شرح الفوائد الاثنيعشر
في جواب الآخوند الملا مشهد ابن حسينعلي
من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد المرحوم
الشيخ احمد بن زينالدين الاحسائي اعلي الله مقامه
[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين و صلي الله علي محمّد و آله الطاهرين .
اما بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زينالدين الأحسائي انّ جناب الموفّق المسدّد و الأكرم الممجّد جناب الٰاخوند الاوحد الملّا مشهد ابن المقدس العلي المبرور حسينعلي سلك الله به رضاه و بلّغه ما يتمناه من امر آخرته و دنياه قد التمس منّي اثبات بعض الكلمات في بيان معني ما ذكرته و اشرت اليه في الرسالة التي سمّيتُها بالفواۤئد و هي مشتملة علي اثنتيعشرة فاۤئدة لأنّها لما كانت مشتملةً علي معانٍ لميذكرها احدٌ من العلماۤء و لميعثر عليها شخص من الحكماء حتي كانت مع تأصّلها في اليقين و ابتناۤء الحقّ عليها في الدين غريبة مجهولة اذ لمتجرِ علي الخواطر و لمتكتب في الدفاتر و انما نبّهوا عليها ائمة الهدي في الاخبار المروية عنهم عليهم السلام و فيما فسّروه من كتاب الله تعالي فاشار اليَّ سلّمه الله و بلّغه كل ما يتمناه من امور دنياه و عقباه ان ابيّن ذلك بياناً يفهم منه عبارة تلك الرسالة و يحصل منه صريح الدلالة و ان لميذكر الدليل لانّ الغاية معرفة عباراتها و الوقوف علي اشاراتها و كان ذلك الالتماس منه في طريق سفرنا مع جنابه المحترم الي مكّة المشرّفة و معلوم انّ في مثل تلك الحال لايتمكن الانسان من اثبات الاستدلال لكثرة الاشتغال ( الاشغال خل ) و الملال و غاية التشويش و الاستعجال بالحلّ و الارتحال و ذكر لي ايّده الله تعالي انّ هذا امر واجب لتوقف الانتفاع بها و فهم عباراتها عليه فحيث كان ذلك عندي معلوماً لعدم الأُنس بها و لمتكن تلك المعاني [ص 3] مذكورة في كتاب و لا جارية ( طارية خل ) في سؤال و لا جواب ليراجع الطالب ذلك الكلام ليفهم منه المراد و انما هي اشياۤء بالنسبة الي ما ذكره العلماۤء و الحكماۤء غريبة مبتكرة و ان كانت بين ائمة الهدي (ع) و بين خواص شيعتهم مذكورة مشهورة ( مشتهرة خل ) و كان ( و لما كان خم ) سلمه الله علي ما التزمت ● ( الزمت علي خم ) نفسي من حقّه ملتمساً لذلك اوجبت ذلك الالتماس عليَّ الّا انّي آتٍ بما يسهل الاتيان به لأنّ هذا منّي في ( مثلِ خل ) هذه الحال غاية المقدور و لايسقط الميسور بالمعسور مستعيناً بالله علي الأداۤء و سائلاً منه عز و جل الرضا انّه علي كل شئ قدير و صدّرت المتن بقولي قلتُ و البيان بقولي اقول ليتبين من ذلك الفروع و الاصول .
قلت انّي لمّا رأيتُ كثيرا من الطّلبة يتعمّقون في المعارف الالهية .
اقول و ذلك لشدّة تحقيقاتهم و كثرة تدقيقاتهم و ايراداتهم للاشكالات و اثباتهم للاعتراضات حتي لاتكاد تجد شخصين متوافقين و ذلك لاختلاف افهامهم و انظارهم و تغاير مذاقاتهم و اعتباراتهم و السبب في ذلك انهم يقولون انّ الاعتقادات امور عقلية و لايجوز التقليد فيها و يلزم من هذا انّ كل واحد يثبت ما يفهمه و حيث ● كان الظاهر تابعاً للباطن و دليلاً عليه كما قال الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هناك ( هنالك خل ) لايعلم الا بما هيٰهنا ه ، و انت اذا نظرت الي صور اجسامهم و كلامهم و افعالهم الطبيعية رأيتها كلها مختلفة و هي صفة بواطنهم و اذا ( فاذا خل ) جري كل واحد منهم علي مقتضي طبيعته ● خاصّة كما هو معني قولهم ان الاعتقادات امور عقلية لايجوز فيها التقليد وجب ان يختلفوا و لايتفقوا بخلاف الذين يعتقدون بعقولهم بما يفهمونه من شئ واحد بان يكون كل [ص 4] واحد منهم طالباً للمراد ( طالب المراد خل ) من ذلك الشئ الواحد فانهم لايختلفون لاجتماعهم عليه ، مثاله اذا نظر جماعة الي شخص حاضر عندهم فانهم لايختلفون في وصفه اختلافاً كثيرا لأنّ افهامهم في ادراك صفاته تابعة لأبصارهم فيفهمون مما رأوا و هؤلاۤء مثال العلماۤء الذين يعتقدون بعقولهم بما علّمهم الله تعالي و اخبرهم ( اخبرهم به خم ) نبيّه صلي الله عليه و آله و اوصياءه عليهم السلام فانّهم لايكادون يختلفون لأنّ كلام الله و كلام نبيّه و اهل بيته عليهم السلام يجمعهم و امّا الذين يعتقدون ما يخطر علي خواطرهم من غير امر جامع ترجع تلك الخواطر اليه بل كل واحد منفرد عن غيره فانهم كما كانوا مختلفين في الصور لاتجد اثنين علي صورة واحدة كذلك هم في اعتقاداتهم .
قلت و يتوهمون انهم تعمّقوا في المعني المقصود .
اقول المراد انهم يتوهمون انّ تدقيقاتهم انما هي في تحقيق الحق الذي هو المقصود و ليس كذلك لانّ المعني المقصود هو معرفة الله كما وصف نفسه علي السنة اولياۤئه لا علي السنة المتكلمين و الحكماۤء فاذا كان تعالي اكمل الدين لنبيّه صلي الله عليه و آله و نبيه قد استحفظه كله عند اوصياۤئه ( اولياۤئه خل ) عليهم السلام قال الله اليوم اكملت لكم دينكم فمن اراد ان يعرف الله بعقله فليعرفه بما وصف به نفسه و لاوصف نفسه الّا علي اَلْسنة اولياۤئه ( صلي الله علي محمد و آله خم ) فالواجب ان ينظر فيما قالوا و يفهم ما ارادوا و امّا من لمينظر في ذلك و يريد ان يعرف الله سبحانه فانه لايقع فهمه الّا علي الباطل لانّه ماوصل الي الأزل و لميره ليصف ما رأي و العقول لاتدرك تلك الأمور [ص 5] المقدّسة عن الادراك فكيف يعرف الله من لميأخذ عن الله سبحانه .
قلت و هو تعمّق في الالفاظ لا غير .
اقول لأنّهم ( و ذلك لأنهم خم ) اذا لميصلوا الي القديم تعالي و لمينزل اليهم كان ما يعرفون ما يدلّهم اللفظ عليه و لهذا قالوا ان الوجود يطلق علي الله تعالي ( سبحانه خل ) و علي المخلوق بالاشتراك المعنوي لأنهم يقولون ان المفهوم منه هو المعني المصدري الرابطيّ او النسبيّ او البسيط المعبّر عنه بالفارسية بهَسْت و هذا عندهم هو حقيقة الشئ سواۤءاً كان واجباً ام ممكنا فيلزمهم ان يكون الخالق عز و جل و المخلوق من سنخ واحد فيلتزمون به و لا شك ان من كان كذلك فهو مشابه لغيره و يلزم منه القول بالحدوث في الواجب تعالي و لو انهم رجعوا في تعقّلهم و فهمهم الي ما وصف به نفسه لاستقام اعتقادهم مثل قوله تعالي ليس كمثله شئ فان من صدّق بما انزل في كتابه بانه تعالي ليس كمثله شئ لميقل بان الوجود يصدق علي الرب و العبد حقيقة بطريق الاشتراك المعنوي لاستلزام ذلك المساواة التي هي اشدّ من المماثلة و من قال بالاشتراك المعنوي فانه انما عوّل علي مدلولات الألفاظ فانّ وجود الله تعالي ( تعالي عنده خم ) وجود في الحقيقة و وجود العبد المخلوق الفاني وجود في الحقيقة و هذا ( و هذا و امثال ذلك خم ) هو معني قولي و هو تعمّق في الألفاظ لا غير .
قلت رأيتُ انه يجب عليّ اَن اروّعهم بعجائبَ من المطالب .
اقول انّي لمّا اردت هداية من سبقت له العناية ( العناية الالهية خم ) بالنجاة لايمكن ذلك منّي في حق من عنده علم بشئ خصوصاً من تسمّٰي نفسه بالعلم ● فانه قد انس [ص 6] باشياۤء لاتقدر نفسه علي مفارقتها و لايقدر ان يقال فيه انه كان لايعلم حتي تعلّم فاذا سمع خلاف ما عنده ردّه بمثله من كلامهم فترضي نفسه بالبقاۤء علي الحالة الأُولٰي و امّا اذا ذكرت اشياۤء لميسمع بها و لمتذكر قطّ فلايكون له سبيل الي فهمها فضلاً عن ردّها لأنّ نفسه ترتاع اذا سمع شيئاً غريباً فتطلب الاطلاع عليه مع الغفلة عن معارضته فيكون حينئذٍ قلبه فارغاً ( فارغاً عن الرد و المعارضة خم ) فيتمكّن من هذا الأمر الجديد الذي فيه نجاته و هذا معني قولي اَن اروّعهم بعجائبَ من المطالب .
قلت لميذكر اكثرها في كتاب و لميجر ذكرها في خطاب .
اقول ( اقول انما قلت خم ) لميذكر اكثرها في كتاب يعني انه قد يذكر بعض منها الّا انه ليس علي هذا النحو من البيان او يذكر مجملاً مثل ما يأتي في ذكر الحصص ( حصص خل ) الحيوانية في الانسان و الفرس و الطير فانهم يذكرون انها من حقيقة واحدة هي الحيوان و انها متساوية و انما يميّزها الفصول و انا قد ذكرتها علي نحوٍ ماعثر عليه الحكماۤء و لاوقف عليه العلماۤء لأنّهم يأخذون تحقيقات علومهم بعض ( بعضهم خم ) عن بعض و انا لما لماسلك طريقهم و اخذتُ ( آخذ خل ) تحقيقات ما علمت عن ائمة الهدي عليهم السلام لميتطرق علي كلماتي الخطاء لأنّي ما اثبتُّ في كتبي فهو عنهم و هم عليهم السلام معصومون عن الخطاۤء و الغفلة و الزلل و من اخذ عنهم لايخطي من حيث هو تابع و هو تأويل قوله تعالي سيروا فيها ليالي و اياماً آمنين و قولي و لميجرِ ذكرها في خطاب يعني انّه لميذكر في الأحاديث الّا ( انّه انما يذكر في الأحاديث خل ) بالاشارة و التلويح لأهله و علي الله قصد السبيل .
[ص 7] قلت و يكون ذلك بدليل الحكمة .
اقول الحكمة قد تطلق و يراد بها الحكمة العلمية و قد يراد بها الحكمة العملية و نحن نريد بها الحكمة العلمية و العملية معا لأنّ دليل الحكمة هو الدليل الكشفيّ العياني الذي يخبر به المستدل بعد معاينة ما اراد من معاني الفاظه لا مجرّد الألفاظ و الكل يدعي ذلك و لكن الدعوي بغير شروط المدعي باطلة فنقول دليل الحكمة هو العلمية و العملية بشروطهما معا لأنّ احدهما لايكفي عن الآخر و ان كان بشروطه و شروط العلمية ان يجمع ( يجتمع خم ) قلبه علي استماع المقصود و التوجه اليه من غير ان يريد العناد و الرّدّ لأنّه لو استمع و هو يريد الردّ و العناد كان مشتغلاً بغير ما هو بصدده فيتفرق قلبه و لايفهم المراد و ان لاتركن نفسه الي ما انست به ( به نفسه خم ) فانّ حبّ الشيء يعمي و يصمّ حتي انه يصعب عليه مفارقة ما عنده و ان ظهر له كونه مرجوحاً فيتكلف في الجواب عمّا يخالفه و ان لايعتمد علي مجرّد ما عنده من القواعد و الضوابط فانّ من اعتمد علي ذلك غالباً لايكاد يصيب الحق بل يري كل ما يوافق قواعده صحيحا و ان كان عند نفسه مرجوحا فاذا التفت الي مرجوحيته اغمض عنه اعتماداً علي قواعده و يري كل ما يخالفها باطلا و ان كان وجد في نفسه راجحيته او حقيّته اتّكالاً علي قواعده و لعلّ الغلط انما هو في قواعده ( القواعد خل ) اِمّا في اصل صحّتها او في عمومها فاذا ترك العناد و الركون و الأنس بالمسئلة و عدم الالتفات الي القواعد و انما ( فانّما خم ) ينظر فيما يرد عليه من الكتاب و السنة و فيما اراه الله تعالي ( سبحانه خل ) من آياته [ص 8] في الٰافاق و في نفسه يمحض فهمه و ذكاؤه ( بمحض فهمه و ذكائه خم ) بحيث يكون متعلّماً من الكتاب و السنة و آيات الله سبحانه قابلاً منها مصدّقاً لها فيكون تابعاً و لايكون مُأوّلاً للكتاب و السنة و آيات الله سبحانه علي ما يلايم مراده و شهوته فيكون متبوعاً و هي تابعة له و شروط العملية ان يكون مخلصاً لله عز و جل في توحيده و عبادته بحيث لايكون له غرض الّا رضي الله سبحانه في كل شئ فاذا تمّت له شروط العلم و شروط العمل جميعاً علي الوجه المطابق للكتاب و السنّة حصل له دليل الحكمة الذي لايعرف الله الا به .
قلت لان الذي كانوا طلبوا به الغاية دليل المجادلة بالتي هي احسن .
اقول و اعني بدليل المجادلةِ ( بالتي هي احسن خل ) ما ذكره العلماۤء في كتبهم من البراهين و الأقيسة بكل انواعها كما هو مقرّر في المنطق و في علم الأصول و هذه الأدلّة انّما هي مستنبطة من ادراكات عقولهم و افهامهم و لو عرف بها الله تعالي لكان مدركاً بعقولهم ( لعقولهم خل ) و افهامهم ، تعالي الله عن ذلك علوّا كبيرا ، هذا اذا كانت المجادلة بالتي هي احسن بان يكون ( يحكم خل ) الدليل علي نحو ما قرّر في محله و امّا لو كان بخلاف ذلك لمينتفع به و ان كان في غير معرفة الله سبحانه .
قلت و ذلك لايوصل الّا الي عالم الصور او المعاني .
اقول يعني انّ دليل المجادلة بالتي هي احسن علي كمال ما ينبغي فيه لايوصل ( لايوصل الطالب به خم ) الّا الي عالم الصور التي هي المحدودة بالأبعاد سواۤء كانت جوهرية كالنفوس او عرضية كالأشباح المثالية او الي المعاني التي هي [ص 9] الذوات الماديّة سواۤء كانت مادتها عنصرية ام نورية ام غيرهما كمعاني المصادر لأنّ المراد بها ما هو اعمّ من الذوات الاصطلاحية اعني ما وضعت الالفاظ بازاۤئها او ما ليس بجثّة و سواۤء ( بجثّة سواء خم ) كانت كلية ام جزئية لأنّ المراد منها حقايق الأشياۤء المطلقة سواۤء كانت الموادّ خاصة ام الأشياۤء المركبة منها و من الصور مع قطع النظر عن التركيب و الحاصل ان جميع ذلك اعني ما يكون مدركاً و متحصلاً بدليل المجادلة ( المجادلة التي هي احسن خم ) لاينفكّ عن الاشارة العقلية او الحسّية و كل ذلك مستلزم للحصر و الاحاطة و كل شئ من ذلك غير جايز في معرفة الذي لاتدركه الأبصار و لاتحويه خواطر الأفكار فلذا قلنا بان هذا الدليل لايوصل ( لايوصل الطالب خم ) الا الي عالم الصور او المعاني و ما كان كذلك امتنع استعماله فيما ليس كذلك .
قلت و لايوصل الي معرفة الاشياۤء كما هي كما قال (ص) اللهم ارني الاشياۤء كما هي .
اقول انّ دليل الحكمة يوصل من استعمله الي معرفة حقايق الأشياۤء علي ما هي عليه في نفس الأمر و هي التي سألها ( سألها النبي خم ) صلي الله عليه و آله من ربّه ان يُريه ايّاها لأن الأشياۤء اذا نظرت اليها من حيث هي مع قطع النظر من مشخصاتها و مميّزاتها كانت مجردة عن كل ما سوٰي ذواتها و الشئ اذا نظرت اليه مع قطع النظر عن جميع مشخّصاته و ( او خم ) مميّزاته خلص من جميع الجهات و الكيفيات و النسب و اذا خلص من ذلك كله تجرّد عن الاشارات و الهيئات و الأوضاع فلايكون معني و لا صورة لاستلزامهما الاشارة .
قلت و لايوصل الي ذلك الا دليل الحكمة .
[ص 10] اقول ( اقول و ذلك خم ) لأنّه يوصل الي معرفة الشئ معريً عن كل شئ حتي عن جهة التعرّي و التجرّد عن الكيف و الاشارة بخلاف غيره من دليل الموعظة الحسنة و دليل المجادلة بالتي هي احسن .
قلت و ارجو اللّه في ذلك ان يهدي به من التمس الهدي بهذا الدليل سواۤء السبيل و حسبنا الله و نعم الوكيل .
اقول و انما قلتُ من التمس الهدٰي بهذا الدليل لأنّ من كان كذلك لا بدّ ان يكون همّه رضي الله لا غير و من كان كذلك لايقصد العناد و لا الركون الي ما آنست به نفسه و ان تبيّن له انه مرجوح و لايرجع الي قواعده لا غير مع انّ ما خالفه ايضاً جارٍ علي قواعد تعارض قواعده و ربما تكون اصحّ منها و انما يطلب الحق و هو حينئذ محسن لعدم تقصيره و قد ضمن الله لمثل هذا ان يهديه الي الحق الذي يرضي به كما قال الله تعالي و الذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا و انّ الله لمع المحسنين و لايكون في الحقيقة مجاهداً في الله الا اذا وفق لاستعمال هذا الدليل و ذلك لأنّ الله سبحانه لايخلف وعده و لو ( فلو خل ) كان ما يدعونه يصدق باستعماله ( باستعماله علي طالبه خم ) انه مجاهد في الله لكان كل من فعل ذلك وصل الي العلم الذوقي لضمان الله تعالي للمجاهد فيه ● فلما لميصل اولئك الي العلم العياني بمثل استعمال المجادلة بالتي هي احسن علم بان ذلك لاتتحقق به المجاهدة في الله و انما تتحقق باستعمال دليل الحكمة بشروطه التي يتحقق بها دليل الحكمة من مثل الشروط ( من الشروط خم ) التي ذكرناها ( ذكرنا خل ) التي هي الصدق في العلم و العمل كما اشرنا اليه سابقا .
[ص 11] قلت : الفائدة الاولي في ذكر تفصيل الادلّة الثلاثة .
اقول يعني في ذكر بيان اقسامها و انها تنقسم باعتبار انواعها الي ثلاثة ادلة .
قلت و ذكر مستندها و شرطها .
اقول يعني في ذكر منشأها الذي تتحصل هي منه و شرطها الذي يتحقق ( تتحقق خل ) به علي كمال ما ينبغي .
قلت اعلم هداك اللّه ان الادلّة ثلاثة كما قال سبحانه لنبيه (ص) ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن فالاول دليل الحكمة .
اقول يعني انّ قوله تعالي ادع الي سبيل ربك اي الي ما يريد الله سبحانه من عباده المكلفين باحد ادلّة ثلاثة ( الادلّة الثلثة خم ) لأنّ المدعوين من المكلّفين ثلاثة انواع فاِن كانوا من الحكماۤء العقلاۤء و العلماۤء النبلاۤء ادعهم الي الحق الذي يريد الله منهم من معرفته بدليل الحكمة يعني بالدليل الذوقي العياني الذي تلزم منه الضرورة و البداهة بالمستدل عليه لأنّه نوع من المعاينة مثل ما قلنا في كثير من كتبنا و مباحثاتنا لمن ( علي من خم ) يقول انّ حقايق الأشياۤء كامنة في ذاته تعالي بنحوٍ اشرف ثمّ افاضها الخ ، قلنا ● لا بدّ ( و خل ) ان يكون لذاته تعالي قبل الافاضة حال مغاير لما بعد الافاضة سواۤء كان التغيّر في نفس الذات ام فيما هو في الذات لأنّه ان حصل التغيّر ( التغيير خل ) في الذات لزم حدوث الذات و ان حصل التغيّر ( التغيير خل ) فيما هو في الذات اعني حقايق الأشياۤء ( الأشياء الكامنة فيه خم ) فقد كانت الذات محلاً للمتغير المختلف و يلزم ( و يلزم من ذلك خم ) حدوث الذات و هذا شئ قطعيّ ضروريّ من نوع دليل الحكمة و هو اشرف الأدلة و لهذا [ص 12] قدّمه الله سبحانه و قلنا فالأوّل دليل الحكمة .
قلت و هو آلة للمعارف الحقيّة .
اقول يعني ان دليل الحكمة آلة لتحصيل المعارف الالهيّة الحقيّة ( الحقّة خم ) و به يعرف الله لا بغيره من الأدلة و الذين يطلبون معرفة الله بغيره مثل دليل الموعظة الحسنة ( الحسنة لايحصل لهم به المعرفة الحقة و ذلك خم ) كما ● اذا قلت ان اعتقدت انّ لك صانعاً فلا شكّ في كونك ناجياً من عقوبته و ان لمتعتقد لمتقطع بنجاتك من عقوبته بل يجوز ان يعذّبك فلايحصل لك القطع بالنجاة الّا مع اعتقاد وجوده تعالي فهذا مثل نحو دليل ( و هذا مثل دليل خم ) الموعظة الحسنة و مثل ذلك ● لاتحصل به المعرفة الحقّة و انما هو بيان طريق السلامة و كذلك مثل دليل المجادلة بالتي هي احسن كما اذا قلت ان كان في الموجودات قديم خالق و ليس بمخلوق ثبت الواجب تعالي و الّا فلا بدّ لها من صانع اذ يستحيل ان توجد نفسها او توجد بغير موجد لها و كلا الوجهين محال و هذا مثل دليل المجادلة بالتي هي احسن و مثل هذا لاتحصل به المعرفة الحقّة و انما ● يقطع حجة المخالف بخلاف مثل دليل الحكمة كما اذا قلت انّ كل اثر يشابه صفة مؤثره و انّه قاۤئم به اي بفعله قيام صدور كالكلام فانه قاۤئم بالمتكلم قيام صدور و كالأشعة بالمنيرات و الصور في المرايا فالأشياۤء هي ظهور الواجب بها لها لأنّه تعالي لايظهر بذاته و الّا لاختلفت حالتاه و لايكون شئ اشدّ ظهوراً و حضوراً و ( او حضورا او خم ) بياناً من الظاهر في ظهوره لأنّ الظاهر اظهر من ظهوره و ان كان لايمكن التوصل الي معرفته الّا بظهوره مثل القيام و القعود فانّ القاۤئم اظهر في القيام من القيام و ان كان لايمكن [ص 13] التوصّل اليه الا بالقيام فتقول يا قاۤئم و يا قاعد فانت انما تعني القاۤئم لا القيام لأنّه بظهوره لك بالقيام غيّب عنك مشاهدة القيام اصلا الّا ان تلتفت الي نفس القيام فيحتجب عنك القاۤئم بالقيام فبهذا الاستدلال الذي هو من دليل الحكمة يكون سبحانه عند العارف اظهر من كل شئ كما قال سيدالشهداء عليه السلام أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك ، و تحصل به المعرفة الحقّة و لاتحصل بغيره اصلا .
قلت و به يعرف الله سبحانه و يعرف ما سواه .
اقول يعني ان دليل الحكمة به يعرف الله و يعرف ما سواه اي ما سوي الله سبحانه مثل آياته الدالّة عليه تعالي كمعرفة النفس فانّك اذا عرفتها مجردة عن كل نسبة و اضافة و عن جميع العوارض و المشخصات بان تعتبرها مجردة عن جميع سبحاتها من غير اشارة عرفت الله تعالي لانّها حينئذٍ هي وصفه لنفسه تعالي لعبده فمن عرف وصفه لنفسه عرفه و هي حينئذٍ حقيقة ذلك الوصف .
قلت و مستنده ٱلفؤاد و النقل .
اقول يعني انه ينشأ عن الفؤاد لأنّه انما يدرك بنظره و المراد بالفؤاد في كلام الأئمة عليهم السلام هو الوجود بالمعني الثاني الذي ذكرته في شرح مشاعر الملّا صدرالدين الشيرازي اعني الشئ من حيث كونه اثراً لفعل الله تعالي فان الشئ له اعتباران اعتبارٌ من ربّه و هو انّه آية الله و اثر فعله و اعتبارٌ من نفسه و هو هويّته من حيث نفسه و هو الماهية الثانية و يحتمل ان يراد بالفؤاد ما ذكرناه بالمعني الأوّل [ص 14] و هو اول فاۤئض من فعل الله و هو عندنا هو المادة المطلقة و انفعاله عند فعل الله هو الماهية الأُولي التي هي قابليته و الحاصل ان الفؤاد هو الوجود و هو الذي يَعرف الله و به يُعرف الله و هو في الانسان بمنزلة المَلِكِ في المدينة و القلب بمنزلة الوزير و انما انحصر دليل الحكمة الاصطلاحي في ادراك الفؤاد لأنّه هو الذي يدرك الشئ مجرّداً عن جميع ما سوٰي محض وجود الشئ مع قطع النظر عن جميع عوارض الشئ الذاتية كاَركان القابلية و متمماتها و العارضية بلا اشارة و لا كيف و لايحصل من غير الفؤاد فلذا كان محل المعرفة و لذا قلنا مستنده الفؤاد و امّا النّقل و المراد به الكتاب و السنة و معني كونهما مستنداً ( مسندا خل ) لذلك الدليل انهما محل استنباطه لاشتمالهما علي الاحتجاج به علي وجهٍ لايحتمل الخطاۤء و الغفلة و سيأتي الاشارة الي بيان ذلك .
قلت اَمَّا النقل فهو الكتاب و السنّة .
اقول انما قدّمنا ذكر النقل علي ذكر الفؤاد لكونه اصلاً لاستنباط ذلك الدليل و متبوعاً للفؤاد و لأنّ الكلام في النقل قليل اذ لايراد بيان ذلك و انما المراد مجرد ذكره و اخّرنا الفؤاد في البيان لطول الكلام عليه بالنسبة الي النقل و المراد بمستنده منهما هو المحكم منهما لا المتشابه .
قلت و امّا الفؤاد فهو اعلي مشاعر الانسان .
اقول لأنّ مشاعر الانسان الصدر و المراد به الخيال و النفس الكلية التي هي محل الصور العلمية كلية ( كلية كانت خم ) او جزئية فهو محل العلم و يقابله الجهل و القلب و هو محل المعاني و اليقين بالنسب الحكمية و يقابله الشكّ و [ص 15] الريب و الفؤاد و هو محل المعارف الالٰهية المجرّدة عن جميع الصور و النسب و الأوضاع و الاشارات و الجهات و الأوقات و يقابله الانكار فهو اذن اعلي مشاعر الانسان .
قلت و هو نور اللّه الذي ذكره (ع) في قوله اتّقوا فراسة المؤمن فانّه ينظر بنور اللّه .
اقول لأنّه عليه السلام يريد بهذا النور هو الفؤاد لأنّ الصادق عليه السلام ذكر ان ضياۤء المعرفة ينجلي في الفؤاد و ذكر عليه السلام في حديث آخر انه هو نور الله الذي خلق الله منه المؤمن و انه هو نور الله الذي هو الفراسة كما في الحديث .
قلت و هو الوجود لان الوجود هو الجهة العليا من الانسان يعني وجهه من جهة ربّه .
اقول يعني وجهه من ربّه كما ذكرنا قبل من انّ كل شئ له اعتباران اعتبارٌ من ربّه و هو الوجود و هو الفؤاد و له وزير يعينه علي ما يقتضيه من الطاعات و هو العقل و اعتبارٌ من نفسه و هو الماهية و لها وزير يعينها علي ما تقتضيه من المعاصي و هو النفس الأمّارة بالسوء .
قلت لانّ الوجود لاينظر الي نفسه ابداً بل الي ربّه كما ان الماهية لاتنظر الي ربّها ابداً بل الي نفسها .
اقول يعني انّ الوجود اثر و صفة و الأثر و الصفة لاتتحقق و لو في التّعقل الّا تابعاً متقوّماً بغيره بخلاف الماهية فانها هي هوية الشئ من حيث هو فهي لاتعقّل الا مستقلة و لهذا قيل انها عدمية الأصل كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار و قد اشار الصادق عليه السلام الي هذا [ص 16] المعني في تفسير قوله تعالي فمنهم ظالم لنفسه و منهم مقتصد و منهم سابق بالخيرات باذن الله ، قال عليه السلام الظالم من يحوم ● حول نفسه و المقتصد يحوم حول قلبه و السابق يحوم حول ربّه ، فالأوّل في هذا الحديث العامل ( هو العامل خم ) بمقتضي ماهيته فانها ناظرة الي نفسها لا غير و الثاني فيه العامل بعقله ( هو العامل بمقتضي عقله خم ) فانه بمقتضاه ناظر الي قلبه لا غير و الثالث فيه العامل بفؤاده ( هو العامل بمقتضي فؤاده خم ) و وجوده فانه بمقتضاه ناظر الي ربّه لا غير .
قلت و امّا شرطه فاَن تُنْصِفَ ربَّك لانك حين تنظر بدليل الحكمة انت تحاكم ربّك و هو يحاكمك الي فؤادِك كما قال سيد الوصيين (ع) لاتحيط به الاوهام بل تجلّي لها بها و بها امتنع منها و اليها حاكَمهَا .
اقول و المراد من شرط دليل الحكمة ما يتوقف عليه فتح باب النور علي فؤادك لأنك اذا لمتُنْصِف ربّك لميفتح ( لميفتح لك خم ) باب النور و البصيرة مثلا هو تعالي قال أفمن يهدي الي الحق احق ان يتبع أمن لايهدّي الّا ان يهدي و قال ألماعهد اليكم يا بنيٰادم ان لاتعبدوا الشيطان انّه لكم عدوّ مبين و ان اعبدوني هذا صراط مستقيم يعني انّ الشيطان يدعوكم الي النار و الله يدعوكم الي الجنة و المغفرة باذنه فاذا بيّن لك في نفسك شيئاً حقّاً فالله تعالي يحاكمك عند نفسك و يقول أفمن يهدي الي الحق احق ان يتّبع أمن لايهدّي الّا ان يهدي فما لكم كيف تحكمون فان قبلت منه فتح لك باب النور و الهدي و ان لمتقبل منه و اتبعت شهوة نفسك او ما تعودت به نفسك او ما يطابق قواعدك و هي بخلاف ما ظهر لك لمتنصف ربّك فاذا لمتنصفه ( لمتنصف خل ) بعد ما بيّن لك من الحق في نفسك حجب عنك نور [ص 17] الهدي و الفهم فلمتنتفع بما ظهر لك في نفسك فشرطه ان تنصف ربّك بان تتبع ما بيّن لك من الحق و معني قول اميرالمؤمنين عليه السلام بل تجلّي لها بها يعني انه سبحانه لايظهر بذاته لخلقه و الا لتغيّرت احواله فانه لميظهر ثم ظهر و متغيّر الأحوال حادث و انّما يظهر للشئ بصنعه له فاذا وجد المصنوع و نظر في نفسه انه مصنوع عرف انّ له صانعاً فقد ظهر له به و معني قوله و بها امتنع منها انه تعالي لما خلقها وجب ان تظهر متلبسة بصورة المصنوعية من التركيب و التأليف و الحاجة و العجز فاذا كانت كذلك لاتعرف الا ما هي عليه فلاتعرف الا ما كان مثلها فكان وجودها حجابا لها عن ادراك كنه عزّته .
قلت فربّك يخاصمك عندك .
اقول يعني انّه تعالي يقيم عليك الحجّة في نفسك حتي تعرف في نفسك صحّة ما يريد منك فان اجبته و اقررت بما عرّفك اقراراً لا بخصوص اللسان بل باللسان في الأقوال و بالجنان في الاعتقادات و بالاركان في الأعمال فقد انصفت ربّك و حينئذٍ ينفعك استدلالك بدليل الحكمة حتي تصل به الي عالم الأنوار و تقف به علي خفايا الأسرار و الّا فلا .
قلت فزِن بالقسطاس المستقيم ذلك خير و احسن تأويلاً .
اقول يعني انك تجتهد بدليل الحكمة في النظر في الٰافاق و في النفس مع اجتهادك في اخلاص النيّة في العلم و العمل و لاتسامح في كثير و لا قليل .
قلت و تقِفُ عند بيانك و تبيّنِك و تبيينك علي قوله تعالي و لاتقف ما ليس لك به علم ان السمع و البصر و الفؤاد كل اولئك كان عنه مسئولا .
[ص 18] اقول انك ● تقف عند بيانك اي عند ما اثبتّ لنفسك من البيان في معارفك و اعتقاداتك و عند تبيّنك اي عند تحصيلك البيان و طلبك له و عند تبيينك اي عند تبيينك لغيرك ما خفي عليه تقف عند ذلك كله اي تكون حينئذٍ ذاكراً لقوله تعالي و لاتقف ما ليس لك به علم الآية ، ليكون ذلك زاجراً لك عن القول علي الله بغير علم فانك مسئول عمّا سمعتْه اذنك و رأتْه عينك و وعاه فؤادك .
قلت و تنظر في تلك الاحوال كلها بعينه تعالي لا بعينك لقوله تعالي و لاتمش في الارض مرحا انك لنتخرق الارض و لنتبلغ الجبال طولاً .
اقول تنظر في تقدير معارفك علي حسب احتمالك و احتمال من تعلّمه و في استماعك و ابصارك و افهامك ● فيما لك و لغيرك تنظر في تلك الأمور كلها بعينه تعالي اي العين التي هي وصف نفسه لك اعني وجودك من حيث كونه اثراً و نوراً و هو حالة معرفتك لنفسك اذا كشفت عنها جميع السبحات من غير اشارة فانها حينئذٍ عينٌ من الله سبحانه اعارك ايّاها لتعرفه بها اذ لايعرف ( لايعرف الله خم ) الا بها لا بعينك التي هي انت من حيث انّك انت انت فانّك لاتعرف بهذه العين الا الحادثات المحتاجة الفانية فلاتمش في ارض قابليتك من حيث هي هي فانه هو المشي المرح لأنّه مشي في ظلمة ( ظلمات خم ) الماهية فانّك حينئذٍ عاجزٌ ذليل ليس لك قدرة علي حال و لا استقلال فلاتقدر علي ان تثقب الأرض فتتصرف فيها بنوريتك التي من ذاتك اذ لا نورية لك الّا من عطاۤء الله الذي لايناله الّا الخاشعون العابدون و لا علي ان تبلغ طول الجبال من نفسك كذلك .
[ص 19] قلت فهذا نمط دليل الحكمة .
اقول يعني ان هذه الوصية بانّك لاتتساهل في تحقيق الأشياۤء بل تزنها بالقسطاس المستقيم و لاتتبع فيه ( فيها خم ) ما ليس لك ( لك به خل ) علم فلاتقل سمعت و لمتسمع او رأيت و لمتر او فهمت و لمتفهم و ذلك فانّك ● مسئول عن ذلك كله و اذا ادركت شيئاً فلاتنسب شيئاً من ذلك الي نفسك اذ لا حول لك و لا قوّة الا بالله فانّ هذه و امثالها من نوع دليل الحكمة .
قلت و اما دليل الموعظة الحسنة فهو آلةٌ لعلم الطريقة و تهذيب الاخلاق و علم اليقين و التقوي .
اقول و ذلك لأنّه طريق الاحتياط و ما فيه السلامة و النجاة و الظفر بالمطلوب و علم الطريقة اي علم طريق ( طريقة خل ) السلوك العملي الذي هو روح السلوك العلمي و ذلك بمعرفة تهذيب الأخلاق من تعديل احوال النفس بان تعرف التخلّق باخلاق الله و تتخلق بها علي نحو ما تخلّق بها الروحانيون من الدوام عليها و الملازمة لها بالأعمال و الأداۤء ● بامتثال اخلاق الله من دوام الذكر و عدم الغفلة عنه تعالي و تجنّب ما فيه الضرر كالأخلاق الذميمة من الطمع و الحرص و البُخل و الشُّحّ و السرف و التبذير و الجُبن و التهوّر و البلادة و الجربزة و امثال ذلك و علم اليقين ● الاستقامة علي الطاعات و الأعمال الصالحات ( الصالحة خم ) و التقوي و الزهد حتي تتخلق باخلاق الروحانيين و انفع الأشياۤء لتحصيل هذه و امثالها دليل الموعظة الحسنة .
قلت و ان كانت تلك العلوم تستفاد من غيره .
[ص 20] اقول يعني انّ علم اليقين و التقوي و تهذيب الأخلاق قد تستفاد من غير هذا الدليل الذي هو دليل الموعظة الحسنة .
قلت و لكن بدون ملاحظة هذا الدليل لاتقف علي اليقين لانه اقل ما قسم الله بين العباد .
اقول يعني ان اليقين و الاطمينان الذي هو اصل علم الأخلاق لايكاد يتحقق الّا بهذا الدليل لأنّه باعث علي العمل و مانع من الشّكّ و الريب فلا بدّ في حصول اليقين من ملاحظة هذا الدليل .
قلت و مستنده القلب و النقل .
اقول يعني انّ منشأه المرتب له و المقوّم لأركانه القلب لانّه مقرّ اليقين و دليل الموعظة الحسنة ثمرته اليقين و النّقل هو الكتاب و السنّة لأنّهما مستند كل شئ و مبدء كل خير .
قلت و شرطُه انصاف عقلك بمعني الّاتظلمه ما يستحقه و ما يريد منك من الحق .
اقول يعني انّ شرط صحته و صحّة الانتفاع به و تمام تأثيره انصاف عقلك بمعني انه اذا ورد عليك هذا الدليل فان مفاده الحق و النجاة و الاحتياط و العقل يحكم عليك بما يقتضي ( يقتضيه خم ) امثال ذلك فان انصفته اطعت عقلك بان تلتزم ما الزمك به من هذا الدليل لما بينهما من كمال المجانسة و الاتحاد و لما كان العقل اشدّ الأشياۤء صداقةً و نصحاً كان مستحقاً للقبول منه فاذا لمتقبل منه فقد ظلمت ● ما يستحقه .
قلت و مثاله قوله تعالي قل ارأيتم ان كان من عند اللّه ثم كفرتم [ص 21] به من اضلّ ممن هو في شقاق بعيد و قوله تعالي قل ارأيتم ان كان من عند الله و كفرتم به و شهد شاهد من بنياسراۤئيل علي مثله فٰامن و استكبرتم ان اللّه لايهدي القوم الظالمين و كقول الصادق عليه السلام لعبدالكريم بن ابيالعوجاۤء حين انكر علي الطاۤئفين بالبيت الحرام قال (ع) ما معناه ان كان الامر كما تقولون و ليس كما تقولون فانتم و هم سواۤء و ان كان الامر كما يقولون و هو كما يقولون فقد نجوا و هلكتم .
اقول هذا و امثاله من نوع هذا الدليل المشار اليه و لهذا قلت :
فهذا نَمطُ دليلِ الموعظة الحسنة .
اقول انما مثّلت بهذه الآيات ليعرف هذا النمط و هو كثير الأصناف في الاحتجاجات .
قلت و امّا دليل المجادلة بالّتي هي احسن .
اقول اما دليل المجادلة بالتي هي احسن فهو مشهور معروف بين العلماۤء بل ربما يقال ان الدليل منحصر فيه لأنه محلۤ المناقشات و المعارضات و امّا الدليلان الأوّلان فليس فيهما مناقشة و لا معارضة لأنه لو استدل شخص باحد الدليلين الأولين و عارض فيه شخص آخر كانت المعارضة فيه ليست منه و انما هي من دليل المجادلة بالتي هي احسن لانه لما كان مبناه علي المقدمات و فيها حمل بالمتعارف الشايع و حمل اوّليّ و معانيها منها مفاهيم و منها معاني و منها مصاديق و منها معانٍ مصدرية و منها لغوية و منها اصطلاحية و منها مدلولات فيحصل في كثير من القضايا الاشتباه لبعضها ببعض علي ان تلك النسب انما ترتّب [ص 22] علي حسب افهامهم و افهامهم مختلفة فترد فيها الاشكالات و الاشتباهات بخلاف الدليلين الأوّلَيْن فانهما لميبنيا ● علي شئ من ذلك فاذا اعترض عليهما معترض فقد اعترض فيهما بغيرهما .
قلت فهو آلةٌ لعلم الشريعة .
اقول يعني انّ هذا في الغالب اعظم منفعةً في الأحكام الشرعية الفرعية و الأصل في ذلك ان العلوم النافعة ثلاثة كما في الحديث النبوي صلي الله عليه و آله آية محكمة و فريضة عادلة و سنّة قائمة و ما خلا ذلك فهو فضل و الأدلة ثلاثة كما مرّ و معلوم عند ( عندنا خم ) اهل العلم العياني انّ دليل الحكمة للآية المحكمة اي علم التوحيد و ما يلحق به و دليل الموعظة الحسنة للفريضة العادلة اي علم الأخلاق و تهذيب النفس و دليل المجادلة بالتي هي احسن للسنة القائمة اي علم الشريعة و لأجل هذا اشرت الي التوزيع بان يكون كل دليل لعلم من العلوم الثلاثة .
قلت و مستنده العلم و النّقل .
اقول اي منشأ هذا الدليل العلم اعني حصول المعلوم به او بصورته و هو عبارة عن المكتوب في النفس كما انّ اليقين عبارة عن المجموع في القلب من المعاني اليقينية و انّ المعرفة عبارة عن انجلاۤء نور المعرفة في الفؤاد علي نحو ما اشرنا اليه و يأتي ان شاۤء الله كثير من بيان ذلك .
قلت و شرطه انصاف الخصم .
اقول بان يقيم ( تقيم خم ) الدليل علي النحو المقرّر في علم الميزان و قد ذكره العلماۤء في كتبهم الأصولية و الفروعية بل لايكاد يسمع منهم غير هذا [ص 23] الدليل و لو قرّر علي خصمه في اقامة الدليل علي المدّعي او علي ابطال دعوي خصمه بنوع من المغالطات فقد ظلم الخصم و ان كان مبطلا في دعواه و لاتكون المجادلة بالتي هي احسن بل تكون بالتي هي اسوء و لهذا قلت :
و الّا لمتكن المجادلة بالّتي هي احسن و هو مثل ما قرّره اهل المنطق من المقدّمات و كيفية الدليل و ما ذكره اهل الاصول و غيرهم من الادلّة و كيفية الاستدلال علي نحوٍ لايكون فيه انكارُ حقٍّ و ان كان من خصْمك المبطل في مطلبه و لا استدلالٌ بباطلٍ علي حقٍّ و لا علي ابطال باطلٍ و لايحتاج هذا الي تمثيل لان الكتب مشحونة به بل لاتكاد تجد غيره الّا نادراً و ذلك لضعف المستدلّين و المستدَلِّ لهم و عليهم و لكن لاتغفل عن اخذِ حظٍّ من دليل الموعظة الحسنة فانه بشرطه طريق السلامة و الراحة في الدنيا و النجاة في الاخرة و هذا اذا لمتنل دليل الحكمة و الّا فخُذه و كن من الشاكرين فليس وَرَاۤءَ عَبّادان قرية و الله سبحانه يحفظ لك و عَليك .
اقول و هذه الكلمات معناها ظاهرة ( ظاهر خم ) .
قلت : الفائدة الثانية في بيان معرفة الوجود .
اقول يعني في بيان تقسيم ما يسمّي بهذا الاسم عند الطالبين لمطلق معرفته و بيان رسمه سواۤء كان لذاته او لعنوانه .
قلت اعلم انّ الّذي يعبر عنه عند طلب معرفته بالوجود .
اقول يعني اذا اريد رسمه بشئ يعرف به عند الطلب سواۤء كان بحدّه او برسمه او بتعريف عنوانه كما في الواجب لأنّه ( لأنه تعالي خم ) المجهول المطلق و الواجب [ص 24] الحق و لايعرف الا بما وصف به نفسه و اذا وصف نفسه كان ذلك الوصف من جملة مخلوقاته و هو تعالي لايعرف بمخلوقاته و لا بشئ من صفاتهم .
قلت ثلاثة اقسام .
اقول وجه الحصر في الثلاثة انّ الشئ اِمّا صانع او صنع او مصنوع فالصانع هو الواجب تعالي و الصنع فعله و المصنوع ما سوي الله سبحانه من مصنوعاته .
قلت : القسم الاول الوجود الحقّ .
اقول نعني بالوجود الحق الوجود الواجب المقدّس عن كل ما سواه و من جملة ما هو مقدّس عنه اطلاق العبارة عليه فاذا اطلقت العبارة ● تقع علي العنوان اعني الدليل عليه و هو ما اوجده الله تعالي من وصفه لعباده و هو اي ذلك العنوان الذي هو الوصف ليس كمثله شئ و لهذا يعرف به انه ليس كمثله شئ و لو كان لذلك الوصف الذي يعرف به مثلٌ لكان يعرف الله بان له مثلا فان قلت قد قال علي عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف ربّه و علي قولكم يلزم ان يكون النفس ليس كمثلها شئ و هو خلاف المعروف من مذهب اهل الاسلام قلت انما يعرف الله سبحانه بمعرفة النفس اذا جرّدت عن جميع السبحات حتي عن التجريد كما قال عليه السلام كشف سبحات الجلال من غير اشارة ، و لا شكّ انّها حينئذٍ ليس كمثلها شئ لأنّك تجرّدها عن كل شئ حتي من ( عن خل ) المماثلة لشئ ( بشئ خم ) من الأشياۤء و حينئذٍ تكون ليس كمثلها شئ فانها حينئذٍ تكون آية معرفته فاذا عرفت الله بها عرفت انه ليس كمثله شئ فافهم هذا و [ص 25] لاتفهم من هذا الكلام ما فهمه الصوفية فانهم يقولون اذا جرّدتها هكذا فهي الله و لهذا يقول قائلهم : انا الله بلا انا ، و هذا كفر صريح و لكن اذا جرّدتها تكون آية الله و علامة معرفته كما قال تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبيّن لهم انه الحق و لميقل سنريهم ذاتنا فافهم و اعتبر .
قلت و هذا الوجود لايدرك بعموم و لا خصوص و لا اطلاق و لا تقييد .
اقول يعني هذا الوجود الحق تعالي لايعرفه احد ممّن سواه من نحو ذاته و انما يعرف بما وصف به نفسه و هو قد وصف نفسه بما يدلّ عليه و كل ما فيه جهة من صفات الخلق لايعرف به فلايصف به نفسه و مما فيه جهة من صفات الخلق ما ذكرناه هنا و هو العموم و هو اشتمال لفظٍ او معنيً لأفراد غير متناهية يكون كل فرد منها مصداقاً لذلك العامّ المنتشر علي جهة البدلية من غير تعيين او بتعيين قيود و مشخصات و الخصوص و هو بعكس ● العموم و هما من احوال الخلق و الاطلاق و هو ان يكون للشئ اعتباران اعتبار لذاته بشرط لاشئ ( لاشئ و هو العموم . نسخة . خم ) و اعتبار لما يلحقه بشرط شئ و هو التقييد فالعموم فرد له بالاعتبار الأوّل و الخصوص فرد له بالاعتبار الثاني و الأحوال الأربعة كلّها جهات الخلق و صفاتهم و كلها مستلزم للتركيب بالقوة او بالفعل .
قلت و لا كلٍّ و لا جزءٍ و لا كلّي و لا جزئي .
اقول لأنّ الكل له بعض و الجزء بعض منه و الكلي له افراد متعددة يوجد فيها و الجزئي فرد منها و كلّها صفات الخلق لايعرف بها الخالق تعالي لأنه هو [ص 26] اجراها و ابداها و لايجري عليه ما هو اجراه .
قلت و لا بمعني و لا لفظٍ و لا كمّ و لا كيف و لا برتبة و لا جهة .
اقول يعني و لايعرف تعالي بمعنيً لأن المعني ما وضع اللفظ بازاۤئه او ما تولد من دلالته او حلّ في المدركة ● فالأول يلزمه الاقتران باللفظ و الثاني يلزمه مع كونه كان ناشئاً ● من اللفظ و هو المفهوم كما قال الرضا عليه السلام لأنه لايؤلّف شيئاً من ثلاثة احرف او اربعة احرف او اكثر او اقل الا لمعني محدث لميكن قبل ذلك الحديث ، فالمعني المفهوم متولد من دلالة اللفظ كما حقّق في محله و الثالث المجرد الذاتي الحالّ في الدهر و العرضي الحالّ في العقل فالأوّل مقترن باللفظ و الثاني متولد منه و الثالث الجوهري و العرضي الدهريان و الاقتران و التولد و الحلول صفات الحوادث و لايعرف بها الّا الحادث و لايعرف بلفظ لأنّ اللفظ مؤلّف من الحروف و الأصوات المسموعة ● و الكل حادث و الكمّ مقدار متصل او منفصل او مقداري كالموزونة و المكيلة و المعدودة و الممسوحة و كلها حادث ( حادثة خل ) و الكيف كالهيئات و الألوان و هي حادثة مفتقرة الي الحوادث و الرتبة نسبة المسافة من المنتسبين ● و الجهة مقصد الطالب من ناحية المطلوب سواۤء كانت من الجهات السّتّ الشهودية التي هي متعلق الاشارة الحسيّة ام من الجهات الغيبية التي هي متعلق الاشارة الخيالية او العقلية و كل ذلك صفات الحادثات .
قلت و لا وضع و لا اضافة و لا نسبة و لا ارتباطٍ .
اقول : الوضع بمعانيه الثلاثة حادث لافتقاره الي الحوادث فالأول في البسيط [ص 27] كالمحل للجوهر البسيط المجرد و الجوهر الفرد و الثاني ترتّب اجزاۤء الشئ بين بعضها الي بعض و الثالث ترتّب اجزاۤء الشئ بينها و بين الأجزاۤء الخارجة عنه و الاضافة فيما يتوقف تحققه علي ما يتوقف تحققه عليه علي نحو المعيّة و التساوق الذي به التحاوي كالأبوّة و البنوّة و ظهور الكسر و الانكسار و النسبة هي اعتبار حالّ الشئ ( حال شئ خم ) في جهة شئ سواۤء كان علي جهة اللزوم او الاتفاق و سواۤء تحقق اللزوم من الطرفين ام من احدهما و سواۤء كان ذلك الاعتبار لذاتي كل من المنتسبين ام لعرضيّهما ام لذاتيّ احدهما و عرضيّ الآخر و الارتباط مطلق التعلق من الطرفين او من احدهما و كل ذلك من صفات الخلق التي لاتعتبر الّا في الحادث لاستلزامها التركيب و الاحتياج .
قلت و لا في وقت و لا مكان و لا علي شئ و لا في شئ و لا فيه شئ و لا من شئ و لا لشئ و لا كشئ و لا عن شئ .
اقول يعني هو تعالي لايعرف بانه في وقت و لا في مكان و الا لكان محصوراً فيهما و لا علي شئ و الا لكان محمولا و حامله اقوي منه و لا في شئ و الّا لكان ذلك الشئ محيطاً به و لا فيه شئ و الا لكان محلاً لغيره و غيره حادث و محل الحادث حادث و لا من شئ و الا لكان مولودا و لا لشئ و الا لكان معلّلاً و مسبوقا و لا كشئ و الا لكان شبيهاً لغيره ( مشبّها بغيره خم ) و لا عن شئ و الا لكان متجاوزاً عنه منتقلاً زائلا و كل ذلك من صفات مخلوقاته .