قلت و الابداع الاول الارادة و هو خلق ساكن لايدرك بالسكون .

اقول هو فعل ● الله و هو الارادة علي فرض ان بينه و بين الاختراع فرقا و ان الاختراع هو المشية و امّا انه خلق ساكن لايدرك بالسكون فمعناه ما ذكرناه في الاختراع و قد تقدّم في ذكر الاحتمالات في انه هل هو الاختراع او ان الاختراع خلق الشئ لا من شئ و الابداع خلقه لا لشئ او ان الاختراع خلق الكون و الابداع خلق العين كما قلنا في المشية و الارادة لأنهما هما .

قلت و الابداع الثاني الباۤء من الحروف .

اقول هذا الاصطلاح الذي ذكره علماۤء الجفر جريه علي الاحتمال [ص 114] الاخير و هو ان الاختراع خلق الكون و الابداع خلق العين اولي و اظهر ليتّجه كون الباۤء التي هي اللوح المحفوظ المبدع بالابداع بواسطة الألف المتحركة التي هي العقل الكلي ابداعاً لما دونها من الحروف اللفظية كما ان اللوح المحفوظ ابداع لما دونه من الحروف الكونية مع انه مبدع بالاختراع بواسطة العقل الكلي .

قلت و ذلك لان الابداع و الاختراع اول ما خلق الله خلقه بنفسه ثم خلق الحروف بالابداع و جعلها فعلاً منه يقول للشئ كن فيكون .

اقول انما قلنا ان الألف مخترع بالاختراع و هو اي الألف اختراع ايضا و قلنا ان الباۤء مبدعة بالابداع و هي ايضا ابداع ثاني ( ثانٍ خ‌ل ) لقول الرضا عليه السلام علي ما ذكره لعمران الصابي كما نقلتُه بالمعني و هو قولي لأنّ الابداع و الاختراع اول ما خلق الله خلقه بنفسه ثُمّ خلق الحروف بالابداع و جعلها فعلا منه يقول للشئ كن فيكون .

قلت فيشار بالكاف الي الاختراع اي المشية و هي الكاف المستديرة علي نفسها لانها منشأ الكون و بالنون الي الابداع اي الارادة لانها هي منشأ العين .

اقول هذا تفريع علي انّ الحروف اللفظية مظاهر للحروف الكونية و انها مواد افعاله اللفظية المتضمنة لأفعاله المعنوية فيشار بالكاف الي الاختراع اي المشية الخ ، بناۤء علي الاحتمال الأخير و معناه ظاهر .

قلت و بين هذين الحرفين حرف حذف للاعلال فهو ثابت باطنا و ان حذف ظاهراً للاشارة الي بيان المراد منه و هو الماۤء الذي جعل منه كل شئ حي .

اقول بين الكاف و النون من كُنْ حرف حذف للاعلال و هو التقاۤء الساكنين [ص 115] لأنّ النون آخر الأمر فلما بنيت علي السكون التقي ساكنان الواو و النون فحذف الواو لأنه حرف العلّة و هذا المحذوف اعني الواو عددها ستّة اشارة الي الستّة الأيام و هي الأمور التي هي اصول الحدود و هي المذكورة سابقا الكمّ و الكيف و المكان و الوقت و الرتبة و الجهة و ما يتبعها لاحق بها داخل في ضمنها كما تدخل احوال الانسان في تخلقه في الستّة الأيام من اطواره ما بين كل يومين مثلا الستّة الأيام في تخلق الانسان يوم الأحد و هو يوم النطفة و يوم الاثنين و هو يوم العلقة و يوم الثلثا و هو يوم المضغة و يوم الأربعاۤء و هو يوم العظام و يوم الخميس و هو يوم يكسي لحما و يوم الجمعة و هو يوم ينشأ خلقا آخر و ما يتبعها من الاحوال المتخللة بين كل يومين و لما كان الشئ انما يظهر منه المادة و الصورة اللتان هما الوجود و الماهية و ما سواهما غير ظاهر و ان كان موجوداً في خلقته وجب ان يكون ما يدل علي المادة و هي الكاف و ما يدل علي الصورة و هي النون ظاهرين و ما يدل علي الستّة الأيام و هو الواو غير ظاهرة ● لأنّ الستّة الأيام غير ظاهرة في الشئ و ذلك لاستقلاله في ظهوره بمادته و صورته كما استقل الأمر في ظهوره بالكاف و النون و لم‌يحتج في الظهور عند بناۤء كلمة الأمر الي ظهور الواو و قولي للاشارة الي بيان المراد منه ، اريد به انّ الواو انما حذفت لبيان المراد من الواو و من الحذف و المراد هو انه خافٍ في الظهور كما ان الستّة الأيام في الشئ مع وجودها خافية لاتظهر كظهور المادة و الصورة هذا بالنسبة الي المشاۤء و اما بالنسبة الي [ص 116] المشية فالمراد من الواو الخافية في الأمر ( الأمر الذي خ‌م ) هو صورة الوجود الخافي في المشية بعد ان قبض ذلك الفعل الذي هو المشية باذن الله تعالي من رطوبة هباۤء الامكان اربعة اجزاۤء و من يبوسة ( يبوسته خ‌م ) جزءا فانحلا في صنعه ماۤء ثُمّ ساقه الي قوابله كالواو في الأمر اللفظي فان ذلك الماء حين قبضه الفعل للتقدير كان كامنا في الصنع ككمون الواو في لفظ كُنْ فيكون مرادي من قولي للاشارة الي البيان ( بيان خ‌م ) المراد منه الوجهين الكمون في المشية و انه هو الماۤء اعني الوجود و الكمون في المشاۤء و انه الماۤء في المشاۤء و انه هو بلّة الماۤء اي رطوبته التي هي صفته و بها تقوّمت مادته في الظهور و هي كامنة في المشاۤء و كذلك حكمه في المشية و ان كان علي نوع الاعتبار من ملاحظة متعلقها كما ذكرنا سابقا و كمونه اشارة الي كمونها في المشاۤء لأنها مشخصاته و في المشية لأنها اثرها و هي الماۤء و هذا علي اللحاظين .

قلت و هو الوجود و هو الدلالة من اللفظ و هو الماۤء من السحاب .

اقول بناۤء علي لحاظ الكمون في المشية و هو الخفاۤء في صنعها و تقديرها تكون الواو اشارة الي الماۤء و الخفاۤء اشارة الي خفاۤء الماۤء الذي هو الوجود في صنع المشية كخفاۤء الماۤء في السحاب و كخفاۤء الدلالة في اللفظ حتي يتمّ فاذا مثّلت المشية بالسحاب مثّل الوجود بالماۤء و اذا مثّلت بالكلمة مثّل بالدلالة و هو معني قولي و هو الوجود يعني من المشية و الدلالة من اللفظ و الماۤء من السحاب .

قلت و هو الاجزاۤء الدخانية المستضيئة عن النار بحفظ الكثافة الدهنية [ص 117] المقاربة للدخانية .

اقول اذا مثّلنا المشية بالنار كما قال تعالي يكاد زيتها يضيء و لو لم‌تمسسه نار كان الوجود هو الأجزاۤء الدخانية المستضيئة عن النار لأنّ نفس الأجزاۤء مثل الماهية و الاستضاۤئة القاۤئمة بها مثل الوجود المشار اليه لكن الاستضاۤئة لاتتقوم الا بالكثافة الدخانية فلذا قلنا و هو الأجزاۤء الدخانية المستضيئة يعني استضاۤئة الأجزاۤء و الا فالأجزاۤء نفسها مع قطع النظر عن استضاۤئتها ليست مثلاً للوجود و انما هي مثل للماهية لأنها هي الزيت المشار اليه في الكتاب و قولي بحفظ الكثافة الدهنية المقاربة للدخانية ، اريد ان الكثافة ( الكثافة الدخانية خ‌م ) التي يعبّر عنها بالماهية و القابلية و هي من الزيت و هي المنفعلة بالاستضاۤئة عن النار لا بقاۤء لها الا بالكثافة المقاربة في التكليس بالنار للدخانية و هي التي تراها في السراج تنشّ لتلاشي رطوبتها فهي تمدّ الدخان كل ما جفّ منها جزء كان دخانا و استضاۤء فهي الحافظة للدخانية بمددها و في هذا اشارة الي عدم استغناۤء الحادث عن المدد في البقاۤء فهو ابدا قاۤئم في بقاۤئه كاوّل صدوره و هو معني قيام الصدور الذي نريده هنا .

قلت و ذلك الحرف هو الواو و الاصل قبل حذف الاعلال كُونْ و هو الستة الايام التي خلق فيها الشئ .

اقول ذلك المحذوف من كُون ( كُنْ خ‌ل ) هو الواو و هو ظاهر و قولي و هو الستّة الأيّام التي خلق فيها الشئ ، اريد به بيان الاقتباس من قوله تعالي خلق السموات و الأرض في ستّة ايام يوم العقل و يوم النفس و يوم [ص 118] الطبيعة و يوم المادة و يوم الصورة و يوم الجسم و هي مراتب الوجود ● المصنوع و اطواره كما قلنا في الانسان سابقا و الواو بقواها تشير الي هذه الأيام التي صنع فيها يعني مراتبه و اطواره .

قلت و معني ان الالف هي الاختراع الثاني انها نزلت بتكرّرها فكانت عنها الباۤء فالباۤء تاكيدها لان نزولها انبساطها هكذا و قد كانت قائمة هكذا .

اقول معني كون الألف الاختراع الثاني لأنها فعل ثانٍ و الفعل الأول الاختراع الأول المعبّر عنه بالمشية و الألف و ان كانت مفعولاً من حيث حدوثها عن المشية الكونية الّا انها حدثت عنها الباۤء المشار بها الي اللوح المحفوظ كما مرّ و حدثت عنها بواسطة الباۤء الجيم كما يأتي فلذا كانت اختراعا لأن الله سبحانه اخترع بها الباۤء و قد ذكرنا في هذا الكتاب و غيره ان الفعل قسمان فعل بنفسه و فعل بغيره و الألف من الفعل القسم الثاني ● و كيفية ذلك الاختراع انها تنزلت اي تكررت فكانت الواحدة اثنين ( فكان الواحد اثنين خ‌م ) لأن ذلك النزول انها كانت قبله قاۤئمة و هي الحالة الأولي حالة الوحدة ثُمّ انبسطت فكانت الحالة الثانية و هو معني الباۤء و صورة القيام هكذا كناية عن بساطتها و صورة الانبساط هكذا كناية عن الكثرة و التعدد و مثال ذلك في مراتب الانسان و اطواره النطفة فان صفتها القيام المكنيّ به عن البساطة اذ هي شئ واحد ليس فيه مغايرة و لا اختلاف فهي مثال الألف الذي يشار به الي العقل فانه ايضا يقال الألف القاۤئم و يراد به العقل الكلي كما قال شاعرهم :

يا ربّ بالألف التي لم‌تعطف و بنقطة هي سرّ تلك الأحرف [ص 119] 

و يراد بالنقطة الحقيقة المحمّديّة صلي الله عليه و آله و فلك الولاية المطلقة و العظام اذا كسيت اللحم فان صفتها الانبساط المكنيّ به عن الكثرة و التعدد و المغايرة لأنّ العظام اذا كسيت اللحم تمّت الخلقة فكان رأسه غير يديه و رجليه و عينيه و كل شئ منه غير الآخر فكان متغايراً متكثراً متعددا فهي مثال النفس المعبّر عنها باللوح المحفوظ المشار اليها بالباۤء المسمّاة بالألف المبسوطة كما قال تعالي و كتاب مسطور في رقّ منشور و هذا معني المبسوط المراد هنا فانه كناية عن التعدد و الكثرة و المغايرة فكانت هيئة صورة نفس ● الباۤء هكذا عبارة عن الكثرة و المغايرة بالنسبة الي الألف لأنه حالة واحدة و يعبّر عنها بالبساطة و للباۤء حالتان كانت قائمة ثمّ انبسطت .

قلت و انعطفت علي الباۤء و مالت فحدثت الجيم هكذا .

اقول يعني ثمّ انعطفت الألف علي الباۤء بعد تحقق الباۤء بتنزل الألف فحدثت عن الألف الجيم بواسطة الباۤء لأنّ مرادنا بتنزل الألف ظهورها بطور من اطوارها و لانريد انها انقلبت باۤءً بحيث لم‌يبق الف بعد الباۤء فلايقال ما هذا الذي مال علي الباۤء لأن تنزلها في الباۤء او بالباۤء و بالجيم و غيرهما كل ذلك باطوارها فلما مالت علي الباۤء اعني الألف المبسوطة ميلا لايبلغ الانبساط حدثت بها بواسطة الباۤء الجيم هكذا و لو كان الميل هنا يبلغ الانبساط هكذا لكانت الألف باۤءً علي باۤء فحينئذٍ تحدث الدال لا الجيم و السّرّ فيه ان الجيم احمر و الألف ابيض فبمجرد الميل كان اصفر و الصفرة اول مراتب الباۤء كما ان المضغة اول مراتب العظام المكسية لحما [ص 120] فحلّت الصفرة فيه فاجتمع البياض مع الصفرة فحدثت الحمرة التي هي طبع الجيم و هذا جارٍ علي ترتيب البروج لا علي العناصر كما هو مذكور في محله فلذلك قلنا ان الجيم حدثت بميل الألف علي الباۤء اي من ميل صورة الألف الي صورة الباۤء في الظاهر و في التأويل صورة الباۤء هي الصفرة لأنّ الميل حال ثانٍ بعد البساطة .

قلت و معني ان الباۤء الابداع الثاني انها تنزّلت بتكرّرها فكانت عنها الدال هكذا و مالت علي الجيم فكانت الهاۤء هكذا .

اقول معني ان الباۤء ابداع ثانٍ لأن الفعل هو الابداع فحدثت عنه الباۤء و حدثت عنه الدال بواسطة الباۤء فكانت ابداعاً ثانيا و الفعل ابداعاً اوّلا و دليل كونها ابداعاً ثانياً انها تنزلت بتكرّرها علي نحو ما ذكرنا فكانت عنها الدال اي فكانت الدال بالابداع الأوّل بواسطة الباۤء فمادة الدال طوران من اطوار الباۤء و قولي هكذا تمثيل لصورة تنزل الباۤء في تكرّرها و هو كناية عن تنزّل الجواهر النفيسة في جواهر الهباۤء التي هي المواد و صورتا الباۤء اللتان حدثت الدال عنهما مبسوطتان علي الاستقامة الّا ان ابتداۤئيهما اعني طرفيهما الأولين مايل كل واحد منهما علي جهة الآخر لما بينهما من التوافق لكونهما من شئ واحد و هو الباۤء و من كونهما ابداعاً ثانياً ايضاً انها مالت علي الجيم بنحو الميل المذكور في ميل الألف علي الباۤء في تكوّن الجيم فكانت عنها الحال ( الحاء خ‌ل ) هكذا فالمايل الأول علي الباۤء هو الألف بوحدته لأنه في اول الدور الثاني و ذلك لأن الألف في الدور الأوّل مالت بوحدتها ( اوّلاً خ‌ل ) علي الباۤء فكانت الجيم و مالت ثانياً في الدال بتكرره [ص 121] الذي هو الباۤء علي الباۤء فكانت الدال و في الدور الثاني مالت بوحدتها اولاً علي الباۤء فكانت الجيم و بتكرّرها ثانياً علي الجيم فكانت الهاۤء .

قلت و انما كان ميل الباۤء مخالفا لميل الالف لان الالف قاۤئم و ميل القاۤئم الي الانبساط و الباء مبسوط و ميل المبسوط الي الركود .

اقول هذا جوابٌ عن سؤال مقدّر و تقديره اذا كانت الباۤء هي ميل الألف فلا ميل لها زاۤئداً علي انبساطها و الجواب ان الميل اذا كان الي ما هو دون المائل يكون بحال انزل من حاله ( حالة خ‌ل ) الأولي فالألف لما كان قاۤئما يميل بالانبساط و المنبسط يميل بالانحطاط فيكون لها ميل بانحطاط طرفها الأخير الي طرف الجيم الأخير فتحدث الهاۤء و هكذا تأثير الألف و الباۤء في ساير الحروف بنوع ( بنحو خ‌م ) ما سمعت و هو مفصّل في محله من علم الجفر و علم الخط .

قلت ثم اعلم ان هذه الحروف التي هذه الحروف اللّفظية مظاهرها قسمان احدهما المرتبة الثالثة من مراتب الفعل و هو السحاب المزجي و الثاني افراد الفعل في فعل الشئ .

اقول هذه الحروف اللفظية مظاهر الحروف المعنوية و اذا اطلقت اريد بها احد اشياۤء لكن المقام يقتضي اثنين لأنّا في باقي الكلام علي الفعل و قد اصطلحنا علي رتبتين منه بتسميتهما حروفا و ذلك بلحاظ انه الكلمة التامة و لها حينئذٍ اعتباران احدهما في اعتبار بدء كونها بنفسها كما مرّ ذكره فانّا قسمنا ذلك البسيط باعتبار متعلقه المتكثرة ( المتكثر خ‌م ) عند تعلّقه به علي اربعة اقسام احدها النقطة و الرحمة و ثانيهما ● الألف و النفَس الرحماني [ص 122] الأولي و ثالثها الحروف و السحاب المُزجٰي و رابعها الكلمة التامّة فاطلقنا الحروف علي الرتبة الثالثة كما تقدّم و ثانيهما ان هذه الكلمة هي الكلمة التي انزجر لها العمق الأكبر و لها وجوه و هي تعلّقاتها بالأشياۤء فكل شئ كلي او جزئي كبير او صغير لها به تعلق خاص به لايصلح ● لغيره و تلك الوجوه حروف من تلك الكلمة كما نسمّيها بانّها وجوه منها و رؤس لها كما يأتي .

قلت و ذلك لان فعل الله سبحانه لجميع الاشياۤء فعل واحد يجمعها علي كثرتها في وحدته قال تعالي و ما امرنا الّا واحدة كلمح بالبصر ، ما خلقكم و لا بعثكم الا كنفس واحدة .

اقول ان فعل الله واحد كما قال تعالي و ما امرنا الا واحدة كلمح بالبصر و قوله كلمح بالبصر يشير به الي دقيقة لأنّه لما كانت الأشياۤء تنقاد له كلمح البصر دلّ علي انه لايحتاج الي التكرار و لا التأكيد و لا التشديد لأنّ هذه و امثالها تقتضي التعدّد و المعالجة الموجبة لتكثّر الفعل فاخبر تعالي بنفي ذلك بدلالة انقياد الأشياۤء لأمره كلمح البصر ( بالبصر خ‌ل ) المستلزم لكمال البساطة و الوحدة و كذلك قوله تعالي ما خلقكم و لا بعثكم الّا كنفس واحدة فانّ فيه تنبيهاً علي شيئين احدهما هذا المعني و الثاني ان الأشياۤء نفس واحدة لأن العالم اعني ما سوي الله شئ واحد في صورة رجل بل خلق الله الانسان علي صورته فهو انموزج منه و الفعل تعلّق به كتعلق وجه من وجوه الفعل يزيد ● في ايجاده فلذا قال تعالي ما خلقكم جميعا كل شئ في مكان حدوده و وقت وجوده و لا بعثكم الا [ص 123] كنفس واحدة يعني كخلق زيدٍ و عمرو و لا ريب ان الوجه المختص بصنع شئ لايصلح لغيره لاعتبار الوحدة فيه التي هي مناط التعيين فكذلك العالم كله فكما يكون في ايجاد زيد من الدفعة و التدريج في اجزائه و اوصافه كذلك في العالم الكبير من الدفعة و التدريج و الترتيب و غيرها .

قلت و له باعتبار تعلقه بكل فرد من افراد الموجودات ذات او صفة رأس يختص به هو مشية اللّه الخاۤصة به .

اقول للفعل الذي هو المشية في الكون الذي هو الوجود و هو الارادة في العين التي هي الماهية و الانيّة و هو القدر في الحدود و التعيين و هو القضاۤء في الاتمام و هو الامضاۤء في الاعلام بكسر الهمزة باعتبار تعلّقه بايجاد كل فردٍ من افراد الموجودات من ذاتٍ او صفة غيبٍ او شهادة وجه و رأس يختص بايجاد متعلقه من جزئيّ او كليّ و من كل او جزء علي وجه هو مراد الله من ذلك و ذلك الفعل هو مشية الله الخاصّة به فاذا لحظت ان المشية الكلية كلمة الله قلت هذا الرأس المختص بهذا الشئ هو حرف من حروف تلك الكلمة و ان سمّيته ابنا و الكلية ( الكلمة خ‌م ) آدم الأوّل و هو ابو ذلك الابن جاز و ان سمّيته رأسا من حيث ان تلك الكلمة الكلية ملك او ذات هي برزخ البرازخ جاز و ان سمّيته وجهاً لذلك الشخص لأنه توجه منه خاص بذلك الشئ المحدث به جاز و ان سمّيته وجهاً لرأس كليّ اضافيّ منها جاز و هكذا .

قلت فهذه الرؤس حروف باضافة كل رأس الي فردٍ من الخلق اذا نسبت الي الفعل المطلق و الخلق من جهة الافراد حروف بالنسبة الي المجموع .

[ص 124] اقول هذا تفريع علي ما تقدّم من كون تلك الجهات الجزئية المختص كل واحد منها بمشاۤء تسمّي حروفا و لهذا اذا نسبت تلك الأفعال الجزئية الي الفعل المطلق الكلي و كذلك متعلقات هذه الأفعال الجزئية بالنسبة الي المجموع من المخلوقات تسمّي حروفا و هذا ظاهر يعرف ممّا تقدّم .

قلت و كل فردٍ منها باعتبار اسبابه و شروطه و مقوّماته المذكورة من الوجود و الماهية و الستة المذكورة و الوضع و الاجل و الكتاب و الاذن و غير ذلك و نهايات هذه الاشياۤء المذكورة و اعراضها و اشعّتها الي انقطاع وجوداته كل واحدٍ بوجهٍ مختص به من ذلك الرأس المختص بذلك الفرد من الفعل الكليّ نسبة كل وجهٍ الي ذلك الرأس كنسبة ذلك الرأس الي الفعل الكلي .

اقول : و كل فرد منها باعتبار اسبابه اي كل واحد من المفعولات باعتبار كونه فرداً اذا لوحظت اسبابه اي اسباب تمكينه و تكوينه و تكوّنه من الامكانات و علل الأكوان و شروطه التي يتوقف عليها كونه مما ليس من ذاتياته و مقوّماته المذكورة سواۤء كانت من ذاتياته ام لا من الوجود و مِنْ هنا بيانية يعني بيان المقوّمات ( يعني انها بيان للمقومات خ‌م ) مطلقا و المراد بالوجود هنا ما هو بالمعني الأوّل اعني المادة و لايدخل علي الظاهر الوجود بالمعني الثاني اعني كونه اثرا اذ لاتتقوم بنيته بكونه اثرا و ان كان في الحقيقة لايتحقق له شيئية اصلاً الا بذلك و الماهية عطف علي الوجود و المراد بها الماهية علي المعني الأوّل اعني الصورة و انفعال الوجود و [ص 125] الكلام فيها علي المعني الثاني اعني هوية الشئ و انيته كالكلام في الوجود علي ما حقّقناه في شرح مشاعر الملّا صدرا في ابطال قول صاحب الاشراق انه تعالي لم‌يجعل المشمش مشمشا و الستّة المذكورة اعني الكمّ و الكيف و الوقت و المكان و الجهة و الرتبة و الوضع بمعانيه الثلاث ● و هي الحيّز للجوهر الفرد و ترتيب بعض اجزاۤء الشئ علي بعض و ترتيب اجزاۤئه بالنسبة الي ما خرج عنه و الأجل ابتداۤء ● الشئ و مدّة بقاۤئه و وقت انقضاۤئه و الكتاب اعني اثبات الشئ و اعراضه و اسبابه و مسبباته و اوضاعه و ما يترتّب عليه و ينسب اليه مطلقا في الواح الأكوان من الذوات و الأعراض و العكوسات و ما اشبه ذلك مما له مدخل في القضاۤء و الامضاۤء و الاذن فيما قضي له الانتقال اليه باسبابه و ما يترتّب عليه و غير ذلك مما يطول ببيانه الكلام و نهايات هذه الأشياۤء اعني الستّة المذكورة و ما بعدها مثل كمّ الكيف و كيف الكيف و كيف الكمّ و كمّ الكمّ و هكذا في ساير ما ذكرنا فان كل واحد منها يجري عليه كلها باعتبار و يكون ذلك بنوع التضايف و التساوق و الاتحاد و اعراضها و اعراض اعراضها و اشعتها و اشعة اشعتها و اشعة الأعراض و اعراض الأشعة الي انقطاع وجوداته الي ان تنتهي نسب كل واحد منها و اوضاعه و مضافاته الداخلة و الخارجة كل واحد من هذه الحوادث المشار اليها متعلق بوجهٍ مختص به لايصلح لغيره الا مع تغييرها ( تغيير ما خ‌م ) فانّه حينئذٍ يصدق عليه الغيرية فيتعلق به اي بذلك مع تغيير يلحقه بنسبة ما يلحق متعلقه من ذلك الرأس المختص بذلك الفرد يعني ان ذلك الوجه الذي تعلّق [ص 126] بخنصر زيد مثلا غير ما تعلّق ببنصره الّا انّهما وجهان من الرأس المختص بزيد و هذا الرأس من الفعل الكلي اعني المشية الكونية الكلية المتعلقة بجميع ما سوي الله تعالي من الكاۤئنات و نسبة ذلك الوجه الي الرأس الذي هو منه كنسبة الرأس الي الفعل الكلي و مثال الكلي كالشجرة و الرؤس كالأغصان و الوجوه كالورق و هذا مجمل و الا فالرؤس لها وجوه و هي رؤس لوجوه دونها كالشجرة فان الأغصان الكبار رؤس لها و لكل رأس وجوه و هي اغصان صغار فان الغصن الكبير فيه اغصان صغار و تلك الأغصان الصغار فيها ايضا غصون اصغر منها في كل غصن حتي تنتهي الي غصن ليس فيها الا الورق .

قلت فهذه حروف لهذه الكلمة و الكلمات الجزئيّة حروف للكلمة الكلية .

اقول هذا تفريع علي ما ذكرناه و هو مبني علي تسمية الفعل بالكلمة التامّة لأن الكلمة مركبة من حروف و قد يكون الجزء حرفاً باعتبار و كلمةً باعتبار آخر فالوجه علي تسميته بالشخص حرف من الكلمة التي هي الرأس و هو اي الرأس الذي هو الكلمة الجزئية حرف من الكلمة الكلية .

قلت فهذا الحكم جار لكل مرتبة من مراتب الفعل في كل مفعول متبوع او تابع او مساوق او مُساوٍ .

اقول يعني ان الحكم باختصاص بكل ● محدث بقدره من الفعل في الكل و الجزء و الكلية و الجزئية و الذاتية و العرضية فايجاد الكل بكل من الفعل و الجزء بجزء منه و الكلي بكلي و الجزئي بجزئي و الذاتي بذاتي و العرضي بعرضي كل بحسبه سواۤء كان [ص 127] المفعول متبوعاً كالموصوف او تابعاً كالصفة او مساوقاً كالفعل و الانفعال او مساوياً كزيد و عمرو .

قلت فالفعل بالنسبة الي من دونه ذات واحدة استفادت الذّوات من ذاتها تذوّتاتها و الصفات من هيئاتها تذوّتاتها و من صفاتها توصيفاتها .

اقول الفعل ذات واحدة لأنه اول الآدميين الذين هم الف‌الف آدم في الف‌الف عالم آخرهم ابونا آدم عليه السلام الذي هو مخلوق من التراب فهذا آدم الأكبر خلقه الله سبحانه بنفسه و اقامه بنفسه و امسكه بنفسه فهو قائم بنفسه قياماً ركنيا و جميع الذوات القائمة بموادها انما استفادت التذوّت منه كما استفادت الكتابة التذوّت اي التشخص و التعين من هيئة حركة يد الكاتب و في هذا تلويح بل تصريح بفساد قول من قال ان الفعل معني نسبي لا تحقّق له و انما التحقّق و التذوّت للفاعل و المفعول و الحق ما ذكرناه و ان كان الفعل ايضا استفاد الذاتية و الشيئية من الله سبحانه بمعني ان الله سبحانه افاده الذاتية لا من ذاته تعالي اذ لايخرج من الأزل شئ و لايدخل ● شئ و لا من ذات غير ذات الفعل و الا لكان معه تعالي غيره قديم بل اخترع سبحانه ذات الفعل لا من شئ بذات الفعل فاقامه بنفسه علي نحو ما ذكرنا في هذا الشرح سابقا و في كثير من رسائلنا فافهمه ● راشداً فانه دقيق جدا و الحاصل ان الذوات انما كانت ذواتاً بكونها اثراً لها و الاثر يشابه صفة مؤثره فبمشابهتها في صفة التأثير بالتأثر ( بالتأثير خ‌ل ) كانت ذواتا فالأشياۤء ذوات بالمشية لتقوّمها بها تقوّم صدور و صفات الأشياۤء تحققت ذواتها من هيئات المشية و معني ذوات الصفات ان ذاتها هو كونها صفة و هذا معني قولنا و الصفات من هيئاتها [ص 128] تذوّتاتها اي استفادت الصفات من هيئات المشية تذوّتاتها يعني انّ تحقق كونها صفة انما ثبت لها من هيئات المشية و استفادت ايضا الصفات من صفات المشية توصيفاتها اي توصيفات الصفات اعني وصفها و وصف الموصوف بها و المراد بقولي اعني وصفها هو جعلها و جعلها صفة و وصف الموصوف بها كل ذلك من تأثير صفات المشية بالمشية .

قلت و رؤس تلك الذات الشريفة المقدسة كثيرة و كل راس فله وجوه كثيرة .

اقول هذا من تمام الكلام الأوّل و هو ان الفعل الكلي له رؤس بعدد افراد الموجودات و لكل رأس وجوه كثيرة بعدد جهات كل فرد من افراده و اجزاۤئه و احواله و صفاته منسوبة الي ذلك الرأس كما اشرنا اليه سابقا .

قلت ثم اعلم ان الجعل قد يستعمل في المراتب الاربعة فيطلق علي كل مرتبة استعمل فيها لغةً و يجري حكمه في كل مرتبة بما لها .

اقول ان الجعل قد يستعمل في المراتب الأربعة المشية و الارادة و القدر و القضاۤء فيقال جَعَلَ الكون اي خَلَقَهُ و شاۤءَهُ و جَعَلَ العين اي ارادَها و برءَها و جَعَلَ الحدود اي صَوَّرَها و قَدَّرَها و جَعَلَ تمام الصنع اي قضاهُ و اَتَمَّهُ و يجري حكم الجعل في كل مرتبة من مراتب الفعل بما لها كما مثّلنا به هذا اذا ضمن معناها بان وقع بابتداۤء الصنع .

قلت و كثيراً ما يستعمل في ايجاد اللوازم لملزوماتها قال الله تعالي الحمد للّه الذي خلق السموات و الارض و جعل الظلمات و النور لايجاده [ص 129] النور من المنير و الظلمة من نفس النور من حيث هو .

اقول ان الجعل في الاستعمال من حيث مفهوم مادته و هيئته التركيبية كثيراً مّا يستعمل في احداث اللوازم لملزوماتها و ذلك لأنّ اللوازم كثيراً مّا تخلق من نفس الملزوم اما من حيث هو هو كالظلمة من نفس الكثيف من حيث هو هو و اما من حيث علّة وجوده كالنور من المنير لأنه مخلوق من المنير من جهة علة انارته و هو قبوله للايجاد علي حسب مقتضي الصنع لمحبّة الفاعل لا علي حسب حكم الوضع لأن خَلَقَ الذي هو الفعل حدث به كون ● الذي به كان الذكر الأول الذي هو معني المشية و حدثت به العين في مقام تأكده الذي هو معني الارادة و صدرت عنه الملزومات كما في الآية الشريفة من السموات و الأرض و صدر عن الجعل اللوازم التي هي النور و الظلمة كما ذكرنا من صدور النور اللازم للقابل بمقتضي محبّة الفاعل و من صدور الظلمة اللازمة للقابل من نفسه بمقتضي حكم الوضع كما هو مذكور هنا .

قلت و يتميز عن تلك المراتب اذا استعمل مع احدها كما في الاية الشريفة .

اقول ان الجعل يكون بمعني المشية و الارادة و القدر و القضاۤء كما ذكرنا اذا اطلق منفرداً عنها و اما اذا ذكر مع واحد منها كان ذلك الواحد مستعملاً فيما يختص به او يكون متضمناً له و يكون الجعل مستعملاً في بعض لوازمه علي نحو ما ذكرنا .

قلت و يستعمل للتصيير و القلب لشئ الي شئ اخر .

[ص 130] اقول و ( و قد خ‌م ) يستعمل الجعل للتصيير بان يصير شئ شيئاً آخر و ينتقل من الحالة الأولي الي حالة ثانية و هو معني القلب مثل قولك جعلت الطين خزفا فانك تريد انك نقلته من حال الطين الي حال الخزف بمعني ان اصل المادة باقٍ فقلبت تلك الماهية برفع صورتها الي ماهية اخري بما البستها من الصورة الثانية و ليس المراد ان اصل المادة اضمحل و الثاني حادث جديد ليكون الجعل بمعني الخلق و انما المراد ان اصل الشئ باقٍ و انما غيّرت الحالة ( حالته خ‌م ) الأولي و هذا معني القلب و التصيير .

قلت و حكمه في استعمالاته الثلاثة حكم ما تقدَّم من الافعال في مراتبها حرفاً بحرفٍ .

اقول ان حكم الجعل في استعمالاته الثلاثة اعني الأوّل استعماله في معني المشية اعني خلق الكون اي الوجود و في معني الارادة اعني خلق العين اي الماهية و في معني التقدير اعني خلق الحدود اي المشخصات المعنويّة و الحسّيّة و الثاني استعماله في ايجاد اللوازم لملزوماتها فاستعماله في موادّ اللوازم النوعية بمعني شاۤءَ و في صور اللوازم النوعية بمعني ارادَ و في حدود اللوازم و مقاديرها بمعني قدرَ و الثالث استعماله في التصيير و القلب من حالٍ الي حال و من شئٍ الي شئٍ آخر و استعماله في مواد المصير و المقلوب او في نفس القلب و التصيير بمعني شاۤءَ و خَلَقَ و في صور التصيير و القلب بمعني ارادَ و بَرَءَ و في حدود التصيير و القلب بمعني قَدَّرَ و صَوَّرَ لأن الكون و العين و الحدود و اتمام الشئ تجري في كل شئ من الذوات و الصفات [ص 131] بحسبه لأن الأعراض كالجواهر فيصحّ فيها ما يصحّ في الجواهر كل بنسبته فحكم الجعل في استعمالاته الثلاثة حكم ما استعمل في معناه من الأفعال المذكورة في مراتبها اي المشية في خلق الكون و الارادة في خلق العين و القدر في خلق الحدود المشخصة بلا زيادة و لا نقيصة و هو مرادي بقولي حرفاً بحرف و انما قلت في مراتبها لأن الأفعال قد تستعمل في غير ما ذكر لها فنقول شاۤءَ ايجاد الحدود اي قَدَّرَ فتكون حينئذٍ ليس في مراتبها بل ضمنت معني ذي الرتبة فلو استعمل الجعل في معني استعمال المشية ● في غير مرتبتها مثل شاۤء الحدود و كان ● الجعل حينئذٍ بمعني قَدَّرَ لا بمعني شاۤء و انما قلتُ في الاستعمالات الثلاثة و لم‌اقل الأربعة لأن المعروف من اطلاق الجعل ظاهراً هو معني الايجاد و في الظاهر القضاۤء ليس فيه معني الايجاد ظاهراً اذ معناه في الظاهر هو الاتمام و هو ليس ايجاداً علي حسب الظاهر و ان كان في نفس الأمر بل و في ( بل في خ‌م ) الواقع انه ايجاد الّا انه ليس بمتبادر الي الأفهام فلذا عدلتُ عن الأربعة الي قولي الثلاثة و للعدول علّة ثانية و هي ان استعمال الجعل قبل اتمام الشئ و قضائه لأن بعد الاتمام لايلحقه جعل فاذا تمّ الشئ و لحقه الجعل فانما لحقه باعتبار ما يحدث له من الحالة الثانية المنتظرة و ليست هي كائنة حينئذٍ ليقال عليها الاتمام الذي هو القضاۤء .

قلت فقولهم الجعل البسيط و الجعل المركب ليس بتام في المركب .

اقول هذا تفريع علي ما ذكرنا من ذكر تقسيم الافعال و من استعمال الجعل فيما هو مقتضي مفهومه و في معني بعض الأفعال في رتبته كما [ص 132] تقدّم فانه يفيدك ان الفعل لايزيد علي مفعوله فان الحركة التي احدثت بها كتابة الباۤء مثلاً لاتزيد عليها و لاتنقص و الا لحدث شئ غيرها و يلزم من هذا ان المجعول اذا اعتبر فيه جهة تعدّد كان ذلك معتبراً في جعله الذي به حدث فاذا فرضت في المفعول جهة تعدّد و مغايرة حصل القطع بوجود مبدء التعدّد من فعله الذي به حدث و عنه صدر و هذا التغاير انما حصل بوجود شئ آخر و هذان الشيئان الحاصلان في الفعل حدث عنهما التغاير في المفعول و يجب ان يختص كل جهة من الجعل بمتعلقها من المجعول بحيث يصدر عنها و لايصدر ذلك المتعلق من شئ من الجهة الأخري بل كل جهة يختص بمتعلقها و لاتصلح لغيره و علي هذا كما لايقال للرأس من الفعل المختص بايجاد زيد انه مركب منه و من ايجاد عمرو و لأن ● كلا من زيد و عمرو غير الآخر و ما يختص بزيد من الرأس من الفعل لايختص بعمرو و لايصلح له و لايتركب منه فلايقال للجعلين انه جعل مركب لأن كل واحد غير الآخر و مجعوله غير مجعول الآخر فهما جعلان بسيطان و التغاير بين زيد و عمرو الموجب للعلم القطعي بتغاير جعليهما و عدم التركيب بينهما هو بعينه التغاير بين الطين و الخزف و بين الوجود و الماهية و بين الكسر و الانكسار و بين جميع الأمور الاعتبارية المتغايرة بمفهومها بعضها مع بعض سواۤء كان التغاير باعتبار نفس الأمر ام الخارجي ام الذهني اذ لايعقل ان يكون شيئان متغايران بجهة من جهات التغاير علي ايّ فرض كان صادرين بجعل واحد بل بجعلين مختلفين كل [ص 133] واحد يختص بجهة غير جهة الآخر لتحقق التغاير بين المجعولين و هذا دليل اِنّيٌّ كما قرّر في محله فتكون جعلات ( الجعلات خ‌ل ) بسيطات ابدا الّا ان يعتبروا جعل الأجزاۤء في المجعولات المركبة و حينئذٍ لايكون جعل بسيطاً ابدا اذ لايوجد مجعول بسيط كما ذكرنا سابقا و رويناه عن الرضا عليه السلام من قوله ان الله لم‌يخلق شيئا فردا قائما بذاته دون غيره للذي اراد من الدلالة عليه ه‍ ، فعلي كل تقدير لايستقيم تقسيمهم الجعل الي بسيط و مركب بل يقال ان الجعل و الفعل واحد كما قال تعالي و ما امرنا الا واحدة و المجعول المركب صدر بجعلات متعددة لا بجعل مركب اذ لايعقل التركيب في الجعل و ما توهموه في حدوث شيئين في الاعتبار بجعل واحد كجعل الوجود و الماهية فتوهم باطل و يأتي بيانه ان شاۤء الله تعالي .

قلت لان التركيب انما يتحقق في شئ ضمّ اليه مساوٍ له او مخالف او مباين و يكون ذلك المركب شيئا واحداً اي يصدر عنه فعل واحد في موضوع واحد و ليس ثمّ مماثل غير ذاته او صفته و الشئ لايتركب من ذاته و صفته في شئ واحد .

اقول هذا معلوم لأنّ الشئ اذا ضمّ اليه مساوٍ له كتراب و تراب مثلا فان المجموع منهما مركب منهما او مخالف كالماۤء و التراب فان الطين مركب منهما او مباين كالوجود و الماهية فان زيداً مركب منهما فاما التراب و التراب و الماۤء و التراب المركب منهما الطين فهي عندهم ظاهرة فان لكل واحد من الجزئين جعلاً علي حدة و للمجموع جعل واحد علي حدة و لا خلاف في هذا لأنه ظاهر و اما الوجود و الماهية ففيه الخلاف [ص 134] و الاختلاف انما نشأ من خفائهما في انفسهما فلذا وقع الاختلاف فيه في انه هو المجعول خاصة و اما الماهية فليست مجعولة بل هي صورة علمية او ليست شيئاً اصلا او انها مجعولة بجعل الوجود يعني ان الجعل للوجود لا للماهية و انما انجعلت بتبعية جعله او انها ( انها تحققت خ‌م ) بنفسها لا بجعل جاعل الي غير ذلك من خرافات الأقوال و لا شك في تعدد الجعل في المساوي و المخالف و تغايره و حينئذٍ يلزم وحدة الجعل و بساطته و اما في المباين كما مثّلنا به فنقول ان كانت الماهية شيئا فهي مجعولة بجعل خاص بها لايصلح للوجود اما انه ● مجعولة فلأنها غير الله عز و جل و كل ما هو غير الله عز و جل فهو مخلوق لله سبحانه و اما انها بجعل خاص لايصلح للوجود فلأنها ضدّه و المجعول صفة جعله و تاكيد تاثيره فيجب ان يكون جعل الوجود مغايراً لجعل الماهية كما انه مغاير للماهية و حينئذٍ يتعدد الجعل و ليس هذه صفة التركيب لأن كل جزء من المجتمع من الجعلات يتعلق بجزء مختص به من المجعولات لايصلح لغيره اصلا و انما هذه صفة الجعلات البسايط اذ مقتضي الجعل المركب لو كان ان يكون كل جزء من اجزائه مؤثراً في كل جزء من اجزاۤء مجعوله المركب و الأمر ليس كذلك و ان اريد الأعم منه و من كون كل جزء منه مختصا بجزء من مجعوله لايصلح لغيره لم‌يوجد الجعل بسيطا ( الجعل البسيط خ‌م ) كما ذكرنا سابقا و ان لم‌تكن الماهية شيئا فليس جعل الوجود حينئذٍ مركبا بل هو جعل بسيط تعلّق بمجعول بسيط و قولي و ليس ثَمَّ مماثل غير ذاته او صفته الخ ، جواب عن سؤال مقدّر تقديره [ص 135] اذا قلتم ان الماهية مجعولة بجعل هو صفة جعل الوجود فيكون جعل الوجود مركبا اذ لاينفكّ عنه و الجواب ان الشئ لايتركب من ذاته و صفته الفعلية لأن المراد بالصفة هنا الفعلية و ذلك كالقيام فان زيداً لم‌يكن مركباً من ذاته و قيامه و اذا تركب شئ من قيامه فانما تركب من صفة فعله و اثر فعله و هما صفتان معا كالقاۤئم فانه مركب من صفة الحركة الايجادية للقيام و هي اسمها و من اثرها اعني القيام و المدعي هو ان جعل الوجود مركب من نفس الجعل و من صفته اعني جعل الماهية و هو ممتنع لأن الصفة الفعلية اثر للحركة و صادر عنها و كيف يجري عليها ما اجرته فافهم .

قلت و تمثيلهم بقولهم جعلتُ الطين خزفاً فان اريد تغيير الطين و تصيير المتغيّر خزفا فهو جعلانِ كلّ واحدٍ في ماۤدّة و هما رأسان من الجعل الكلي .

اقول هذا بيان تمثيلهم للجعل المركب فان الجعل واحد مع ان اثره مجعولان و لكن اذا سلّمنا لهم ذلك باعتبار تعدّد اثره لم‌نسلّم لهم تركيب الجعل اذ علي تقدير التعدد يكون جعلان بسيطان كل واحد في مادة و بينهما مساوقة وقتية و ان كان احدهما مترتباً علي الآخر و بيان الردّ قولنا فان اريد تغيير الطين و هو بفعل ( بجعل خ‌ل ) غير ( غير جعل خ‌م ) المتغيّر خزفاً و هو اوّلٌ و جعله خزفاً و هو ثانٍ فلذا قلنا هما جعلان كل جعل في مادة فجعل التغيير في الطين هو الأول و جعل المتغير خزفاً هو الثاني ، مادة الأوّل الطين و مادة الثاني المتغير منه و ان كان الثاني مترتباً علي [ص 136] الأول و قولي و هما رأسان من الجعل الكلي ، اريد به الحركة المغيرة للطين علي ● الحالة الأولي و المصيّرة له خزفا فانهما وجهان من الرأس المتعلق بهذا الشئ و ان شئت قلت رأسان من الجعل الكلي و الجعل يجوز ان يريد ( تريد خ‌م ) به الاضافي اعني المختص بالطين في احواله كلّها مثلا و يجوز ان يريد ( تريد خ‌م ) به الحقيقي المتعلق بجميع الممكنات و يكون حينئذٍ كون هذين رأسين من الكلي انما هو مع قطع النظر عن الوسايط يعني انهما رأسان منه مع عدم اعتبار الوسايط الكثيرة في خصوص مسئلة الطين .

قلت و ان اريد قلب الطين خزفاً من غير اعتبار تغييره و انما هو حركة واحدة في جهة واحدة فهو جعل واحدٌ .

اقول ان اريد بقولك جعلت الطين خزفا صنع الخزف مع قطع النظر عن نقله عن الحالة الأولي الي الثانية فهو جعل واحد بسيط و هذا ظاهر .

قلت و ان اريد به ما يستعمل في تكوين المتبوع و تكوّن التّابع به كجعل الوجود و انجعال الماهية بجعل الوجود فهذا في الظاهر جعل واحد لشيئين مختلفين .

اقول ان اريد بذلك مثل ما يستعملونه في جعل الوجود و الماهية من جهة الملازمة بينهما فان الماهية لازمة للوجود فاذا جعل انجعلت معه بجعله ففي الظاهر اي علي ما يظهر للناظر بلا تأمل او مع تأمل يرجع فيه الي المتابعة و التقليد و الرجوع الي ما في الكتب و الي القواعد لا الي مقتضي الفطرة هو جعل واحد اذ ليس الّا جعل الوجود مثل كَسَرْتهُ [ص 137] فانكسر فانه لم‌يصدر من الفاعل الا فعل الكسر و امّا الانكسار فليس من الفاعل لأنّ ضمير انكسر راجع الي المفعول و ليس من المفعول ايضا لأنّ المفعول انما يتحقق بعد الانكسار مثلا و لا من نفسه لأنّ الشئ لايحدث نفسه فلم‌يبق الّا انه كان بتبعيته فعل الكسر و ليس الكسر الصادر من الفاعل متعددا فيكون جعلاً واحدا و هذا علي تقدير التسليم لقولهم فانه لايحصل جعل مركب اذ لم‌يصدر الا فعل واحد عن الفاعل و اردت بقولي في الظاهر ، الاشارة الي ان ذلك في الحقيقة متعدد و مع هذا فلايكون التركيب المدعي لان التركيب لايتحقق الّا علي نحو ما قلنا سابقا فراجع .

قلت لكن ما انجعلت به الماهية ليس بجعلٍ كجعل الوجود و لا مخالف له و لا معاندٍ له و ان كان في جهتين فلايكون الجعل منهما مركبا لان ما جعلت به الماهية صفة لما جعل به الوجود و اثر له و لايكون الشئ مركبا من ذاته و اثره .

اقول ان ما انجعلت به الماهية ليس علي ما يتوهم كما ذكرنا عنهم قبل من انه ليس بجعل لا من الفاعل و لا من المفعول و لا من نفس الانجعال الخ ، بل هو جعل حقيقي لأن الماهية بعد ثبوت كونها شيئا لا بدّ و ان تكون مجعولة و لايجوز ان يكون ذلك من نفسها و لا من غير جاعل بل تكون مجعولة بجعل جاعل و لايصحّ ان يكون ذلك الجعل هو جعل الوجود لأنها غير الوجود و اذا كان المجعول صفة الجعل و تأكيده امتنع ان يكون جعلها جعله و ان يكون جعلها مخالفاً لجعله و لا معانداً [ص 138] لترتّب وجود جعلها علي وجود جعله فلايكون جعلها نفس جعله لأن الشئ لايترتّب علي نفسه لاستلزام ( نفسه و الا لاستلزم خ‌م ) تأخّر المترتب من المترتب عليه و لا مخالفاً و لا معانداً له و الّا لماترتّب عليه لكن لما كانت في الحقيقة صفة لنفس الوجود و مخلوقة من نفسه وجب ان يكون جعلها كذلك فيكون جعلها من جعله و اثراً له فهو كالشعاع من المنير و لايجوز ان يتركب شئ من شئ و اثره او صفته الفعلية فلايكون الجعل مركباً من جعل الوجود و جعل الماهية و اما الشئ كزيد مثلا منهما فهو جعل واحد كما تقدّم و يأتي بيان نسبة جعلها الي جعله ان شاۤء الله تعالي .

قلت فان ما جعل به الوجود كالشمس للنور و ما جعل به الماهية كنفس النور للظِلّ فان جعل الشمس للنور جعل وحده و جعل نفس النور من حيث نفسه للظل جعل وحده مغاير للجعل الاول .

اقول يعني ان الجعل الذي جعل به الوجود الذي يقال له اوّلاً و بالذات مثل الشمس اي ذات مستقلة بنفسها في ايجاد النور و احداثه كما ان جعل الوجود مستقل في ايجاد الوجود و احداثه و الجعل الذي جعلت به الماهية صفة لاتتقوّم بنفسها و انما تتقوم بموصوفها فهو كنفس النور للظلّ يعني نفس النور من حيث نفسه يحدث عنه الظل بواسطة حفظ الشمس لنفس النور و الجعلان متغايران كل واحد جعل علي حدة و ان كان الثاني مترتّباً علي الأوّل و صفة له و نسبته اليه في القوة و الضعف نسبة واحد من سبعين و ليست الشمس جاعلة للظل و الا لعاد اليها و كان نورا لكنه يعود الي الجدار المعبّر به عن نفس النور من حيث نفسه .

[ص 139] قلت و كونه مترتبا عليه و متقوّما به لايلزم منه التركيب لان الشمس لم‌تجعل لنفسها الظل .

اقول هذا جواب عن سؤال مقدّر تقديره انّ جعل الظل مترتّبٌ في الوجود علي جعل النور و لم‌يتقوّم وحده فدلّ علي تركيبه منه و الجواب انّ كونه مترتباً عليه و متقوماً به لايلزم منه التركيب كما هو شأن جميع المعلولات بالنسبة الي عللها مع انها ليست متركبة عنها و ايضا الشمس لم‌تجعل الظلّ لنفسها بان يكون صفة لها ليكون جعلها للنور جعلاً للظلّ فتكون جاعلة له بنفسها كما جعلت النور بنفسها و انما جعلته بنفس النور لنفس النور فلذا بدء منه و اليه يعود و ان كان مترتّباً عليه يعني ان جعل الظلّ انما يكون بجعل النور لأنه صفته من حيث نفسه و الصفة لاتتحقق الّا بعد تحقق موصوفها .

قلت و قوله تعالي ثم جعلنا الشمس عليه دليلا لايدل علي انها جاعلة له اذ لو جعلته بجعل النور لكان نوراً اذ ليس فيها ظل و ان جعلته بجعل نفس النور التي هي اصل الظل واقعاً دلّ علي انها حافظة للنّور الجاعل للظل لا جاعلة فلايحصل التركيب حقيقة و الي ذلك الاشارة بقوله تعالي و ما امرنا الّا واحدة كلمح بالبصر .

اقول هذا جواب عن سؤال مقدّر تقديره انّ الآية المذكورة دالّة علي ان الظلّ صادر عنها فيكون جعل النور هو جعل الظل و يلزم من ذلك التركيب علي معني ما ذكروا و الجواب ان الآية لاتدلّ علي ذلك لانّ كون الشمس دليلاً ليس هو كونها جاعلة و انما دلالتها ( دلالته خ‌ل ) [ص 140] عليه بيان ارتباطه بها في المدّ و القبض لا بكونها جاعلة له و هذا ظاهر علي انها لو جعلته لكان اثراً لجعلها فيكون نورا لأنّه حينئذٍ صفتها و ليس فيها ظل او ظلمة ليستند اليه و ان جعلته بجعل نفس النور كما هو الواقع لأنّ نفس النور من حيث هو هو ظلمة فهي اصل الظلّ حقيقة دلّ قولنا جعلته مع انّ الجعل الصادر عنه الظلّ ليس جعلاً لها في الحقيقة و الا لكان المجعول نوراً علي انها جاعلة لما يكون عنه الظل اذ قولنا جعلته ، لايخلو من ان يكون هذا واقعاً عليه او علي غيره و قد بيّنّا عدم امكان وقوعه علي الظل و الّا لكان نورا و اذا وقع علي غيره فليس جايزاً ان يكون ما وقع عليه هذا الجعل اجنبياً من الظل و الا لماافاد شيئا في تحققه بحالٍ من الأحوال فوجب ان يكون ملزومه و هو النور فان النور اذا وجد لزمه انيته و هي علّة الظل و جعل الشمس لها انما هو بجعل لازم بجعل ● النور و جعل الظل لازم لهذا الجعل اللازم لجعل النور و افاد ذلك كله كون الشمس حافظة للنور لتقوّمه بجعلها تقوّم صدور و لوازمه كلها تابعة له فكانت نسبة الجعلات بعضها الي بعض كنسبة المجعولات بعضها الي بعض فجعلها للظل انما هو بجعل لازم لجعلها للنور و معني قولي و ان جعلته بجعل نفس النور الخ ، ان الشمس انما جعلت ماهية النور بجعل لازم لجعلها لوجود النور و الظل صفة لماهيته لا لوجوده و النور متقوّم بوجوده تقوّماً ركنيّا و وجوده متقوّم لجعل الشمس تقوّماً صدوريّا و الظل متقوّم بماهية النور تقوّماً ركنيّا من حيث ان مادته من صفتها و صدوريّا ● ان جعله من جعلها فتكون الشمس حافظة [ص 141] للنور الذي كان جعل الظلّ تابعاً لجعله بالذات لوجوده و بالعرض لماهيته و الضمير في قولي لا جاعلة له يعود الي الظل فكونها دليلاً عليه كما بيّنّا لايستلزم ان يكون مجعولاً لها و اذا كان كل شئ له جعل يختص به لايصلح لغيره من دون تغيير امتنع التركيب في الجعل و لو كان جعل بعض الأشياۤء مركباً امتنع ان يكون مركباً من جعلات تامّة مستقلة فلا بدّ ان يكون مركباً من اجزاۤء جعل لا من جعلات و علي فرض امكانه فهو جعل بسيط اذ لايصلح جزؤه لجزء من مجعوله غير مشارك فيه و الا لكانت متعددة كما اشرنا سابقا فراجع .