قلت و المشيّة هي ادمُ الاوّل (ع) و حوّاۤؤُه هي الجواز و هي كفؤه لاتزيد عليه و لاتنقص عنه كما اشرنا اليه سابقاً فافهم .

اقول و ذلك لما ورد ان الله سبحانه خلق الف‌الف عالم و الف‌الف آدم انتم في آخر تلك العوالم و اولئك الآدميين و في بعض الأخبار لم‌يخلق منها شئ من الطين غيركم و اشارت الأخبار الي ان المراد منها الأطوار و العوالم و يعلم من ذلك ان اوّل تلك الآدميين المشية و حوّاۤء ذلك الآدم هو الجواز و الامكان بقول مطلق يعني ان اريد به المشية الامكانية [ص 84] فالمراد بالجواز حينئذٍ الامكان المطلق الراجح و ان اريد به المشية الكونية فالمراد بالجواز حينئذٍ المقيّد للتساوي ● و ان تفاوتت مراتبه في السبق الا انها يجمعها كلها الوجود بشرط شئ و قولي و هي كفوه ، معناه انها لاتزيد ● و لاتنقص عنه و معني هذا كما تقدّم انه لايكون شئ ممكن لاتتعلق به المشية و لايكون شئ من المشية خارجة عن الامكان اذ خارج الامكان ليس الّا الوجوب و الوجوب لاتتعلق به مشية ( مشيته خ‌ل ) ( المشية خ‌م ) .

قلت و هذا هو النّار المشار اليها في قوله تعالي و لو لم‌تمسسه نار فمكانه الامكان و وقته السّرمد .

اقول هذا في التاويل هو النار المذكورة في القرءان المجيد يعني ان الحقيقة المحمديّة صلي الله عليه و آله التي هي الزيت في الآية تكاد ان تخرج في الكون قبل التكوين و ذلك لشدّة قابليتها و قربها من مقام المشية فمثّل للمشية بالنار و للحقيقة المحمّديّة بالدهن و للعقل الكلي المتكوّن من تعلّق المشية بالحقيقة المحمّديّة بالمصباح المتكوّن من تعلق النار بالدهن و وقت الفعل هو السرمد و اما اول فائض من الفعل بل و ارض الجرز اللذين هما قبل العقل فعلي احتمال انهما لاحقان بالسرمد لتقدّمهما علي العقل الذي هو مساوق لأوّل الدهر و علي احتمال انهما من الدهريّات لأن السرمد انما هو وقت للفعل و هما من المفعولات لا من الفعل و علي احتمال انهما برزخ بين السرمد و الدهر فيكون وجههما في السرمد و فعلهما في الدهر .

قلت فهو للسرمد كالاطلس للزمان فكما انه ليس محدّبه في مكان و لا [ص 85] زمان و انما المكان و الزمان انتهيا به لم‌يتخلف احد من هذه الثلاثة عن الاخر و كلّما قرب من محدّبه من الجسم و الزمان و المكان لطف و رقّ و كلّما بعُدَ منه كثف و غلظ .

اقول فهو اي المشية بالنسبة الي السرمد كالفلك الاطلس بالنسبة الي الزمان فكما ان محدّب الفلك الأطلس ليس في مكان لأنه محدّد الأمكنة و الجهات و لا في زمان لأن الزمان لايكون الّا ظرفا للجسم و ليس وراۤء محدبه جسم ليكون ما خرج من الزمان عن محدبه ظرفا له و هذا هو الحق في هذه المسئلة التي تسافلت دونها عقول الحكماۤء و انحطّت عنها افهام العلماۤء و لقد كثرت فيها الأقوال و اختلفت و تنافرت فيها الآراۤء و اضطربت و الحق هذا و هو ان المكان و الزمان ظرفان للجسم و هما من مشخصاته و المشخصات حدود الماهية و اجزاۤء القابلية و الحدود و الأجزاۤء مقوّمات للشئ فهي جزء ماهيته و لايمكن ان يوجد جسمٌ بلا مكان و لا زمان و لا مكانٌ بلا جسم و لا زمان و لا زمانٌ بلا جسم و لا مكان فكل واحدٍ شرطٌ للآخرَيْن مقوّم لهما فيجب بحكم هذه القواعد الضرورية ان تكون الثلاثة متساوقة اذا وجد واحد وجد الاثنان و اذا فقد فقدا و هذا معني قولي و انما المكان و الزمان انتهيا به لم‌يتخلف احد من هذه الثلاثة عن الآخر و اعلم ان الأجسام علي ثلاثة اقسام : قسم لطيف جدّا تقرب لطافته من عالم المثال كمحدب الفلك الأطلس و قسم كثيف جدّا كالمركبات السفلية مثل الحجارة و التراب الكثيف و قسم متوسط بينهما كالأفلاك السبعة و حيث كان مشخصات [ص 86] كل شئ من نوعه في اللطافة و الكثافة و كان المكان و الزمان من المشخصات كما تقدّم وجب ان يكون مكان محدّب محدّد الجهات و زمانه المتساوقين له كما مرّ الطف ما يمكن فيهما بحيث لايبقي لهما وجود فيما فوق ذلك و هما في الافلاك الباقية متوسطان و في الأجرام السفلية كثيفان غليظان كل شئ منهما بحسب ما يشخّصانه و في دليل الحكمة دليل هذا فان سرعة حركة الفلك الأطلس و توسط حركة الأفلاك و بطؤ المتحركات السفلية ذلك و اما فلك الثوابت فبطؤ حركته لكثرة تصادم الحركات المتعددة فيه اذ لكل نجم ( نجم فيه خ‌م ) حركة بخصوصه حركة تدوير او حركة حامل و الذي يقوي في نفسي ثبوت افلاك التداوير لها و بهذه النسبة تعتبر المجرّدات فان الدهر وقتها و هو في العقول كما في المحدّد الطف منه في النفوس كما في الأفلاك السبعة و شدّة كثافته و غلظه في الطبايع و جواهر الهباۤء كاَجرام ● السفلية فاذا عرفت هذا في الزمان و في الدهر فاعلم ان السرمد ليس فيه تعدّدٌ و لا تغاير فاعتبار التفاوت بالنسبة الي وجوه المشية انما هو باعتبار تعلّقها بمتعلقاتها علي نحو ما ذكرنا و انما ذكرنا هذا التقسيم و التفاوت في الأجسام علي جهة الحقيقة لتعرف هذه النسبة هناك علي جهة الاعتبار و قد اشار تعالي الي شدّة لطافته في قوله تعالي يكاد زيتها يضيء و لو لم‌تمسسه نار و لم‌يكن هذا في ساير الحوادث .

قلت كذلك هذا الوجود اي الجواز الراجح كلّما قرب من نفسه من الفعل و الامكان و ٱلسّرمد لطف و رقّ حتّي يكاد يخفي عن نفسه و حتّي يكاد يظهر [ص 87] في كل شئٍ .

اقول يعني انّ هذا الوجود الراجح اعني المشية كلما قَرُبَ من نفسه اي من لحاظ العليّة من الفعل و الامكان و السرمد و مِنْ هنا بيانية اي كل واحد من الفعل و من الامكان الذي هو مكان الفعل و من السرمد الذي هو وقت الفعل قرب من نفسه اي من جهة لحاظ عليّته لنفسه لَطُفَ و رَقّ اي لم‌يجد نفسه حتي يكاد يخفي عن نفسه اي لايشعر بنفسه لكمال فناۤئه في وجه بقاۤئه و لم‌يجد نفسه حتي يكاد لايخفي عن شئ من آثاره لكمال ظهوره بها لها .

قلت و كلما بَعُد عن نفسه منها غلظ اي ظهر حتي يكاد يظهر في المفعولات و حتّي يكادَ يفقد منها .

اقول و كل واحد من الثلاثة بَعُدَ عن نفسه اي عن لحاظ عليّته لنفسه منها اي من الثلاثة غَلُظَ يعني ظهر حتي يكاد يظهر في المفعولات التي هي آثاره بالكلية او الجزئية اي الركنية اي حتي يقال ان هذه الأشياۤء هي ذاته و لأجل عدم ملاحظة بعض الصوفية كضرار و اصحابه لعليّته لنفسه قالوا هو جزء الأشياۤء و ركنها الأعظم و ان الأشياۤء مركبة من وجود هو الفعل و من ماهية هي الحدود و المشخصات و ظهر ايضا حتي يكاد يفقد منها اي لايكون علة لها و ذلك عند عدم ملاحظة عليّته لنفسه التي هي عليّته لغيره لأنّ عليّته لنفسه عين عليّته لغيره فاذا لم‌تلاحظ لم‌تعرف المعلولية في المفعولات اذ لاتعرف الّا بملاحظة عليّة العلة .

قلت فالامكان و السرمد انْتهيَا به .

[ص 88] اقول يعني انهما انتهيا به و انتهي بهما و انتهي كل واحد منهما بالآخرَيْن .

قلت و كما ان المحدّد و المكان في الزمان و هو و المحدد في المكان و الزمان و المكان في المحدّد اي كلّ واحدٍ من الثلاثة حاوٍ للاثنين كذلك الفعل و الامكان و السرمد كل واحدٍ منها حاوٍ للاثنين الاخرَيْنِ و كل واحدٍ منتهٍ بالٰاخر من الثلاثة .

اقول هذه الكلمات يعلم معناها مما سبق و هو انّ كل واحد منها حيث وجد وجد الآخران و حيث فقد فقد الآخران في الذات و الصفات و التأثيرات .

قلت الّا ان الوجودات الثلاثة علي اوضاع ثلاثة فالواجب ازله ذاته و مكانه ذاته .

اقول هذا القسم الأوّل مما يقال عليه الوجود و هو الواجب تعالي و هو واحد بكل اعتبار اي في نفس الأمر و في الواقع و في التعقل و في الاحتمال و الامكان و الفرض لا كثرة فيه و لا تعدّد لا في ذاته و لا في صفاته و لا شريك له في افعاله و لا في عبادته فله التوحيد الخالص ، الا لله الدين الخالص .

قلت و الممكن الذي هو الوجود المقيد و هو جميع المفعولات مكانه غير زمانه و هما غير ذاته .

اقول ان الأشياۤء المخلوقة لايمكن ان تنفكّ عن التأليف المقتضي للتعدد و التكثر و المغايرة فمشخصاته و ان كان انما يتعيّن و يتشخص بها الّا انها من حيث انفسها و من حيث مفهومها و قبل التأليف و لو اعتباراً مغايرة له فوجب اعتبار التعدد فيها فخلص التوحيد الحق لله سبحانه .

[ص 89] قلت و امّا الجواز الراجح فمكانه و زمانه بالنسبة اليه باعتبار الاتّحاد و المغايرَة بين بين ليس علي حَدّ الوجوب في الاتحاد و لا علي حد الممكن في التعدد هذا بالنسبة الي نفسه و بالنسبةِ الي ارتباطه بالممكن فمتغايرة مغايرةً ابسط من مغايرة الممكن فافهم .

اقول ان الوجود الراجح اعني المشية اذا اعتبر مكانه الذي هو الامكان و وقته اعني السرمد بالنسبة اليه كانا متحدين معه في نفس الامر و في الواقع مغايرين له في اعتبار الفؤاد فنسبته الي الوجود الحق باعتبار عنوانه اي دليله اعني مقاماته التي لا تعطيل لها في كل مكان من حيث هي عنوانه و الي الوجود المقيّد اعني المفعولات نسبته التوسط و ذلك باعتبار مدرك الفؤاد فهو بين بين لأنّ الواجب لايدرك من عنوانه التعدّد و الكثرة لا في الواقع و لا في التعقل و الممكن يدرك منه التعدّد في الطرفين و هذا الوجود الراجح لايدرك منه التعدّد في الواقع و يدرك منه في التعقل فهو بين بين و هذا مرادنا من قولنا ليس علي حدّ الوجوب في الاتحاد و لا علي حدّ الممكن في التعدّد و قولي هذا بالنسبة الي نفسه اي هذا التوسط المذكور هو بالنسبة الي نفسه و اما اذا اعتبرنا ذلك بالنسبة الي ارتباطه اي تعلّقه بالممكن المتعدد المتكثر ففيه تغاير و تكثّر باعتبار التعلق كما قلنا في التمثيل بحركة يد الكاتب في تعلّقها بالحروف المتعددة المتغايرة المتكثرة و لكن ليس مثل تغاير متعلقه لأن تعدّد متعلقه و تغايره ذاتيّ و تعدّده ليس لذاته و انما نسب اليه باعتبار متعلقه و هذا معني قولي فمتغايرة مغايرة ابسط [ص 90] من مغايرة الممكن .

قلت : الفاۤئدة الرابعة في الاشارة الي تقسيم الفعل في الجملة .

اقول هذه الفاۤئدة معنونة بتقسيم الفعل لأنّا لما ذكرنا بعض ما يتعلق ببيانه اقتضي بيانه ذكر تقسيمه الي هذه الأقسام في التسمية باعتبار متعلقه .

قلت اعلم ان الفعل باعتبار مراتبه عند تعلّقه بالمفعولات ينقسم الي اقسام فالاول مرتبة المشية و هي الذكر الاول كما قاله الرضا (ع) ليونس .

اقول الفعل اذا كان متعلقا بوجود الشئ اعني كونه يسمّي مشية لأن الوجود هو اول ما يذكر به الشئ و لهذا قال الرضا عليه السلام ليونس تعلم ما المشية قال لا قال هي الذكر الأوّل تعلم ما الارادة قال لا قال هي العزيمة علي ما يشاۤء تعلم ما القدر قال لا قال هي ● الهندسة و وضع الحدود من البقاۤء و الفناۤء الحديث ، و معني كون المشية هي الذكر الأوّل ان اول ذكر الله تعالي للشئ ان يذكره بكونه اي بان يوجد كونه و ايجاد الكون الذي هو الوجود هو المشية و المراد بالذكر الأول المعني المصدري و معناه الوجود علي تاويله بالمفعول و علي تاويله بالفاعل هو المشية .

قلت و المراد ان الشئ قبل المشيّة لم‌يكن له ذكر في جميع مراتب الامكان فاوّل ذكره معلوميته في كونه .

اقول يعني انّ الشئ اذا لم‌يكن شيئاً لم‌يذكر لأنّه انما يذكر بانه هو و انه شئ و شيئيته انما هو ● بوجوده اذ لا شيئية لما لم‌يوجد فاوّل ان يكون مذكوراً كونه شيئا و هو كونه موجودا و هو اول ما يذكر به و الفعل [ص 91] المتعلق بتكوينه هو المشية فلأجل ذلك قال عليه السلام هي الذكر الأول يعني اول ما يذكر به فان قلت كيف يكون هذا اول الذكر و الشئ مذكور في العلم قبل ايجاده قلت قد قرّرنا انّ الشئ اول كونه معلوما كونه ممكنا و كونه ممكنا بالمشية الامكانية فهو مذكور في المشية بما هو مشاۤء به ففي المشية الامكانية هو اول ما ذكر ● في امكانه و في الكونية اول ما ذكر بها في كونه فاذا قيل المشية هي الذكر الأول للشئ صدق علي المشيتين الّا انه هنا المراد به الذكر الأول الخاص المتشخص المتميّز و هو لايتحقق الا في المشية الكونية و امّا المشية الامكانية فانه و ان كان مذكوراً فيها قبل الكونية الا انه علي وجه كلي لايتخصص به بل يصلح له و لغيره كما اذا اخذت مدادا بالقلم لتكتب به اسم زيد فقبل الكتابة لم‌يكن زيد مذكورا علي جهة الخصوص و التعيّن بالمداد الذي علي القلم لجواز ان يبدو لك فتكتب به اسم عمرو او لاتكتب شيئا فليس مذكوراً بمشيتك الامكانية علي الحقيقة قبل ان تكتب به الّا علي جهة الامكان الذي تساوي فيه هو و عمرو و خالد و الجبل و البحر و ما اشبه ذلك فقولي لم‌يكن له ذكر في جميع مراتب الامكان يعني علي جهة الخصوص و التعيّن لا مطلقا و قولي فاوّل ذكره معلوميته في كونه يعني به الذكر الخاص به كما قلنا .

قلت و مثاله فيما يبدو لك ان تفعله فانه لم‌يكن شيئا قبل ان تذكره فاذا ذكرته كان ذكرك له اول مراتب وجوداته و هي كونه .

اقول يعني انّ الشئ الذي تريد فعله لم‌يكن له ذكر منك قبل فعلك و الّا [ص 92] لم‌يكن مفعولا لك او ( و خ‌ل ) انك فعلته قبل هذا فاذا فقد من الأمرين كان عدماً قبل فعلك ليس بمذكور فاذا خطر علي قلبك فعله فانت ذكرته و هو معني انك شئت فعله باوّل خطوره علي قلبك و اذا تأكد العزم كانت الارادة كما يأتي هذا مثال صحيح في حق من تكون منه ارادة و ميل للفعل قبل ان يفعل و يتفكر و يتروّي و اما الواجب عز و جل لم‌يكن كذلك لانه لايفكر و لايهمّ و لايروّي و ليس له ميل الي شئ و لا داعٍ يبعثه علي الفعل و انما ذلك منه سبحانه فعله للشئ من غير سبق شئ علي فعله فاوّل ايجاده وجود زيد هو مشيته تعالي لايجاد زيد لأن وجوده اول ما ذكره الله و هو وجوده .

قلت : و الثاني الارادة و هي العزيمة علي ما شاۤء و هي ثاني ذكره و معلوميته في عينه و لم‌يكن له وجود قبله الا الذكر الاوّل الذي هو كونه و هو صدور الوجود قبل لزوم الماهيّة له .

اقول هذا هو القسم الثاني من اقسام الفعل باعتبار تسميته من حيث متعلقه و هو الارادة التي هي العزيمة علي ما يشاۤء و يسمّي الفعل بالارادة اذا كان متعلقا بالعين التي هي انيته و ماهيته و هي اي الارادة ثاني ذكره لأن اول ذكره المشية و هذه الرتبة معلوميته في عينه اي انه معلوم بعينه كما انه في الرتبة الأولي معلوم بكونه و انما قلنا هنا انها ثاني ذكره لأن اول ذكره المشية و بعد المشية الارادة و هي ثاني ذكره و قولي الا الذكر الأوّل الذي هو كونه يعني ان ذكره الأول ذكره بكونه اي بوجوده قبل لزوم الماهية به اذ بعد لزومها له تكون العين اي [ص 93] الذات لانها لاتتحقق الا بالكون و اعلم ان الكون لاينفكّ عن العين لتلازمهما في الظهور الا انه في التقدّم الذاتي يكون الكون سابقاً في التحقق علي العين بسبعين سنة و ان كانا في الظهور متساوقين .

قلت و بها تلزمه الماهية و بالمشية كانت الارادة لترتّبها عليها .

اقول و بها اي بالارادة تلزم الماهية للوجود لأنها هي المثبتة لها فيه و انما كانت الارادة متأخرة عن المشية لأن الارادة مترتبة علي المشية و ذلك لأن المشية هي الذكر الأول و الارادة هي العزيمة علي ما يشاۤء فتكون مترتباً عليها اي علي المشية لأنها العزيمة علي المشية و العزيمة علي الشئ مترتبة علي سبق ثبوته .

قلت : و الثالث القدر و هو الهندسة الايجاديّة و فيه ايجاد الحدود من الارزاق و الاجال و البقاۤء و الفناۤء و ضبط المقادير و الهيئات الدهرية و الزمانية من الوقت و المحل و الكم و الكيف و الرتبة و الجهة و الوضع و الكتاب و الاذن و الاعراض و مقادير الاشعّة و جميع النهايات الي انقطاع وجوداته .

اقول هذا هو القسم الثالث من اقسام الفعل باعتبار تسميته من حيث متعلقه و هو القدر و المراد به فعل الله المتعلق بالحدود و قولي و هو الهندسة الايجادية الخ ، كما هو في قول الرضا عليه السلام ليونس في تفسير القدر و ربما فسّرت بالحدود او عطفت عليها اريد به ما يشملها فان الهندسة هي الحدود المعنوية و الظاهرية كالأرزاق من الغذاۤء و العلوم و تعليم الصناعات و التيسير للأعمال الصالحات و الطالحات [ص 94] و الأسباب المؤدّية الي مسبباتها و كالآجال الابتداۤئية و الانتهاۤئية بمعني انّ كل شئ محدث فله ابتداۤء معيّن و انتهاۤء مقدّر و كالبقاۤء اي انّ كل شئ له بقاۤء في الأكوان مقدّر لايزيد و لاينقص و كالفناۤء من الأكوان كذلك و ضبط المقادير ايضا كذلك يعني انها من التقدير لأنها من المشخصات و كالهيئات الدهرية و الزمانية كالحركات و السكنات و الأوضاع و النسب و كالحدود الستّة اعني الوقت و المحل و الكمّ و الكيف و الرتبة و الجهة الخ ، فان الهيئات الدهرية و الزمانية تشمل جميع الحدود و المقادير و العطف عليها عطف تفسيري او عطف خاصّ علي عام و كالوضع بمعانيه الثلاثة اعني افتقار الجوهر الفرد الي حيّز و ترتّب اجزاۤء الشئ بعضها علي بعض و ترتّب اجزاۤء الشئ علي غيرها بل علي الأمور الخارجية و كالكتاب و المراد به ان كل شئ فمن اسباب كونه و بقاۤئه و توصّله الي ما خلق له ان تكون جميع احواله و اعماله و اقواله و حركاته و سكناته مكتوبة في الكتب الالهية و الألواح السماوية و الأجرام السفلية و غير ذلك لاقتضاۤء الأسباب منها لمسبباتها فمنها المبادي التي بها تكون الأشياۤء و منها النهايات التي تكون عن الأشياۤء مثل الأوّل انّ وجود زيد متوقفٌ علي اثباته في اللوح المحفوظ و في الألواح الجزئية و مثل الثاني وجود امثاله و صفاته و وجوده مقتضٍ لايجاد امثاله و صفاته في وجه اللوح و وجوه الالواح فلو لم‌يقتضِ وجوده ذلك لم‌تقتضِ كتابته في اللوح المحفوظ وجوده لأن المقتضي من نوع واحد و ان اختلف في الشدّة و الضعف و كالاذن يعني انّ كل شئ لايخرج من الامكان الي الاكوان و من [ص 95] الحركة الي السكون و من السكون الي الحركة و من حال الي حال و من الأكوان الي الامكان بمعني انه لاينتقل من شئ الي شئ بل و لايبقي علي حال الا باذن الله سبحانه و كالأعراض يعني ان كل شئ فجميع ما تنسب اليه من الأعراض بجميع ما يراد منها من مشخصاته و معيّناته و كذلك ما تلحق تلك الأعراض من الأعراض و اعراض الأعراض مثل الحركة و سرعة الحركة و شدّة السرعة و هكذا و كذا مقادير الأشعة و اشعة الأشعة و هكذا اي الي ان تنتهي وجوداتها و هو قولنا ● مقادير الأشعة و جميع النهايات الي انقطاع وجوداته اي وجودات الشئ الذاتية و العرضية اللاحقة له و اللاحقة للّاحقة له و كل ذلك من احكام التقدير و متعلّقاته و ما يتعلّق به من الفعل يسمّي قدرا .

قلت و في هذا اول الخلق الثاني و بدء السعادة و الشقاوة و بالارادة كان القدر لترتبه عليها .

اقول و في هذا القسم اعني القدر من اقسام الفعل اول الخلق الثاني يعني ان الصانع اذا اراد ان يصنع شيئا لا بدّ له من مادة يصنع منها الشئ فغير الله سبحانه يأخذ مادة مطلوبه مما صنع الله عز و جل و امّا الله سبحانه فلم‌يكن عنده في ملكه شئ الّا ما صنعه فاذا اراد ان يخلق خلقاً خلق مادة ذلك المخلوق و صنعه من تلك المادة كالكاتب فانه يصنع المداد اوّلا ثمّ يكتب منه ما شاۤء فالخلق الأول هو صنع المادة و الخلق الثاني هو الصنع من تلك المادة كما مثّلنا فالمداد هو الخلق الأول [ص 96] و الكتابة هو الخلق الثاني و هو ان يأخذ حصّة من المادة و يقدّرها علي حسب ما يريد فالتقدير هو الخلق الثاني و فيه السعادة و الشقاوة مثل الخشب الذي هو الخلق الأوّل ليس فيه سعادة و لا شقاوة فاذا عمل منه باباً او سريراً او صنماً ثبت ● السعادة و الشقاوة في الخلق الثاني لأنه محل التصوير و الصورة هي الأمّ التي يسعد من يسعد في بطنها و يشقي من يشقي في بطنها كما يأتي بيانه ان شاۤء الله و قولي بالارادة كان القدر ، مأخوذ من حديث الكاظم عليه السلام كما في الكافي و انما كان القدر بالارادة لأنها هي صنع المادة التي يتوقف التقدير عليها و لهذا قلنا لترتبه اي لترتب القدر علي الارادة .

قلت و هذه الاشياۤء المذكورة تجري في الخلق الاوّل علي نحوٍ اشرف و انما ذكرت هنا لانه محل الهندسة و هناك محل بساطة .

اقول يعني ان هذه الأمور المذكورة اعني ايجاد الكون و العين الذي هو الخلق الأول و ايجاد الحدود و الهندسة الذي هو الخلق الثاني و ما فيهما من المراتب و التفصيل يجري في الخلق الأول اي الايجاد ● الكون و العين فانّا مثلاً نقول في قول الصادق عليه السلام لايكون شئ في الارض و لا في السماۤء الا بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاۤء و اذن و اجل و كتاب فمن زعم انه يقدر علي نقص واحدة فقد كفر او فقد اشرك علي اختلاف الروايتين و كذا في قوله علي نقض بالضاد المعجمة و بالمهملة علي اختلاف الروايتين و ظاهر الروايات ان المراد بالشيء هنا هو المفعولات من الغيب و الشهادة فانّا نقول انه ايضا [ص 97] جارٍ في الأفعال لعموم الشيئية و لاشتراك الكل في مقتضيات الحكمة فلا فرق في ذلك بين الأفعال و المفعولات بل كل تلك الأمور السبعة تجري في كل شئ من الحوادث في كل شئ بحسبه فالأشرف و الأبسط تكون فيه بنحوٍ اشرف و ابسط نعم هي في الخلق الثاني اظهر و اما في الخلق الأوّل فخفيّة فلأجل ذلك ذكرتها في ذكر الخلق الثاني و لهذا قلت و انما ذكرت هنا اي في الخلق الثاني لأنه محل الهندسة اي الحدود و المقادير و هناك يعني الخلق الأول محل بساطة .

قلت : و الرابع القضاۤء و هو اتمام ما قدّر و تركيبه علي النظم الطبيعي فالقدر كتقدير آلات السرير للطول و العرض و الهيئة و القضاۤء تركيبها سريراً .

اقول : الرابع من الأقسام القضاۤء و هو اتمام ما قدّر يعني ان الصانع اذا اخذ حصّة من المادة و قدّرها علي ما يريد قضاها اي اتمّها علي الصورة المرادة له كالنّجّار اذا اخذ شيئاً من الخشب و قدّره علي هيئة السرير من طول و عرض نظمه و اتمه علي نظمه الطبيعي و هو معني انه قضاه كما قال عزّ من قائل فقضيٰهن سبع سموات الآية .

قلت : و الخامس الامضاۤء و هو لازم للقضاۤء و هو اظهاره مبيّن العلل مشروح الاسباب لاجتماع مراتب التعريف لاثار الصفات الفعلية الالهيّة فيه .

اقول : الخامس من الأقسام المذكورة الامضاۤء و هو في الغالب لازم للقضاۤء بمعني انه لاينفك عن القضاۤء و لذا ورد اذا قضاه فقد امضاه ، لأنّ الشئ اذا تمّ كان في الغالب لاتعرض له موانع الامضاۤء من جهة انّ القضاۤء و [ص 98] الاتمام انما يكون من الفاعل لامضاۤئه و قلّ ان تكون الحكمة مقتضية لمجرّد اتمامه خاصّة ثمّ يبدو له محوه نعم من جهة انه بالاتمام لايخرج من امكان المحو و التغيير و التبديل بل جاز عليه ذلك فربما جرت عليه المشية بالتغيير فلذا قلنا في الغالب و معني الامضاۤء اظهار الشئ تامّاً و معني تمامه اشتماله علي جميع ما له و ما يترتب عليه و من ذلك كونه مبيّن العلل مشروح الأسباب ليكون دليلا و مدلولا عليه و لو لم‌تظهر منه آثار المصنوعية لم‌يكن دليلا و لو لم‌تبد منه ظلمة الانية لم‌يستدل عليه و اذا لم‌يعرف منه الجهتان لم‌يحسن ايجاده الذي يتوقف الامضاۤء عليه فلذا قلنا مبيّن العلل مشروح الأسباب لاجتماع مراتب التعريف ( التعريف في جميع مراتب وجوده خ‌م ) يعني انه انما خلق ليعرف صانعه و يعرف به صانعه سبحانه فخلقه تعريف من الصانع سبحانه له و لغيره في جميع مراتب وجوده كالكون و العين ● و القضاۤء فانها اي مراتب التعريف و التعرّف فيها اجتمعت في رتبة الامضاۤء لأنه انما يكون بعد التمام فيجب ان يكون مبيّن العلل مشروح الأسباب او ● لاتنتظر مرتبة للتعرّف و التعريف بعده و قولي لآثار الصفات الفعلية فيه ، معناه ان الآثار هي آيات التعريف و هي آثار الصفات لا آثار الذات كما توهمه بعضهم فان الذات لا آثار لها و انما الآثار لافعالها و انما قلت الصفات الفعلية لأن الآثار التي هي الآيات انما هي اٰيات للصفات التي هي جهة المعرفة و ليست آيات للأسماۤء و لا للذات لأن الأسماۤء لاتفيد المعرفة و انما تفيد التعين ( التعيين خ‌م ) فتصدق مع التشبيه و التعدد و الحدوث و التركيب و كذلك الذات اذ لا آيات لها الا باعتبار [ص 99] افعالها و قولي فيه اي في الامضاۤء لانتهاۤء كل الآثار و التعريف اليه .

قلت فالاربع المراتب الاول هي الاركان للفعل و الخامس بيانها .

اقول يعني ان المشية و الارادة و القدر و القضاۤء هي اركان للفعل الذي يتم به المفعول باعتبار متعلقاتها كما قلنا سابقا فبالمشية كونه و بالارادة عينه و بالقدر حدوده و بالقضاۤء اتمامه فهذه الأقسام و ان كانت واحدة باعتبار ذات الفعل لكنها باعتبار متعلقها ( متعلقاتها خ‌م ) اربعة و هي اركان للفعل اي لفعل المفعول الذي به يتمّ و الامضاۤء الذي هو الخامس بيانها كما تقدّم لاجتماع مراتب التعريف لآثار الصفات الفعلية الالهية فيه .

قلت و بالقدر كان القضاۤء و بالقضاۤء كان الامضاۤء .

اقول هذا مأخوذ من حديث الكاظم عليه السلام قوله ● فبالمشية كانت الارادة و بالارادة كانت ● القدر الخ ، بعضه صريح و بعضه في ضمنه .

قلت فهذه الاربعة هي صبح الازل .

اقول قولي فهذه الأربعة انما كان ( كانت خ‌ل ) الي الفعل اربعة مع انه واحد لأن تعدده في الأسماۤء انما هو باعتبار متعلقه .

قلت و النور الذي اشرق من صبح الازل اربعة انوار هي العرش الذي استوي عليه الرحمن برحمانيته التي هي هذه الاربع المراتب من الفعل .

اقول النور الذي اشرق من صبح الأزل مأخوذ من قول اميرالمؤمنين عليه السلام لكميل (ره) و معني ذلك الذي اشرق من المشية و هو نور واحد و هو الوجود و هو الحقيقة المحمديّة و هو الماۤء الّا انه بعد ارتباط القابليات به كان اربعة انوار و هذا الانقسام من حكم الحكيم عز و جل [ص 100] بمقتضي القابليات و هذه الأنوار هي مجموع الصفات الرحمانية التي استوي بها الرحمن عز و جل علي عرشه اي ظهر بها يعني اظهر آثار سلطانه و قدرته فيها و بها اعطي كل ذي حق حقه بمقتضي قابليته و انما كانت اربعة لأن مقتضي قابليات الوجودات الكونية اربعة الخلق و الرزق و الموت و الحيوة كما قال عزّ من قائل الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم و هذه الأنوار الأربعة هي العرش فهي اركانه فهو مركب منها فهي العرش و بها ظهر علي العرش اذ العرش له اطلاقات و هذه احدها و قولي التي هي هذه المراتب الأربع من الفعل ، اريد به ان المراتب الأربع من الفعل التي ذكرنا انها تعددت باعتبار متعلقاتها انها بلحاظ تعددها لتعدد متعلقاتها صدر عن كل واحد منها نور و تلك الأنوار الصادرة المتعددة باعتبار قابلياتها هي هذه الأربعة الأنوار التي هي مجموع العرش و اركان العرش بمعني ان العرش مركب منها و ينقسم اليها .

قلت فالنور المشرق عن المرتبة الاولي هو ركن العرش الايمن الاعلي و هو النور الابيض .

اقول الأوّل من الأنوار الأربعة المشرقة من صبح الأزل النور الأبيض ● هو المشار اليه في آية النور مثل نوره كمشكوة فيها مصباح الآية ، و هو العقل الكلي و عقل الكل كما في الأخبار و كلام الحكماۤء و هو القلم و هو اول الوجودات المقيّدة و هو النور الأبيض و منه ضوء النهار و عنه تصدر الأرزاق بواسطة ميكائيل لأنّ ميكائيل يستمدّ منه في ايصال [ص 101] الارزاق الي المستحقين و طبعه بارد رطب و هو الركن الأيمن الأعلي يعني الأول الباطن و هو اثر المشية من اقسام الفعل .

قلت و النور المشرق عن المرتبة الثانية هو ركن العرش الايمن الاسفل و هو النور الاصفر .

اقول هذا النور الثاني المشرق عن المرتبة الثانية اعني الارادة التي هي منشأ العين و تمام الخلق الأول و هو الروح المحمدي صلي الله عليه و آله و من نوره خلقت البراق و هو النور الأصفر قال صلي الله عليه و آله الورد الأصفر من عرق البراق و هو الركن الأيمن اي الأول الاضافي الأسفل اي الباطن الاضافي لأنه تحت النور الأول و ظاهره و منه اصفرّت كل صفرة فيما دونه و عنه تصدر الحيوة لكل حيّ بواسطة اسرافيل لأن اسرافيل يستمدّ منه الحيوة و به يفيض الحيوة علي ذوات النفوس و الأرواح و طبعه حارّ رطب و هو اثر الارادة من اقسام الفعل .

قلت و النور المشرق عن المرتبة الثالثة هو ركن العرش الايسر الاعلي و هو النور الاخضر .

اقول هذا هو النور الثالث المشرق عن المرتبة الثالثة من الفعل اعني القدر و هو ركن العرش الأيسر اي الظاهر الأعلي اي الباطن الاضافي و هو النور الأخضر الذي اخضرّ منه كل خُضرة فيما دونه و هو النفس الكلية و اللوح المحفوظ و عنه يصدر الموت لكل ذي روح بواسطة عزرائيل لأنه يستمدّ منه و طبعه بارد يابس و هو اثر القدر من اقسام الفعل .

قلت و النور المشرق عن المرتبة الرابعة هو ركن العرش الايسر الاسفل [ص 102] و هو النور الاحمر .

اقول هذا هو الرابع و هو النور المشرق عن المرتبة الرابعة من الفعل اعني القضاۤء و هو النور الأحمر الذي احمرّت منه كل حمرة مما دونه و هو الطبيعة الكلية و عنه يصدر الخلق بواسطة جبرئيل عليه السلام لأن جبرئيل يستمد منه في ايجاد الأشياۤء و طبعه حارّ يابس قال صلي الله عليه و آله الورد الأحمر من عرق جبرئيل عليه السلام و هو ركن العرش الأيسر الأسفل اي آخرها اعني الأركان و ظاهرها و هو اثر القضاۤء من اقسام الفعل .

قلت فالبياض من المشية لكمال البساطة .

اقول انما كان النور المشرق عن المشية ابيض لكمال بساطتها و هذا النور اثر البسيط فيكون بسيطا و البساطة تقتضي البياض كما ان التركيب يقتضي السواد و انما قلنا لكمال البساطة لأن جميع الأقسام كلها بسيطة الا ان المشية هو اول الأقسام و اول الايجاد فلايكون وجوده ( وجودها خ‌م ) مترتّبا علي غيره بخلاف باقي الأقسام فان كلا منها مترتب علي ما قبله فلايكون كاملاً في البساطة لما لحقه من الترتب علي الغير و اعلم ان العلماۤء اختلفوا في البياض هل هو لون ام لا فقيل انه لون و يدل عليه ما روي عن علي بن الحسين عليهما السلام قال نور ابيض منه ابيضّ البياض الحديث ، فلو لم‌يكن لوناً لماقال عليه السلام منه ابيضّ البياض ، اذ قوله عليه السلام منه ابيض البياض ، دليل علي ان البياض لون صبغه صانعه ( صابغه خ‌م ) من مادة البساطة و قيل انه ليس لونا و يدل عليه الرواية الأخري عنه عليه السلام قوله [ص 103] منه البياض و منه ضوء النهار فقوله منه البياض ، يدل علي انه صفة الوجود الذاتية اذ مقتضاه البياض لبساطته و الحاصل انه علي كل تقدير فمنشأه البساطة .

قلت و الصفرة من الارادة لزيادة الحرارة في البياض .

اقول انما كان النور الصادر عن الارادة اصفر لأن المشية لما كان الصادر عنها ابيض و كانت الارادة التي هي تأكيد المشية زيادة طلب و ميل و هو يقتضي الحرارة زيادة علي المشية و كانت الارادة متعلقة بمتعلق المشية الذي هو قبل تعلقها به ابيض القت الارادة حرارتها علي ذلك البياض الذي قلنا ان طبيعته بارد رطب فكان اصفر لانقلاب برودته الي الحرارة فكان حارّاً رطبا و انما كان الحارّ ● الرطب في الكلي اصفر لأنه طبع الحيوة و هو معني قولي لزيادة الحرارة في البياض .

قلت و الخضرة من القدر لاختلاط سواد الكثرة من اثر القدر بصفرة اثر الارادة .

اقول انما كان النور الصادر من القدر اخضر لأنّ القدر تصدر عنه الحدود و الهيئات و هي كثيرة و الكثرة سواد كما ان البساطة بياض فلما كانت الكثرة متعلقة بذلك الأصفر لأن التقدير فيه اجتمع السواد و الصفرة ، و الخضرة تتركب ( تركب خ‌ل ) منهما و هو معني قولِنا لاختلاط سواد الكثرة من اثر القدر بصفرة اثر الارادة كما ذكرنا قبل ذلك .

قلت و الحمرة من القضاۤء لاجتماع بياض المشية بصفرة الارادة في حرارة حكم القضاۤء بالامضاۤء .

[ص 104] اقول انما كان النور الصادر عن القضاۤء احمر لأنّه مركب من النور الأصفر الصادر عن الارادة و من بياض النور الصادر عن المشية فهو مركب منهما بحرارة حكم القضاۤء بالامضاۤء و هو حتم التكوين و اذا اجتمعت الصفرة بالبياض في حرارة معتدلة حصلت الحمرة من الجزئين اعني البياض و الصفرة كالزنجفر فانه مركب من الزيبق الأبيض و الكبريت الأصفر يوضعان بعد مزج بعضهما في بعض ● في نار معتدلة ليست بشديدة فيتكوّن منهما الزنجفر الأحمر و هو تكوّن طبيعي و العرش مركب من هذه الأربعة الأنوار التي دار عليها الوجود فليس شئ في الأكوان من ذات او صفة غيب او شهادة الّا و هو متقوّم بهذه الأربعة .

قلت ثم اعلم انه اذا اطلق خلق قد يراد به جميع المراتب لصدقه عليها لغةً .

اقول لما ذكرت تقسيم الفعل باعتبار متعلقه ذكرت هنا جواز استعمال بعضها مكان بعض فقد يطلق خَلَقَ الذي هو معني شاۤءَ الكون و يراد منه معني بَرَءَ الذي هو معني ارادَ و معني صَوَّرَ الذي هو معني قَدَّرَ و هكذا و ذلك جايز بحسب اللغة الظاهرة المعروفة بين الناس و كثيراً مّا يخاطب اهل الشرع (ع) المكلفين بهذا لأنّهم لايعرفون الا ما هو لغتهم و مصطلحهم و قد قالوا عليهم السلام انّا لانخاطب الناس الّا بما يعرفون ، نعم لو اجتمعت الأفعال المختلفة باعتبار متعلقاتها لزم ان يراد من كل فعل ما يخصّه باعتبار متعلّقه كما

قلت و اذا قيل خلق و برأ و صوّر فخلق بمعني شاۤء اي اوجد الكون اي [ص 105] الوجود و برأ بمعني اراد اي اوجد العين اي الماهيّة بالوجود و صوّر بمعني قدّر اي اوجد الحدود .

اقول اذا اجتمعت الأفعال دلّ كل فعل منها علي ارادةٍ يخصّه ( ارادة ما يخصّه خ‌م ) دون ما يصدق عليه لغة فاذا قيل خَلَقَ و بَرَءَ و صَوَّرَ كان خَلَقَ بمعني شاۤءَ و بَرَءَ بمعني ارادَ و صَوَّرَ بمعني قَدَّرَ قال الله سبحانه هو الله الخالق البارئ المصوّر فترتب الأسماۤء الثلاثة علي معانيها المختصة بها مع الاجتماع و الا لمادلّت عليها لأنها اذا صلحت لها و لغيرها في الافتراق و الاجتماع كانت الثلاثة مترادفة مع انها مختلفة المفاهيم فاذا دلّت علي معانيها المختصة بها كانت بمعاني ( بمعانيها خ‌م ) افعال تلك المعاني فخَلَقَ مع الاجتماع في الآية بمعني شاۤءَ الذي هو الذكر الأول و فيه يوجد الكون اي الوجود الذي هو المادة الأولي عندنا و بَرَءَ مع الاجتماع بمعني ارادَ و فيه توجد العين اعني الماهية الأولي يعني بالمعني الأول المتقدّم فاذا قلنا الوجود ● ( فانا قلنا هناك ان الوجود خ‌م ) بالمعني الأول هو المادة الأولي المسمّاة في الأجسام مثل الخشب المركب من العناصر الأربعة و الماهية الأولي بالمعني الأوّل هي الصورة النوعية و هي انفعال المادة و هي اي الماهية الأولي في مثل الخشب الصورة الخشبية و اذا قلنا الوجود و الماهية بالمعني الثاني نريد بالوجود الشئ الموجود من حيث هو اثر فعل الله تعالي و نريد بالماهية الشئ الموجود من حيث هو هو فهذا مرادنا من الوجود و الماهية بالمعني الأوّل و بالمعني الثاني فتنتبه ● له فربما نذكر ذلك في موضع لانبيّنه فلاتغفل و صَوَّرَ مع الاجتماع بمعني قَدَّرَ و فيه توجد [ص 106] الحدود و الهيئات الذاتية و العرضية العينية و المعنوية .

قلت و قال الله تعالي الذي خلق فسوّي و الذي قدّر فهدي اي خلق كونه اي وجوده فسوّي عينه بمعني سوّي ماهيّته بوجوده اي جعل فيه ما اذا سئل اجاب .

اقول هذا معني ما تقدّم و هو مع ملاحظة ما تقدّم لايحتاج الي بيان .

قلت و انما جيء بالفاۤء في عطف التسوية دون الواۤو لما بينهما من الملازمة كما مر ذكره و هذا في الخلق الاوّل .

اقول هذا جواب عن سؤال مقدّر بان قيل لمَ اتي بالفاء في عطف سوّٰي علي خَلَقَ و في عطف هَدٰي علي قَدَّرَ دون الواو و لم‌يأت بالفاء في عطف الذي قَدَّرَ علي الذي خَلَقَ و الجواب انما جيء بالفاء في عطف التسوية في قوله فسوّٰي لما بين خَلَقَ و سَوّٰي من الملازمة لأن خَلَقَ اثره الوجود و سوّٰي اثره الماهية اي العين و لايتحقق في الظهور احدهما بدون الآخر فلأجل عدم انفكاك احدهما عن الآخر و تلازمهما اتي بالفاۤء الدالة علي الترتيب ( الترتب خ‌م ) لأنّ سَوّٰي مترتبٌ علي خَلَقَ و علي عدم المهلة لتلازمهما و خَلَقَ فسَوّٰي يقع في ايجاد المادة و الصورة النوعية و هو قولنا و هذا في الخلق الأول .

قلت : و الذي قدّر فهدي اي وضع حدوده المتقدم ذكرها و هو الخلق الثاني .

اقول قوله تعالي و الذي قدّر اي اوجد حدود ما اراد تعيّنه الشخصي و تميّزه بمشخصاته التي هي تلك الحدود المتقدم ذكرها من الأمور الستّة و الوضع و الأجل و الكتاب و الاذن و قوله فهدي في تقديره لأنّه اجري [ص 107] تقديره علي ما يقتضي الهداية لأن تقديره علي نوع التعريف فيقتضي الهداية ببيان طريق الخير و الشر فاما من قبل طريق الخير فلامتثاله مقتضي التقدير فكان بالتقدير سالكاً طريق الخير و اما من ترك امتثال مقتضي التقدير بعد التعريف جري له التقدير بمشخصات انكاره بعد الهداية الي طريق الاجابة فكان بالتقدير الجاري علي حسب قبوله سالكاً طريق الشرّ فقد هدي للخير بتقديره و انما ضلّ من ضلّ بتركه مقتضي التقدير بعد البيان و اليه الاشارة بقوله تعالي و من يشاقق الرسول من بعد ما تبيّن له الهدي و قوله تعالي و ماكان الله ليضلّ قوماً بعد اذ هديٰهم حتي يبيّن لهم ما يتّقون فأبان سبحانه بان الهداية في تقديره و هي تقتضي بيان طريق الخير و الشرّ ليكون المكلّف مختاراً بتمكينه من فعل الطاعة و فعل المعصية و ذلك البيان و التعريف في هذا التقدير فهما متساوقان في الظهور و ان كان التقدير سابقاً في الذات و لاجل هذا عطف بالفاۤء المفيدة للترتيب بلا مهلة و التقدير اول الخلق الثاني و تمامه في القضاۤء و كماله في الامضاۤء ( بالامضاء خ‌م ) .

قلت : فهدي اي دلّ علي سبيل الهدي و عطف بالفاۤء لانّ القدر به السعادة و الشقاوة .

اقول : فهدي اي دل علي سبيل الهدي الي آخره كما ذكرنا معناه قبل هذا .

قلت ففيه دلّ علي الهدي فهما متساوقان في الوجود و ان كانت الهداية مغايرة و متأخرة في الذات فعطف بالفاۤء .

اقول قد تقدّم ايضا بيان هذا قبل هذا ● .

[ص 108] قلت ثم ان مراتب الفعل بجميعها اختراع و ابتداع .

اقول معني هذين اللفظين قيل واحد و هو ايجاد المفعول لا من شئ قبله ليس بمحدث و قيل اخترع الشئ لا من شئ و ابتدعه لا لشئ و هما مرويان و قيل الاختراع للكون و الابتداع للعين فمعني الأوّل شاۤء و معني الثاني اراد و يأتي تمام ما نريد بيانه منهما ان شاۤء الله .

قلت و قد يطلق احدهما علي الاخر كالمشية و الارادة و كالفقير و المسكين في باب الصدقات و كالجار و المجرور عند النحاة فان افترقا اجتمعا فاذا قيل لك اعط الفقير خمسة دنانير لم‌تجب عليك التفرقة و كذا اعط المسكين ففي الحالين ايهما اعطيت كفاك و اذا قلت زيد في الدار فان قلت زيد مبتدء و الجار خبر صح او المجرور خبر صح و تقول اخترع اي ابتدع و بالعكس و شاۤء اي اراد و بالعكس و اذا اجتمعا افترقا تقول اخترع و ابتدع اي اخترع لا من شئ و ابتدعَ لا لشئ و اخترع الكون و ابتدع العين و تقول شاۤء الكون و اراد العين فاخترع بمعني شاۤء لا من شئ و ابتدع بمعني اراد لا لشئٍ و اذا قيل اعط الفقير خمسة دنانير و المسكين اربعة دنانير وجب التفرقة و بيان ذلك في الفقه و الاصح عندي ان المسكين اسوء حالاً و اذا قيل الجار و المجرور فرّق بينهما و هو ظاهر .

اقول ان هذا الكلام كله ظاهر لأن المطلوب من هذا الشرح هو بيان المشكل و فتح المغلق لا تفريع علي ما ذكر و لا تأسيس ما لم‌يذكر و تكثير التمثيل و تكرير القيل مبالغة في البيان .

قلت و اعلم انه قيل ان الاختراع اختراعان و الابداع ابداعان .

[ص 109] اقول هذا قول علماۤء الجفر و لهم علي هذا التقسيم تفاريع و احكام يذكرونها في كتبهم لأنه راجع الي فعلية الحروف و الحروف عندنا ما كان معنويا فهو قسمان قسم هو وجوه المشية و الارادة و القدر و القضاۤء و هي بلا شك افعال حقيقية جزئية و قسم هو مفعول و هو فعل كالعقول و النفوس و الملئكة فانها من المفعولات و بها يفعل الله سبحانه ما يترتّب عليها و ما تكون عللا له و اسبابا لايجاد مواده او صوره الجنسية او النوعية او الشخصية او لهما معا فهي من هذه الجهة افعاله تعالي او محالّ افعاله او وسائط افعاله كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام و القٰي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله الحديث ، يعني عليه السلام النفوس و نفوس الملئكة و ما كان لفظيا فهي افعال ظاهرية كما روي عن الرضا عليه السلام ان الله سبحانه خلق الحروف و جعلها فعلاً منه و المراد انه يقول للشئ كن فيكون فكُن فعله و لكنه متضمن للفعل لأن الايجاد صنع و هو في الحقيقة غير اللفظ الّا انه لما كان الظاهر اذا تمّ اقتضي وجود الباطن و تعلّقه به كالجسم للانسان اذا تمّت خلقته من آلات الروح و ما يتوقف عليها حتي ظاهر ظاهره كالشَعر اقتضي وجود الروح و تعلّقها به كانت الحروف اذا رتّبت علي نظمها الطبيعي من المناسبات الذاتية بين بعضها بعضا في الصور و العدد و الطبايع و التواخي و التباغض و النظائر و نظائر النظائر و القوي و ما اشبه ذلك كالترفع و التنزل و التبديل و التوليد من بعضها لبعض و القلب و الطمس و الفتح و الحركات و التفخيم و الترقيق و الشدّة و اللين و التوسط و [ص 110] الجهر و الهمس و القلقلة و ما اشبه ذلك مما يذكرونه في كتبهم اقتضت وجود افعالها الباطنة الصنعية و تعلّقها بها و ارتباطها بما عملت له حتي تظهر آثارها علي اكمل وجه و اسرع وقت فلأجل ذلك اجروا فيها احكام الاختراع و الابداع و صفاتهما فقسّموا الاختراع و الابداع باعتبار التوليد و التأثير الي قسمين كما سمعت و تفصيل ذلك عندهم مذكور في كتبهم و انما ذكرت الاشارة الي ذلك لأجل بيان انّها عند اهل العصمة عليهم السلام قد تنسب اليها افعال الله سبحانه .

قلت فالاختراع الاوّل المشية و هو خلق ساكن لايدرك بالسكون .

اقول هذا البيان مركّب من المستفاد من كلام الائمة عليهم السلام و من اصطلاح علماۤء الجفر لأنّ المقصود بيان الفعل علي سبيل الاشارة بما يصلح علي القولين و انما فسّرت المشية التي جعلتها ( جعلها خ‌ل ) عبارة عن الاختراع الأوّل بانّه خلق ساكن لايدرك بالسكون مع ان هذا وارد في وصف القسم الثاني الذي هو الابداع كما هو مروي عن الرضا عليه السلام لأنّ هذا الوصف جارٍ لمطلق الفعل الشامل للقسمين لأنّ المراد بمعني هذا الوصف ان الفعل مخلوق بنفسه قد اقامه الله سبحانه بنفسه فاستقلاله بنفسه و تمامه بنفسه عبارة عن كونه ساكنا اي ليس محتاجاً في ايجاده الي فعل آخر يكون محدثا به بل هو محدث بنفسه فهو اذن ساكن و هذا المعني لايعرف بالسكون الذي هو ضدّ الحركة لأن هذا و الحركة محدثان به فلايجريان عليه و لايتّصف بهما .

قلت و الاختراع الثاني الالف من الحروف .

[ص 111] اقول يحتمل انهم ارادوا بالألف الألف المطلقة الشاملة لللينية ● و المتحركة كما هو مختار الجوهري في الصّحاح فيكون تعداد الحروف علي هذا جارياً علي ما ذكره اهل تهامة من عدّهم الحروف تسعة و عشرين بجعل لام‌الف بعد الهاۤء و قبل الياۤء في ترتيبهم حرفا فيقولون ك ، ل ، م ، ن ، و ، ه ، لا ، ي ، و هذه آخر التسعة و العشرين و اوّلها ا ، ب ، ت ، ث ، ج ، ح ، خ ، الخ ، فيجعلون الألف اللينية ● من جملة الحروف و ذكر بعض اهل الجفر ان عددهما واحد و كذا بعض علماء التجويد و يحتمل انهم ارادوا بها الألف المتحركة التي هي اول الحروف المسمّاة بالهمزة و هي اول الحروف مما يلي الجوف و اما الألف اللينية ● فليست من ساير الحروف و انما هي امّ الحروف و هيولي جميعها و هي تمتد من الجوف الي الهواۤء و ليس لها مخرج كساير الحروف و جميع الحروف شعب منها و يشار بها الي النّفَس الرحماني الذي هو اول صادر عن الفعل او الي الفعل الذي برزت الأشياۤء علي صفاته و المتحركة يشيرون بها الي العقل الكلي الذي هو اول الحروف الكونية بحكم ان التدويني مطابق للتكويني و هذا هو المشهور بين اهل العلم فعلي هذا تكون الألف المتحركة اعني الهمزة هي الاختراع الثاني لأنّه مخترع بالاختراع الأوّل الذي هو المشية في الخلق التدويني كما ان العقل الكلي هو الاختراع الثاني في الخلق التكويني و هو مخترع بالمشية في الخلق التكويني و بالألف المتحركة اخترعت الباۤء لأنها تكريره بمعني انها انبساط الألف اللينية ● بعد امتدادها فيه اخترعت الباۤء كما ان بالعقل اخترعت [ص 112] النفس الكلية لأنها تنزّله فهو الاختراع الثاني المعنوي و الألف المتحركة الاختراع الثاني اللفظي فالباۤء مركبة من انبساط الألف المتحركة بعد قيامها فلذا كان عدد الباۤء اثنين اشارة الي الرتبتين و النفس مركبة من انبساط العقل بتكثر الصور من معانيه بعد وحدته كذلك فالاختراع الأوّل هو المشية به اخترعت الألف المتحركة التي يشار بها الي العقل الكلي و الاختراع الثاني هو الألف المتحركة المشار بها الي العقل الكلي بها اخترعت الباۤء المشار بها الي النفس الكلية لأنها اخترعت بالعقل الكلي و هذه النفس هي اللوح المحفوظ و روي عن النبي (ص) قال ● ظهرت الموجودات من باۤء بسم الله الرحمن الرحيم ، و اعلم ان الألف الليّنة صورة بلا حركة و الألف المتحركة حركة بلا صورة و لما كانت الحروف اللفظية الفاظا و ارادوا تسميتها ليتميز بعضها عن بعضها ● و الأسماۤء ايضا الفاظ و قد اقتضت الحكمة ان تكون بين الألفاظ و معانيها مناسبة ذاتية كما هو الأصح في المسئلة لأن الاسم ظاهر المسمّي و صفته و لأنه ابلغ في التميز بالعلامة التي هي الاسم مع قدرة الواضع سبحانه علي ذلك و لأنه اكمل فعدمه مع امكانه نقص في الصنع و لايجوز عليه سبحانه وجب ان يجعلوا المسمّي في الاسم اذ لايمكن المناسبة الذاتية بينهما اذا كانا من نوع واحد و احدهما بسيط لكن جعله في الاسم ابلغ من المناسبة الذاتية في الدلالة و انما جعل في اول الاسم لأنه المسمّي و له رتبة الموصوفية و للاسم رتبة الصفة و الموصوف مقدّم في الرتبة و الوجود علي الصفة و لما ارادوا تسمية الألف الليّنة علي القاعدة المذكورة [ص 113] و هي صورة لا حركة لها استعاروا لها الألف المتحركة و هي حركة لئلايلزم الابتداۤء بالساكن فجعلت علي الألف الليّنة فقيل الف و لما ارادوا تسمية الألف المتحركة لم‌يبق لها شئ لأنها انما هي حركة و قد اخذت الليّنة فاستعاروا الهاۤء لها لأنها اقرب الحروف اليها في المخرج كما استعاروا للألف الليّنة تلك الحركة تسمّي بالألف المتحركة لأنها اول ناش من الحروف عنها و هذه الألف المتحركة قد قلنا انها حركة بحت و لا صورة لها و اذا ارادوا كتابتها استعاروا الألف الليّنة لها في مقابلة استعارتها لها في التسمية و لما كانت كل واحدة تحتاج الي الثانية في حالة اطلقت احديٰهما علي الأخري و سمّيا باسم واحد كما قاله الجوهري في الصّحاح لاشتراكهما في الصورة النقشية و كما قال اهل الجفر لاشتراكهما في العدد .