قلت فالوجود جهة فقره الي الله تعالي و هو جهة استغناۤئه و الماهيّة جهة استغناۤئه و هو جهة فقره فافتقاره استغناۤء و وجود و استغناۤؤه فقر و عدم فنظره بالفؤاد حق و بالقلب حقيقة و نظره بالتراب باطل و بالنفس سرابٌ و ذلك لان الوجود متقوّم بالوجود المتقوّم بالحقّ و الماهيّة متقوّمة بالوجود نفسه من دون الوجود المتقوّم بالحقّ وجدتُها و قومها يسجدون للشمس من دون اللّه .

اقول الوجود له معنيان ● : الوجود الجنسي و هو الذي تؤخذ منه حصّة و تضاف اليه من الصورة النوعية اعني الماهية حصة فيتكون منه و من حصة الصورة النوعية مادة نوعية كالمداد المركب من الزاج و العفص و [ص 231] تسمّي ● هذا الوجود الوجود الأوّل و هذه الماهية الماهية الأولي و المتكون منهما الخلق الأوّل و اذا اخذ من هذا المتكون حصة من هذا الخلق الأوّل الذي ربما نطلق عليه الوجود الثاني و حصة من الصورة الشخصية يكون منهما الشئ الشخصي او النوعي الاضافي او الجنسي الاضافي كل في مقامه و يسمّي هذا الوجود الذي اخذ منه حصة هي مادة للشخص بالوجود الثاني و الذي اخذ منه حصة الصورة بالماهية الثانية و المتكون منهما بالخلق الثاني و ثانيهما ان الشئ سواۤء كان شخصياً ام نوعياً ام جنسياً ان لوحظ انه نور الله و انه اثر صنع الله فهو وجوده ● و لهذا يعرف به الله كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف ربّه ، و ان لوحظ انه هو فهو ماهية و ظلمة لايجوز ان يعرف به الله سبحانه و الا لوقع التشبيه فالوجود حقيقة انه نور الله و اثر فعله لأنّه حقيقة الشئ من ربه سواۤء كان في الخلق الأوّل ام الخلق الثاني و هو معني قولنا فالوجود جهة فقره الي الله تعالي لأنّه كالنور ليس له هوية الّا ظهور المنير به و اذا اعتبرت افتقاره الي الله سبحانه بحيث لايجد نفسه كان هو جهة استغناۤئه يعني بالله لقوة قابليته لفعله تعالي حتي ● لم‌يشهد له انية كنور السراج فانه نور بالسراج و ظلمة بنفسه و الماهية جهة استغناۤئه يعني عن ربه بمعني انه ( انه انما خ‌م ) ينظر الي نفسه و هذا هو جهة فقره لعدم قبوله للمدد بنظره الي نفسه و هو الماهية فافتقاره الي الله سبحانه استغناۤء و وجود و استغناۤؤه عن الله لنظره الي نفسه فقر و عدم قال صلي الله عليه و آله الفقر سواد الوجه [ص 232] في الدارين ، فنظره اي نظر المرء مثلا بالفؤاد حق لأنّ الفؤاد هو النور الذي ينظر به صاحب الفراسة من المؤمنين و اصحاب التوسّم من الطاهرين صلي الله عليهم اجمعين و هو الوجود الذي خلق منه و هو النفس اي الذات التي من عرفها عرف ربّه اعني حقيقته من ربّه و هو الوجود و هو الوصف الذي ليس كمثله شئ اي وصف الله سبحانه نفسه لخلقه ليعرفوه بها بمعني انه ليس كمثله شئ و لا شكّ انّ النظر بهذه العين حق عياني و وجوب عنواني لأنّ الحق نريد منه ما يعرف به الله سبحانه و يوصف به من العلم و القدرة و السمع و البصر التي هي ذاته و نظره بالقلب حقيقة لأنّه انما يدرك ما كان من نوع المعاني المجردة عن المادة العنصرية و المدّة الزمانية و الصورة الجوهرية و المثالية و نريد من الحقيقة ما دخل في الامكان من الحقايق و نظره بالتراب اي بالأجسام و الجسمانيات باطل بمعني انه لايوصل الي معرفة المعالم الالهية و انما يدرك نوعه كما لو ادرك بنظره و بسمعه و بلمسه و بذوقه و شمّه او بمعني ان نظره بالماهية باطل لأنّ الماهية التي هي الانفعال خلقت من اكثف الانيّات و اغلظها و هو التراب الذي هو اسفل الأجسام و العناصر و اشدّها ظلمة فيدرك بها الباطل لا غير و نظره بالنفس سراب يعني انّ النفس لاتدرك الا الصورة التي لاتعرف بها البسايط الحقيقية انما تحدّ الأدوات انفسها و تشير الآلات الي نظايرها فان كانت النفس هي الصدر فتنظر الي صور المعلومات الحقّة لأنّها تستمد من العقل اذ هي مركبة و هذه النفس ليست مرادة ● و اما النفس [ص 233] المرادة هنا فهي الأمّارة بالسوء التي هي ضدّ العقل و هي وجه الماهية و وزيرها فلاتريد الا المعصية فاذا نظرت انما تنظر الي الباطل و لذا قلتُ ان نظر الانسان بالنفس سراب لأنّها تموّه الباطل في صورة الحق كما توهم ● السراب الماۤء علي الظمآن و انما قلنا ان نظر الانسان بالوجود حق الخ ، لأنّ الوجود الذي هو الفؤاد متقوم بالوجود الذي هو المشية المتقوم بالحق سبحانه اي متقوم بفعله و مشيته علي ظاهر الحال تقوّم صدور بفعله و علي الحقيقة فالمراد بالحق مجموع الفعل و ما تقوّم به اعني المقامات و العلامات التي لا تعطيل لها في كل مكان و الماهية انما قلنا بان نظر الشخص لها باطل لشدّة ظلمتها و بعدها عن النور الذي تدرك به الأشياۤء علي ما هي عليه لأنّها في تكوّنها متقومة بالوجود نفسه يعني حقيقته من نفسه و هي الانيّة السوداۤء المظلمة فهي تنتهي اليه من هذه الحيثية لا من حيث كونه نوراً او اثراً للفعل فيكون اصلها مجتثا و مثالها في نفسها و في تقوّمها بالوجود بانتهاۤئها اليه كمثل الظل من الجدار فانه في نفسه من كونه ليس من الشمس و لايعود اليها و من كونه في اصله من الجدار المظلم المكنيّ به عن نفس النور من حيث نفسه لا من حيث المنير فهو ينتهي الي الجدار و ان كان بالشمس و هو تأويل قوله تعالي وجدتها و قومها يسجدون للشمس من دون الله و قومها النفوس الأمّارة بالسوء فافهم .

قلت و هذا هو الهيولي للانسان و هو بمنزلة المداد المركب من صمغ و سواد و زاج و عفص و ملح و صبر و نبات و آس فكما ان المداد من حيث [ص 234] هو صالح للاسم الشريف و الاسم الوضيع و انما تميز بينهما الصورة الثانية اي الكتابة بهيئاتها و هي الماهيّة الثانية كذلك هذه الهيولي المركبة من الوجود و الماهيّة صالحة للمؤمن و الكافر و لاتتميّز الّا بالصورة الثانية التي هي الخلق الثاني و هي الماهية الثانية .

اقول المراد بالمشار اليه بهذا هو المركب من الوجود و الماهية التي هي انفعاله عند اول تكوّنه و ذلك في الخلق الأوّل و هذا الوجود مادة الأشياۤء كما ان المداد المركب من الثمانية مادة للكلمات المكتوبة فهو بمنزلته في التأليف و في الايجاد منه لأن الوجود المذكور مركب من ثمانية اشياۤء وجود و ماهية و كمّ و كيف و وقت و مكان و جهة و رتبة كذلك المداد مركب من ثمانية اجزاۤء من صمغ ليربط بالقرطاس فلاينمحي و سواد ليكون له جرم لطيف يسهل حكّه لو احتيج اليه و يلطف المداد مع زيادة تسويد و زاج ليحصل بحرقه للعفص ( بحرقة العفص خ‌ل ) سواد يزيد المداد ثباتا و عفص لتحرق ● ( ليحترق خ‌م ) منه فيحصل منه مع الزاج سواد قارّ و ملح ليقطع لزوجته فيعينه علي الجريان و صبِر بكسر الباۤء ليمنع الذباب بمرارته من الأكل و نبات ليكون برّاقا و آس ليكون شديد الجريان و الوجود تؤخذ منه حصة لخلق الأنواع من الكلي و لخلق الأفراد من النوعي فكما ان المداد من حيث هو صالح للاسم الشريف و الاسم الوضيع ما دام لم‌يكتب به سواۤء كان في الدواة ام في القلم كذلك الوجود المذكور صالح لأن يكون مادة للانسان الشريف اذا ضم اليه طينة اجابته الحسني و للمنافق الوضيع اذا ضم اليه طينة عدم اجابته و انكاره السوءٰي و المراد [ص 235] بالطينة التي اشرنا اليها الطينة المذكورة في الأخبار و هي صورة اجابته و انكاره و منها داعي الخير اذا كانت مجيبة و داعي الشرّ اذا كانت منكرة و لهذا قلنا و انما تميز بينهما الصورة الثانية في الخلق الثاني مثل الكتابة التي بها تتميز الحصص المأخوذة من المداد بهيئتها ( بهيئاتها خ‌ل ) اللاحقة لها و كذلك الحصص المأخوذة من الوجود المشار اليه اعني الهيولي المركبة من الوجود و الماهية فان الحصص المأخوذة منها تتمايز بما يلحقها من الهيئات كما يتميز الكافر من المؤمن بالمشخصات التي هي الماهية الثانية فان الله سبحانه يقول كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين الآية .

قلت فسألهم لعلمه بهم حين سألوه ان يسألهم فقال لهم الستُ بربّكم و محمد نبيكم و علي وليكم فقالوا باجمعهم بلي منهم مَن قالها مصدقا بلسانه و قلبه عن علم كما قال تعالي الّا من شهد بالحق و هم يعلمون فخلقهم من صورة التصديق و المعرفة و هي الصورة الانسانية و هي هيكل التوحيد و هي من فلك البروج و هم المرسلون و الانبياۤء و الصديقون و الشهداۤء و الصالحون .

اقول فسألهم بايجادهم لعلمه الامكاني قبل سؤالهم باحتياجهم بقوابلهم حين السؤال اي حين سئلوا ( سئلوه خ‌م ) بقوابلهم ان يوجدهم و هو قولي ان يسئلهم فقال الست بربكم لايجاد جسده و محمد (ص) نبيكم ( نبيكم لايجاد خ‌م ) نفسه و علي وليكم لايجاد عقله فقالوا باجمعهم يعني الخلق بلٰي منهم من قالها مصدّقا بلسانه و قلبه فحين صدّق بلسانه خلق جسده و حين صدّق بخياله و نفسه خلقت [ص 236] نفسه و حين صدّق بعقله و قلبه خلق قلبه اذ الشئ انما يخلق بقبوله حين يخلق لا قبله و لا بعده ثمّ دعاهم كما دعاهم اولاً فقال الستُ بربكم فشهدوا ان لا اله الا هو و محمد نبيكم فشهدوا انّ محمداً صلي الله عليه و آله رسول الله و نبيه و عليّ وليكم فشهدوا ان عليّاً ولي الله و ذلك باعمالهم في المراتب الثلاث فكانت الدعوة الأولي بحكم ما بالقوة و الدعوة الثانية بحكم ما بالفعل و لا شك انّ ما بالقوة مسبوق في اصل الكون بما بالفعل كالسنبلة فان الحبة في العود الأخضر تكون بالقوة ثمّ تكون في السنبلة بالفعل و لا شكّ انّ الحبة الموجودة في العود الأخضر بالقوة مسبوقة بالحبة التي زرعت فنبت منها العود الأخضر و السنبلة فما بالفعل سابق علي ما بالقوة لأن ما بالفعل اقوي و اشدّ مما بالقوة و لايجوز ان يكون الفاۤئض عن المبدء الفيّاض اضعف مما يكون بعده و من اثره فافهم فاذا فهمت هذا فاعلم ان الوجود التشريعي روح الوجود التكويني لتوقف الايجاد علي القبول و القبول تشريعي يترتب عليه التكويني فخلق سبحانه المجيبين باجابتهم المساوقة لكونهم عن علم بما اجابوا به و بصيرة قال الله عز و جل و لايملك الذين يدعون من دونه الشفاعة الّا من شهد بالحق و هم يعلمون فخلقهم من صورة التصديق و المعرفة و هذه الصورة هي الصورة الانسانية التي هي هيكل التوحيد و ذلك لأنّ هذه الصورة من حدود تخططت ( من خطوط تحددت خ‌م ) و تصورت خط التوحيد و خط العقل و خط العلم و خط العمل و خط التقوي و خط الطاعة و الرضاۤء بقضاۤء الله و قدره و امثال هذه من حدود الخير و صاحب هذه ( هذه الصورة خ‌ل ) انسان موحّد مؤمن [ص 237] عامل بعلمه مطيع لربّه و هو ● المرسلون و الأنبياۤء و الصديقون و الشهداۤء و الصالحون و انما كان لهم الصنع الجميل لأن الله تعالي حين فرق الحصص المادية من الوجود جعلهم صالحين لقبول الخير و الشرّ و هو قول الصادق عليه السلام حين سئل عليه السلام كيف اجابوا و هم ذرّ فقال جعل فيهم ما اذا سئلوا اجابوا ه‍ ، و المراد بهذا المجعول هو الصلوح للخير و الشرّ و التمكين من فعل ذلك بما جعل لهم من الاستطاعة و القدرة و الآلة و تخلية السرب ثم كشف لهم عن الكتاب الأعلي و هو الصور المنقوشة في عليين و عليون اعلي الجنة و هو باطن فلك البروج ، كلّا ان كتاب الأبرار لفي عليين و ما ادريك ما عليون كتاب مرقوم و تلك الصور صور الطاعات و صورة ( الطاعات صورة خ‌م ) العلم و صورة الصلوة الصحيحة و صورة الزكوة و صورة الصيام و صورة الحج و صورة الايمان و صورة التسليم و صورة الرضا بقضاۤء الله و قدره و ما اشبه ذلك من صورة ( صور خ‌م ) الاجابة بالطاعات ثم كشف لهم عن الكتاب الأسفل اعني الصور المنقوشة في سجين و هي الصخرة تحت الأرض التي ذكرها لقمان و هي ظاهر الثري الذي تحت الظلمة التي تحت جهنم ، كلا ان كتاب الفجّار لفي سجين و ما ادريٰك ما سجين كتاب مرقوم و هذه الصور صور المعاصي صورة الجهل و صورة ترك الصلوة و صورة الصلوة الباطلة كصلوة المرائي و صورة منع الزكوة و افطار شهر رمضان عمداً للمقيم و صورة ترك الحج مع الاستطاعة و صورة الجحود و الانكار و الالحاد و صورة الأغراض و صورة عدم الرضا و ما اشبه ذلك فاوحي اليهم يا عبادي اني [ص 238] ادعوكم الي النجاة فمن اطاعني البسه ( البسته خ‌م ) صورة اجابته من الصور التي رضيتها و جعلتها صور محبتي و رضائي التي بها يصل الي رضواني و يسكن جناني و من عصاني و لم‌يجب دعوتي البسه ( البسته خ‌م ) صورة جحوده و انكاره و استهزاۤئه و استكباره من صور معصيتي و سخطي التي بها يصل الي دار غضبي جهنم فلما دعاهم سبق السابقون الي الاجابة ظاهراً و باطناً فخلق كل واحد من المجيبين باجابته الي الدعوة و تفاضلوا بنسبة مراتبهم في السبق الي الاجابة و من لم‌يجب خَلَقَهُ من صورة عدم قبوله و اعطي كل ذي حق حقه و ساق الي كل مرزوق رزقه فتمت كلمته الحسني عليهم اي علي المجيبين بما اجابوا من العلم و العمل .

قلت و منهم من قالها بلسانه و قلبه منكِر مكذِّب غير قابل فخلقهم من صورة التكذيب و الانكار و الجحود و هي الصورة الحيوانية و الشيطانيّة و هم الكافرون و المنافقون و اتباعهم ممّن تبيّن له الهدي فاعرض عنه و هي من طينة خبال و هي سجّين و انما كانت في الدنيا صورهم صور الانسان لاجابتهم باللسان الذي هو الادني و في الاخرة تسلب منهم و تظهر صورهم الحقيقيّة التّابعة للقلب .

اقول من قالها اي كلمة الاجابة بلسانه و قلبه منكر مكذّب مستهزؤ خلق ظاهره في الدنيا علي الصورة الانسانية لاجابته بلسانه الذي يدل علي ظاهره و امّا قلبه فانه لما كان منكراً مكذباً لما اجاب به بلسانه فخلقهم في بواطنهم بصورة التكذيب و الانكار و الجحود و هي الصورة الحيوانية الشيطانية لأن ( لأن ذلك خ‌م ) حدودها التي تقومت بها كما ذكرنا قبل هذا [ص 239] لتقومها بحدّ الجحود و حدّ الانكار و حدّ ترك الصلوة و حدّ ترك الزكوة و حدّ ترك الصوم و حدّ ترك الحج و ما اشبه ذلك و هؤلاۤء هم الكافرون و المنافقون و المشركون و كل من انكر الحق من الأولين و الآخرين و اتباعهم ممن تبين لهم الهدي فاعرضوا عنه من الأتباع لأن المتبوعين لايكون من لايتبين له الهدي منهم فلانريد بالتقييد الا الأتباع اذ منهم من لايتبين له الهدي و هم من اهل القسم الثالث كما يأتي و هذه الصورة التي خلق منها هؤلاۤء اعني اهل القسم الثاني و هم الكافرون و المنافقون و المشركون و اتباعهم الذين تبيّن لهم الهدي و هي طينة خبال و هي سجين التي تكتب فيها اعمال الفجّار و هي امثالهم في اعمالهم و معني كون كتاب الفجّار في سجين انهم اذا عمل احدهم شيئاً من المعاصي في السوق مثلا فانك اذا شاهدته لاتزال صورته و مثاله في غيب ذلك المكان من السوق و وقته قائما كل ما التفتَّ بخيالك الي ذلك المكان و ذلك الوقت رأيت بخيالك صورة ذلك العامل للمعصية و مثاله عاملاً بتلك المعصية ابدا و لو رأيت آخر في ذلك المكان و وقته او قبله او بعده عاملاً لشئ من الطاعات فانك كلما التفتّ بخيالك الي ذلك المكان و ذلك الوقت رأيت مثال ذلك الآخر يعمل تلك الطاعة في غيب ذلك الوقت و ذلك المكان و مثال عامل المعصية في غيب ذلك الوقت و ذلك المكان الذي هو السوق هو ( هو مكان خ‌ل ) من سجين يعني ان المكان الذي فيه مثال عامل المعصية من غيب السوق هو مكان من سجين الذي هو كتاب الفجّار و المكان الذي فيه مثال عامل الطاعة من [ص 240] غيب السوق هو مكان من عليين الذي هو كتاب الأبرار فالأوّل هو تحت الظلمة التي هي تحت جهنم التي هي تحت ريح العقيم التي هي تحت البحر الذي هو تحت الحوت الذي هو تحت الثور الذي هو تحت سجين اعني الصخرة التي قال لقمان فيها فتكن في صخرة او في السموات او في الأرض فهذا الكتاب اصله في الثري و وجهه في سجين و الثاني اعني الذي فيه مثال عامل الطاعة فوق الطبيعة التي هي فوق المادة التي هي فوق المثال الذي هو فوق الجسم الذي هو فوق محدّد الجهات الذي هو فوق عليين اعني باطن فلك البروج فهذا الكتاب اصله في اللوح المحفوظ و وجهه في فلك البروج و انت قد رأيتهما في مكان واحد من السوق هذا عامل بالمعصية و هذا عامل بالطاعة و اذا التفتّ بخيالك رأيت المثالين في مكان واحد و في الحقيقة مثال عامل المعصية في سجين تحت الملك الحامل للأرض السابعة و بينك و بينه اربعة آلاف سنة و خمسمأة سنة و مثال عامل الطاعة في عليين فوق فلك البروج و بينك و بينه ثمانية آلاف سنة و انما كانت في الدنيا صور المنافقين و الكفّار صور الانسان لأنّهم اجابوا بالسنتهم خاصة التي هي ادني آلات المدارك و التبليغ فاذا كان يوم القيمة و انتقل الخلق عن الدنيا تخلّف عنهم ما ينسب اليها فتسلب عنهم الصورة الانسانية و تظهر صورهم الحقيقية التي هم عليها في نفس الأمر و في الواقع لأنّ كل شئ يرجع الي اصله و هؤلاۤء اعني الكفّار و المنافقين الذين انكروا من بعد ما تبيّن لهم الهدي حين قال لهم الست بربكم قالوا بلٰي فخلق صورهم الظاهرة من صورة [ص 241] الاجابة و هي الصورة الانسانية الظاهرية و حين قال لهم و محمد نبيكم سكتوا حيث ( حين خ‌ل ) ظنّوا انه تعالي مااراد بذلك خصوص طاعته بل انتقل منها الي طاعة رسول الله صلي الله عليه و آله و الرسول له ولايةٌ مّا الّا انّه مبلغ فيرجع امره و طاعته الي الخالق سبحانه لكن له تفضّل كما حكي الله في كتابه بقوله يريد ان يتفضل عليكم فسكتوا ليعلموا ما يستقرّ طلبه عليه فان انتهي الي المبلّغ ربما يهون الأمر عليهم فيتداركوا الاجابة و ان تعدّي طلبه الي اعظم من ذلك انكروا الكل لأنّه يكون اسهل من ان يكون بعد الاقرار بالكل فلما قال لهم و عليّ وليكم انكروا و قالوا قد رضينا بما طلب عنا ( منا خ‌م ) اوّلا حتي توصل به الي ان يولّي علينا من يعمل بنا ما يراه فينا من الرأي و نحن لانرضي بذلك ابدا فحكم عليهم بانكارهم كما قال تعالي بل طبع الله عليها بكفرهم .

قلت و منهم من قالها بلسانه و قلبه واقفٌ لم‌يقرّ و لم‌يجحد و هؤلاۤء خلقهم الله تعالي من الصورة الانسانيّة ظاهراً لاقرارِ اَلْسِنتهم و لم‌يخلق بواطنهم حتّي يقروا او يجحدوا فيخلقهم من حالهم و هم مختلفون فمنهم في الدنيا و منهم في البرزخ و منهم في الاخرة فمن خلق باطنه انساناً دخل الجنةَ و من خلق غير ذلك دخل النار .

اقول هؤلاۤء هم القسم الثالث و هم الذين لم‌يقرّوا بقلوبهم و لم‌يجحدوا سواۤء اجابوا عن غير معرفة بالكل ام اجابوا بالبعض عن غير معرفة الّا انهم مجتمعون علي وقف قلوبهم و هؤلاۤء عرضت لهم موانع في طينتهم و هذه الموانع العارضة لها هي عوارضها الذاتية و الفعلية و [ص 242] النسبية و هذه العوارض مختلفة في الشدّة و الضعف فمنهم من موانعه ضعيفة فتضمحل في الدنيا فيقرّ في الدنيا بقلبه و يلحق بالسابقين او ينكر في الدنيا به و يلحق باضدادهم و منهم من موانعه متوسطة في القوة و الضعف فيقرّ بقلبه في البرزخ او ينكر و يلحق كل بنوعه و منهم من موانعه شديدة فيلهٰي عنه ( عنه و تركه خ‌م ) الي يوم القيمة حتي تأخذ الأرض ما فيه من موانعه مع ما تعلّقت به من الأجسام الظاهرية و التعليمية فيجدّد له الخطاب التكليفي بمعني انه يقع عليه لا بمعني انه انقطع و اضمحل ثم حدث بل لأنّه بقي بعد انقطاع المكلفين علي انبعاثه فلم‌يظهر لعدم وجود مظهر يتعلق به فلما قامت القيمة و وجد المكلّفون و هم الذين لم‌يتعلق الخطاب الّا بظواهرهم اذ لا بواطن لهم و حينئذٍ زالت عنهم الحجب المانعة وقع عليهم الخطاب الذي لم‌تظهر صورته في الدنيا لعدم وجوده ● القابل و لوجود المانع فلما زال المانع وجد القابل و لما وجد القابل وجد المقبول فاِمّا مؤمن و اِما كافر و قولي فخلقهم من حالهم اي خلقهم من الحال التي وقع عليهم فيها السؤال و هي اجابتهم بالسنتهم لاضطرارهم الي الايجاد فاذا كان يوم القيمة و اجاب منهم احد بقلبه خلق الله باطنه باجابته انسانا فكان مع المؤمنين فدخل الجنة و من انكر منهم بقلبه خلق الله باطنه بانكاره شيطاناً او حيوانا فكان مع الكافرين فدخل النار .

قلت فهذه الصور التي خلقت من الاجابة او الانكار هي الطينة و هي الام التي يسعد في بطنها من سعد و يشقي في بطنها من شقي و ذلك بعد ان اعلمهم بالطينة الطيبة التي هي الاجابة و الطينة الخبيثة التي هي الانكار و انه سبحانه لايخلقهم الّا علي ما هم عليه و لو خلقهم علي [ص 243] غير ما هم عليه لم‌يكونوا ايّاهم بل كانوا غيرهم .

اقول يعني انّ الصورة التي خلقهم فيها و منها و عليها هي الطينة التي خلق الله تعالي المسئولين منها فالاجابة لدعوة الله عز و جل هي الطينة الطيبة التي خلق الله المؤمنين منها و اقامهم فيها و اقرهم عليها لميلهم اليها و الانكار لما دعي اليه هو الطينة الخبيثة التي خلق الكافرين منها و اقامهم فيها لمحبتهم لها و اقرهم عليها لميلهم اليها و الصورة كما تقدّم هي الأمّ كما قال صلي الله عليه و آله السعيد من سعد في بطن امه و الشقي من شقي في بطن امه ، اذ الأمّ هي الصورة لأنّها هي صورة عمله لأنه عز و جل لايخلق الخلق الا علي ما هم عليه و الذي هم عليه عملهم و وصفهم و هو سبحانه سيجزيهم وصفهم انه حكيم عليم و لأجل انه تعالي لايخلقهم الا علي عملهم الاختياري كما قال بل طبع الله عليها بكفرهم خلقهم علي ما هم عليه و لو خلقهم علي غير ما هم عليه اعني بغير اعمالهم لماكانوا اياهم بل يكونون غيرهم لأنّ صورهم غير صورهم بل هي صور غيرهم فهم غيرهم كما لو خلق السعيد بصورة الشقي و الشقي بصورة السعيد لم‌يكن السعيد سعيداً و الشقي شقيا حيث اثبت للسعيد الشقاوة و للشقي السعادة فيمتنع الايجاد لعدم جريانه علي مقتضي الحكمة و لجريان عدمه حينئذٍ علي مقتضي الحكمة و الصنع علي غير مقتضي الحكمة انما يكون للحاجة اليه او الظلم و اذا انتفيا عن الغني المطلق عز و جل لم‌يحسن الايجاد الّا علي خلقهم علي ما هم عليه لا علي غير ما هم عليه .

[ص 244] قلت و لو لم‌يقبلوا و خلقهم من الانكار و جعل لهم ما جعل للمقرّين لوقع التنافي في خلقهم و خلقِه اياهم لان خلقهم كما هم منافٍ لجعلهم كالمطيعين و جعلهم كالمطيعين منافٍ لخلقه كما هم و خلقُه كما هم منافٍ لخلقه لهم ليس كما هم و لو اتبع الحق اهواۤئهم لفسدت السموات و الارض و من فيهن بل اتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون .

اقول هذا من نحو ما ذكرنا قبله من البيان و ان كان فرضاً آخر لأنّ الأوّل راجع الي الخلق الأوّل و هذا الي الخلق الثاني و هو انه تعالي و لو ( تعالي لو خ‌م ) خلقهم من الانكار لانكارهم و عدم قبولهم و جعل لهم من الجزاۤء الوجودي و التشريعي ما جعل للمقرّين ( للمقرنين خ‌ل ) من الجزاۤئين لوقع التنافي في خلقهم المقتضي لعدم خلقهم اِمّا لكونهم غيرهم و اِما لكونهم اياهم لا اياهم و وقع التنافي ايضاً في خلقه اياهم الذي هو فعله فيكون فاعلاً لهم غير فاعل لهم امّا كونه فاعلاً فلفرض كونه فاعلاً لهم و اما كونه غير فاعل لهم فلغناه عن الظلم و الحاجة فلايصدر عنه ما يخالف الحكمة و في خلقه اياهم اي في الصنع المتعلق بايجادهم حين ايجادهم لأنّ خلقهم كما هم ان يخلقهم بما اجابوا به دعوته من الانكار و الجحود و هذا منافٍ لجعلهم كالمطيعين و جعلهم كالمطيعين منافٍ لخلقه كما هم و خلقه كما هم منافٍ لخلقه ليس كما هم كما تقدّم فيقع التنافي في الفعل و المفعول قال الله سبحانه و لو اتّبع الحق اهواۤئهم لفسدت السموات و الأرض و من فيهن يعني لو جري فعل الله علي شهوة كل واحد لأراد شخص دوران الفلك سريعاً ليذهب الليل و النهار علي حسب شئونه و [ص 245] اراد شخص ان يلبث ليبقي الليل و النهار علي حسب شئونه و اراد آخر ان يكون الأطول هو الليل و الأقصر هو النهار او لايكون نهار اصلا و اراد آخر بالعكس و اراد شخص ان يمطر علي الأرض في الليل و ينبت في النهار و اراد عدوّه العكس و هكذا فتفسد السموات و الأرض و لو اراد شخص ان يضعف ضدّه و عدوّه او يهلكان و اراد ان يضعف هو او يهلك فيفسد من فيهن لأنّه ان اتّبع التكوين و ما يتوقف عليه من الحق ارادة واحد دون آخر لزم الترجيح بلا مرجح و ان اتّبع ارادات جميع الخلق و هي مختلفة لزم ما ذكرنا و امثاله فردّ سبحانه و تعالي عليهم بما فيه الحق الذي به قوامهم و قوام نظامهم فقال بل اتيناهم بذكرهم اي بما ذكرناهم او بما ذكرونا به مِن السؤال ● قوابلهم ( سؤالِهم بقوابلهم خ‌ل ) من كونهم مذكورين بما هم عليه او ذاكرين لما هم عليه يعني اتيناهم بما هم عليه من التكوينات الوجودية و تشريعاتها و من التشريعيات ( التشريعات خ‌م ) الكونية و وجوداتها فهم عن ذكرهم اي عن ذكرنا اياهم بما هم عليه و ما يقتضي من التكليفات و عن ذكرهم ايانا بسؤالهم بقوابلهم لما هم عليه و ما يقتضي ● ( عليه خ‌ل ) ذلك من التكاليف و عن شرفهم و تشريفنا ايّاهم بما فيه نجاتهم مما يكرهون و فوزهم بما يريدون و يطلبون و لكنهم لايعلمون معرضون يعني عن ذكرنا لهم بما هم عليه مما فيه فوزهم بما يحبون و عن ذكرهم انفسهم بما يشتهون و هم لايعلمون لانهم يشتهون ما تشتهيه انفسهم و الذي ما تشتهيه ● انفسهم علي الحقيقة هو ما اتيناهم به و ذكرناهم به و اما ما يشتهون الآن ليس شهوة لأنفسهم في نفس الامر و [ص 246] انما زين لهم باغواۤء الشيطان حتي توهموا انه مطلوب حسن و هو قبيح انظر مثلاً الي الزنا فانّه في نفس الأمر ليس حسناً بل هو قبيح و كيف زيّنه ابليس عند الزاني و اذا اردت ان تعرف قبحه فافرض وقوعه من الأجنبي باحد من محارمك لتعرف قبحه و في الآية اسرار يطول في ذكرها الكلام .

قلت فهذا هو الخلق الثاني تحت النور الاخضر في عالم الاظلّة في ورق الآس فكانوا في الذر كما قال سبحانه للجنّة و لاابالي و للنار و لاابالي ثم كسرهم في النور الاحمر و هو معني قوله (ع) ثم رجعهم الي الطين اي طين الطبيعة .

اقول يعني ان ما تقدّم من ذكر الست بربكم الي آخره ، هو الخلق الثاني و هو الخلق الذي البسهم فيه الصور الشخصية التي تمايزوا بها و تميّزوا لأنّ الخلق الأوّل الذي هو المادة و الصورة النوعيتان اللتان هما بمنزلة المداد للكتابة فيه ايضاً تكليف بشرع وجودي و الخلق فيه مكلّفون به و لكنه في المبادي مخفي علي اذهان المكلفين ادراكه فوجب ان يخفي عليهم التكليف به و الّا لكان عندهم تكليفاً بما لايطاق و لكنه تعالي حيث اجري حكمته باخفاۤئه عليهم لأنّه من المبادي الوجودية اخفي التكليف المترتب عليه و اذا كشف للمكلفين عن ابصارهم الأغطية وجدوا الطينة اي الصورة و وجدوا الرسل عليهم تتري بتلك التكاليف و يجري عليهم ما لهم و عليهم و ما ربك بظلام للعبيد ، ثمّ اخذ من الخلق الأوّل للخلق الثاني حصصا متساوية في الصلوح للاجابة و الانكار فامرها و نهيٰها فخلقهم منها بذلك [ص 247] الأمر و النهي فيما شاۤء و هذا هو الخلق الثاني و قد كانت الخلايق المكلفون تحت النور الأخضر و النور الأخضر هو اللوح المحفوظ و النفس الكلية و هي سدرة المنتهي و شجرة طوبي و الخلايق اوراقها و الأوراق تحت الشجرة في الرتبة و هذا معني كونهم تحت النور الأخضر لأنّه هو الشجرة و هم الأوراق في عالم الأظلة كما تري ظلك في الشمس في ورق الآس لأنهم قبل ان يشملهم التكليف اوراق في النور الأصفر و هو الروح الكلية علي هيئة ورق الآس و ذلك لأنهم باعتبار تساوي جهات وجوههم الي مبدء لا جهة له توجهوا اليه من كل جهة فكانوا علي هيئة الدائرة لتساوي جهاتهم و توجهاتهم الي كل جهة و هذا في النور الأبيض الذي هو في اول الدهر و هو العقل الكلي فلما نزلوا الي النور الأصفر كانت اعاليهم متوجهة الي العقل في الجهة العليا و اسافلهم مرتبطة بالنور الأصفر و الروح الكلية فكانت اعاليهم الطف و ادق ( ارق خ‌م ) من اسافلهم لقربها من العقل و النور الأبيض و اسافلهم اغلظ و اكثف لقربها من النور الأصفر الذي هو الروح فانجذبت اعاليها الي العالي و اسافلها متعلقة بالأسفل فامتدّت كالأوراق فكانت اعاليها ادق و اقبّ ( ارق خ‌ل ) للطافتها و دقتها ( رقتها خ‌ل ) و كانت اسافلها اعرض و اغلظ لكثافتها و غلظتها فكانت في هيئتها اشبه الأشياۤء بورق الآس المعروف فاطلقوا عليها ورق الآس فلما نزلت الي رتبة النفس تمّ تمايزها تحت النفس و قولي فكانوا في الذرّ يعني بعد ان قال لهم الست بربّكم و محمد نبيكم و عليّ وليّكم بعد النور الأخضر اعني اللوح لأنه هو الشجرة و هم اوراقها فحقت [ص 248] عليهم الكلمة فقال للمجيبين للجنة و لاابالي و قال للمنكرين للنار و لاابالي اي خلقتُ اهل الجنة باجابتهم للجنة و لاابالي بعد ان قبلوا مني ما دعوتهم اليه مختارين و خلقتُ اهل النار بانكارهم للنار و لاابالي بعد ما ( بعد ان خ‌ل ) انكروا ما دعوتهم اليه مختارين ثمّ كسّرهم في النور الأحمر في مدّة اربعمأة سنة بعد ما ( ان خ‌ل ) جاءهم الخطاب بالست بربّكم في خمسين‌الف سنة و النور الأحمر نور الطبيعة لأنهم بعد ان تمّ خلق صورهم في خمسين‌الف سنة تمايزت اجزاؤهم فكان ابيض الشخص منهم غير اسوده و رطبه غير يابسه و حارّه غير بارده فلما كلّفهم و اجاب من اجاب و انكر من انكر كسرهم في النور الأحمر يعني اذابهم فكانوا طيناً صلصالا و طبيعة ذاۤئبة قد تساوت فيه الأجزاۤء كلها علي طبيعة واحدة حارة و باردة و يابسة و رطبة و لذوبانها و امتزاجها بعضها في بعض في مدّة اربعمأة سنة لأنّه تعالي خلقهم من عشر قبضات و كل قبضة يتمّ كسرها في اربعين سنة في اربعة ادوارها كل دورة في عشر سنين لانتساب كل دور الي العشرة فصار لكل دور نسبة هي رتبته من الوجود اشتملت علي الفصول الأربعة مثالها واحد من القبضات هو القلب من محدّد الجهات و تمّت تلك القبضة في اربعة ادوار : دور عناصرها و دور معادنها و دور نباتها و دور حيوانها كل دور من هذه الأربعة ينتسب الي كل قبضة من القبضات العشر برتبة من مراتب الوجود و الرتبة تتم في الفصول الأربعة فتكون سنة فكل دور له سنة في نسبته الي كل قبضة فله عشر سنين فتتم قبضة القلب في اربعين سنة [ص 249] اذا اردت تحليل ادوارها الأربعة من القبضات العشر فيكون جميع تحليل الشخص الواحد الجوهري بعد تركيبه تحت النور الأخضر و تكليفه في عالم الذر اربعمأة سنة حتي تكون تلك الجواهر المتمايزة المشخصة ( المتشخصة خ‌م ) طيناً صلصالا او حمأً مسنونا تبارك الله احسن الخالقين و هذا الطين هو طين الطبيعة الذي يجمد و يكون مادة لا الطين الذي وردت الأخبار فيه انه منشأ السعادة و الشقاوة لأن المراد به الصورة التي هي صورة الاجابة و صورة الانكار حين قال تعالي لهم الست بربكم فاخبار الطينة التي وردت و حصل ( و تحصل خ‌ل ) فيها لكثير من الناس الاشكال واردة في الطينة التي هي صورة الاجابة و الانكار .

قلت : الفاۤئدة الثامنة كل شئ لايجاوز وقته لانه لايوجد الّا فيه و لا ذكر له قبل ذلك و كل ذي وقت فوقته مساوِقٌ لمكانه و كونه لان الوقت و المكان و الكون متساوقة اذ كل واحد شرط للاخر و كذا باقي المعيّنات و المشخّصات فيلزمها التضايف كالمشية و السرمد و كل الامكان و كالعقل الاول و الدهر و كل الممكن و كالجسم و الزمان و المكان .

اقول في هذه الفاۤئدة اشرنا الي اجزاۤء المحدث علي جهة الاجمال فان منها ما هو اجزاۤء للمادة و منها ما هو اجزاۤء للصورة و اشرنا الي مجملات تفصيل كل شئ من هذا النوع لمن عرف ما ذكرنا فقولنا كل شئ لايجاوز وقته فيه اشارة الي بيان اجزاۤء الصورة سواۤء كانت الأولي النوعية ام الثانية الشخصية يعني ان الشئ من مقوّمات وجوده الوقت لأنّه حدّ من حدود الماهية التي هي قبوله للايجاد و لأنّه لو وجد قبله [ص 250] او بعده لماكان وقتا له و لماكان موقتا لو لم‌يوجد في غيره و ما لم‌يكن موقتاً ليس مصنوعا اذ المصنوع لم‌يكن قبل الصنع شيئاً و اذا اخذ فاعله في صنعه كان في وقت لا محالة فالشئ لايوجد الا في وقته و اذا كان كذلك لم‌يجز ان يجري له ذكر قبل ذلك لاستلزام الذكر الوجود فاِمّا ان يكون الذكر في وقت او لا في وقت و يأتي الكلام المتقدم و علي كونه لايوجد الا في وقته ( وقت خ‌ل ) يجب ان يكون مساوقاً لكونه اي وجوده و مكانه و الكلام في المكان كالكلام في الوقت و كل واحد من الثلاثة لازم للآخرين و مساوق لهما حيث كان كل واحد شرطاً للآخرين و باقي المشخصات كالكمّ و الكيف و الجهة و الرتبة و الوضع و النسبة و الاذن و الأجل و الكتاب و ما اشبه ذلك مثل الوقت و المكان في كونها شرطاً و مشروطاً فيلزمها ما ذكرنا في الوقت و المكان و يلزم الكل التضايف و التساوق و هو معني المعيّة و ذلك كالمشية و السرمد الذي هو وقت المشية و معناه الوقت الغير المتناهي لا الوقت الممتدّ بين الأزل و الأبد كما هو مذهب اكثر المتكلمين فانه باطل اذ ليس بين الأزل و الأبد امتداد لأنّ الأزل هو الأبد و ليس بين الشئ و نفسه امتداد و كل الامكان فانه هو مكان المشية و انما قلنا كل الامكان لأنّ الامكان منه ما لبس حلة الكون و سينزعها و منه ما لاينزعها و منه ما لم‌يلبس و كلها متعلق المشية و محلها و المراد بالمشية ما هو اعم من الامكانية و الكونية لأنها ليست اثنتين و انما هي واحدة تعلّقت بالامكان و تقوّمت به و قد تتعلق بالأكوان و اذا تعلقت بالأكوان لم‌تخرج عن تعلقها بالامكان فلذا قلنا كالمشية و السرمد و كل [ص 251] الامكان يعني ما نزع و ما لبس و ما لم‌يلبس فيكون المراد ان المشية يلزمها الوقت و المكان لأنهما المقوّمان لها و هي مقومة لهما و احدهما مقوّم للآخر فيلزم الثلاثة التساوق و التضايف كما مرّ و كالعقل الأوّل اعني العقل الكلي لا انّا نقول بالعقول العشرة بل المراد العقل ● الكل و الدهر و كل الممكن فان هذه الثلاثة ايضا متساوقة كل واحد يتقوم بالآخر كما مرّ و اردنا بكل الممكن ان الممكنات المكوّنات كلها محل العقل و متقومة به و الدهر وقته كذلك و معني كون الممكنات كلها متقومة به انه وجه الأمر الذي به قام كل شئ كما قال تعالي و من آياته ان تقوم السماۤء و الأرض بامره و قال عليه السلام في الدعاۤء كل شئ سواك قام بامرك ، و كالجسم و الزمان و المكان فان كل واحد منها شرط لتقوّم الآخرين و تلزمهما المساوقة و المعيّة و من قال بانّ الأجسام لايمكن ان توجد الّا بعد وجود المكان و الزمان قبلها فقد جهل حقايقها اذ لو وجد الزمان قبل الأجسام جاز ان يكون ظرف ( الأجسام لماجاز ان يكون ظرفا خ‌م ) لا حالّ فيه و كذا المكان و قبل الأجسام ليس الّا المجردات فان كانت حالة فيهما كانا ظرفين لها و لم‌يكونا ظرفين للأجسام و ان لم‌يكونا ظرفين للمجردات و كانا موجودين قبل الأجسام كانا فارغين و ذلك ممتنع اذ كونهما ظرفين للمجردات ممتنع اذ لايشغلهما المجرّدات و كونهما فارغين ايضا ممتنع اذ الظرف لايوجد فارغاً فيلزم الخلأ في المكان و في الزمان اما في المكان فظاهر و اما في الزمان فلأنّ الزمان ظرف لامتداد الحالّ فيه و اذا لم‌يحل فيه شئ لم‌يكن ظرفا لامتداد نفسه فافهم .

[ص 252] قلت و مراتب المشية كما مر اربع و السرمد و الامكان يكون كل واحد منهما في كل مرتبة من الاربع بنسبتها فللرحمة بالسرمد و الامكان رتبة الذات من الشجرة و للالف بهما رتبة الاصل من الشجرة و للسحاب المزجي اي الحروف بهما رتبة الفرع من الشجرة و للسحاب المتراكم اي الكلمة بهما رتبة الكل من الشجرة .

اقول و مراتب المشية كما مرّ اربع : النقطة و الألف و الحروف و الكلمة التامة و ظرفاها السرمد و الامكان يكونان في كل مرتبة بنسبتها كالزمان و المكان يكونان في الأجسام في كل مرتبة بنسبتها فمكان محدّب محدّد الجهات و زمانه لطيفان جدّا حتي يكادان ● يلحقان بعالم المثال لأنّ الحالّ فيهما هو ( و هو خ‌م ) محدّب محدّد الجهات كذلك و مكان فلك البروج و زمانه دون كونهما ظرفين لمحدّد الجهات في اللطافة و الرقّة و الشفافيّة و هما في السموات السبع دون كونهما ظرفين لفلك البروج كذلك و هما في العناصر دون كونهما ظرفين للسموات السبع كذلك فكذلك في مراتب المشية الأربع بنحو هذه النسبة فالسرمد و الامكان في النقطة في غاية الرجحان حتي يكاد ان يتحقق ( حتي تكاد ان يتحققا خ‌م ) قبل التحقيق و في اللطافة و الرقّة ما لايكاد يوجد الي معرفته طريق و هما في الألف المسمّي بالنفَس الرحماني الأوّلي و بالألف الأول و الرياح دون كونهما ظرفين للنقطة التي هي الرحمة في اللطافة و الرقة و التحقق و هما في الحروف دون كونهما ظرفين للألف المسمّي بالنفس الرحماني و بالرياح كذلك و هما في الكلمة الكلية دون كونهما ظرفين للحروف كذلك و اعلم انك اذا اردت [ص 253] تصوّر المراتب الأربع التي تنسبها الي المشية مع ما هي عليه من الوحدة و البساطة فاعتبر الشجرة مع انها واحدة فان لها اربع مراتب رتبة الذات و رتبة الأصل و رتبة الفرع و رتبة الكل فاذا قابلت المشية بها عرفت معني المراتب فللرحمة التي هي النقطة و هي اول مراتب المشية في اعتبار الفؤاد بالسرمد و الامكان اي فللرحمة من النسبة التمثيلية بالسرمد و الامكان مصحوبة لهما لكونهما ظرفين لها و مقوّمين لها لأنّهما من حدود قابليتها لايجادها بنفسها نسبة رتبة ذات الشجرة من الشجرة و للألف بهما في نسبة رتبته الي المشية نسبة رتبة الأصل اي اصل الشجرة من الشجرة و للسحاب المزجٰي بهما اعني الحروف في نسبة رتبتها الي المشية نسبة رتبة فرع الشجرة من الشجرة و للسحاب المتراكم بهما اي الكلمة التامة بعد تكوّنها بنفسها من الحروف التي هي في نسبة رتبتها الي المشية نسبة رتبة كل الشجرة من الشجرة و نسبة كل مرتبة من السرمد و الامكان نسبته الي كل رتبة منها نسبة كل منها الي كلها .

قلت فنسبة الامكان الي المشية بجميع مراتبها نسبة المكان الي محدب محدّد الجهات يعني نهاية المساوقة بِلَا حوايةٍ غيرِ المساوقة اذ المساوقة هي التحاوي لا عدم مطلق الحواية .

اقول و نسبة السرمد و الامكان الي المشية تفريع علي ما سبق و بيان له يعني ان نسبة السرمد و الامكان الي المشية بجميع مراتبها الأربع نسبة الزمان و المكان الي محدّب محدّد الجهات و ذلك لأنّ المشية و ان [ص 254] اختلفت مراتبها و تعددت في الاعتبار بالنظر الي احوال آثارها لكنها في نفسها و في نفس الأمر في كمال البساطة الامكانية التي ليس وراۤئها رتبة في الامكان مطلقا بخلاف محدّد الجهات فانه و ان كان بسيطاً في كمال البساطة الجسمانية الّا انّ محدبه هو المجرد عن الرتبة و المكان فالمناسبة التامة انما تكون بين المشية و بين محدبه لا بينها و بين كله و المراد من نسبة السرمد و الامكان الي المشية و نسبة الزمان و المكان الي محدّب محدّد الجهات هو نهاية المساوقة و كمالها بلا حواية غير المساوقة يعني ان الحواية قد تكون مع المساوقة كما قلنا فان السرمد مساوق للمشية و حاوٍ لها و كذا المشية مساوقة للسرمد و حاوية له و كذا الامكان بالنسبة الي كل واحد منهما و بالنسبة من كل منهما اليه و قد تكون الحواية حواية الظرف للمظروف كحواية الكوز للماۤء و هذه حواية بلا مساوقة و هذه الحواية لم‌نردها فيما نحن بصدده و انما نريد الحواية التي هي المساوقة فان المساوق للشئ المتقوم به يكون حاوياً له و محويّاً له باعتبارين فلذا قلنا اذ المساوقة هي التحاوي يعني ان كلاً من المساوقين حاوٍ للآخر و لانريد مطلق الحواية التي تكون بكون احدهما حاوياً للآخر و لا عكس كالكوز فانّه حاوٍ للماۤء و لا عكس .

قلت و للعقل الاول في اكواره الاربعة بالدهر و الممكن ما للمشيّة بالسرمد و الامكانِ و ما لها من ٱلمُسٰاوَقةِ و التَّحٰاوِي و للجسم في اَدْواره الاربعة بالزمان و المكان ما ذكر سابقاً حرفاً بحرفٍ و كذا في المساوقة اي التحاوي يعني ان الجسم حاوٍ للزمان و المكان لايخرج منهما عنه شئ و الزمان [ص 255] حاوٍ للجسم و المكان لايخرج منهما عنه شئ و المكان حاوٍ للجسم و الزمان لايخرج منهما عنه شئ و ذلك كما اشرنا اليه في المشية و في العقل حرفا بحرفٍ .

اقول للعقل الأوّل يعني عقل الكل في اكواره الأربعة مصحوباً بالدهر و الممكن بالمشية مصحوبا بالسرمد و الامكان الي آخر ما اشرنا اليه و يأتي بيانه و المراد بالأكوار جمع كور و هو ادارة الشئ ● علي شئ و اصل ذلك مما قرّر في العلم الطبيعي قالوا انه اول ما خلق الله سبحانه طبيعة الحرارة و اصلها من الحركة الكونية التي هي قدرة الله و علة العلل في الأشياۤء المتحركات ثمّ خلق الله سبحانه طبيعة البرودة و اصلها من السكون الكوني الذي هو قدرة الله و علة العلل في الأشياۤء الساكنات فهذا اول زوجين خلقهما الله تعالي مما قال الله تعالي و من كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ، ثمّ تحرّك الحارّ علي البارد بسرّ ما اودع الله فيه من الحركة المذكورة فامتزجا فتولد من الحرارة اليبوسة و تولد من البرودة الرطوبة فكانت اربع طبايع مفردات في جسم واحد روحاني و هو اول مزاج بسيط ثمّ صعدت الحرارة بالرطوبة فخلق الله منها طبيعة الحيوة و الأفلاك العلويات و هبطت البرودة مع اليبوسة الي اسفل فخلق الله منها طبيعة الموت و الأفلاك السفليات ثمّ افتقرت الأجسام الموات الي ارواحها التي صعدت عنها فادار الله تعالي الفلك الأعلي علي الأسفل دورة ثانية فامتزجت الحرارة بالبرودة و الرطوبة باليبوسة فتولدت العناصر الأربع و ذلك انه حصل من مزاج الحرارة مع اليبوسة عنصر النار [ص 256] و حصل من مزاج الحرارة مع الرطوبة عنصر الهواۤء و حصل من مزاج البرودة مع الرطوبة عنصر الماۤء و حصل من مزاج البرودة مع اليبوسة عنصر الأرض فهذا مزاج العناصر و هو مركب لازدواج المركبات الثلاث ثمّ ادار الله الفلك الأعلي علي الأسفل دورة ثالثة فتولد النبات و الحيوان البهيمي ثمّ ادار الله الفلك الأعلي علي الأسفل دورة رابعة فتولد الحيوان الناطق الانساني و هو آخر المركبات و احسنها و اكملها تركيبا ، هذا ما قاله الحكيم محمد بن ابرهيم الصنبري في كتابه المسمّي بكتاب الرحمة في الطب و الحكمة و اعلم ان ما ذكره فيه بعض التغييرات ( التعبيرات خ‌ل ) و نحن لسنا بصدد هذا و انما مرادنا بيان الأكوار و الأدوار و اعلم انّ الانسان خلق من عشر قبضات تسع من الأفلاك التسعة من كل فلك قبضة و قبضة من العناصر الاربعة و كل قبضة تتم في اربعة ادوار دور عناصرها و دور معادنها و دور نباتها و دور حيوانها و هذا جارٍ في الكل في كل واحد من اجزاۤئه و جارٍ في الغيب و الشهادة لأنّ العبودية جوهرة كنهها الربوبية كما تقدّم فبعضهم اصطلح علي تسمية الأدوار الأربعة اذا كانت في المجردات بتسميتها اكوارا و في الأجسام بتسميتها ادوارا و بعضهم في اصطلاحه عكس التسمية و نحن قد جرينا في اصطلاحنا علي الاصطلاح الأوّل فلذا قلت و للعقل الأوّل في اكواره الأربعة و قلت بعد و للجسم في ادواره الأربعة و اريد باكواره الأربعة ان الله سبحانه اول ما خلق منه ان خلق عناصره من تكرير طبايعه بعضها علي بعض ثمّ كوّر العناصر فتولد منها معادنه ثمّ كوّر بعضها علي بعض فتولد [ص 257] نباته ثمّ كوّر بعضها علي بعض فتولد حيوانه فهو من ابتداۤء تكوينه في هذه الأطوار ( الأكوار خ‌ل ) الي ان تمت خلقته بالدهر و الممكن اي مصحوباً بهما علي نحو المساوقة لكون كل واحد شرطاً للآخرين له ما للمشية بالسرمد و الامكان من المساوقة التي هي التحاوي و من الشرطية و كذلك للجسم ايضا اعني محدّب المحدّد في ادواره الأربعة دورة عناصره و دورة معادنه و دورة نباته و دورة حيوانه و بالزمان و المكان كما مرّ ما للمشية و للعقل كما تقدّم و معني المساوقة في الثلاثة ان يكون كل واحد مع وقته و مكانه متساوقة في الظهور لكون كل شرطاً للآخرين و كذا معني التحاوي ان يكون كل واحد حاوياً للآخر بمعني ان لايخرج شئ منه عن الآخر و لاينقص عنه فلايتصور ظهور جزء من واحد منهما خاليا عن جزء من الآخرين و هذا في المشية و في العقل و في الجسم الذي هو محدّب محدّد الجهات كل اسفل من الثلاثة في هذا الحكم آية و عنوان لما فوقه و ما فوقه ظاهر به و يجري هذا التحاوي في المشيات الجزئية كالكلية لأنّها وجه من الكلية فلها وجه من السرمد الكلي و الامكان الكلي بقدرها و كذا في العقول الجزئية كالعقل الكلي لأنّها وجوه منه فلها وجوه من الدهر و الممكن بقدرها و كذا باقي الأجسام .

قلت و امّا الماء الاوّل الذي به حيوة العقل و ما بعده فوجهه في السرمد و الامكان و هو في الدهر و الممكن و امّا النفوس فانها في وسط الدهر و الممكن و هو الاظلة و بينها و بين العقل النور الاصفر و هو البرزخ بينهما و هو الارواح و هو من الطرف الاعلي و اخره النور الاحمر و جوهر الهباۤء .

[ص 258] اقول ان الماۤء الأوّل الذي هو اول صادر من المشية الكونية و هو الحقيقة المحمدية صلي الله عليه و آله و هو الوجود و العنصر الذي منه خلق الله كل شئ اي من شعاعه و به حيي كل شئ لأنه الماۤء و به قوام كل شئ لأنّه امر الله الذي قام به كل شئ قيام تحقق يعني قياماً ركنيّا فيه احتمالان و هما انه هل يكون من الوجود المطلق لأنّه قبل العقل و اوّل ما خلق الله العقل يعني من الوجود المقيد ام يكون من الوجود المقيد لأنه من المفعولات لا من الأفعال و دليل الأوّل ان الفعل متقوّم به قيام ظهور فلايكون له تأثير الّا به لأنّه كالحديدة المحماة بالنار و ان كانت انما تحرق بحرارة النار القائمة بها الّا انّها لاتقوم بنفسها من دون الحديدة فبالحديدة تحرق الحرارة لا بنفسها فينتسب الي الحديدة كثيرة ● من اوصاف الحرارة فيكون الماۤء المذكور من الوجود المطلق و ربما يشير اليه قوله تعالي يكاد زيتها يضيئ و لو لم‌تمسسه نار و دليل الثاني انه من الخلق بمعني المخلوق فلايكون من عالم الأمر كما قال تعالي الا له الخلق و الأمر و العطف يقتضي المغايرة فيكون من الوجود المقيّد لتقيّده بمس النار اي ● لايضيئ الّا بمس النار و علي كل من الاحتمالين فهو برزخ بين الفعل و المفعول بالفعل بالذات و القصد فيكون وجهه و اعلاه في السرمد و الامكان و هو في الدهر و الممكن من حيث الرتبة و اعلي الدهر و الممكن و الطفهما و ادقّهما ● ما كان للعقل منهما و اما النفوس فهي في وسط الدهر و الممكن اي المتوسط منهما بين اللطافة و الرقّة و هو الأظلة يعني ان النفوس هي [ص 259] الأظلة لأنّها جواهر لطيفة كالظلّ في لطافته مع انه جوهر البس قالباً كهيئة الانسان هو جزء ماهية ذلك الجوهر اللطيف و بينه و بين العقل النور الأصفر و هو البرزخ بينهما لأن العقل هو النور الأبيض و النفس هو النور الأخضر و البرزخ هو الأصفر لأنّ بياض العقل الذي هو بساطته لما تنزل بالروح اصفرّ لأن الروح اول التركيب اذ هو بمنزلة المضغة في خلق الانسان و العقل كالنطفة و النفس كالعظام اذا كسيت لحماً و انشئت خلقاً آخر بان ولجتها الحيوة و خضرة النفس من اجتماع صفرة الروح مع سواد الكثرة و المشخصات من حدود القوابل و الروح و ان كان برزخا الّا انّه اقرب من الطرف الأعلي و انما كان من الطرف الأعلي اي لاحقاً بعقل الكل لكونه يطلق عليه غالبا لكنه قد يطلق علي النفس ايضا فهو بحكم البرزخية اولي فيكون وجهه الأعلي الي الطرف الألطف و هو في الطرف الأوسط كما مرّ في الماۤء الأوّل و آخره اي آخر الحالّ في الدهر من المجردات عن المواد العنصرية و المدد الزمانية النور الأحمر الذي هو المسمّي بالطبيعة الكلية و جوهر الهباۤء و هو الحصص المادية المجردة لأنّ المراد منها قبل ارتباط الصور المثالية بها و جوهر الهباۤء برزخ بين رتبة الكسر و رتبة الصوغ و هذه الرتبة اعني آخر الدهر اغلظ اوقات الدهر و اكثفها و اسفلها حتي انّ اسفل هذه الرتبة يقارن بصفة الفعلية عالم المثال .

قلت فالكسر في النور الاحمر و الامتزاج في جوهر الهباۤء و العقد في المثال .