شرح عبارات للشيخ علي بن فارس و ابيات للشيخ محمد بن فيروز
من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد
الشيخ احمد بن زينالدين الاحسائي اعلي الله مقامه
[ص 2] بسم اللّه الرحمن الرحيم و به نستعين
الحمد للّهِ مُميّزِ عقول الكاملين باشراق نور اليقين و شارح صدور المؤمنين بالحقّ المبين و جالي افئدةِ العارفين بضياۤء المعرفة و بيان التبيين و صلي اللّٰهُ علي خير خلقه اجمعين محمدٍ خاتم النبيين و علي اٰله الطاهرين و صَحبه الميامين .
و بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زينالدّٖين الاحساۤئي اِنّ فريدَ دهره و نادرة عصره الشيْخ العلي اباعبدالله الشيخ علي بن عبداللّهِ بن فارس احسنَ الله بنظر عنايَتِهٖ اليهِ و جعل عاقبته الحسني في تطوُّرات نشأتيه قد عرض علَيَّ كلماتٍ ذاتَ تبيين جاۤءَتْ منه عجالةً جواباً لبعضِ السائلين من غير تأمُّلٍ في الجَوابِ و لا تَراخٍ في الخطاب فجاۤءت بقَراحِ الصّوابِ المبطِل للشكِّ و الارتياب لمن يعرف الاشارة و يفهم الايماۤء في طيّ العبارة مشعرةً بعَويص غُموض مرامِهٖ شاهدةً بعلوِّ شانه و مقامِهٖ و لكنّها بعيدة المُنَال عن الساۤئل فجري فيها و فيه قولُ القائل و اين الثريّا من يد المُتناوِلِ فتطلّعتْ نفسي اَن اكتبَ عليها كلماتٍ تُبَيّنُ بعض خافيها و حاشي اَن يستقصَي ما فيها و لكنّها لُباناتٌ فِي الصدور و الي اللّهِ ترجع الامور .
قال سلمه الله : اللّهم يا من هو هو اصلِح جوهرَ رُوحانيّةِ عبدِك المضطرّ حتي لايسمع و لايبصر و لايتكلّم الّا بكَ وحدك لا شريك لكَ .
قوله يا من هو هو يريد به يا من تحقّقت هُويَّتُهُ بِهُويَّتِهٖ لا بشيءٍ غيرِها لا عقلاً و لا فرضاً و لا اعتباراً فالهاۤءُ "٢" اشارةٌ الٰي تثبيت الثابت من غير حصرٍ و لا كيفٍ كما تُشيرُ اليه الهاۤءُ فانّ عددَها خمسةٌ فصورتها كهيئتها في [ص 3] الرقوم الهنديّةِ بلا فَرْقٍ فبُطونُه نفسُ ظهوره بلا فرقٍ و هي "٢" حرفُ ليلة ٱلقَدْرِ و لها حكم العَماۤء و لظهورِها في التربيع و التكعيب كالافراد حافظةً نفسها عن ممازجة الاعدادِ ظاهرٌ في بطونه و باطن في ظهوره و الواو اشارةٌ الي ٱلغاۤئب عن دَركِ الابصارِ و لمس الحواۤسِّ اشارةً بلفظها الي غيبته و بعددِهَا الي الجهات السّتِّ يعني انّه ليس في جهةٍ فهو اخصُّ الاسماۤء لانّه الاسم الاعظم و ذلكَ لانّ الاسماۤء الحسني تسعة و تسعون و تمامُها هو الاسمُ الاعظمُ لانّ عددَهُ احدعشَر فاذا اضيف الي التسعة و التسعين بنفسه تَمّمها مائةً و ظهر بالجبل المحيط بالدنيا و اذا اضيف اليها "-٢" عَدده كانت مائةً و عشرةً و هي عدد الاسمِ الاعظمِ لانّ الاحدعشر في مرتبة المسمّي في التعيّن الاوّل فاذا نقلتْ الي ما بعدَها بمرتبةٍ التي هي مرتبة الاسماۤء كانت مائة و عشرة فهي اسمٌ و حيثُ كانت لها الأوليّة كما مَرّ كانت هي الاسم الاعظم و الهاءُ اوّل الحروف و الواوُ اخرها و الهاۤء باطن و الواو ظاهر فهو الاول و الاخر و الظاهرُ و الباطنُ و انما قدّم الاوّلُ علي الاخرِ و الظّاهرُ علي الباطنِ مع انّ الاوليّة نفس الاخريّةِ و الظاهريّة نفس الباطنيّة لانّ التكليف علي ترتيب التعريفِ و الاشهادُ علي طبق الايجاد فالاوّل اوّل مشهود في الاعتبار و الحصول و بعده الاخر في الظهور و النزول و الظاهر قبل الباطن في سلسلةِ الصعود و بعده الباطنُ في الفناۤء و الشهود و قوله اصلح جوهرَ رُوحانيّة عبدك الخ ، اعلم انّ الروحانيات كثيرة و لكن الكلّيّات منها تسعة اعلاها القلب و هو العرش المربّع بالانوار الاربعة نور العقل الابيض و نور [ص 4] الروح الاصفر و نور النفس الاخضر و نور الطبيعة الاحمر و ثانيها الصدر و هو الكرسي و فلك الثوابت و البروج و المنازل و ثالثها العقل الثاني و هو روحانيّة فلك زحل و رابعها العلم الثاني و هو روحانية فلك المشتري و خامسها الوهم الثاني و هو رُوحانيّة فلك المريخ و سادسها الوجود الثاني و هو رُوحانيّة فلك الشمس و سابعها الخيال الثاني و هو نور من صفةِ النفس و هو روحانية فلك الزهرة و ثامنها الفكر الثاني و هو نورٌ من صفة الروح و هو روحانية فلك عطارد و تاسعها الحيوة الثانية و هو نورٌ من صفة العقل و هو رُوحانية فلك القمر و اصلاحُها صَرْفُهَا الي ما خُلِقَتْ لَهُ بالاِمدادات الالٰهيّة و قوله المضطر اشارة الي الفناۤء و الفقر اليه تعالي و قوله حتي لايسمعَ الي اخره ، يريد به اَنْ خُذْ بناصيتي و تَحبَّبْ الَيَّ وَ شوِّقْنٖي بما يصرفني عمّا سواكَ حتّي اُحِبَّك و تُحِبَّني فتكونَ سمعي الذي اسمع به و بصري الذي اُبْصِرُ بهٖ الخ ، و قوله وحدكَ لا شريكَ لكَ معناه احبِسْني علي ذلك حتي لايكونَ لي منّي حالٌ موجودٌ الّا ما اشهدتَنٖي منك بكَ و هذا كمال البقاۤء في الفناۤءِ .
قال سلمه اللّه تعالي : و الصلوة علي قطبِ داۤئرةِ الوجود محمدٍ عبدِكَ و رسولِكَ و علي الِهٖ و صَحْبِهٖ و سَلِّمْ .
اما قوله و الصَّلوة فاعلم انّ الصّلوة من اللّٰهِ يرادُ بها رَحْمَتُهُ و المرادُ من الرحمة اَحَدُ وجوهٍ نذكرُ منها ما يناسِبُ المقامَ منها ان الصلوة بمعني وصَلَهُ به فجعل طاعته طاعته و معصيته معصيتَهُ و رضاهُ رضاه و سخطه سخطَهُ و منهٰا انّها بمعني صلتِه ايّاهُ امّا اوّلاً فلقوله تعالي له ارفع [ص 5] رأسك و سَلْ تعط و اشفع تشفّع فاعطاه ما يحتاج اليه الخلق و ما لايحتاجونَ اليه و ما لايعلمونه و هو قوله تعالي و يخلق ما لاتعلمون و ذلكَ في الذّرّ الاَوّل قبل المُثُلِ الرُّوحية في الدُّرَّة ٱلبيضاۤء و امّا ثانيا فهو قوله تعالي و لسوف يُعْطٖيكَ ربّكَ فترضي و ذلك يوم القيمة فيعطيه من الشفاعة و المقام و الوسيلة ما لَا عينَ رأت و لا اُذن سمعت و لاخطر علي قلبِ بَشرٍ و منها ان الصلوة بمعني الرحمة و هي الصبغةُ بعد الوجود قال (ع) انّ الله خلق المؤمنَ مِنْ نُوره و صبغهم في رحمته فالمؤمن اخو المؤمنِ لابيه و امِّهٖ ابوه النور و امُّه الرحمة الحديث ، فالرحمة الظاهرة فيه صفة الرحمن و هي الرحمةُ الواسعةُ و صفةُ الرحيم و هي الرحمة المكتوبة فجري الظهور فيه بالاصالة و في نفسه مِنْهُ كما قال (ع) كالضوء من الضّوءِ ، و في المؤمنين بالتّبعيّة و المشايعةِ و المراد بالوجودِ هنا الوجودُ المقيّدُ الداۤئرُ علي ذلك القطْبِ وَ القُطبُ هو الوجودُ المطلقُ لانّ الوُجودات ثلاثة وجودٌ حقٌّ و هو الله تعالي و وجود مطلق و هو يدور علي الوجودِ الحقِّ وَ وُجودٌ مقيّد و هو يدور علي الوجود المطلق و الوجود المقيّد اوّله الالف المتحركة و اخره الميم و هي الامُّ التي هي صفة الرحمن و انّما قلتُ المتحركة لان الالف "٣" الليّنة هي التي قامت بها الحروف و هي النَّفَسُ الرحماني المنبثّ في الحروف الكونيّةِ و الرقميّة و لا شكّ انَّ الحروف تدور عليه "-٣" و هو يشار به الي الوجود المطلق و قوله محمد عبدك الخ ، يدلّ بالاتيانِ بالخطابِ دون الغيبة التي تتبادر من سياق الكلام فانه قد انتقل عن [ص 6] الخطاب و الّا لقال و صلاتُك فرجوعه الي الخطاب قبل تمام الكلام يدلّ علي تقدير منك و تقديرُ منك يدل علي تقدير داۤئمةٌ و مِثْلِهٰا و قوله و سلِّم ينبغي علي هذا التوجيه قراۤءتُه بكسر اللّام و الّا لزم التردد في الكلام المقتضي للتعقيد .
قال سلمه الله : و بعد فقد ورد الينا سؤالاتٌ كليّةٌ من اشخاصٍ جزئيّةٍ و هيهات ان يكون للجزئيّ احاطةٌ بالكُلّي الّا انه بعد ما كانَ يسمع باللّهِ و يبصر بٱللّٰهِ و ينطقُ بٱللّهِ امكنه ضربُ الامثالِ حَسْبما يعطيه الحالُ بايَّةِ واحدةٍ من الدَّلالاتِ الثلاثِ لاسيّما اعزُِّهٰا و امنعُِهَا و هي الالتزامية .
قوله سؤالاتٌ كُلِّيّة يعني به سؤالاتٌ عن معانٍ كليّةٍ لانّ الكلّيّةَ هي المسئولُ عنْهَا لا المَساۤئلُ نعم قد تكون كلّيةً باعتبار المراد منها و ذلك ان المسئولَ عنه العقلُ و الكليُّ هو العقلُ الاولُ و ما سواه من عقول البشر الّذي وقع السُّؤال عنه جزئيّة و لكن لمّا كان العقلُ الجزئيُ لا قِوامَ له اِلّا بالكلّي لانّه منه كالشعاع من المنير و معرفتُهُ بالحقيقةِ انّما تحصل بمعرفة الكلّيّ فلهذا قال سلمه اللهُ كليّةٌ و ان كان السائلُ يجهلُ هذا المعني و لكنَ المجيب لمَّا عرف ذلك اورد الجواب علي صورة ما يقتضي الْحَقِيْقَةَ و الاشخاصُ الجزئيّةُ تعريضٌ بالسّائلِ و امثاله يعني ما لك ايّها الجزئيّ و معرفة الكلي الّا ان تلقِيَ نفسَكَ فتُعْطَي الْعَيْنَ الكلّيّةَ من الكلّيّ فتعرفه به قال الشاعرُ :
اعارَتْه طرفاً رَءٰاها به فكان البصيرَ بها طرفُهَا
و اليه الاشارة بقوله و هيهات ان يكون للجزئيّ احاطةٌ بالكلّيّ الا انّه بعد ما كان يسمع باللّه الي اخره و قوله حسبما يعطيه الحالُ يريد به [ص 7] كما لو ضرب المثل بالشمس مثلاً للعقل الاوّل و لعقول البشر بالاشعّة او بالشئ الواحد الذي له رؤس او وجوه كما في الحديث النبويّ و هو ما معناه و قد سئِل عن العقلِ الاوّلِ فقال (ص) العقلُ ملكٌ لَهُ رؤسٌ بعدد الخلاۤئق فاذا وُلد مولود كان له فيه رأسٌ "٢" و علي وجهه "-٢" غشاوة و لاتزال تلك الغشاوة تنكشف شيئا فشيئاً فيشرق نورُ ما انكشفَ منه علي قلبِ صاحبِ الرأسِ فيتمّ كشفُ الغطاۤءِ عند بلوغِهٖ فيكلّف انتهي المعني المنقولُ من الحديث ، فاذا ضرب المثل بذٰلِكَ كان مُمْكِناً و هو معني قوله امكنه ضربُ الأمثالِ و الدلالاتُ الثلاث هي دلالةُ المطابقةِ و دلالةُ التضمّنِ و دلالةُ الالتزامِ و انما جَعَلَ هذه اعزَّ و اَمْنَعَ لأنها ليست داۤلّة بلفظها و انما هو بما يلزمُ تلك الحقيقة من اللوازم الخارجة و ذلك بعيد كما ذكرَ و من ذلك الْمَثَلُ لِلْمُمَثَّلِ "٣" به لانّه خارجٌ عن حقيقتِهٖ "-٣" و ان افاد معرفَتُهُ معرفتَهُ و بيانُ بَعضِ ذٰلِكَ فيما يأتي مِن قوله و ان الكليّ حقيقةٌ و الجزئيَّ مجازٌ و انّ الجزئيَّ قنطرةُ الحقيقةِ ، يعني ان الكليّ حقيقةٌ في استحقاقه للاسم او انّ الاسمَ حَقيقةٌ في دلالته علي مسمّاه بعكس الجزئي و اَمّا كون الجزئيِ مجازاً بمعني انّه طريق للحقيقة في حالة الظهورِ و النزولِ و في حالةِ الصعودِ لالتقاۤءِ قاب قوسين اَوْ انّ الجزئيَّ طريقٌ لِلْعَارِفِ الي معرفةِ حقيقة الكليّ و انما قال سلمه اللّه و انّ المَسِيرَ علي هذه القنطرة عزيزُ المرامِ ، لانَ الساۤئر الي معرفة الحقيقة اِنْ نظر الي المجازِ لمير الحقيقةَ فلا بدّ اَن ينظرَ الي الحقيقةِ في المجازِ ليعرفها بها لا بالمجاز و الي نظير هذا المعني قال (ع) اعرفوا اللهَ باللّهِ [ص 8] و قوله (ع) ان اللّه اجلّ من ان يعرَفَ بخلقه بل الخلق يعرفون به ه ، و الي هذا المعني اشار في الدعاۤء الهي امرتَ بالرجوع الي الاثار "٣" فَاَرْجِعْني اليها بكسوة الانوارِ و هداية الاستبصار حتي ارْجِعَ اليك منها "-٣" كما دخلتُ اليك منها "-٣" مصونَ السرِّ عن النظر اليها "-٣" و مرفوعَ الهمّة عن الاعتمادِ عليها "-٣" انك علي كل شئ قدير ، فاذا ثبت هذا المعني لكَ عرفتَ انَّ المسيرَ عليها عزيزُ المرامِ لانّ اكثر السَّاۤئرين انّما ينظرون الي الاثار فيحجبهم المجازُ عن الحقيقة .
قوله و اقسم باللهِ انّك يا هذا الساۤئلُ لمتقصدْ في سُؤَالاتِك الّا التّعنّتَ المحضَ و انّ السبب فيه الظلمةُ الجسمانيّةُ الحاجِبَةُ لك عن طريقِ الحقِّ .
لأنَّهُ عرف ذلك بالمقامِ لأن الساۤئلَ لو كان قصدُهُ التفهُّمَ لكان انّما يسئل عما يفهم و لايَسْئَل الّا من يفهمُ انه يفهمُ و انّه يُجٖيبُ و لايَسْئل الّا عمّا يعنيه و اذا فُقِدَ شرطٌ خرَج عن التفهّم و قوله و انّ السببَ فيه الظلمةُ الجسمانيّةُ ، لان الجسمَ هو مقرُّ الطبيعة "٢" و هي "٢" قبرُ الحيوة انّ الله يسمع من يشاۤء و ما انت بمسمعٍ من في القبور فتجري عينُ اَبَرْهُوت و عينُ الكبريت في تراكيب الجسم فتظهر الظلمة التي هي اثرُ الجهلِ .
قال سلمه اللّه : فاعلم انّ سؤالاتِكَ منحصرةٌ في قوله تعالي الۤمۤ اذ هي بَراعةُ سورةِ البقرةِ و هي الكتاب المبين الذي لا ريب فيه و ان ذلك هو كتابُ الله الصامت و امّا انت يا هذا الانسانُ من حيث انت انسانٌ فانت كتابُ الله الناطق و ان كانت حروف معانيك لاتنقري لذي الجهل فانّها عند غير ذوي الجهل لاتخفي .
ثم اعلم انّ سؤالاتك منْحصرة في قوله تعالي الۤمۤ و ذلك انّ [ص 9] مَساۤئلَ الساۤئلِ عن العقلِ و الحلولِ و الاتّحادِ فمعناه انّ العقلَ هو الالفُ القاۤئمُ لبساطته لان العقلَ محلُّ المعاني "٦" ٱلمجرّدةِ عن الماۤدّةِ و الصورةِ فلعدم الكثرة فيهِ كان الألفُ عددُهُ واحداً و صورتُهُ ٱلقيامَ كنايةً عن عدم ٱلمغاۤئرة فيها "-٦" بالتشخّص و لعدم حاجته الي غيره كان الالفُ غَيْرَ متّصل بِشَيْءٍ مِنَ ٱلحُرُوفِ وَ الوَاحِدُ غَيْرُ دَاخلٍ فِي ٱلاَعْدَادِ وَ بِسَبَبِ حَاجَةِ ٱلْخَلْقِ "٢" اِلَيْهِ وَ قِيَامِهٖ "-٢" بِهٖ و كونها منه كان الالفُ "٣" تحتاج اليه ساۤئرُ الحروف "٤" لانّها "-٤" فيه "-٣" كالموج في البحر و ٱلترجيع في النَّفَسِ الجاري في ٱلمزمار و كان الواحد "٢" تتركّب منه "-٢َ"ْالاُعداد فهذا في ٱلجملةِ الاشارةُ الي العقلِ و يأتي بعضُ البيانِ في مكٰانِهِ و امّا الاشارةُ الي الحلولِ المقبول بالمعني المعقولِ فهو ظهورُ ٱلعقل "٣" بٱلاشراق في المخلوقات علي قلوبهم بحسب قابليّاتهم و ذلك صفتُهُ "-٣" لا ذاته "-٣" لانّ الحلولَ صفةُ الحالِّ اي الظاهرِ و كذلك ظهورُ "٤" الألفِ في اللام يعني في ٱلمرتبةِ ٱلثانيةِ و العالمِ الثاني ٱلمعبّرِ عنه بعالمِ الملكوت و ذلك "٤" صفتُهُ لانّ ظهورَ "٦" الواحدِ "٩" في المرتبة ٱلثّانيةِ هو "٦" كونُهُ "-٩" عشرةً فالكثرةُ صفةُ ظهوراتِ الوحدةِ و انّما بقي صورةُ الالف في اللّام و لمتبق في ٱلميم بل كانت ياۤءً لانّه ظهَرَ في اللّامِ بصورته فهو بصورةِ الواحدِ و ان كانت عشرة لقربِ الملكوتِ من الجبروتِ للمجانَسةِ في التّجرُّدِ في الجملة و ظهَرت بالعدد في الميم لبُعْدِ ٱلملكِ من الجبروت فلمتتشابَهِ الصورتانِ و انّما كان متَوسِّطاً فِي ٱسم اللام لانَّهُ نَفْسُ اللامِ قال (ع) انا باطنُ السّينِ و صورةُ ظهورِه في النَقش هكذا لام فاللام تكفّلتْ بالجوابِ عن الحلولِ "٩" و بيانِ المردودِ مِنْهُ "-٩" من ٱلمقبولِ و امّا الاشارةُ الي الاتّحادِ بالمعني المستفادِ من الأَمْجٰادِ لا المعني [ص 10] المستلزم للألحادِ فهو ظهورُ العقلِ بالنفسِ في عالمِ الأجسامِ و بَلَدِ الاشكالِ وَ الارتسامِ بالعقدِ بعدَ الحَلّ مرّةً بعدَ اخري كما يأتي عند الاستشهاد بقوله اَدْبِرْ فاَدْبَرَ و ظهورُ "٨" الالفِ في الميمِ بالميم و هو "٨" صفةُ "٧" الصفةِ للواحدِ و هو "٧" الياۤءُ كما قلنا لانّها هي الالف في المرتبةِ الثَّانية و توسّطت في اسم الميم كما توسّطتْ في اسم اللام بتلكَ العِلّةِ و انّما قلنا اَنّ ذلكَ هو الاتّحادُ لِصَيْرورةِ المجرّدِ جسماً و صيرورةِ الالفِ ياۤءً مع بَقاۤءِ صفة العقل في الجسمِ و بقاۤء صفةِ الألفِ في الياۤءِ فافهم و لاتكثر المقال فانّ العلمَ نقطة كثَّرهَا الجُهَّال و للاتِّحَادِ معني غيرُ هذا بل بعكسِهٖ و تأتي الاشارةُ اليهِ عند ذكره لَهُ و قوله اذْ هيَ بَراعَةُ سورة ٱلبقرَةِ الخ ، لأنّ الۤم ابتداۤء السورة "٣" و عبارة عنها "-٣" و متضمّنةٌ لَهٰا "-٣" كما انَّ العقل و النفس و ٱلجسم عبارة عن الوجود "٢" و متضمّنٌ لهُ "-٢" و قوله انَّ ذلك هو كتابُ اللّٰهِ الصامت ، يعني به القرءان لانّ الكتابَ ٱلتَّدْويني طبق الكتاب التّكويني بل القرءان كتابٌ تكويني و العالم كتابٌ تدويني وَ انّما كانَ صامتاً لانّ ٱلبيانَ منه مقرون بقرينِهٖ و هو الانسان الكامل و هو النّاطق به و لهذا قالَ و امّا انت يا هذا الانسان من حيثُ انت انسان فانت كتاب اللّهِ النّاطِقُ و قوله و ان كانت حروف معانيك لاتنقري الخ ، يعني به اِنَّ ذات ٱلانسان مشتملة علي الحروفِ ٱلثَّمانية و العشرين كما انّ القرءان مشتمل عليها و انا اذكر لك تسمية وُجوهِها و عكسها فالالف هو العقل و هو الوجود وَ عكسُهُ الجهل و الباۤء هو النفس اي الصدرُ و عكسه الثّري و الجيم هو الطبيعة و عكسه الطمطام و الدال هو الهباۤء و عكسه جهنّم و الهاء هي الشكل و عكسه ٱلرّيح [ص 11] العقيم وَ الْوَاو هي جسمُ الكُلِّ منك و عكسُه هو البحر و الزّاي هو الفَلَكُ الاَطْلس و هو العرشُ و عكسُه الحوتُ بَهْموت و الحاۤء هو الكرسيّ و هو ٱلصَّدْرُ الثّاني و عكسه الثور و الطاء هو فلك البروج و عكسُه الصخرة و هو سجّين و طينةُ خبَال و الياۤء هو فلكُ ٱلمَنازِلِ و عكسُه الملَك حاملُ الارض و الكاف فلك زحل و هو العقل الجزئيّ و عكسُه ارض الشقاوة و اللام فلك المشتري و هو العلمُ الثاني و عكسه ارض الالحاد و الميم فلَكُ المرّيخ و هو الوهمُ و عكسهُ ارض ٱلطُّغْيان و النون هو فلك الشمس و هو الوُجُود الثاني الجسمي و عكسه ارضُ الشهوة و السين هو فلك الزهرة و هو الخيال و عكسه ارض الطبيعة و العين هو فلك عُطَارد و هو ٱلفكر و عكسه ارض العادات و الفاۤء هو فلكُ القمر و هو الحيوة و عكسه ارض الحيوة و هي الارض الدنيا و الصاد هو كرة النار و المرّةُ الصفراۤءُ و ريح الدبور و عكسُه كمثل الكلب و القاف هو كرةُ الهواۤء و الدم و ريح الجنوب و عكسه السَّموم و الراۤء هو كرة الماۤء و البلغم و ريح الصّبا و عكسه الماۤء الأجاج و الشين هو كرة ٱلتّراب و ٱلمرة السوداۤء و ريح الشمال و عكسُه السَّبخ و التّاۤء هو ٱلمعدِن و عكسه كونوا حجارة او حديداً او خلقاً ممّا يكبر في صدوركم و الثاۤء هو ٱلنَّبات و عكسُه النّبات المرّ و الخاء هو الحيوان و عكسه المسوخ و الذال هو الملَك كالمؤيِّدِ و الحفظة و عكسه هو الشياطين و الضّاد هو الجن المؤمنون منكَ و عكسه هو شياطين الجنّ و الظاۤء هو الانس فانت الانسان و عكسه شياطين الانس و الغين هو الانسان الكامل و عكسه هو ابليس و فيك من الصفات و الهيئات [ص 12] و الامواج و الأضافات و التطوّرات من الجبال و الشجر و ممّا يعرشون من الاضافات و تَعلُّق المقارنات بالمقارنات من بيوتِ الوُلٰاة في اكلِها من ثمرات تلك المناسبات قال الله تعالي في كتابهٖ اشارة الي سكّان تلك البيوت ممّن كشف لهم عن الملكوت و اوحي ربّك الي النحْل ان اتخذي من الجبال بيوتا و من الشجر و ممّا يعرشون ثم كلي من كلّ الثمراتِ فاسلكي سُبُلَ ربّكِ ذلُلاً يخرج مِن بُطونها شرابٌ مختلف الوانُه فيه شفاۤء للنّاسِ فَهِمَ مَن فَهِم كما اشير اليه في النقل ففيك البحار و الانهار و الجبال و الاشجار و الشمس و القمر و الليل و النهار فاقرأ من ذلك وَ ٱرْقَ الي ما شئتَ ،
فَاَنْتَ الكِتٰابُ الْمُبِيْنُ الّذٖي بِأَحْرُفِهِ يَظْهَر الْمُضْمَرُ
و تكون بهذا المعني :
حُرُوفُ مَعَانٖيكَ لَاتَنْقَرٖي لِذي الْجَهْلِ كَلّا وَ لَاتَظْهَرُ
و امّا ذو العقل فانه يقرؤها و يفسِّرُ بها مٰا شاۤءَ و هو معني قوله فانها عند غيرِ ذي الجهل لاتخفي .
قال سلمه اللّهُ تعالي : و انّنا لمّا اعتبرنا ان النّطقَ باللّه و كذلك اعتبرنا الحديثَ ٱلمرويّ بانّ اوّلَ ما خلق اللّهُ العقلَ من كتابِهِ الناطقِ يلزمُنا باَنْ نعتبِرَ اَنَّ اوّلَ ما خلق اللّٰهُ الالفَ من كتابهِ الصَّامتِ فلمّا اعتبرنا ذٰلكَ استفدنا شيئاً آخرَ و هو انّ الْمُبْدِعَ جلّتْ قدرتُهُ لمّا اوجد العَقلَ و الألفَ اللّذَيْنِ لهما السّبقُ بالأوليَّةِ لميكونا الّا خاليَيْنِ من المواۤدّ عاريَيْنِ عن القوّة و الاستعداد .
قوله لمّا اعتبرنا الخ ، يعني به مٰا عُلِمَ انّ العالم التكويني طبق للعالمِ [ص 13] التّدْويني و قد قال عبدالعزيز بن تمّام العراقي في مِثْلِ هذا المقام في قصيدته في الانسان الفلسفي الي ان قال :
و العالَمانِ جميعاً فاعلَمنَّ لَهُ الْعُلْويُّ و الأوسطُ الادني شبيهانِ
و العالَمُ الأصْغَرُ الانسانُ يشبههُ طبعاً بطبعٍ و اَركاناً باَرْكانِ
هذا يدورُ علي هذا و ذاك لهُ قطبٌ كذلك ما كرَّ الجَدٖيدَانِ
تبايُنٌ و اتِّصالٌ غيرُ منفصلٍ كِلٰاهُما واحدٌ و العِدّةُ اثنانِ
بل قالوا كما مرَّ انّ الكتابَ التدويني كتابٌ تكويني و الكتاب التكويني كتابٌ تدويني و الجاري في احدهما جارٍ في الاخر لانّ كلّ واحد منهما مبنيّ علي صاحبه و الي مثل ذلك الاشارة بقوله (ع) العبوديّة جوهرة كنهُها الربوبيّة فما فُقِد في العبوديّة وُجد في الربوبيّةِ و ما خفي في الربوبيّةِ اصٖيبَ في العبوديّة الحديث ، فاعتبارُ الالفِ في الحروفِ بكلِّ نحوٍ اعتبارُ العقلِ في الحقائق الكونية التي هي مراتبُ الوجودِ المقيّدِ كذلك لأنّ اعتبارَ احَدِهِما يستلزم اعتبارَ الٰاخرِ بتلك الجهة و قد مرَّ ما يؤيّدُ ذلك و قوله لميكونا الَّا خالِيَيْنِ من المواۤدِّ عاريَيْنِ عن القوّة و ٱلاستعداد ، يعني به البساطةَ اللّازمة لذي ٱلسَّبْق بالاوّليّةِ لانّ مَواۤدَّ الاشياۤءِ و الاستعدادَاتِ انّما كانت بالعقل و كذلك مواۤدُّ الحروف و استعداداتُهٰا انّما كانت بالألفِ فهما مستغنيانِ عمّا هو محتاجٌ في وجوده اليهمَا فافهم و لو قَبِلَا المَواۤدَّ تكثَّرا في الكمّ و لو قبِلا الاستعدادَ بعد ايجادهما تكثَّرا في الكيف و لَيْسَ فلَيْسَ كما يُظَنُّ و ما يُتَوَهَّمُ من زيادةِ العقل الجزئيّ بالرياضات و اكتساب الكمالات فليس كما [ص 14] يُظَنُّ و انّما الزيادة في محاۤلِّها بسبب اصْلاحِهَا فظهر فيها ذلك الوجهُ الخاصُّ بها ظهوراً اشدَّ مما قَبْلُ فالزيادةُ في الظهور لا في الظاهرِ و العقلُ هو الظاهرُ و كذلك الألفُ في الحروفِ الاتري الي الشمس اذا اشرقَتْ علي الارض و علي المرءاة ينعكس عن المرءاة مثلُ الشمسِ و لمينعكس عن الارض و ليس من جهة انّها اشرقت علي المرءاة اكثَرَ مِمّا اشرقتْ علي الأرضِ بل الاكثريّة من جهة ٱلقابليّة فلو صُقِلَتْ تلك الارضُ كصقالةِ المرءاة ظهر عنها كما ظهر عن المرءاة فهما لسبْقهما في الحروفِ الكونيةِ و الحروف اللفظيّة استحقّا البساطةَ الحقيقيّة و كانا مجازا و سبيلاً للبساطة الحَقِّيّة من البطون الي الظهور و من الظهور الي البطون فتدبّر .
قال ايّده اللّه : فلمّا انّه سبحانه اراد اظهار حكمته القي في هويّةِ كلٍّ منهما مثالَهُ فاظهر عَنْهُمٰا اَفْعٰالَهُ .
المراد بالمثال الذي القاه في هويّتهما هُوَ هُوِيّتُهما من حيث هو لا من حيث هما وَ امَّا هُوِيّتُهمٰا من حيث هما فهي انّما هي شئ بتبعيّة شيئيّة هويَّتهمَا من جهته سبحانه و امّا من جهتهما فماشمّت رائحةَ الوجود بِالاصالة اِنْ هي الَّا اسماۤءٌ سمّيتموها انتم و آبٰاۤؤكُمْ مااَنْزَلَ ٱللهُ بهَا مِنْ سُلْطٰانٍ فقوله فاظهر عنهما اَفْعٰالَهُ يعني به اَنَّ اَفْعٰالَهُ "٢-" الذّاتيّة النُّوريّة يكوّنها "-٢" بهما و هما قَلَماهُ لأن تلك ٱلافعالَ صفاتُهُمٰا و هو جلَّ يفعل الصفةَ "٦" للموصوف "٣" بالموصوف لأحتياجِ الصفةِ في قبول الايجاد منه سبحانه الي وجودِ موصوفها لأن وجودَهُ "-٣" من تمام قابليتها "-٦" للوجودِ و في الدعاۤء وَ جَعَلَ ما امتنَّ به علي عباده كِفاۤءً لتَأْديَةِ حَقِّهٖ ه ، و انما القي في هويّتها [ص 15] مثالَهُ لذلِكَ و في الحديث لاتحيط به الاوهامُ بل تجلّي لها بها و بها امتنع منها و اليها حاكَمها الحديث ، و هذه الفَقَرات التي اشار اليها ايده اللّه من الحديث المشهور لانه نور و شفاۤء لما في الصدور .
قال امدّه الله : فاذا صح هذا هكذا فلنقبض عنان القلم عن الكلام علي العقل و نبسطه علي الألف فنقول الألفُ لها صورة ظاهرة جسمانيّة و لهَا معني باطنٌ روحانيٌّ فمن حيث الصّورة هي اسمٌ و من حيث الهويّة مسمّي فصحّ بالبرهان ان الأسم غير المسمّي .
اقول انّما قبض عنان القلم عن الكلام علي العقل "٢" و ان كان هو "٢" المسئولُ عنه لان المجرّد "٦" لايزيده ٱلبيانُ الّا خفاۤءً و لا طريقَ اليه "-٦" الّا بالاشارة و الساۤئلُ ليس من اهل الاشارة علي انه ان وقع الكلامُ في يد صاحب الاشارة فلعمري لقد تضمَّن كلامُهُ علي الالفِ كمالَ الأفصاح عن العقل و اقبالِه و اِدْبٰارهٖ و عن الحلول و الاتِّحٰادِ كما لايخفي علي اهل البصيرة و السَّداد فقوله الالف لها صورة ظاهرة جسمانيّة يعني به رقمَها و يجوز ان يراد به لفظُها لظهوره و حلوله في الاجسام و قوله و لها معني باطن رُوحانيّ يعني به ٱلعقل و يجوز ان يراد به العدد و جعله رُوحانِيّاً باعتبار باطنيته للاوّلَيْنِ فمن حيث الصورة هي اسم يعني انَّ الرقم اسمٌ للعدد الذي هو واحد باعتبارٍ و اسمٌ للَّفْظِ باعتبارٍ و باعتبارِ اَنّ الالف "٢" ثلاثة "٦" احرف اَوّلُها "-٢" مسمّي و كلُّها "-٦" اسمٌ لاوّلِها يجوز ان يكون الجزء الذي هو الاولُ باطِناً للكلّ و يراد بذلك ظهور الفاعل في اوّل المفعول "٢" و في اخره "-٢" لمن يفهم كما ظهرت الالف في اخر الفاۤء الذي هو اخر الاسم فافهم اشعاراً بالاوليّة و الاخريّة و [ص 16] الظاهريّة بالاوّل و الباطنيّة بالاخر او نقول هو كون الصورة الرقميّة و اللفظية اسماً للعدد لدلالتهما عليه او كونهما اسماً للمعني الذي هو ٱلعقل لتركّب العالمَيْنِ الرقمي و اللفظي منهما اي من امتدادهما و ظهورهما فيهما كتركّب الوجود المقيّد من ظهورات العقل و تنزّلاته و كل هذه الاحتمالات مرادة و هو معني قوله فمن حيث الصورة هي اسم و من حيث الهويّة مسمّي ، و لا ريب انّ الاسم غير المسمّي كما ذكر سلمه اللّهُ ثم عطف علي ذكر الصورة العدديّة بعد ان ادخلها في الرقميّة او المعنويّة بالعُمومِ اخرجَها بالخصوص لعموم الفاۤئدة للساۤئل في ذكرهَا .
فقال : و كذلك علي طريقة العدد اذا اعتبرنا بانّ صورةَ الألف الجسمانيّة واحد في العدد يلزمُنا بان نقول ظاهرها واحد و باطنها احد فصحّ بالبرهان ان الأحديّة غير الواحديّة .
اقول المراد بهذه الصورة غير تلك الصورة فالأُوْلي ظل "٢" الواحديّة و هو "٢" ما في عالم الشهادة من الوحدات و هذه ٱلصورةُ من صور عالم الملكوت من الاعداد و هو واحديّة من الابداع الثاني داۤلّ علي واحديّة الابداع الاوّل فلذا قال سلمه اللّه (تع) يلزمنا بان نقول ظاهرها واحد يعني به العدد و اعلم انّ واحد عدده تسعةعشر و تمامُ العشرين لتظهرَ بذلك كافُ الكون مِن كُن واحدٌ و هو تسعةعشر و هكذا لاتكمل العشرون الّا باحَدٍ الذي لايدخل معناه في العدد فلايلاحظ من هذه الحيثيّة في هذا المقام للفظه عددٌ فواحدٌ "٦" حجابٌ لاحدٍ وَ اَحدٌ محتجب به "-٦" و باطنٌ لَهُ "-٦" و مع ملاحظة ما [ص 17] مرّ هنا يأتي قوله فصحّ بالبرهان انّ الاحديّة غير الواحديّة مشيراً بِذلِكَ الي انّ العقل غير الألف في الذات و ان تشابَهٰا بحيث يلزمُ من معرفة الألف معرفةُ العقل لأنه قال فيما سبق انّ الاسم غير المسمّي ثم قال هنا انّ الاحديّة غير الواحديّة ، فالواحدية اسم و الاحديّة مسمّي و الالف اسم و العقل مسمّي و الحروف اسماۤء و المعاني مسمّيات و ان كان يلزم من معرفة الاسم معرفة المسمي من تلك الجهة و لهذا اشار فيما سبَق بقوله و لنقبض عنان القلم عن الكلام في العقل ، كما نبّهنا عليه سابقا فَلَاحِظْهُ تَعْرِفْ من كلامه خفايا الاسرار و تَتَلأْلَأُ لك من اشارته و ايماۤئه بوارقُ الانوار يكاد سنا برقه يذهب بالابصارِ اذْ في كلّ حرفٍ من كلامه ما لو اسْتُقْصِيَ البحثُ عنه لخرجنا عن الاختصار و ضاق الليل و النهار .
قال ايده الله : و لولا طريقة الاعتبار بهذا المثال لماصحّ لنا ان نقول اثنان في اول العدد اذ ليس اثنان بالحقيقة لكن بهذا المعني حصلت الاثنينيّة فتأمّل ذلك و تحقّق هذه الاثنينيّة فانها تنزيه و تشبيه .
اقول يعني انه لولا طريقة الاعتبار بهذا المثال و هو ما ذكر من احكام الالف و انّ الاسم غير المسمّي و ان الواحديّة غير الاحديّة لماصحّ ان نقول الألف اثنان مع انّه اوّل الحروف و كذلك العقل لانه اوّل مخلوقٍ من الوجود المقيّد ليس قبلَه الّا عالم الامر في السّرمد و الي هذا المعني اشار في الحديث بقوله (ع) انّ اللّه لميخلق فرداً قائما بنفسِهٖ للدلالة عليه الحديث ، و قال (تع) و من كلّ شيءٍ خلقنا زوجين لعلّكم تذكّرون ، و قوله فانها تنزيه و تشبيه ، يشير به الي ان الواحد هو [ص 18] الاثنان و الاثنان هو الواحد فالاوّل تشبيه و الثاني تنزيه فخذ زادك من هذه الاثار و سافر عن هذه الدار الي العزيز الغفار فافهم .