اثر له فيجد ما تطلب مما فوقها فيها فتستدير علي نفسها طلبا للدليل علي ما فوقها فهي الدليل علي ما فوقها فتغيب عن نفسها في نفسها فلاتجدها حيث تعرفها قال الشاعر و هو استشهاد علي ما ذكر و مثال له :
قد طاشت النقطة في الدائرة و لمتزل في ذاتها حائرة
محجوبة الادراك عنها بها منها لها جارحة ناظرة
سمت علي الأسماۤء حتي لها ● فوّضت الدنيا مع الآخرة [ص 276]
فالنقطة علّتها و هي قطب وجودها و معني طاشت انبسطت في غيب الدائرة بلا كيف و لا اشارة و الدائرة نفسها و نظرها بفؤادها المستدير علي نفسه عند استدارته علي علته و النقطة ايضاً نظرها الي علتها فانّها نقطة تدور علي قطبها فتحدث منها دائرة محيطة علي القطب الذي هو العلة فقد طاشت النقطة اعني نظر الفؤاد في الدائرة الحادثة من ذلك النظر لانبساط النظر و شيوعه في هذه الدائرة التي هي استدارته علي نفسه و لمتزل النقطة اعني نظر الفؤاد حائرة في ذاتها كناية عن استدارتها محجوبة الادراك يعني النقطة اي النظر محجوبة الادراك عن نفسها بها يعني ان نظر الفؤاد و هو النفس حجبها وجودها عن ادراك ذاتها فاذا حجبت من الوجدان وجودها وجدت نفسها و ادركتها و اذا حجبت نفسها حصلت لها منها عين ناظرة تبصر بها ذاتها و في الحديث انّ نبياً من انبياۤء الله تعالي ناجٰي ربّه فقال يا ربّ كيف الوصول اليك فاوحي اللّهُ ( تعالي خل ) اليه اَلقِ نفسك و تعال اليَّ ، فالناظر اذا ترك نفسه وجدها و ذلك تأويل قوله تعالي قال القِها يا موسٰي فالقيٰها فاذا هي حيّة تسعٰي سمت علي الأسماۤء يعني ان الفؤاد الذي هو النفس التي من عرفها فقد عرف ربهّ و هو حقيقة الانسان من ربه فاذا جرّدت في الوجدان عن جميع السبحات حتي عن الاشارة و الكيف سمت اي ارتفعت عن رتبة جميع الأسماۤء لتفرّدها حين التجرد عن المثل حتي كانت آية للعزّ و القدس و الألوهية و الرحمانية و الربوبية في الدنيا و الآخرة و ذلك لأنّها اذا كشفت عنها جميع السبحات حتي الاشارة ظهرت [ص 277] بآية الأحدية فمن عرفها فقد عرف ربّه و المراد من تجريدها في الوجدان عمّا سواها محو كل ما لميكن اياها لأنه بالنسبة اليها موهوم فاذا محوت الموهوم صحا المعلوم لأنّ الموهوم حجاب المتوهمين عن المعلوم المحتجب بغير حجاب محجوب لأنّ الحجاب لميضعه للذوات الّا لتحقق به في انفسها و تحققها في انفسها مانع لحاظ كونها اثر فعل الله و نوراً من فعل الله فكانت تلك الموهومات اعني السبحات المسمّاة بالحجاب مثبتة بالانيّة ● الموهومة و حاجبة للحقيقة المعلومة اعني كونها نور الله و اثر فعله فافهم .
قلت و كلما وصل العبد الي مقامٍ ظهر له الجبار فيه حصل له المحو و الصحو فهناك عرف ربّه لانه عرف نفسه بالمحو و الصحو فاذا استقام فيه كما قال سبحانه ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا حتي ظهر له الاثر ظهر له الجبّار في مقام اعلي من الاول فيعرف فيه ربّه بحكم المحو و الصحو بطورٍ اعلي و يتبيّن له ان المقام الاوّل مقام خلقٍ قد تعرّف له فيه به ثم تعرّف له في الاعلي قال (ع) تدلج بين يدي المدلج من خلقك .
اقول فاذا كان نظره من الباب الذي امر الله ان يؤتي منه البيوت اي بيوت توحيده و عبادته كان داۤئم الترقي الي الله سبحانه فاذا وصل الي مقام قد ظهر له الجبار فيه بصفة تعرّفه له و انما خص الجبار هنا اما للحاظ العظمة و اما لكونه جابراً لما كسره الجهل بمعرفته فاذا وصل الي ذلك حصل له محو المقام الأوّل لانحطاطه عن بساطة وحدة ما فوقه و هو [ص 278] الذي وصل اليه و صحا له هذا المقام العالي بقدس اعلي و وحدة ( و وجده خل ) اشرف مما دونه فحصلت له معرفة بربّه اعلي من معرفته الأولي لأنّ المقام الأوّل موهوم بالنسبة الي الثاني و الثاني معلوم بالنسبة الي الأوّل فاذا استقام في المقام الثاني الأعلي بان تحقق في نفسه بٰاثاره ( باثارة خل ) هذا المقام كما قال عز من قائل ان الذين قالوا ربّنا الله ثمّ استقاموا بالقيام بما يترتب علي قولهم ربنا الله فانه يترتب عليه ان يمتثلوا امره و يجتنبوا نهيه ليثبت يقينهم المعبّر عنه بالاستقامة فانّ يقين المؤمن و المنافق و الكافر يُري في عمله فاذا استقام كذلك ظهر له الجبّار في مقام اعلي مما قبله و هكذا فيعرف فيه ربه بحكم المحو لكل مقام يجاوزه و الصحو في كل مقام وصل اليه اعلي عن ● الأوّل بحيث يتبيّن له ان المقام الاوّل مقام خلق قد تعرّف له فيه به ثمّ تعرّف له في الأعلي و يظهر له ايضا انّ الأعلي ليس هو غاية السير الي الله بل الله سبحانه يسير معه ليوصله الي ما يريد كما قال عليه السلام تدلج بين يدي المدلج من خلقك ، و الادلاج السير آخر الليل او مطلق السير في الليل لأنّه مقام العابدين .
قلت فاذا عرف ربّه في الاعلي بظهوره له فيه به و نظر الي الاسفل الذي ظهر له انه مقام خلقٍ وجد الله عنده فوفّاه حسابه و الله سريع الحساب و هكذا اَبداً يسير بلا نهاية قال تعالي في الحديث القدسي حديث الاسرار كلما وضعت لهم علما رفعتُ لهم حلماً و ليس لمحبتي غاية و لا نهاية .
اقول اذا عرف ربه في المقام الأعلي و تجاوز من الأسفل بان صعد عنه [ص 279] و هو الذي تبيّن له بعد ان تجاوزه انه مقام خلق تجلي له فيه الجبّار عز و جل فلمّا تجلي له في الأعلي و نظر الي الأسفل حال تجليه له في الأعلي وجد الله عنده اي عند الأسفل اذ لايخلو منه مكان و لا وقت و لايحويه مكان و لا وقت اذ كل شئ ظهوره فيه له لا اله الا هو فوفيٰه حسابه اي انه تعالي يوفي عبده العارف به حساب كل مقام وصل اليه و كل مقام تجاوز عنه صاعداً الي ما فوقه او نازلاً عنه الي ما تحته و الله سريع الحساب لايخاف الفوت و كيف يخاف الفوت مَن كل شئ بفعله و معني سريع الحساب انه الزم المقتضيات علي ما تقتضيه اذا كان الاقتضاۤء صدقا ( اقتضاۤء صدق خل ) و ان كان غير صدق فبنسبة ما فيه من الصدق فقد يتخلف الجزاۤء لنقص المقتضي و قد يكون ● لمانع اقوي لايسئل عما يفعل و هم يسألون .
قلت و هذه المشار اليها هي المقامات التي لا تعطيل لها في كل مكان قال الحجة (ع) في الاشارة الي ذلك في دعاۤء رجب و مقاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك و بينها الّا انهم عبادك و خلقك فتقها و رتقها بيدك بدؤُها منك و عودها اليك الدعاۤء ، و قال الصادق (ع) لنا مع الله حالات نحن فيها هو و هو نحن و هو هو و نحن نحن ه ، و هذا طريق الي الله سبحانه لا نهايةَ لَهُ و لا غاية .
اقول المقامات مظاهره التي تجلّي بها لعباده و عباده في كل مكان فتجلي بهذه المقامات في كل مكان لكل شئ من خلقه علي حسب ما يحتمله وسعهم و تلك المقامات اسماۤء الفاعل عز و جل لأنّ المقام تركّب و تقوّم من مادة [ص 280] فعل الفاعل و صورته فمادته حقيقته و صورته اثره و مجموعها ● اسم فاعل و ذلك ● الأثر بفعله مثاله قاۤئم بالنسبة الي زيد فانّه مركب من حركة احداث القيام و نفس القيام الذي هو الحدث و الأثر فتركب منهما اسم فاعل القيام اعني زيداً حال احداثه للقيام لا مطلقا فقاۤئم و قاعد و آكل و شارب و ناۤئم و ما اشبه ذلك هي مقامات زيد و علاماته علي نحو ما ذكرنا و القيام و القعود و الأكل و الشرب و النوم معاني زيد اي معاني افعاله يعني آثارها لأنّها محالّ الأفعال و مثال ذلك الحديدة المحماة بالنار فانها مقامات النار و علاماتها التي لا فرق بينها و بينها في الاحراق الّا ان الحديدة انما تحرق بفعل النار القاۤئم فيها فالحديدة المحماة اذا احرقت لمتحرق و انما احرقت النار علي حدّ قوله تعالي و مارميت اذ رميت و لكن الله رمي لأنّه صلي الله عليه و آله بمنزلة الحديدة و فعل الله الظاهر به صلي الله عليه و آله كفعل النار الظاهر بالحديدة و الحديدة حينئذ ركن المحرق كما انّ القيام ركن القاۤئم و كما انّ محمداً ● صلي الله عليه و آله ركن المقامات و العلامات و التوحيد و الآيات فلاتظهر المقامات و العلامات و التوحيد ● الّا بهم و فيهم كما لاتظهر حرارة النار الّا بالحديدة و كما يجوز ان تظهر النار حرارتها في غير الحديدة كالحجر و الأرض و اذا ظهرت في شئ كان محرقا كذلك يجوز ان يظهر فعل الله في غيرهم عليهم السلام لو شاۤء تعالي و يفعل ذلك الغير بفعل الله كفعلهم كما قال تعالي و لئن شئنا لنذهبن بالذي اوحينا اليك و قال تعالي و لو شئنا لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون [ص 281] و هو سبحانه لايفعل ذلك ابدا فلايذهب بما اوحي الي نبيه صلي الله عليه و آله ابدا و ان كان بالنسبة الي المشية ممكنا و هو تعالي قادر عليه و لايظهر فعله في شئ غيرهم الّا بواسطتهم فانه تعالي اظهر جميع افعاله فيهم عليهم السلام و يظهر بعض وجوه بعض افعاله فيمن شاۤء من خلقه بواسطتهم هكذا جرت عادته في خلقه و هكذا بدت قدرته و هكذا مضت كلمته و هكذا سبقت عنايته و هو العليم الخبير و معني يعرفك بها من عرفك ، انها هي الدليل عليه و هي معني ما وصف به نفسه لنا و معني لا فرق بينك و بينها ، انّ من عرفها فقد عرفه و انه تعالي انما يفعل بها ففعله لكل شئ هو فعله بها و هو معني قولهم عليهم السلام من عرفنا فقد عرف الله و من جهلنا فقد جهل الله و من اطاعنا فقد اطاع الله و من عصانا فقد عصي الله قال تعالي من يطع الرسول فقد اطاع الله و معني اِلّا انّهم عبادك و خلقك ، انهم عليهم السلام مع ظاهر التساوي و الاتحاد ليس لهم في شئ من ذلك امر الّا ما اظهر من فعله فيهم فهو بهم يفعل لأنّهم محالّ فعله و مشيته و ارادته و هم بفعله يفعلون كما قال تعالي لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون اذ لا فعل لهم لذواتهم و لا عمل الّا بفعله و امره و معني فتقها و رتقها بيدك ، اي انه اذا شاۤء فتقهم فيعلمون بما اوحي اليهم و يعملون بما امرهم و اذا شاۤء تعالي شأنه رتقهم فلايعلمون شيئاً و لايعملون امرا و هو معني قولهم عليهم السلام يبسط لنا فنعلم و يقبض عنّا فلانعلم و معني قوله عليه السلام بدؤها منك و عودها اليك ، انّ بدءها من [ص 282] فعله يعني اثراً لفعله كما يحبّ و يرضي ممّا يحب و يرضي لما يحبّ و يرضي و عودها الي ما بدئت منه اي يعودون بما بدؤا منه مما بدؤا منه الي ما بدؤا منه و هم عليهم السلام قد خلقهم بمحبته و رضاه من محبته و رضاه لمحبته و رضاه و قول الصادق عليه السلام لنا مع الله حالات الخ ، يعني به ان لهم حالة مع الخالق و حالة مع الخلق فحالتهم مع الخالق كونهم محالّاً لمشيته و فعله فاذا هم كما مرّ مثل الحديدة المحماة و هو في هذه الحالة هو و هم هم و حالتهم مع الخلق عباد مكرمون لايستكبرون عن عبادته و لايستحسرون يسبحون الليل و النهار و لايفترون ● ، فالله سبحانه ذاكر بهم في الثانية و هم ذاكرون به ● في الأُولي كما انّه تعالي ذاكر بهم في الأولي و هم ذاكرون به في الثانية و معني ان هذا طريق الي الله سبحانه لا غاية له و لا نهاية ، انهم ساۤئرون في عمق الامكان بما لهم و لغيرهم و الله سبحانه يسير امامهم فهو قاۤئدهم بعنايته و ساۤئقهم بهدايته تدلج بين يدي المدلج من خلقك و هذا السير لا اوّل له في الامكان و لا آخر له .
قلت ثم اعلم ان كل مقام ظهر الله فيه لعبده فهو مظهره و صفته و هي حروف ذات العبد لا حقيقة له غير ذلك لانه سبحانه ظهر لك بك و بك احتجب عنك و لا سبيل لك الي معرفته الّا بما تعرّف لك به و لميتعرف لك الّا فيك و بك قال علي (ع) في نهج البلاغة لاتحيط به الاوهام بل تجلّي لها بها و بها امتنع منها و اليها حاكمها .
اقول كل مقام اعني كل رتبة من مراتب ظهوره ظهر الله تعالي فيه اي [ص 283] في ذلك المقام لعبده فهو اي ذلك المقام مظهره اي محل ظهور الله فيه و صفته اي صفة فعل الله و هي اعني تلك المقامات حروف ذات العبد اي اجزاۤء ذاته و سميت اجزاۤء الذات حروفاً باعتبار اطلاق الكلمة علي الذات فان الكلمة مؤلّفة من الحروف فهذه المراتب من الوجود مجموعها حقيقة العبد لا حقيقة له غير ذلك لأنّا قد قدّمنا انه تعالي تعرّف لعبده و لميتعرف له الا بذاته و هو معني قولي و لميتعرف لك الا فيك و بك احتجب عنك لأنّك اذا التفتّ الي انيتك وجدت نفسك مستقلا فلاتجد نفسك دليلاً علي وجوده الا اذا نفيت وجودك من وجدانك فرأيت نفسك اثراً لفعله و نوراً من صنعه فانك حينئذٍ اي حين لمتجد نفسك تكون دليلاً عليه اذ الأثر يدل علي المؤثر و النور يدل علي المنير و حيث كان تعالي لاتدركه الأبصار و لاتحيط به البصاير و الخواطر و الأفكار لأن الأدوات انما تحدّ انفسها و تشير الآلات الي نظايرها كان عز و جل لايعرف الا بما تعرّف به و وصف نفسه به و لا سبيل الي معرفته الّا من هذا الطريق و هو ما وصف به نفسه و الي ما ذكرنا اشار سيد الوصيين عليه السلام كما رواه في النهج لاتحيط به الأوهام بل تجلّي لها بها و بها امتنع منها و اليها حاكمها ، و معني تجلي لها بها ما قلنا سابقا انّه لايتجلي بذاته اذ لاتختلف عليه امور حالاته بل هو علي حال لايحول عنها في جميع الأحوال و انما يتجلي بافعاله و بآثارها لأفعاله و لآثارها و هو معني تجلي لها بها فكنت انت نفس تجليه لك بك و معني و بها امتنع ● اي احتجب منها كما قلنا انها اذا التفتت ● [ص 284] نفسها لمتجد نفسها اثراً و لا نورا و انما تراها قاۤئمة مستقلة فلاتدرك الّا نفسها فاذا كشفت ظاهرها و نظرت الي حقيقتها وجدت حقيقتها نقشاً فهوانياً و خطاباً شفاهيا فاحتجب عنها بها حيث نظرت الي نفسها و تجلي لها بها حيث وجدت نفسها نقشاً فهوانياً و خطاباً شفاهيا فعرفته بصفته التي تعرف لها بها و هي حقيقتها منه اعني كونها اثراً و نوراً و خطابا و معني و اليها حاكمها ، انّه عز و جل يستشهدها علي نفسها هل هي الا اثره و نوره فتشهد له انه لا اله الا هو لايري فيها نور الّا نوره و لايسمع فيها صوت الّا صوته و لايعرف شئ الّا اثره يعني لايري الا نور فعله و صنعه و لايسمع الا صوت فعله و صرير قلم ايجاده و لايعرف الّا اثره لانحصار ما سوي الله في اثر فعله تعالي .
قلت ثمّ اعلم انّ المتجلي نقطة يدور عليها التّجلّي فهو كرة مجوّفة لفعل التجلّي و في الانجيل ايها الانسان اعرف نفسك تعرف ربّك ظاهرك للفناۤء و باطنُكَ انا .
اقول اعلم ان المتجلي اعني العلة نقطة واقفة ساكنة اي قائمة بنفسها يدور عليها التجلي الذي هو كرة مجوّفة لفعل التجلي يعني ان التجلي الذي هو الأثر و هو المفعول كرة مجوّفة لأن علتها في باطنها فلذا كانت مجوّفة لفعل التجلي و فعل مضاف الي التجلي و هو مفعوله و المعني ان المتجلي الذي هو الفاعل الذي هو في الحقيقة باطن كل شئ و خارج عن كل شئ جعل التجلي الذي هو مفعوله يدور علي فعله اي فعل المتجلي للتجلي فيكون الفعل هو باطن المفعول و المفعول يدور [ص 285] عليه فالفعل نقطة ساكنة و المفعول نقطة داۤئرة عليها الي كل جهة فلذا كانت كرة و لمتكن داۤئرة و هذا معني ما في الانجيل باطنك انا اي فعلي و ظاهرك للفناۤء يعني يعدم فاذا عدم و اراد اعادته احدثه منه اي من الفعل كما احدثه من قبل قال تعالي كما بدءكم تعودون .
قلت فلجميع الخلقِ استدارةٌ علي فعل الله سبحانه واحدة كريّة فكل الخلق كرة واحدة مجوفة تدور علي نقطة هي فعله تعالي و اصول الخلق كرات مجوّفة كذلك كل اصل كرة تامّة تدور علي نقطة هي وجه ذلك الاصل من المشيّة و لاتدور علي محور لان الاستدارة علي المحور تحدث من اجزاۤء الكرة دواۤئر لا كرات فتكون الاستدارة الي جهة فلاتكون العلة محيطة بالمعلول و لاتساوي الاجزاۤء المتساوية في الرتبة الي منتصف المحور الذي هو النقطة اليها لان ما كان من الاجزاۤء في جهتي القطبين للمحور لاتدور علي النقطة و وجه الكرة من علتها ليس محوراً مستطيلاً بل نقطة .
اقول لجميع الخلق استدارة واحدة كريّة علي فعل الله سبحانه لتساويها في الافتقار اليه و لتساوي نسبته اليها و لقوله تعالي ما خلقكم و لا بعثكم الّا كنفس واحدة و قوله تعالي و ما امرنا الّا واحدة كلمح بالبصر و لما ورد في كيفية الحساب يوم القيمة و انه تعالي يخاطبهم بلسان واحد يقع علي كل شخص بلغته و مثله ما قال تعالي كل امة تدعي الي كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق فان كل واحد ينظر في كتابه و يقرء وليّ الله كتابه اي كتاب الله الناطق فيكون بلسان واحد و لفظ واحد طبق كل كتاب من كتبهم لايخالف حرف منه حرفاً منها و [ص 286] الأصل في ذلك انّ الفعل اي الايجاد انبسط علي اوّل الخلق و آخره و ظاهره و باطنه و جوهره و عرضه و عينه و معناه و موصوفه و صفته فتختلف الأشياۤء باختلاف قوابلها و تتقدّم و تتأخّر باختلاف اوقاتها و تكبر و تصغر باختلاف كمّها فالفعل متساوٍ بالنسبة الي كل فرد فرد و جزء جزء و ان تعاقبت رؤس التعلقات فالفعل واحد و المصنوع باعتبار الجملة واحد فبهذا الاعتبار يعني مطلق افتقارها اليه للجميع دورة واحدة عليه ثمّ اصول الخلق كالعقل الكلي و النفس الكلية و غيرهما من الأفلاك الغيبية المجرّدة و كاَفلاك الشهادة كفلك زحل و فلك المشتري و المريخ و الشمس و الزهرة و عطارد و القمر و كالعناصر كلّها كرات كل واحد منها كرة مجوّفة تدور علي اصلها و وجهها من المشية فلكل واحد استدارة يختصّ بها و استدارة يشارك فيها غيره و كل جزئي من كل واحد او جزء فله استدارة علي وجهه الخاص به و استدارة يشارك فيها غيره من مثله في كليه و استدارة يشارك بها كليه او كله و استدارة يشارك بها جزئيه او جزءه و هكذا كل كلي او كل و كل جزئي او جزء و لايدور شئ من هذه المذكورات في دورانه علي علته علي محور لأنّه يدور عليها لا الي جهة و الاستدارة علي محور استدارة الي جهة و لو استدار علي محور حدثت من اجزاۤئه دواۤئر لا كرات كما هو شأن الاستدارة علي جهة و لاتكون العلة محيطة بالمعلول و لتعددت العلل بعدد اجزاۤء المعلول فيختص كل معلول من اجزاۤء الشئ بعلته من غير مشاركة الآخر له فيلزم استقلال كل جزء و انفراده عن الآخر و [ص 287] تكون الأجزاۤء المتساوية في الرتبة غير متساوية الي منتصف المحور الذي هو النقطة العليّة لأنّ ما كان من الأجزاۤء في جهة ● القطبين للمحور لاتدور علي النقطة التي في منتصف المحور و لهذا كانت دواۤئر صغاراً و لو كانت تدور علي النقطة التي هي منتصف المحور لكانت عظاما و لماتحقق محور قطّ و للزم ان تكون استدارتها علي النقطة لا الي جهة كما هو مقتضي الحاجة المطلقة فيكون كرة و وجه الكرة لايصحّ ان يكون محوراً مستطيلا لأنّه اذا كان مستطيلاً اختلفت جهات اجزاۤء الشئ الواحد فيكون كل جزء له قطب غير قطب الآخر و تتعدد العلل و تتعدد المعلولات .
قلت و الاصل الثاني يدور علي الاول لانه للثاني نقطة و يدور علي نقطة الاوّل فله استدارتان ذاتية تدور علي نقطة الاصل الاول و عرضيّة تدور علي الاول اذا كان مترتبا عليه و الّا فعلي جهة لوازمه من وضع و اضافة و غيرهما و هما استدارة واحدة بلحاظ وحدة الداۤئر و لهذا كان ابطي من الاصل الاوّل كاستدارة الكوكب علي قطب تدويره و استدارته علي قطب الخارج المركز فان استدارته في التدوير علي نفسه فهي عرضيّة بالنسبة الي تحققه و اصالته و استدارته علي قطب الخارج المركز ذاتية لانها وجهه الي اصل تحققه لان هذه اصل لاستدارته علي تدويره فائضة عنها متفرعة عليها .
اقول ان الأصل الثاني كالعقل الكلي يدور علي الأوّل اعني به الحقيقة المحمديّة صلي الله عليه و آله لأنّ الحقيقة المحمدية صلي الله عليه و آله للعقل نقطة اي علة و يدور عليها بالعرض لأنّ استدارته علي الفعل [ص 288] ذاتية لقيام العقل ( الفعل خل ) به قيام صدور و استدارته علي الحقيقة المحمدية صلي الله عليه و آله عرضية لأنها و ان تقوم بها تقوماً ركنيّاً و تحققيّا الّا انها عرضية لأنّها اثر للفعل و تاكيد له فهو اشدّ منها فتكون نسبة افتقار العقل الي الفعل احق و اسبق من افتقاره الي الحقيقة المحمديّة (ص) فاذا نسبنا ● كان ما الي الفعل ذاتيّا و ما الي الحقيقة عرضيّا لأنّ الحقيقة علة مادية للعقل الكلي و الفعل علة فاعلية و علة للعلة المادية .