قلت و كيفية بدئه و هي انه قد اخذ اللّهُ تعالي بفعله باسمه القابض من رطوبة هواۤء الجواز اربعة اجزاۤء قد صعِدت من ارض الامكان ارض الجرز و من هباۤء ارض الجواز جزءاً فقدّرهما في تعفين هاضمة اسمه البديع فانحلّت اليبوسة في الرطوبة و انعقدت الرطوبة باليبوسة فاتحدا و ذلك لما بينهما من المشاكلة .
اقول هذا اشارة الي كيفية تكوينه في بدئه و هو دليل اِنّيٌّ نبه الله سبحانه بعض عباده عليه في كتابه فقال تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و بيّن هذا الصادق عليه السلام بقوله العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما فقد في العبودية وجد في الربوبية و ما خفي في الربوبية اصيب في العبودية الحديث ، و لا ريب ان هذا استدلال بالعبودية المعلولة علي الربوبية العلّة و بيّنه ايضاً [ص 201] الرضا عليه السلام بقوله قد علم اولوا الألباب انّ ( الاستدلالَ علي خل ) ما هنالك لايعلم الا بما هيٰهنا ه ، فتوصلنا بكيفية ما هيٰهنا علي كيفية ما هنالك و هو ان الصانع اذا اراد صنع شئ عمل مادته التي يصنعه منها و هو الخلق الأوّل كصنع المداد للكتابة فانه الخلق الأوّل للكتابة ثم يأخذ منه فيصنع منه الكتابة و هو الخلق الثاني و الاشارة الي ذلك فيما نحن فيه انه قد اخذ سبحانه بفعله يعني بمشيّته و اختراعه باسمه القابض و هو وجه المشية و ركنها الأعلي لأن اركان مشيته و اختراعه اربعة البديع و الرحمن و الباعث و القابض فالبديع له استعمالان قد يستعمل في معني البارد الرطب و قد يستعمل في معني الحارّ الرطب فاذا استعمل في الحارّ الرطب كان بمعني الرحمن و هنا استعملته بمعني الرحمن الحارّ الرطب فلذا قلتُ في تعفين هاضمة اسمه البديع ، لأن التعفين يعني ما به الانحلال لايكون الا بالحرارة و الرطوبة اذ بهما يحصل الهضم و قولي باسمه القابض الذي هو علة الطبيعة الكلية اعني ( اعني به خم ) الحارّ اليابس الذي بهما يحصل القبض قد اخذ سبحانه من رطوبة هواۤء الجواز اربعة اجزاۤء هي المادة البسيطة في الخلق الأوّل و نسبت تلك الأجزاۤء الي الهواۤء الذي هو الرطب الحارّ كناية عن الحيوة اذ الحيوة مادة كما سمعت من حصة الحيوان انها هي المادة و حصة الناطق هي الصورة و هي اليبوسة فان قلت ان الصورة عندك هي الأمّ و هي الباردة الرطبة فكيف قلتَ هنا هي اليبوسة قلت هذه لها ● اعتباران فباعتبار حيوة الكون في الخلق الأوّل تكون المادة هي الرطوبة لأنّها هي الذكر و انما الصورة حدود و تخطيطات [ص 202] ليس لها تأصل في حيوة الكون و باعتبار حيوة العين في الخلق الثاني تكون الصورة هي الرطوبة و آية ذلك انما هي في عمل المكتوم فانه في التدبير الأوّل الذي هو عمل كونه و صنع مادته يكون الماۤء هو الذكَر و هو النار التي تكلسه فاذا فرغ من تدبير المادة و اخذ في التزويج انعكست التسمية و كان الماۤء هو الأنثي الباردة الرطبة بالنسبة الي الذكر و كان الثفل الذي كان يسمّي بالأنثٰي و هو البارد اليابس هو الذكر الحارّ اليابس فكذلك هنا فانّ المادة هي الكون و لا حيوة بدونه فتنسب اليه الرطوبة و الحرارة ، و الصورة هيئة و الهيئة انما تتقوّم بالمادة فحياتها من المادة لا من نفسها فتنسب اليها اليبوسة و البرودة نعم هي في الخلق الثاني تكون منشأ لحيوة جنينها الذي في بطنها يعني انّ احكام السرير مثلا انما تلحقه في الصورة لا في الخشب فحيوة السرير بها لا بالمادة يعني باعتبار خصوص لحوق الأحكام به و الا ففي الحقيقة حيوة السرير و حيوة الصورة لاتوجدان بدون المادة فافهم و كون الأجزاۤء من رطوبة هواۤء الجواز اربعة كما مرّ جارٍ علي مطابقة الوجود في كونه مربعاً منقسماً علي طبق اركان العرش اذ لو زادت علي ذلك بعدت عن نسبة المشاكلة لعدم مشاكلة التراب و لو نقص عنها غلظ فخرج عن الاطلاق المعتبر ( المعبّر خل ) في جزئية الغذاۤء قد صعدت من ارض الامكان انما صعدت بحرارة الاسم القابض و ارض الجرز اقتباس من قوله تعالي أولميروا انا نسوق الماۤء الي الأرض الجرز يعني بها الأرض المتهيّئة ( المهيّئة خل ) للنبات يعني ارض القابليات و من هباۤء ارض الجواز يعني به اليبوسة جزء لأنّه [ص 203] كافٍ في الاستمساك و في حصول المشاكلة امّا الاستمساك فانّ ( فلانّ خل ) المادة لاتتقوم الا بصورة و لو نوعية او جنسية و هذا الجزء الذي هو اليبوسة كافٍ في الاستمساك لأنه صورة للمادة التي هي الأجزاۤء الرطبة و كافٍ في حصول مشاكلة الماۤء للتراب لذوبانه في ذلك الماۤء فقدّرهما في تعفين هاضمة اسمه البديع اي قدّر الأربعة الأجزاۤء من الرطوبة اعني مادة النوع و الجزء الواحد الذي من اليبوسة اعني صورة النوع و الأربعة اثر المشية و الجزء الواحد اثر الارادة ، و التقدير اول الخلق الثاني و هو مراعات نسبة الرطوبة و اليبوسة كما ذكرنا و مراعات مدّة مكثها في الهاضمة و قدر حرارتها في ايّ درجة من درجات الحرارة فانحلت اليبوسة اي الجزء اليابس في الرطوبة اي الأجزاۤء الأربعة لغلبة الرطوبة علي اليبوسة في الابتداۤء و انعقدت الرطوبة يعني الأجزاۤء الأربعة باليبوسة اي الجزء اليابس بمعونة حرارة الهاضمة لأنه قد تألف منهما حرارة و يبوسة في الجملة فحصل بهما الانعقاد في الجملة الذي هو هنا عبارة عن حصول غلظٍ مّا فيه بسبب ما انحل فيه من الجزء اليابس فاتّحدا بسبب انحلال اليبوسة بالرطوبة و انعقاد الرطوبة باليبوسة حتي كانا شيئاً واحدا يعني ماۤءً مشاكلا اي له ملايمة مع الأجزاۤء الارضية بسبب الجزء الأرضي المنحل فيه و ذلك ● بينهما من المشاكلة يعني ان الرطوبة اتّحدت باليبوسة المنحلة فيها لما بينهما من المشاكلة تعليل للاتحاد و المشاكلة الجامعة لهما هي كون الماۤء باردا و كون التراب باردا .
قلت فارتفع من ذلك البحر سحاباً مُزْجيً فتراكم تحت المشية فانحلّ من [ص 204] ذلك السحاب المتراكم بحرارة الارادة ماۤء فدفعه باسمه الباعث فوقع علي البلد الميت و الارض الجرز و هي ارض الجواز و العمق الاكبر فانحلّ منه جزءانِ بما يشاكله من ارض ذلك العمق الاكبر بجزءٍ فاخرج منهما تلك الزروع و الثمرات .
اقول فارتفع من ذلك البحر اي بحر البخار الذي صعد بحرارة الارادة و جذبته المشية بالاسم القابض الذي هو روح الطبيعة الكلية سحاباً مزجيً اي مرفوعاً الي العلوّ بالاسم القابض فتراكم يعني صار بعضه فوق بعض حتي كان سحاباً ثقالاً تحت المشية يعني في الأوّل ● الجبروت او في البرزخ بين الجبروت و بين الامكان الراجح اعني في عالم الأمر الذي هو اول فاۤئضٍ من الفعل الالهي فلما تراكم تحت المشية انعقدت ببرودة المشية سحابا فانحلّ من ذلك السحاب المتراكم بحرارة الارادة اي توجه الطلب بارادة الصنع و الايجاد ماۤء و هو المادة النوعية فدفعه باسمه الباعث اي بالاسم الذي طبعه البرودة و الرطوبة اعني طبع الحيوة لأن القوة الدافعة هي المركبة من البرودة و الرطوبة فوقع ذلك الماۤء المدفوع المساق علي البلد الميت و هي الأرض التي لا نبات فيها و الأرض الجرز المتهيئة للنبات و تلك الأرض هي ارض القابليات التي اشار اليها تعالي في تأويل آية بالبلد الميت و في تأويل الأُخري ● بارض الجرز و المراد بهما ارض القابليات و هي ارض الجواز تحت الامكان الراجح و العمق الأكبر الفضاۤء الذي لا نهاية له مقدرة و هذا العمق وصف بالأكبر بالنسبة الي الأعماق التي دونه لا مطلقا فان العمق الأكبر [ص 205] حقيقة مطلق ● هو الفضاۤء للامكان الراجح و انما اكبرية هذا العمق اضافية و قد تقدّم انّا نريد بالامكان الراجح الفعل اعني المشية و الاختراع و الارادة و الابداع و ما تحتها من افعاله عز و جل مكانها الامكان الراجح المطلق و العمق الأكبر المطلق و وقتها السرمد و يعبّر عنها بالوجود المطلق اي غير المقيّد بمعني انه لميتوقف في وجوده و ايجاده علي شئ غير نفسه لا كما يفهمه العوام من معني وجوب الوجود الذي ( الذين خل ) يصفون به المعبود تعالي الله عما يشركون و سبحانه و تقدّس عما يصفون فان الذي يشيرون اليه انما يصدق في اعلي مراتب ما يشيرون اليه علي عنوان فعله و اما الوجود المقيد الذي نحن بصدد بيانه فهو الذي يتوقف في وجوده و ايجاده علي شئ غير نفسه يعني يتوقف في وجوده علي مادة هي اثر للسابق عليها و هو المشية و الأثر هنا هو اول صادر عن المشية المسمّي بالماۤء الأوّل و النّفَس الرحماني و الحقيقة المحمديّة صلي الله عليه و آله و يتوقف في ايجاده علي المادة و القابلية التي هي الصورة و علي الفعل و الوقت و الكمّ و الكيف و الرتبة و الجهة و المكان فانحلّ منه جزءان بما يشاكله يعني انّ الماۤء الذي وقع علي الأرض الميتة و الأرض الجرز كان مركباً من اربعة اجزاۤء رطوبة و من جزء يبوسة فاتّحدا فكان ● ماءً واحدا فلما وقع ذلك الماۤء الذي كان مركباً من جزئين علي الأرض انحلّ منه اي من الماۤء الواقع الذي كان مركباً من الجزئين جزءان اه و لهذا اتي بالتثنية في بعض العباير يعني انحلّ من المجموع جزءان بما يشاكله من التراب و معني [ص 206] المشاكلة اوّلاً انّ ذلك التراب بينه و بين ذلك الماۤء مقاربة من جهة البرودة الجامعة لهما و من جهة ان في الماۤء جزءً ترابيا و ثانياً انه حين كان الماۤء جزئين يجب ان يكون التراب الذي ينحل فيه ليصير منهما المادة الغذاۤئية جزء اذ لو تساويا لماكان المجموع منهما مايعاً رقيقاً يجري في العروق و لو كان الماء ثلاثة اجزاۤء مثلا لرقّ الغذاء لقلّة الترابية فيضعف المغتذي به و يذوب لكثرة الماۤء و قلة الخليط ● فيضعف تماسكه فمعني المشاكلة في هذين الأمرين التقارب في الطبيعة و التقارب في الصفة فاخرج منهما تلك الزروع و الثمرات يعني انه تعالي اخرج من الجزئين اعني جزئي الماۤء و جزء التراب تلك الزروع و الثمرات و الزرع ( الزروع خم ) اشارة الي قوله تعالي أولميروا انا نسوق الماۤء الي الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه انعامهم و انفسهم افلايبصرون و الثمرات اشارة الي قوله تعالي سقناه الي بلد ميت فانزلنا به الماۤء فاخرجنا به من كل الثمرات .
قلت و ما فضل من رطوبته بعد تقديره و سقيه في ظلماتٍ ثلاثٍ يأخذه بالاسم القابض مع قدرِ رُبعِه من لطيف هباۤء ارض الامكانِ و يعمل فيه كما مر ذلك تقدير العزيز العليم و هو قوله تعالي و الارض مددناها و القينا فيها رواسي و انبتنا فيها من كل شئ موزون .
اقول يعني و ما فضل من رطوبة غذاۤء الزروع و الثمرات المشار اليها بعد ما يؤخذ منه لتقدير الغذاۤء و هو جزءان من الماۤء ينحلّان مع جزء من التراب و بعد ما يؤخذ منه لسقيه حتي يبلغ اوان تمامه في ظلمات [ص 207] ثلاث متعلق لسقيه و الظلمات الثلاث ظلمة البطن و هي في النبات بطن الأرض و ظلمة الرحم و هي في النبات بطن ساق الشجرة و النخلة و عود السنبلة و ما اشبه ذلك و ظلمة المشيمة و هي في النبات اكمام الطلع و عصف السنبل و ما اشبه ذلك و ما فضل من تلك الرطوبة بعد هذه الأمور اخذه باسمه القابض الذي هو روح اشعة الشمس التي تصعد الأبخرة من الأرض من الأنهار و البحار و الأرض ( الاراضي خم ) الرطبة مع قدر ربعها من اليبوسة الي طبقة ( الطبقة خم ) الزمهريرية فتعقدها سحاباً كما كان اوّلا ، هذا في الشهادة و في الغيب بهذا النحو الّا انّها هناك كلها معادن ● مجردة عن المواد الجسمانية و المدد الزمانية سواۤء كانت ذواتا ام صفاتا ● ذاتية ام افعالية لأنّ الأشياۤء كلها مشتركة في نوع الايجاد و التكوين علي وتيرة واحدة و لكنها في كل شئ بحسبه فيأخذ ذلك الفاضل عن التقدير و السقي في الظلمات الثلاث بالاسم القابض مع قدر ربعه من لطيف هباۤء ارض الامكان لأنّ غير اللطيف لاينحل في الرطوبة الا بعد تلطيفه و لكنه و ان امكن تلطيفه لكنه لايمكن اصعاده باشعة الاسم القابض مع بقاۤء مقتضي القوابل كما لايمكن اصعاد الصخرة ● الكبار و الجبال بالأشعة الشمسية و ان امكن في القدرة لكن مع تغيير مقتضي القوابل بان يجعل الجبل في مقدار خفّة الذرّة و سهولة ذوبانها و انحلالها و هو سهل في القدرة و لكنه لميكن الثقيل حينئذٍ ثقيلاً و الصليب صليبا ( و الصلب صلبا خم ) و قبض الشعاع قبض يسير ● بل لا بدّ من تغيير الأشياۤء عما هي عليه و ذلك منافٍ لمقتضي الحكمة الاجراء ( لأجزاۤء خل ) ( لاجراء خم ) الايجاد علي مقتضي الأسباب ليصح الاستدلال لأولي الألباب [ص 208] و المراد بهذا الامكان الامكان الجايز الذي هو محل الكاۤئنات لا الامكان الراجح الذي هو محل لمشية الامكانات فان الامكان الراجح و ان كان محلاً لمشية الأكوان و لكنه ليس محلاً لمتعلقاتها من الكاۤئنات لأنّ محل متعلقاتها من الكاۤئنات هو الامكان الجايز و اما الامكان الراجح فهو محل لمشية الامكانات و لمتعلقاتها من الامكانات فانها لاتخرج عن الامكان الراجح فاذا البستها ( البسها خم ) ثوب الكون نزل اللابس الي الامكان الجايز و بقي وجهه و اصله علي ما هو عليه في المحل الأعلي فاذا اجتمع الرطب مع اليابس انحلّ اليابس في الرطب و انعقد الرطب باليابس و ذلك في حالة الصعود ثمّ يتراكم و ينعقد سحاباً علي نحو ما ذكرنا سابقا الي آخر التقدير و السقي في الظلمات الثلاث و هلمّ جرّا ذلك تقدير العزيز العليم و ذكر الآية الشريفة تنبيه علي دليل ما ذكر من القرآن مثل قوله تعالي و انبتنا فيها اي في الارض من كل شئ موزون اي مقدر و التقدير كما سمعت مما اشرنا اليه فيما سبق و براهين هذا من دليل المجادلة بالتي هي احسن مذكورة في علم الطبيعي المكتوم من اراده طلبه من اهله و الله سبحانه وليّ التوفيق .
قلت و هذا الماۤء النازل من السحاب المتراكم هو الذي ذكره الله عز و جل في قوله تعالي و جعلنا من الماۤء كل شئ حيّ و هو الوجود المقيّد و هو من بعد المشيّة الي ما لا نهاية له من المشيّة و هذا الوجود المسمي بالماۤء علي هذا النحو المذكور يكون في كلّ شئ بحسبه .
اقول هذا بيان للوجود المحدث الذي منه خلق الأشياۤء و المراد به هو [ص 209] المادة الأولي لكل مخلوق لأنّ الذي فاض من فعل الله سبحانه هو النور الذي خلق منه الأشياۤء كما دلّت عليه النقول عن آل الرسول الفحول صلي الله عليه و آله و اشارت اليه طامحات العقول و قد قدّمنا سابقا انّ علامة المادة في صنع الشئ ان تدخل عليها لفظة مِنْ عند التعبير عنها فتقول صغت الخاتم من فضة و صنعت الباب من الخشب و خلق الله ابن آدم من التراب و من آياته ان خلقكم من تراب ثم اذا انتم بشر تنتشرون ، فالذي تدخل عليه مِنْ هو المادة و هذا بديهي لايحتاج الي تأمّل فظهر لمن نظر انّ اول فاۤئض عن فعل الله هو المادة و هو الوجود ، و الماهية هي الصورة لأنّ الصورة هي المعيّنة و المشخصة و بها تكون الانيّة الاتري ان الخشب الذي هو مادة للباب لايكون باباً و لاتلزمه احكامه لأنه كما يصلح للباب يصلح للسرير و للصنم و ما لايختص بشئ لايخصص و ما لايخصص لاتكون عنه الانيّة كذلك الوجود فانه مادة تصلح لزيد و لعمرو و لايتعين لأحدهما ( بأحدهما خم ) الا بالصورة المعيّنة و هذا الوجود هو الوجود الذي ذكره الله في كتابه علي نحو الاشارة فقال تعالي و جعلنا من الماۤء كل شئ حيّ و ذلك حين اطلق تعالي الميت علي القابلية التي هي الصورة فقال تعالي سقناه لبلد ميت يعني به الماۤء و قال ايضا فاحيي به الأرض بعد موتها كان المساق الذي هو الماۤء الذي هو المادة التي هي الوجود اذ الشئ لايتكوّن و لايحيي الّا بمادة و هو اي الوجود المقيّد اوّله العقل الكلي الذي هو اول مخلوق و هو الدُّرّة من بعد المشية يعني ابتداۤء كونه و تحققه مع اختلاف مراتبه و ( و هو خم ) كون بعضها [ص 210] اثراً لبعض من بعد المشية و ظاهر هذا دخول الحقيقة المحمديّة صلي الله عليه و آله و ارض القابليات في الوجود المقيّد و هو احد الاحتمالين و الاحتمال الآخر انّ الحقيقة المحمديّة صلي الله عليه و آله و ارض القابليات برزخ بين الفعل الذي هو الوجود المطلق و بين المفعول الذي هو الوجود المقيّد و وقته مركّب من السرمد و الدهر اعلاه من السرمد فعلي الاحتمال الثاني كما هو اولي ان الحقيقة المحمديّة و ارض القوابل لاحقتان بالفعل لتوقف ظهور الفعل عليهما و ان الوجود المقيّد اوله العقل الكلي و ان البعدية المذكورة اول ثبوتها وجود العقل و هو ما بعد المشية كما قلنا منبسطاً في مراتب تطوّراته الي ما لا نهاية له في رتبة ● من المشية لأنّه تنزّل الي ان وصل الي التراب حين قال له ادبر فادبر فلما قال له اقبل فاقبل اخذ يصعد في مراتب الاقبال فكان معدنا ثم كان نباتا ثم كان حيوانا ثم كان ملكا ثم كان جنا ثم كان انسانا ثم كان جامعا و هكذا الي المشية اي الي ما كان له من المشية لأنّ العقل لايصل الي المشية بغير واسطة و هذا الوجود اعني المقيد المسمّي بالماۤء كما تقدّم في كل شئ بحسبه ففي العقول نور مجرد عن المادة العنصرية و المدّة الزمانية و الصور الجوهرية و المثالية و في الأرواح نور مجرد عن المادة العنصرية و المدّة الزمانية و الصور النفسية و في النفوس كذلك لكنه ليس مجرّداً عن الصورة الجوهرية و في الطبيعة نور احمر بسيط ذائب مجرد عن متممات قوابل الاجسام و عن المواد العنصرية و في جوهر الهباۤء اي المواد المجردة عن الصورة المثالية نور منعقد لمتلزمه [ص 211] الصور المثالية و في المثال ابدان نورانية لا ارواح لها اي ليس لها مواد جوهرية و لا جسمانية و في الأجسام و الزمان و المكان انوار منعقدة لزمتها صورها و مدد مقدّرة و فراغات محدودة و في العناصر طبايع متزاوجة و في المعادن اصول من لطائف العناصر متألفة و في النباتات لطائف اغذية نامية و في الحيوانات شعلات فلكية حساسة و في الصفات هيئات ذاتية و حركات فعلية و صور ظلية و امثال ذلك و كل هذه و ما بينها من الوسائط و البرازخ و الأسباب و الأوضاع و النسب من الوجود المقيّد لأنها مقيّدة في ايجادها و تحققها باشياۤء من بعضها لبعض اقامها عز و جل بامره في سبعة امور مشية و ارادة و قدر و قضاۤء و اذن و اجل و كتاب لو تخلف عنها شئ لمتوجد فلذا كانت من الوجود المقيد .
قلت و مثاله اذا اردتَ ان تخبر من تخاطبه بقيام زيد اخذتَ من الهواۤء الذي هو امكان اللفظ هواۤء و هو مشتمل علي اربعةِ اجزاۤء من الرطوبة الهواۤئيّة و علي جزءٍ من اليبوسة الهباۤئيّة بالقوة القابضة الي جوفك الذي هو نقطة قلبك اي وجهه في الهواۤء فتؤلّف منهما بعد التقدير بالضغط و القلع و القرع حروفاً مشتملةً علي الاجزاۤء الخمسة متّصِفةً بصفات ماۤدّة مقصودك فتؤلّف منها لفظا هيئته كهيئة مقصودك فتدفعه الي الهواۤء الذي هو مكان امكانه فيقع جزءانِ من رطوبةِ لفظك و هي ماۤدّته المناسبة لماۤدّة مقصودِك و جزء من يبوسته و هي هيئته المناسبة لهيئة مقصودِك علي ما يشاكله من ارض هذا العمق و الجرز و هو الهواۤء لانه هو الذي يحفظ لفظك و يوصله الي اذن مخاطبك .
[ص 212] اقول قولي اخذت من الهواۤء الذي هو امكان اللفظ يعني به ان الهواۤء المعروف بالنسبة الي اللفظ المعروف كالامكان بالنسبة الي المواد فان اصول المواد الكونية منبثّة في فضاۤء الامكان كالهواۤء الذي هو اصل مواد الألفاظ الصوتية فانه اي الهواۤء المنبثّة ● في فضاۤء الامكان و هو يشتمل علي اربعة اجزاۤء من الرطوبة الهواۤئية كما مر ذكره و هذه هي مادة وجود المادة النوعية للّفظ و صورتها النوعية التي بها تقوم المادة النوعية هي هذا الجزء اليابس فكانت المادة النوعية للأشخاص التي تحتها من هذين الجزئين اللذين احدهما الأربعة الأجزاۤء الرطبية ( الرطبة خم ) و ثانيهما الجزء اليابس كما تكون المادة النوعية للكتابة من الزاج و العفص و اخذ ذلك بالقوة القابضة اعني به الجذب الي جوفك و انما اوصلته الي جوفك بالجذب لتتمكن من اخراجه و دفعه الي فضاۤء الهواۤء بالتدريج ممتدا و تتمكن من تفصيله الي ما تريد من الحروف فتقطع منه الحروف التي تريد تأليفها للدلالة علي مقصودك لما بينهما من المناسبة الذاتية و المطابقة الوصفية و بهذه الحروف التي هي مادة لفظك حيوته اي قوامه و حصول الدلالة به لما بينهما اي بين المادتين اعني مادة لفظك و مادة مقصودك من المناسبة الذاتية و المطابقة الوصفية و بصورة لفظك حيوته بالمعني المذكور لما بين صورة لفظك و صورة مقصودك من المناسبة الذاتية و المشابهة الصورية فتؤلف منهما بعد التقدير يعني بعد ( عند خم ) تقدير الحروف بان تشتق من الهواۤء ما يناسب المقصود من الشدّة و اللين و الجهر و الهمس و الاخفاۤء و الظهور و القلقلة و التفشي و ما اشبه ذلك و [ص 213] تؤلفها علي هيئة المقصود في حركاتها و سكونها ( سكناتها خم ) و تقديم بعض و تأخير بعض كما قال اهل العربية ان مادة لفظ ضَرَبَ الفعل الماضي تدلّ علي الحدث و هيئته تدلّ علي الزمان و تقديرها في اشتقاقها بالضغط يعني تضييق المخرج كالشين و الصاد و القلع كالطاۤء و القاف و القرع كالميم و النون فاذا الّفت حروفا مشتملة علي الأجزاۤء الخمسة اربعة المادة و واحدة الصورة متّصفة بصفات مقصودك كما ذكرنا فتؤلّف منها لفظاً هيئته كهيئة مقصودك فتدفعه الي الهواۤء الذي هو مكان امكانه و محل تكوينه فيقع يعني من ذلك المؤلّف جزءان من رطوبة لفظك رطوبة الأجزاۤء ( الاجزاء الاربعة خم ) الرطبة و جزء من يبوسة يبوسة الجزء اليابس علي ما يشاكله الخ ، و في بعض العباير من الرسائل اقتصرنا علي ذكر الجزئين من الرطوبة قلنا ( و قلنا خم ) فيقع جزءان من رطوبة لفظك بدون قولنا و جزء من يبوسة يعني فيقع من ذلك المؤلف ( المؤلف جزءان خم ) اي من مجموعه المركب من الخمسة المذكورة من رطوبة لفظك و انما قلنا من رطوبة لفظك مع ان فيه جزءً يابسا لأنه انحلّ في الرطوبة فكان ماۤءً مشاكلا كما مرّ و هي ان ● المادة الرطبة التي هي الجزءان مادته المناسبة لمادة مقصودك اعني الاخبار بقيام زيد علي ما يشاكله يعني يشاكل هذا الواقع من ارض هذا العمق و الجرز و هو الهواۤء كما مرّ مكرّراً لأنّه يعني الهواۤء هو الذي يحفظ لفظك و يوصله بدفعك و حماية العقل له عن التهافت و الفناۤء عند البُعد او شدّة الهواۤء او الحجاب فيما لايبلغ الافراط الشديد و يوصله اي يوصله ● ذلك الهواۤء لأنّه محله الذي يقوم به و ينتقش فيه صورته و يتموّج به الي ان يوصله [ص 214] بمعونة الدافع و الحامي و الحافظ الي اذن مخاطبك الذي تريد افهامه قيام زيد كما يأتي .
قلت ليرتسم في الحسّ المشترك منه صورة مادة لفظك و صورة هيئته فانه للفظك كالام للجنين و كالارض للماۤء الذي ينزل من السحاب فينبت به النّبات فوقع من لفظك ماۤء علي ارض ذلك المعني و هذا الماۤء هو الوجود لذلك المعني و هو دلالة لفظك بماۤدّته و هيئته الواقعة في الحسّ المشترك الذي هو الام فينبت المعني في بطن تلك الام و هو الخيال بذلك الماۤء الذي هو الدلالة و يحيي بها و لميك ذلك المعني قبل تلك الدلالة شيئا لان الشئ انما سمّي شيئا لانه مُشَاۤءٌ و المشية هي اصل الارادة فافهم .
اقول نريد ان الهواۤء يحفظ اللفظ و يوصله بواسطة العقل الي اُذنك ليرتسم من تلك الاصوات المصوّرة بالهيئات المحصوصة ( بالهيئة المخصوصة خل ) القارعة لطبل اُذنك باصوات حروف ذلك اللفظ في الحس المشترك الذي هو برزخ بين الشهادة و الغيب صورة مادة لفظك و صورة هيئته و هي صورة برزخية مكانها من ارض الاقليم الثامن و اسفلها علي محدّب محدّد الجهات و اعلاها في اسفل الدهر متصلاً بالجسم الذائب اعني جوهر الهباۤء و المواد الجسمانية قبل تعلق الصور بها فان الحسّ المشترك بالنسبة الي ما يقع فيه من صورة مادة اللفظ و هيئته بمنزلة الأمّ للجنين و بمنزلة الأرض بالنسبة الي الماۤء النازل من السحاب لانبات النبات فوقع من لفظك ماۤء و هو دلالته علي المعني علي ارض ذلك [ص 215] المعني و هي النفس التي هي لوح الصور صور المعلوم ● و المراد بالمعني هنا ليس هو المعني الاصطلاحي الذي يكون في العقل و هو ذات نورانية مجردة عن المادة العنصرية و الصورة النفسية و المثالية و المدّة الزمانية و انما المراد بهذا المعني ما ينتقش في النفس من دلالة اللفظ و قابلية النفس و هو يحدث فيها بعد وقوع دلالة اللفظ عليه في النفس و ليس هذا المعني قبل ذلك شيئاً اصلا كما قال الرضا عليه السلام للمأمون في بيان ان الحروف ليس لها معان الا انفسها قال عليه السلام لأنّها ● لايؤلّف منها ثلاثة حروف او اربعة او اقل من ذلك او اكثر الا لمعني محدث لميكن قبل ذلك ه ، و ذلك لأن النفس متهيّئة لانتقاش الصور عند ادراك اسباب ايجادها فاذا ادركت اللفظ و هيئته بان وقع عليها دلالته انتقش فيها صورة ما دلت عليه دلالة اللفظ المسموع من صورة مادته و صورته كما مرّ فاللفظ كالسحاب و دلالة مادته و صورته كالمطر النازل من السحاب و النفَس هي الأرض الميتة فاذا نزل عليها الماۤء الذي هو الدلالة تنبت ارض النفس و قابليتها بثمرات الماۤء و هذا الماۤء هو الوجود الذي منه تكوّن ذلك المعني لأنه هو دلالة اللفظ بمادته و هيئته علي ذلك المعني و هذه الدلالة هي الواقعة في الحس المشترك ثم منه الي الخيال ثم منه الي النفس فالحسّ المشترك هو الأمّ اي امّ ذلك المعني المتولد في النفس من تلك الأم و الخيال هو بطن تلك الأم الذي ينبت فيه المعني بذلك الماۤء الذي هو تلك الدلالة و يحيي بها لأنه هو شأن الماۤء و لميكن ذلك المعني قبل تلك الدلالة شيئا [ص 216] كما سمعت عن الرضا عليه السلام و كيف يكون شيئاً قبل ان يكون مشاۤء لأنّ الشئ انما سمّي شيئاً لأنه مشاۤء و قد اشار الي هذا المعني اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبة يوم الغدير و الجمعة في الثناۤء علي الله قال عليه السلام و هو منشئ الشئ حين لا شئ اذ كان الشئ من مشيته ، فاشار عليه السلام الي جهة اشتقاقه من المشية و انما قال من مشيته و لميقل من ارادته لأنّ المشية هي اصل الارادة .
قلت : الفائدة السابعة اعلم انه لما نزل الماۤء الاول المسمّي بالوجود المقيد علي ارض الجرز تكوّن منه الشئ في ستة ايام الكم و الكيف و الوقت و المكان و الجهة و الرتبة ليس شئ منها في الظهور قبل الاخر و انما هذه مع الماۤدة التي هي حصة الوجود و مع الصورة التي هي حصّة الماهيّة هي الشئ ظهر الجميع دفعة لان كل واحد من هذه الثمانية شرط لكلها في الظهور و الشئ الموجود مركب من الوجود و الماهية و الستة قيود مقوّمات لها .
اقول لمّا اشرنا الي تكوين الخلق الأوّل المعبّر عنه بالهيولي و بالمادة النوعية اشرنا في هذه الفاۤئدة السابعة الي تكوين الخلق الثاني الذي تلبس فيه الأفراد و الحصص الصور الشخصية و هي رتبة القدر من الأفعال الالهية و فيه التكليف الأوّل و عالم الذر و السعادة و الشقاوة و الاجابة و عدمها فقلتُ ان كل شئ انما يتكوّن في ستة ايام و ذلك من قوله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و قول الصادق عليه السلام العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما فقد [ص 217] في العبودية وجد في الربوبية و ما خفي في الربوبية اصيب في العبودية ه ، و قول الرضا عليه السلام قد علم اولوا الألباب ان ما هنالك ( ان الاستدلال علي ما هناك خم ) لايعلم الا بما هيٰهنا ه ، فلما نظرنا الي الآفاق و الي انفسنا و الي العبودية التي هي كناية عن الآثار و الأعراض و الأظلة و الي الربوبية التي هي كناية عن المؤثرات و المعروضات و ذوي الأظلة و الي ما هيٰهنا وجدنا قول الله سبحانه خلق السموات و الأرض في ستّة ايام يعني في ست رتب العقل و النفس و الطبيعة و المادة و المثال و الجسم و قيل ( قيل هي خم ) الفصول الأربعة و المادة و الصورة و وجدنا الانسان كذلك خلق في ستة ايام اي في ستّ رتب النطفة و العلقة و المضغة و العظام و يكسي لحما و ينشئ خلقا آخر بان تنفخ فيه روح الحيوة فعلمنا حيث كان الصانع عز و جل واحداً و الصنع واحداً ( واحداً قال تعالي خم ) ما خلقكم و لا بعثكم الا كنفس واحدة و قال ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و الحكمة في الكل واحدة علمنا ان ما هنالك كما هيٰهنا كما ذكر الرضا عليه السلام فلذا قلنا فلما وقع الماۤء الذي نحن بصدد ذكره علي ارض الجرز اي ارض القابليات تكوّن منه الشئ اي من الماۤء و من الأرض اذ الصورة منها في ستة ايام يعني في ستّ رتب اليوم الأول يوم الكمّ و اريد به القدر الجوهري اي قدر المادة قلةً و كثرةً لا الكمّ الاصطلاحي فانه من الأعراض و ان كان هو جسم نوراني ( جسما نورانيا خم ) لكن اهل البيت عليهم السلام يسمّونه ظل النور و انه عندهم بدن نوراني لا روح له اي لا مادة فيه و اليوم الثاني الكيف بجميع انواعه و اليوم الثالث الوقت في كل شئ بحسبه فالأجسام وقتها الزمان و لطيفه [ص 218] للطيف الأجسام كمحدّد الجهات و متوسطه لمتوسطها كالأفلاك السبعة و كثيفه لكثيفها كالأرض و العقل و الروح و النفس و الطبيعة و جوهر الهباۤء اعني المادة قبل تعلّق الصورة بها وقتها الدهر لطيفه للعقول اعني الجبروت و متوسطه للنفس و كثيفه لجوهر الهباۤء و المشية و الارادة و القدر و القضاۤء و باقي الأفعال وقتها السرمد لطيفه للطيفه كالمشية و متوسطه لمتوسطه كالقدر و كثيفه لكثيفه كالقضاۤء و الامضاۤء و اليوم الرابع المكان و هو ظرف للحالّ فيه و يكون من نوعه فكان ( فمكان خم ) السرمديات سرمدي و الدهريات دهري و الزمانيات زماني و اليوم الخامس الجهة و هي وجه الشئ الي اصله و الي توجهه اليه و هي جهة الاستمداد من مبدئه و اليوم السادس الرتبة و هي مكان الأثر من مؤثره في القرب و البعد و هذه الستة المسمّاة ( المسميات خم ) بالأيام هي اطوار المحدث كما قال تعالي و قد خلقكم اطوارا و ذلك جارٍ في كل مخلوق و هي متممات للقابلية و الصورة و لهذه الستة لواحق و توابع و متممات لها و مكملات و هي كثيرة و اصل اللواحق الوضع بانواعه الثلاثة الّا انّ النوع الأول و هو الكون في محل يدخل في المكان و اما الآخران و هما نظم اجزاۤء الشئ المصنوع و ترتيبها بالنسبة الي بعضها من بعض و الثاني نظمها و ترتيبها كذلك بالنسبة الي الأمور الخارجة عنه و الاذن اذ لايخرج المصنوع من كتم العدم الامكاني الي الوجود الكوني الّا باذن من الله و ان تمّت له جميع اسبابه بقي محبوساً علي باب فوّارة القضاۤء الالهي حتي يؤذن له بالخروج و الأجل بمعني انه يبقي محبوساً علي [ص 219] الوقت المؤجل له و هو وقت الخروج من الامكان الي الكون و مدة بقائه في الوجود الكوني و وقت خروجه عن ( من خم ) الكوني الي الوجود الامكاني و الكتاب بمعني انه منذ نزل من الخزانة الأولي ( الخزانة العليا خم ) الي ان وصل الي عالم الكون و الظهور كل مقام مر عليه انتقشت فيه صورته من نوع ذلك المقام و رتبته و هذه الكتب هي خزائنه التي اشار تعالي اليها بقوله و ان من شئ الا عندنا خزائنه و ماننزّله الا بقدر معلوم و منها النسب الخارجية و الاضافات و وجودات ( وجود خم ) المقارنات و غير ذلك و هذه الأمور المتممات و اللواحق مع المادة و الصورة كل واحد منها وجوده شرط لوجود كلها فتلزمها المساوقة في الظهور بحيث لايتقدم شئ منها علي الباقين و لايتأخر و الشئ بقول مطلق مركب من الوجود و الماهية الّا انّ الماهية التي هي القابلية صورة ذلك الشئ و هذه الصورة مركبة من حدود هندسية و تلك الحدود هي هذه الستة المذكورة و لواحقها المشار اليها و هذا ظاهر لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد .
قلت و انما ذكرنا الستة خاصة لانّ غيرها كالاوضاع و الاذن في الظهور و اجل الفناۤء و الكتب الحافظة لهذه المذكورة من حيث هي حافظة و من حيث هي محفوظة و كالامضاۤء الذي هو شرح العلل و الاسباب و غير ذلك كلها راجعة الي السّتة .
اقول و انما ذكرنا الستّة خاصة لأن غيرها يرجع اليها و لو باعتبار و لأجل ان بعضها لما كان قد لايدخل ظاهراً فيها اي في المقوّمات نبّهنا علي بعض الذكر ليتوجه الأفهام الي دخولها من غير ان نطيل الكلام بذكر [ص 220] الدخول اذ ربما استلزم ( يستلزم خل ) التطويل او ذكر ما يتوقف في بيانه علي التطويل و نريد من الأوضاع ما هو اعمّ من الوضع الاصطلاحي المعروف من النسب و الاضافات و الاذن لها في الظهور كما اشرنا اليه سابقا لأنّ الشئ اذا شاۤء الله كونه و اراد عينه و قدّر حدوده و قضي تركيبه بقي علي باب الوجود المقيد واقفاً حتي يؤذن له في الخروج من الامكان الي الكون و كذا كل جزء من اطواره فلايخرج من كونه الي عينه الا باذن و من عينه الي قدره و من قدره الي قضاۤئه و من قضاۤئه الي امضاۤئه الّا باذن و اما الأجل فكما مرّ يعني ان الشئ له في كل طور من اطواره مدة من وقته من سرمد او دهر او زمان اذا قطعها خرج منها الي ما دونها في ادباره و الي ما فوقها في اقباله اذا جاۤء اجلهم فلايستأخرون ساعة و لايستقدمون و قولي و اجل الفناۤء ، شامل لكل مرتبة بمعني انه اذا فني اجل بقاۤئه في طور اذن له في الخروج منه الي ما بعده صعوداً و نزولاً و الكتب الحافظة للشئ في جميع اطواره عبارة عن نقش ذلك الطور في اظهار لوح رتبته و ذلك النقش كتاب حافظ لما بعده محفوظ لما قبله و لذا قلنا من حيث هي حافظة و من حيث هي محفوظة و الامضاۤء اظهار ما قضاه ( ما قضي خل ) مبيّناً مشروح العلل و الأسباب ليستدل به علي رب الأرباب و غير ذلك كالكتب المشار اليها سابقا و كالأوضاع و النسب و كلها راجعة الي الستّة المذكورة بنحو ما قلنا .
قلت فلهذا اقتصرنا علي ذكرها في ذكر البدء لانّ الاوضاع لازمة للمكان و الجهة و الرّتبة و الاذن و الاجل لازمان للوقت و ٱلكتب لازمة للستة و [ص 221] الامضاۤء لازم لما سبق و متفرع عليه لان حصول هذه الستة للماهية و الوجود و لوازمها المشار اليها يلزم منه الامضاۤء في الحكمة و يتفرع عليها و الباقي ان شاۤء اللّه تعالي نذكره فيما بعد .
اقول الوضع لازم للمكان كالوضع في الجوهر الفرد لأنه بسيط فلايكون فيه ترتيب بين اجزاۤئه فالوضع فيه انما هو المكان و يدخل قسمان ● الأخيران و هما الترتيب بين اجزاۤء الشئ بعضها الي بعض و بين اجزائه و غيرها من الخارجة عنه كالقيام انما يتحقق اذا استقامت فقرات ظهره و كان رأسه مما يلي السماۤء و رجلاه مما يلي الأرض و لهذا لو استقامت فقرات ظهره و هو ناۤئم فانه ليس بقاۤئم اذ رأسه ليس الي السماۤء و رجلاه ليس الي الأرض في المكان و الجهة فكان الوضع مستلزماً للمكان و الجهة و كذلك الرتبة و يلزم الأذن و الأجل للوقت اما الاذن فانه يقع في انتهاۤء الوقت الأوّل و ابتداۤء الثاني و اما الأجل فقد اشير الي لزومه له في الجملة سابقا و الكتب لازمة للستّة لأن كل شئ فهو كلمة مكتوبة في محله و وقته بما هو هو و في غيب محله و وقته بمثاله بما هو مثال و كلها من حروف اللوح المحفوظ و كلماته فالستّة كتب في نفسها اذ الكتاب حقيقة هو النقش لا القرطاس كما قال تعالي و لو نزّلنا عليك كتاباً في قرطاس و قال تعالي و كتاب مسطور في رقّ منشور و اما الامضاۤء فلازم لما سبق من الكون و العين و القدر و القضاۤء اذ ما لميمض لميكن فلايتحقق شئ الا بالامضاۤء و لأنّ كل شئ لايخرج الي الوجود الكوني الّا و هو علة لشئ و معلول لشئ و دليل علي شئ و مدلول عليه [ص 222] لشئ و ظل لمؤثره و ذو الظل لأثره فيكون في نفسه شارحاً و مشروحا فيصدق عليه تعريف الامضاۤء في حديث الكاظم عليه السلام و هذا معني قولي و يلزم منه الامضاۤء في الحكمة لأن ما لميمض لميكن فكونه دليل امضاۤئه و قولي يلزم منه الامضاۤء في الحكمة ، اشارة الي ان ما وجب بفعله لميكن واجباً عليه اذ كل ممكن لايكون عنده تعالي واجباً في حال و لميخرج عن امكانه ابدا نعم قد يجب في الحكمة كما اذا ترجح ايجاد الشئ في نفسه او لشئ من معيناته فانه تعالي اجري حكمته ان يوجده لطفاً لعبده و رحمةً له لأنه اذا ترجح ايجاده بنفسه او بشئ من معيناته فقد سَئَلَ الكريم الوهّاب بصدق قابليته فاتي الدعاۤء من بابه فوجب في الحكمة بجريان اللطف و الرحمة ان لايردّ سائله لوعده في صادق كلامه ادعوني استجب لكم فهذا معني لزوم الامضاۤء في الحكمة لأنّه فيما نحن فيه اذا قضي شيئا فقد تمت قوابل اكوانه اعني الكون و العين و القدر و القضاۤء فحين تمت الأكوان و قوابلها بامضاۤء كل منها استحقت اظهارها مبيّنة مشروحة العلل في الحكمة فلزم فيها الامضاۤء لأنه في آخر مراتب الشئ متفرّع عليها و الباقي من المتممات و المعيّنات ان شاۤء الله نذكره فيما بعد لأني كنت عزمت علي ذكر اشياۤء من الأسباب حين كتابة الفوائد ثم عدلت عن ذلك لأن في بعضها ما تنحطّ عن نيله الأفهام .
قلت ثم اعلم انه قد اختلف في الشئ اختلافا كثيراً و يرجع ذلك الي اربعة اقوال و لا عبرة بذكر غيرها الاول ان الشئ هو الوجود و الماهية عرض حال بالوجود الثاني ان الشئ هو الماهيّة و الوجود عرض [ص 223] علي الماهية الثالث ان الشئ هو الوجود و الماهيّة انما هي بتبعيّة الوجود الرابع ان الشئ هو الوجود و الماهية فهو مركّب منهما .
اقول اعلم ان الأقوال في ان الوجود و الماهية ما هما و ان الشئ هل هو احدهما و ايّ شئ هو ام هما معاً متكثرة جدا من اراد ان يعرف كلام اميرالمؤمنين عليه السلام العلم نقطة كثّرها الجاهلون او الجهّال علي اختلاف الرواية ● فلينظر الي تلك الأقوال في كتبهم و النقطة التي في هذه المسئلة ما اخذ عن العلماۤء الذين لايجهلون و الذاكرين الذين لاينسون و المعصومين الذين لايخطؤن صلي الله عليهم اجمعين و الاشارة الي ذلك علي جهة الاختصار و الاقتصار ان الوجود هو الفاۤئض عن فعل الله سبحانه لا من شئ فيجب ان يكون جوهرا اذ لو لميكن جوهراً لكان عرضا للانحصار فيهما و لو كان عرضاً لاستلزم سبق معروضه و الوجود منه خلق جميع المخلوقات و قد قدّمنا ان مدخوله ● لفظة مِنْ في نحو هذه العبارات التي تبين بها المقاصد هو المادة كما تقول صنعت الخاتم من الفضّة و البابَ من الخشب و قد صرّح بذلك الصادق عليه السلام في الحديث الذي سبق و لأنّ السابق من اجزاۤء الشئ يجب ان يكون اقوي ذاتياته و لايصحّ غير هذا فاذا تحقق انّ كل ممكن زوج تركيبي وجب ان يكون الممكن المخلوق مؤلفا و التأليف لايكون بلا مادة يؤلف منها فهي سابقة علي التأليف و التأليف هيئة تحدث للمؤلف فثبت ان كل ممكن مركب من مادة و صورة يحدثها الصانع في المادة و المادة هي اوّل ما يوجد بنفسها فهي الوجود عند من له وجدان و الماهية هيئة ذلك [ص 224] الوجود ثمّ الخلق قسمان خلق اول و هو خلق المادة كعمل المداد للكتابة و خلق ثانٍ و هو عمل الكتابة و هذا هو العلم بالوجود و معرفته و هو نقطة و اما ان الممكن زوج تركيبي فهو حق و لكن المطلوب معرفة ذلك و العلماۤء و الحكماۤء اختلفوا في الشئ الممكن ما هو هل هو الوجود و الماهية عرض حالّ بالوجود و هذا قول اهل التصوّف و اكثرهم علي ان الوجود هو الله و انه تعالي يتطور بالأطوار الخلقية و يلبس الصور و يخلعها من غير ان يتغير في نفسه قال شاعرهم :
و ما الناس في التمثال الّا كثلجة و انت لها الماۤء الذي هو نابع
و لكن يذوب الثلج يرفع حكمه و يوضع حكم الماۤء و الأمر واقع
و قال بعضهم ان وجود الأشياۤء هو المشية و قد اشار الرضا عليه السلام الي ذلك في الردّ علي سليمان المروزي قال عليه السلام هذا قول ضرار و اصحابه فانهم يقولون ان المشية تأكل و تشرب و تنكح و تحيي و تموت ه ، نقلت بعض معناه و هذا القول بوجهيه باطل و قيل الشئ هو الماهية و الوجود عرض حالّ بالماهية و هذا قول المشّائين و المتكلمين و هذا ايضاً باطل لأن الماهية هي هوية الشئ ( هوية المحدث خم ) و انيته و لايصحّ ان تكون سابقة علي الوجود لأنها اذا جعلت اصلاً و الوجود عارضاً عليها وجب ان تكون سابقة علي الوجود و لاتكون سابقة ( سابقة عليه خم ) الا بوجود فيلزم التسلسل علي انّا اذا رجعنا الي الضرورة وجدنا الماهية في السرير لاتتحقق قبل مادته و لاتوجد مع وجود المادة بل توجد المادة و لميكن سريرا اذ لايتحقق السرير الّا بالصورة العارضة للماهية و هو علي العكس مما قالوا [ص 225] و الا لوجدت ماهيته التي بالصورة حدثت قبل وجود الخشب الذي هو المادة فيلزم ان توجد الصورة قبل الخشب و ان تكون الصورة هي المعروض و المادة عارضا و الضرورة قاضية بوجود الخشب قبل السرير و بانّ ماهية السرير انما توجد بالصورة العارضة و بان العارض مسبوق بالمعروض و بانّ اوّل صادر من فعل الله هو المعروض و بانّ الانية و الماهية مسبوقة بالشيئية و الشيئية مسبوقة بالمادة التي هي متعلق الصنع فبالصنع حدثت المادة و في المادة حدثت الصورة التي بها الشيئية التي تلزمها الماهية و الانيّة فظهر لمن نظر ان الوجود هو المادة و ان الماهية هي الصورة و انها تابعة للمادة و المادة سابقة عليها و لاتكون الصورة معروضة للمادة و توهمهم ان الوجود و الماهية زايدان علي المادة و الصورة توهم باطل لايكون جارياً عن حكمة و لا هدي و لا كتاب منير و كيف يقولون الانسان حيوان ناطق و يقولون هو حدّ حقيقي تامّ لأنه جامع لكل ذاتيات المحدود و يقولون حصة الحيوان هي المادة و حصة الناطق هي الصورة فاين الوجود و اَيْن الماهية فان كانا خارجين عن الذاتيات فالشئ ليس هو الوجود و لا الماهية و ان كانا هما المادة و الصورة فالماهية ليست هي الشئ و الوجود عارض عليها كما ان الصورة ليست هي الشئ و المادة عارضة عليها و القول الثالث ان الشئ هو الوجود و الماهية انما هي بتبعية الوجود اي انما حدثت بتبعية الوجود و الّا فليست من الشئ بل ليست مجعولة و لا شمّت راۤئحة الوجود فالشئ انما هو الوجود وحده و هو قول لبعض الاشراقيين [ص 226] و هذا القول مثل الأولين في البطلان لأن الماهية اذا لمتكن شيئاً لميكن الممكن زوجاً تركيبيّا و ان كانت شيئاً و لكنها غير مجعولة فاسوء حالا لأنه يلزمهم ان يكون الممكن بسيطاً و ليس زوجاً تركيبيا و ان كانوا يقولون انه هو مركب و لكنه من حادث و قديم فهو القول الأوّل او مثله في الفساد لأن القديم ينافيه مطلق التركيب و مجامعة الحادث و ان قالوا انها لمتكن بجعل مختص بها بل هي مجعولة بجعل الوجود فهذا باطل لأن الجعل في نفسه ان كان بسيطاً ليس له ● الّا جهة واحدة و اعتبار واحد و حيثية واحدة فلايصدر عنه شيئان متضادّان فليست مجعولة اصلا فاِمّا ان تكون قديمة و اِما ان لايكون ( لاتكون خم ) شيئا و كلا الأمرين باطل اذ القديم ● ينافي التركيب و عدم كونها مجعولة بمعني انها ليست شيئاً ينافي كون الممكن زوجاً تركيبيّا و ينافي كون الشئ شيئا اذ لا شيئية لمن لا ماهية له و الواجب تعالي ماهيته نفس وجوده لا انه لا ماهية له و اثباتها اعتباراً و ذهناً لايثبتها خارجا و اذا لميثبت خارجاً لميكن الشئ ذا ماهية و ايضاً الشئ يصدر عنه ميلان ( فعلان خم ) متضادّان و ذلك يدل علي كونه مركباً من ضدّين فان زيداً يفعل الطاعة و يفعل المعصية و يقولون ان الطاعة تنشأ من الوجود و المعصية من الماهية فاذا لمتكن الماهية شيئاً كيف تصدر عنها المعصية و المعصية شئ فكيف يصدر الشئ ( شئ خل ) من لاشئ و القول الرابع ان الشئ هو مركب من الوجود و الماهية لأنه ممكن و كل ممكن زوج تركيبي و قد نصّ القدماۤء من الحكماۤء الالهيين ان كل حادث فله اعتباران اعتبار من ربّه هو حقيقة ● من ربّه و [ص 227] هو الوجود و اعتبار من نفسه و هو حقيقة ● من نفسه و هو الماهية و هذا مما لا ريب فيه لأنّه لو لميكن هو ● جهة من ربّه لاستغني عنه سواۤء اريد بالجهة مادته و ايجاده ام احدهما و لو لميكن ● جهة من نفسه لميكن هو ايّاه بل لميكن شيئاً اصلا اذ جهته من نفسه هي شيئيته و هويته و انيته و كل ما يرد علي الأقوال الثلاثة المتقدمة فهو دليل لهذا القول و هو الحق و الجامع لثبوت التركيب هو ان الشئ المخلوق لايتحقق الّا بفعل و انفعال و الفعل من الفاعل و الانفعال من نفس المخلوق و ذلك مثل خَلَقَهُ فانخلق فالوجود الذي هو المادة مِن خَلَقَ و هو الذي من ربّه و الماهية التي هي الصورة مِن انخلق و هو الذي من نفسه و حيث لايتحقق الفعل الا بالانفعال كالكسر مع الانكسار لايتحقق الوجود الّا بالماهية فان فهمت الحق من هذه العبارات المكرّرة المرددة فانت من الواصلين اليه في المسئلة و الا فلاتفهم من غيرها .
قلت لان الوجود شرط كونه صدوراً و استمراراً الماهية و الماهية شرط تكوّنها انصداراً و استمراراً الوجود فما داما موجودين منضمين فالشئ موجود و لا شيئية للشئ مع فقد احدهما و لا للاخر و الوجود ماۤدة لنفسه و صورته لنفسه ارتباط الماهيةِ به و الماهيةُ ماۤدّة لنفسها و صورتها ربطُ الوجود بها قال الله تعالي هن لباس لكم و انتم لباسٌ لهنّ فهما الشئ فهو مركب منهما ابداً .
اقول بعد ان ذكرت ان الشئ هو الوجود و الماهية و انه مركب منهما ابدا اذ لايمكن تحقق احدهما بدون الآخر لأنّ كل شئ ممكن زوج تركيبي [ص 228] ذكرت بعض ما يتفرع علي ما ذكرنا و بعض اسباب ذلك و جواب اعتراض اورد علي قولنا انّ كل ممكن زوج تركيبي يعني انه مركب من مادة و صورة و هو انّه اذا قيل كل ممكن مركب من المادة و الصورة يعني الوجود و الماهية فالوجود نفسه ممكن فهو اذاً مركب من المادة و الصورة ، و الماهية نفسها ممكنة فهي اذا ايضاً مركبة من المادة و الصورة بل و الصورة في المرآة ايضاً مركبة من المادة و الصورة و يلزم التسلسل و الجواب امّا عن الأوّل يعني ان احدهما لايتحقق بدون الآخر لا في اصل صدوره و لا في استمراره فلأنّا قد قرّرنا انه لايمكن تحقق الممكن المخلوق بدون الاعتبارين اي اعتبار من ربّه و اعتبار من نفسه و هذا اللحاظ جارٍ معتبر في صدور الشئ و استمراره لأنّه متقوّم بفعله قيام صدور في الصدور و في البقاۤء كما تري من تقوم النور بالمنير و الصورة في المرآة بالمقابلة و اما الجواب عن تقوّم احدهما بالآخر و انه لايمكن ان يكون المخلوق بسيطاً مطلقا فلأنّ المخلوق لما لزم ايجاده الفعل و الانفعال و هما متضادان لأنّ الفعل من الفاعل و الانفعال من المفعول او الفعل بالتكوين نازل من العالي الي السافل و الانفعال بالتكوّن صاعد من السفل الي العلو و الفعل جهة الفناۤء الذي هو البقاۤء و الانفعال جهة البقاۤء الذي هو الفناۤء و الفعل منشأ الفقر الذي هو الاستغناۤء و الانفعال منشأ الاستغناۤء الذي هو الفقر و الفعل مبدأ الموافقة و الطاعة و الانفعال مبدأ المخالفة و المعصية تعذّر قيام الشئ المحدث بدون ما لايتحقق الّا به من نحو ما ذكرنا اذ البساطة تنافي اختلاف الجهتين [ص 229] اللتين لاينفكّ الحادث عنهما و لو شاۤء الله شيئاً كان ما شاء و لكنه بطور فوق طور ما تدركه العقول و الي عدم ايجاد بسيط و الي امكانه في مشية الله اشار الرضا عليه السلام بقوله ان الله لميخلق شيئاً فرداً قائماً بذاته دون غيره للذي اراد من الدلالة عليه ه ، و امّا ان كل واحد منهما مركب من المادة و الصورة حتي الصورة في المرآة مركّبة من المادة و الصورة فلأنّا قلنا انّ واحداً منهما لايقوم ( لايكون خل ) بدون الآخر فاذا اعتبرنا الوجود نفسه ليتحقق في التعبير عنه و في المفهوم و في الذهن كانت مادته نفسه و صورته انضمام الماهية اليه امّا في التعبير عنه فلأنّك تقول وجود فتظهر بافراده انيّته و هي الماهية فلأنها لازمة له لاينفكّ عنه ● اذا اعتبر له اعتبار من نفسه لأنّه هو الماهية كما مرّ و اذا اعتبرنا الماهية نفسها كذلك كانت مادتها نفسها و صورتها ربط الوجود بها بمعني ● اذا ذكرت في العبارة عنها و في مفهومها و في الذهن لزمها نوع وجود ما تلبسه و تظهر به في كل ما ذكرت به و ما ذكرت به هيئة لها فهو صورتها و اليه الاشارة في التأويل هنّ لباس لكم و انتم لباس لهنّ و هذا في تاويله و التمثيل به علي حدّ ما ذكرنا في امر الوجود و الماهية و الأصل في الأسباب و المسببات اذا ترامت صعوداً و نزولاً انتهت الي التضايف و التساوق في الظهور فينقطع الترامي المذكور لأنّه اذا فقد احدهما فقد الآخر و اذا وجد احدهما وجد الآخر هذا في الشئ التام المركب منهما فانه انما يكون الوجود مادة و الماهية صورة ما داما موجودين منضمين يلحظ احدهما مع الآخر في الشئ المركب منهما و اذا اعتبر [ص 230] احدهما كان مادته نفسه و لزوم الآخر له صورته كما قلنا و اذا جرّدا في الذهن عن الرابط ● بينهما كأن يتصور الوجود وحده و الماهية وحدها كان كل واحد منهما مادة نفسه و صورته هيئة ( و هيئته خل ) ذهن المتصور و لونه و صقالته ( صفاته خم ) و مثل هذا و آيته الصورة في المرآة فانّ من عرف احدهما عرف الآخر و من جهله جهل الآخر فمادة الصورة في المرآة صورة المقابل المنفصلة اعني ظل صورته اللازمة له و صورتها هيئة المرآة في الاستقامة و الاعوجاج و لونها في البياض و السواد و صقالتها في الصفاۤء و الكدورة فلميكن شئ من الممكنات الّا و هو مركب من المادة و الصورة فالمادة هي الوجود و الصورة هي الماهية فمن قال بغير هذا من المؤمنين فاسئل الله ان يصلح وجدانه و يعرّفه مذهب ساداته عليهم السلام .