قال ايده الله : و كذلك باعتبارٍ آخر اِذا تحقّقنا صورة الم رأينا صورة الالف قائمة بذاتها غير متّصلةٍ بحرفٍ من الحروف ففي هذه الحالة تسمّي اتّحاداً فاذا اعتبرنا طريقا اخر رأينا صورة الالف قائمة في اللام الي فوق ففي هذه الحالة تسمي حلولاً و ان ذلك بطريق الاعتبار و كذلك انتقال الالف في صورة الميم منعكسة الي تحت مع انّ الف اللام هي الف الميم قيل للالف اقبل فاقبل باللام و قيل له ادبر فادبر في الميم فصحّ قوله (تع) الۤم ذلكَ الكتاب لا ريب فيه بمعنَي الأَولُ و الاخرُ و الظاهرُ و الباطنُ و الله سبحانه يقول الحق و هو يهدي السبيل .
فقوله رأينا صورة الالف قائمة بذاتِها غير متصلة بحرف من الحروف ففي هذه الحالة تسمّي اتّحاداً يعني به المعني الأَول لانفراده و فناۤء كثرة الحروف في وحدته و باعتبار توسطها في اسم اللام تسمّي حلولاً يعني به المعني الثاني الذي اشرنا الي ان نذكره بعدُ فهذا اوانُه و هو ان الاتّحاد الصحيح بالمعني المراد هو فناۤءُ الظاهرِ في الباطن لايكون اثنان و في الحديث لنا مع اللّهِ وقت هو فيه نحن و نحن هو و نحن نحنُ و هُو هُوَ ه ، و هذا هو الذي اشار اليه بقوله هنا و الثاني بالعكس كما مرّ و ليس المراد بالاتّحاد الاتحاد الذي هو ظاهر الفساد كما يتوهّم و قد تقدّمت الاشارة الي الحلول فلا حاجة الي ذكره لانا نكتفي بادني ما يحصل به الفهمُ لذي الفهم و الّا فكما قال الشاعر محمد بن الاُزْري البغدادي :
[ص 19]كم بجنبيَّ للصبابة وادٍ كلَّ آنٍ حَمامُه نَوّاحُ
و كذلك الالف في صورة الميم منعكسة الي تحت يريد به اَن مَدَّةَ الميم شاهدةٌ علي ظهور صورة الالف لان الالف التي في الميم الف راكدٌ فحكتها في الهيئة لان المدة طرف الميم في الركود لركود الالف فيها و لهذا كثيرا ما يعبّر بها عنها لاجل الصورة كما قالوا في بسم اللّه الرحمن الرحيم اوّلها كٰاخرها فافهم لا انها هي بل الالف التي في الميم حقيقة هي الياۤء لانها هي الالف في الرتبة الثانية كما مر و لكنّه سلّمه اللّهُ شأنه في ابراز السر علي ما يلايم لِئَلَّايَستغْرِبَ ذلك كثير من اهل العقول حفظاً للسّرِّ و لايزال في الاشياۤء الّتي يُظْهِر كاتِماً فجري فيه قول الشاعر :
و مستخبرٍ عن سرِّ ليلَي اجبتُهُ بعَمْياءَ مِن ليلَي بلا تعْيينِ
يقولون خَبِّرْنا فانت اَمٖينُها و ما انا اِنْ خَبّرتُهُمْ بِاَمٖينِ
و الي ذلك اشار بقوله مع انّ الفَ لامٍ هي الفُ مٖيمٍ و اعلم ان الالف حيث ظهرَتْ بِالأِدبار فيما تحتها اعطت اللامَ صورتَها للقرب في الجملة و اعطت الميم عددَها و هي الياۤء و هي الكثرة و تلك الكثرة باعتبار الصفاتِ و الي ذلك اشار عليّ (ع) لكميل بقوله نورٌ اشرقَ من صبح الازل فيَلوح علي هياكل التوحيد اثارهُ ه ، فافرد النور لانّه صفة الصبح المفردِ و اشراقُه و جمع الهياكل و الٰاثار لما قلنا و الصبح من نور الشمس و لنقبض العنان فللحيطان آذان و تعيها اُذنٌ واعية قال الشاعر :
و ايّاك ذكر العامرية انّني اخاف عليها من فم المتكلِّمِ [ص 20]
و قد مرّ ان الاقبال في اللام في قوس الصعود و الادبار في الميم في قوس النزول اوْ انّه لحظ الاصطلاح الثّاني في اللّام و هو انّ الاقبال هو الاقبال علي الخلق و الادبار عن الخلق و في الميم بعكس هذا الاصطلاح و لا مشاۤحّة في الاصطلاح فمن العلماۤء مَن يري ذلك و منهم من يري الاقبال علي الخالق و الادبار نزوله الي الخلق و المعني لايختلف قال الشاعر :
عباراتُنا شتّي و حسنُكَ ظاهرٌ و كُلٌّ الي ذاكَ الجمالِ يُشٖيرُ
و قوله فصحّ قوله (تع) الۤم ذلك الكتابُ لا ريب فيه ، يشيرُ به الي انّ الاشارة و هو قوله ذلك الي الم هذا معنيً او الي بيّناتِ الف و هي المائة و العشرة فانها هي الكتاب و زبره هو القرءان و زبر لام "٢" هي الفرقان و بيناتها "-٢" هي التورية و زبر ميم هي المثاني و بيّناته هي الانجيل و ذلك هو الكتاب لا ريبَ ثم تبتدي بقوله فيه هديً للمتقين ليشهد لَكَ الاياتُ بذلك في سور القرءان و قوله بمعني الاوّلُ و الاخرُ و الظاهرُ و الباطنُ ، يشير به الي انّ كونَ الالفِ في اوّل الۤم بالرتبة و الذات و في اخر الميم بالصورة الراكدة و الاعداد و ظاهرة بالذات كما في الاوّل و بالهيئة كما في الميم و باطنة بالصورة كما في اللام و بالعدد الأفعالي كما في الميم اشارةً الي هذه الصفات الاول و الاخر و الظاهر و الباطن و قوله و اللّه يقول الحق و هو يهدي السبيل ، فيه اشارة الي قراح النصيحة و محض الحق و صفاۤء الوفاۤء فافهم ، انتهي كلامه في الاشارة الي العقل بحسب الوصف الحقيقي .
و امّا الجواب علي حسب الظاهر فاقول فيه علي سبيل الاختصار العقلُ لغةً الحَبْس و عند اهل الشّراۤئع و ٱلملل فيطلق علي معان [ص 21] الاول العقل الذي هو مناط التكليف الشرعي من حيث انه يدعوا الي ٱلتأدّب بالاداب ٱلشرعية بقدر الوسع عِلْماً و عملاً فلايتوجّه علي فاقده التكليف و قيل في تحديده بوجوهٍ متقاربة منها انه غريزة يلزمها العلم بالضروريات عند سلامة الٰالات فلايسمّي النائمُ بهذا المعني عاقلاً لعدم ٱلعلم و مثله انّه ما يعرف به حُسْن الحَسَن و قبح القبيح و منها انّه قوّة ادراك الخير و الشرّ و ٱلتمييز بينهما و التمكن من معرفة اسباب الامور و ما يؤدّي اليها و ما يمنع منها و منها انه العلم ببعض ٱلضّروريات و هو العقل بالملكة و قريبٌ منه ما قيل انه العلم بوجوب الواجب و استحالة المستحيل في مجاري العادات و منها انه عدم الجنون عمّا من شأنه الجنون فهو صفة اُولَي للانسان تدعو الي الافعال الحسنة و ضدّه الجهل و الهوي او صفة يستعدّ بها لِاستِنْتاج ٱلمجهولات من المعلومات و ضدّه الجنون المعني الثاني العقل هو العلم التامّ بالشيء الحاصل من التأمّل التام فيه المعني الثالث العقل هو التّأدّب بالٰاداب الحسنة في طلب العلم بالاشياۤء من حيث حسنِها و قبحها و كمالها و نقصها و ضرّها و نفعها و العمل بذلك الرابع العقل هو التأدّب بالٰاداب المستفادة من التجارب بمجاري الاحوال الخامس العقل هو جودة الذهن و سرعة انتقاله الي الدّقائق مع حبس النفس علي الحقّ و هو الذي اُشٖير اليه في الحديث العقل ما عُبِد به ٱلرّحمن و اكتُسِبَ به ٱلجنَان ، و قد يطلق عليه بالذّكا و الفطنة و الفهم و البصيرة و كذا الكياسة و ان كان مع حبس النفس علي ضدّ الحقّ مع رعاية منافع الدنيا [ص 22] فقط فليس بعقل بل يسمّي النكرا و الشيطنة و الجربزة و الفطانة البتراۤء و يقابل هذا العقلَ ايضاً الجهلُ و الحمقُ و الغباوةُ و البلاهةُ و البلادةُ السّادس العقل هو ميل النفس الي الافعال الحسنة و العقل بهذا المعني فطري و كسبيّ و كذا بالمعني الذي قبله و الفطري منه ما خلقه اللّٰهُ معَ خَلْقِ النطفة و هو الاعلي و منه ما يخلق بعد الولادة و هو دون ذلك و منه ما يخلق عند البلوغ و هو الادني و الكسبي ما يحصل بعدُ بتكرّر مرَاجعة العقل و هو اختياري و امّا الفِطري فقيل هو يحتمل ان يكون اختياريّاً عند التكليف الاوّل في عالم الذّرّ و يحتمل ان يكون ايجابِيّاً لِانَّ تنزّلات العقل الاول في المراتب الكونية عند ظهوره بها باذن اللّه ايجابيّ تكوينيّ و الحقّ انه اختياريّ بل الحق اَن ليس في الوجود اضْطرارٌ بل كلّ الموجودات مختارة لانّها اثر المختار فَهِمَ مَنْ فهِمَ و قد حقّقناه في مُبٰاحَثاتِنَا بما لا مزيد عليه و لا مناص عنه و ايّاك و التكذيب بما لمتعلم به قال الله (تع) بل كذبوا بما لميحيطوا بعلمه و لمّايأتهم تأويلُهُ و المراد بالاختياري ما يستحق عليه المدحَ و علي عدمه الذمَّ السابع العقل هو النفس الناطقة الأنسانيّة باعتبار مراتبِها في استكمالها علماً و عَملاً و يطلق هذا ٱلمعني ايضاً علي نفس تلك المراتبِ و علي قواهَا في تلك المراتب و ذلك انّ للنفس قوّة باعتبار تأثّرها عمّا فوقَها و تَلَقّٖيهٰا ما يُكَمِّل جوهرَها من التّعقُّلَاتِ و يسمّي ذلك عقلا نظريّاً و باعتبارِ تأثيرها في البدن بتكميل جوهره اختيارِيّاً لانّه آلةٌ لها في تحصيل العلمِ و العمل لها قوّة اخري و يسمي عقلاً عملِيّاً و للاوّل مراتب اربع الاُولَي [ص 23] استعدادٌ بَعٖيدٌ للكمال و هو محض قابليّتها للادراك و يسمّي عقلاً هيولانيّاً تشبيهاً بالهيولي الاولي المجرّدة عن الصور احْتِرٰازاً عن الهيولي الثانيَة التي اُخِذَت الصور فيها و هي الجسم الثانية استعدادٌ مُتَوسِّط لتحصيل النظريات بعد حصول الضّروريات بالاُولَي و تسمّي عقلاً بالملكةِ يعني بالقوّة لا بالفعلِ الثالثةُ استعداد قريبٌ لاستحضار النظريات متي شاۤء و يسمّي عقلاً بالفعل و منهم من جعل الثالث هو الرابع و الرابع هو الثالث الرابعة الكمال "٢" و هو تحصيل النظريات مشاهدةً و يسمّي عقلاً مستفاداً و قد يعتَبر "٢" بالقياس الي جميع مُدْركاتِهٖ بحيثُ لايغيب عنه شيْءٌ و هو بهذا المعني انما يكون في الاخرة و منهم مَنْ جوّزَهُ في الدنيا لنفوس قويّةٍ لاتشتغِلُ بشيءٍ و للثاني و هو العقلُ العَمَلي اربع مراتب الاولي تهذيبُ الظاهر باستعمالِ الشرايع النبويّة الثانية تهذيبُ الباطن من المهلكات المردية و ترك الشواغل عن عالم الغيب الثالثة تجلّي النفس بالصّور القدسيّة بعد القرب و الاتصال بعالم الغيب الرابعة انجلاۤءُ ضياۤءِ المعرفة بالفؤاد و استغراقُه في انوار الجلالِ و الجمال و هو مقام الصّدقِ في المحبّةِ و مقتول الحبّ الذي اُشٖير اليهِ في الحَدٖيث القدسي من احبّني قتلتُه و من قتلتُهُ فعَليَّ دِيَتُهُ و مَنْ عَلَيّ ديتُهُ فانَا ديتُهُ ه ، و ليس وراۤء ذلك في العَقْل ٱلعَمَلي علي هذا الاصطلاح رُتبة .
و اعلم ان الموجب لهذا الجواب انه سلمه الله كان عند الشيخ الفاضل و الحبر الكامل زبدة الاواخر و الاوائل الشيخ الممجد الشيخ محمد بن . . . بن فيروز ادام الله عليه مدد اسعافه و غمر وجوده بمستهل الطافه فاتي هذا الشيخ رجل [ص 24] بهذه المساۤئل و الذي يظهر من هذين الشيخين في كلامهما اعلي الله مقامهما ان الرجل سأل الشيخ محمد متعنّتاً فاستأذنه الشيخ علي المذكور في الجواب فاذن له فاجاب بما مرّ ثم ان الشيخ الممجد الشيخ محمد المزبور ذكره في هذه السطور نظم الجواب و ابان الخطاب بالصواب لاولي الالباب فاحببت ان اتكلم علي ابياته بما يكشف عن بعض ما اودعها و يبيّن شطراً مما ضمّنها فانها بديعة المعاني حسنة المباني و انما قدّمت الكلام علي جواب ذلك الشيخ لرعاية الترتيب الطبيعي من وجهين احدهما ان جواب الشيخ علي سابق فيكون شرح كلامه سابقا و ثانيهما ان جوابه جري علي طريقة اهل العرفان و الحقيقة لانها اقمع للمتعنّت و هذا الشيخ اجاب علي طريقة اهل الظاهر لانها انسب بالمقام و اقرب الي الافهام و الغيب مقدم علي الشهادة في الوجود الدهري فقدمت الكلام علي الدهري علي الكلام علي الزماني لانه سابق له في القوس النزولي التكويني فافهم و ختمت بابيات الشيخ محمد ليكون الختام مطابقا للمقام و لان الشيخ علي ابتدأ بالالف التي هي اول الحروف و الشيخ محمد جعل رويّ ابياته اخر الحروف التي هي الفاۤء بما يطابق الاول للباطن و الاخر للظاهر فان قصدا ذلك سلمهما اللّه و الّا فان استقامة الطبيعة تظهر بطبيعة الاستقامة لان الطبيعة لاتغلط كما قالوه و هذا اوان الشروع في المقصود و بالله المستعان و عليه التكلان .
سألتَ عن العقل المهيّئِ كلّما جري من قضايا هيّئتْ لتألُّفِ
حقائقِ ميزان "٢" به "-٢" القسطُ ظاهرٌ لدي اهل علم بالحقيقة ذا وفيٌّ [ص 25]
و عن كلمات اربع قد تكرّرت مآخذها من وحدة عند هاتِفِ
و معني حلول و اتّحادٍ و هل هما سوي ام هما غيرانِ عند التعرّفِ
قوله سألت عن العقل المهيئ ، يشير به الي ان سؤالها عن العقل النظري باصطلاح اهل العلم و المهيّئ منه هو المرتبة الثانية من مراتب العقل النظري و هو العقل بالملكة و هو استعداد متوسط لتحصيل النظريات من الضروريات كما مَرَّ و لذا قال سلمه الله كلّما جري من قضايا هيّئت ، لان النظر ترتيب امور ذهنية لتؤدي الي امر اخر و ذلك هو تألف حقائق ميزان هو عند اهل العلم علي ما اصطلحوا عليه عقل نظري و لذا قال ذا وفي ، اي ان هذا التعريف وفيٌّ عند اهل العلم و قوله و عن كلمات البيت ، يأتي الكلام عليها عند الاشارة الي سورة التوحيد و كذا معني الحلول و الاتّحاد يأتي بعده .
فيا ذا كفاني مُوْضِحُ الحقِ للَّذٖي يَرُومُ سُلوكاً و هو غير مُحَرِّفِ
خبيرٌ باسرار المعاني مُحَقِّقٌ فريدٌ بهذا عن سواه لِوُصَّفِ
اجاب بما يكفي اتمَّ كفايةٍ محقِّقُ ما في الحرف من سرّه الخفي
و انت لما ابدي تكون مباعداً اذ الشمس عن ذي علة العين تختفي
اقول ثم اشار الي ما اجاب به الشيخ علي و هو المراد بقوله موضح الحق ، و قوله للذي يروم سلوكا ، اي لمن يطلب طريقة اهل السلوك و العرفان و انما لميقل لك ايها السائل لمعرفته به انه ليس من اهل العرفان ثم قرّر تقرير الشيخ علي و اخذ في الثناۤء عليه فقال انه غير محرِّفٍ فيما اجابك [ص 26] به بل هو الحق فانه خبير باسرار المعاني محقِّق في هذه الطريقة متفرِّد بذلك عن سواه عند العارفين به لقد اجاب بالجواب الكافي اتم كفاية فانه محقق ما خفي في الحرف من السّر و هذا اقرار منه لهذا الشيخ و ارتضاۤء للجواب علي ما هو عليه من علو الشان في هذا الزمان ثم التفتَ الي الساۤئل و اجابه عما اخبره به لسان حاله من استبعاد هذا الجواب بقوله ان الشمس في شدة ظهورها تختفي عن مريض العين فان ابصار الخفافيش لاتقدر علي نور الشمس .
و لما علمتُ ان ذلك واقعُ وَ اَنَّهُ لايشفيك ما قرّر الصفي
عزمتُ علي املاۤء ما كنتُ قبله عزمتُ علي تركي جوابك مكتفي
بعلمي بان القصدَ قصدُ شَنٰاعَةٍ بتعجيزِ مَسئولٍ اذا كفّ او تفي
بتبديعه ان قال في كل محفل طريق حسود جاهلٍ غير منصف
يعني لما علمت ان استبعادك لجوابِ هذا الرجل الصفي و انّ ما قرر لايشفيك للعلّة المذكورة و هي ضعف بصيرتك عن ادراك الانوار المتشعشعة عزمت علي الجواب و كنت قد عزمت علي ترك الجواب اكتفاۤء بما اجاب الشيخ علي و انما عزمت علي الجواب لما علمت من حال السائل ان قصده التشنيع بتعجيزه المسئول و هو ان لميجب و بنسبته الي الابتداع ان اجاب بالحقيقة لأن هذه هي طريقة الحسود الجاهل اذا ركب الاعتساف و ترك الانصاف فاجاب سلمه الله بما ليس فيه ارتياب و لايلحقه من كل احد فيه عتاب .
سألتَ عن العقل و عن مستقره و عن كل شخص من اولي العقل ما نفي
جوابك ان العقل ما منع الفتي من الفحش منعاً نوره غير منطفي
و في الشخص ذي العقل استقر و فوقه و من كل وجه قد احاط به اكتف
يعني انك سألت عن العقل و عن مستقره من الانسان و كان قد سأله عن حقيقة العقل فاجابه عن حقيقته الظاهرة عند اهل العلم سابقا كما مر من غير تنبيه الي ذلك و لا استعداد به لانه علم ان الساۤئل ليس من اهل ذلك و اجابه هنا بالعقل الحقيقي عند اهل الشرع لانه هو الفائدة علي نحو قوله و يسألونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس و الحج حيث سألوا عن الحقيقة و اجيبوا بالفائدة فقال العقل ما منع صاحبه من الفواحش التي نهي عنها الشارع (ع) كما في الحديث العقل ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان ه ، ثم بيّن ان مقرّه في الانسان بمعني انه تعلق به تعلّق التدبير و لهذا قال و فوقه و من كل وجه قد احاط به ، و هذه اشارة الي تجرّده استدراكاً لما عسي ان يعترض عليه من اولي العلم و نبّه لمقام السائل بقوله و في الشخص ذي العقل استقرّ ، و لميتعرض لكون العقل حقيقة لان المقام لايناسب و لا بأس بالاشارة الي بعض ذلك لان المقام هنا مناسب
فنقول قد تقدم الكلام علي العقل في شرح جواب ذلك الشيخ بالحقيقة كليّا و جزئيا و في تقسيم العقل الحكمي و بقي بعض التنبيه علي العقل الجزئي و هو ان العقل هو وجه القلب من الانسان و هو اي القلب مقر [ص 28] اليقين و محل اشراقات الوقر الالهي و العقل "٢" جانبه الايمن و هو "٢" في الدماغ الجسمي و هو "٢" محل المعاني المجرّدة عن المادة و الصورة و عن المدة الزمانية و هو "٢" جوهر بسيط مفارق لا تعلق له بالاجسام و لا الجسمانيات الّا تعلق تدبير بتوسط المجردات المقارِنَاتِ و هو نور ابيض قاۤئم بالقسط وجهه متعلق بربه شاخص ببصره الي ربه "-٤" لاينظر الي نفسه قطّ فهو درجات النعيم و وراءهُ ظلمةٌ قد اَدْبَرَتْ عنه "-٤" مولّية لاتقبل تنظر الي نفسها لانها من الماۤء الاجاج و هي عن يسار القلب و هي محل المعاني المجتثة و منبع الشكوك و الارتباطات فهي دركات الجحيم فالاول باب الوجود و هذه باب الماهيّة فبالعقلِ قوامُ النفس الذي هو الصدرُ "٣" و هو "٣" محل الصور "٦" المجردة عن المادة و المدة الزمانية و هي "٦" العلم و بالنفسِ قوامُ الطبيعةِ الاولي و بها قوام الماۤدة المجردة و بالمادة قوام القالب "٢" المثالي و به "-٢" قوام الطينة "٤" التي خلق منها الانسان و بها "-٤" قوام النفس "٥" الحيوانية الحسّية و بها "-٥" قوام الطبائع و بالطباۤئع قوام الدم الاصفر في القلب اللحمي الصنوبري و بالدم الاصفر قوام العلقة التي في القلب و بها قوام العناصر الاربعة الكبد و الرية و المرارة و الطحال و بها قوام هذا البدن فالعقل علي هيئة الالف و النفس علي هيئة الباۤء و الطبيعة علي هيئة الجيم و هكذا .
و عن كلمات اربع قد سألتني جوابك للاخلاص فاقرءه تشتف
اقول لعله اراد بالاربع الكلمات التي سئل عنها هي الاحد و الواحد و [ص 29] الاحدية و الواحدية بدليل قوله في عجز ٱلبيت الثالث و هو قوله مآخذها عن وحدة عند هاتف ، و علي هذا فيكون قوله في الجواب هنا جوابك للاخلاص فاقرأه تشتَفِ ، علي ما يظهر من السورة الشريفة علي غير هذا الترتيب لانّه اجاب في الجملة لئلّايجهّله الساۤئلُ الجاهلُ فلا حاجة الي التفصيل ما لميكن الساۤئلُ من اهله و نحن نتكلم علي بعض ما اراد من اطلاقه لأن اطلاقَهُ شاملٌ لكل شئ من احكام التوحيد فنقول اَحَدُ الكلماتِ الأحدُ "٢" و هو "٢" الواحد في ذاته فليس له "-٢" ضدٌ و الّا لميكن شيءٌ به موجوداً و في صفاته فليس له نِدٌّ "٦" و الّا لكان بذلك "-٦" محدوداً و في فعله فليس له مثل و الّا لكان باثاره مشهودا و في عبادته و الّا لماكان معبوداً و بهذه الاربع "٥" الجهات مجموعةً يفارق الواحدَ لانها "-٥" ملحوظة فيه لان مدلوله مجرّد الوجود الواجب مع قطع النظر عن كل صفة و ليس مثلَ احدٍ "٢" في اخر السورة فانه "-٢" جارٍ علي حقيقة الاحدية التي يشير اليها اهل اللغة فانهم يفسّرون الاحد بالواحد و قد يفرقون بينه و بين الواحد و لذا قال الامام الرازي ذكروا في الفرق بين الواحد و الاحد وجوها احدها ان الواحد يدخل في الاحد و الاحد لايدخل فيه و ثانيها انك اذا قلت فلان لايقاومه واحد جاز ان يقال لكنّه يقاومه اثنان بخلاف الاحد و ثالثها ان الواحد يستعمل في الاثبات و احد في النفي انتهي ، و لايخفي ان معناها واحد و هو المراد به في اخر السورة و هو الاحدية المعروفة عند اهل اللغة التي يعبرون عنها بالواحدية فانهم يفسرونه بالواحد و هي الاحدية الحقيقية لغةً [ص 30] و هو بهذا المعني ينتفي بنفيه القليل و الكثير و يثبت باثباته القليل و الكثير و الواحد علي المعني الاول ظهور الاحد في احد المراتب الاربع بما يخصّ تلك المرتبة مع قطع النظر عن غيرها كما قلنا الواحد هو الاحد في ذاته الواحد هو الاحد في صفاته الواحد هو الاحد في افعاله الواحد هو الاحد في عبادته و لايقال للواحد في اكثر من مرتبة احد لان الواحد صفة للاحد خاصة كما تقول زيد قائم زيد قاعد زيد راكب فافهم لان واحدية الذات ليست واحدية الصفات و هي ليست واحدية الافعال و هي ليست واحدية العبادة و الّا لاتحد الواحد و الاحد فالاحد لايتغير في صفاته و الصفة تتغيّر في مراتبها كزيد و القائم و القاعد و الراكب و اما الاحدية فهي صفة الاحد و الواحدية صفة الواحد و هو المعني المتقوم بتلك الصفة للموصوف ثم اعلم ان الاحد في اوّل السورة ليس مفهومه كما زعمه كثير انه كليّ لَمْحاً لمدلول الحقيقة لغة فانه لا كلي و لا جزئيّ و لا خاص و لا عام و لا مشكِّك و لا متواطي و لاتصح معرفته باثبات غيره "٢-" و لا بنفيه "-٢" و انما تصحّ معرفته به عند نفي غيره و لكن باعتبار اللغة الحقّيّة بقي فيه عموم خصّصه سبحانه في السورة الشريفة فقال الله الصمد فصحّ المعني المراد عند آل ٱللّه من الخواۤصّ و تفسير الصمد له وجوه كثيرة لا حاجة الي ايرادها و اكثرها جارية علي اللّغة الحقيقية لا علي اللغة الحَقّيّة و لكن من جملتها ما هو علي اللغة الحقّيّة كما قيل الصمد هو الذي لا مدخل فيه و ايضا الصمد هو القائم بنفسه و بقيت بقيّة من العموم عند خصيص آل اللّه فخصّصه لهم سبحانَهُ بقوله لميلد و لميولد [ص 31] فاكّد تخصيص الاول بالاول من الاخيرين و خصّص الثاني من الاوّلَين بالثاني من الاخيرين فصحي المعلوم عند محو الموهوم في اللغة الحقّيّة و بقيت كثرة اعتبارية في اللغة الحقيقية فمحاها بقوله و لميكن له كفؤا احد فانّ اَحَداً هنا علي المعني الذي ذكره الرازي و لايجوز ان يكون علي المعني الاول لما قلنا من انه لايعرف بنفي غيره و انما يعرف به عند نفي غيره فافهم فظهر مما قلنا ان الواحد صفة الاحد و ان الواحدية صفة الاحديّة فالاحدية نور ابيض و هو الحجاب الأعلي و الاحدُ هو الحق المحتجب عن خلقه بظهوره لهم بذلك الحجاب و الواحدية نور اصفر و هو حجاب الرحمانية و الواحد هو الحق المحتجب عن خلقه بظهوره لهم بذلك الحجاب و شاهدُ الاول في الدعاۤء اللهم اني اسألك باسمك الذي اشرقت به السموات و الارضون ، و شاهدُ الثاني في الدعاۤء ايضا و باسمك الذي يصلح به الاولون و الاخرون ، و لهما اللهم يا من احتجب بشعاع نوره عن نواظر خلقه يا من تسربل بالجلال و العظمة الدعاۤء ، و الي ذلك الاحتجاب يشير قول الشاعر :
خفيٌّ لافراطِ الظهور تعرضتْ لأدراكِهِ ابصارُ قومٍ اَخَافِشِ
و اما الاحدية في اصطلاح المتصوّفة هي تَجلّي الذات لنفسه بنفسه و ٱلوَاحِدٖيّة تَجَلّٖي الذات صفة و الصفة ذاتاً و لايسع شرح ذلك لما يلزم منه من مثل قولهم ليس لِتَجلي الاحدية في الاكوان مظهرٌ اَتَمَّ منك اذا استغرقتَ في ذاتك فيكون حكمٌ بين قولهم لنفسه بنفسه و بين قولهم في الاكوان و مقامٌ عندهم لايليق شرحه علي مذاقهم و اما غير ذلك فقد [ص 32] اشرنا الي كثير من المراتب التي لايأباها الّا جاهل بها او مكابر و اعلم ان سورة التوحيد قد اشتملت علي الاربعة الاركان من كل اسم من الاسماۤء الثلاثة فالثلاثة جبروت و ملكوت و ملك و هو ثابت و ذو جسدين و منقلب و الاربعة ربيع و صيف و خريف و شتاء و الثلاثة عقل و نفس و جسد و الاربعة صفراء و مرة و دم و بلغم و الثلاثة قلم و لوح و جسم الكل و الاربعة نار و هواۤء و ماۤء و تراب و الثلاثة سماۤء و بحر و برّ و الاربعة دبور و جنوب و صبا و شمال و الثلاثة الله العلي العظيم و الاربعة خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم و قد روي ان العرش له اربعة اركان نور اخضر منه اخضرت الخضرة و نور اصفر منه اصفرت الصفرة و نور احمر منه احمرّت الحمرة و نور ابيض منه البياض و حملت العرش اليوم اربعة جبرئل و ميكاۤئيل و اسرافيل و عزراۤئيل فالاثنيعشر من الثلاثة في الاربعة و الثلاثمائة و ستون من الاثنيعشر في الثلاثين التي من الالوهية و النقش و اللفظ و المعني سبحان الله و الحمد لله و لا اله الا الله و اللّه اكبر فالمعني الحمد للّه و اللفظ لا اله الّا اللّه و النقش الله اكبر فجمعت هذه السورة ميادين التوحيد الاحدعشر لجميع الخلق من المحقين و المبطلين تشير الي كل واحد منها بما يناسبه منها و بها ظهرت الاثار في الموجودات علي سبيل يوم التكوير و يوم الشان و يوم الايلاج و ذكرهم بايام اللّه فظهرت الكلمات الاربع المذكورة في كل شئ بكل شئ كما اشير اليه مرموزا علي سبيل الاجمال لاهل الكمال التفصيلي ان الله يأمركم ان [ص 33] تؤدوا الامانات الي اهلها و هم الذين يعرفون الاثار بالمؤثرات لا المؤثرات بالاثار و قوله سلمه الله فاقرأه تشتفِ ، كلام جامع فكل قارئٍ شفاۤؤه علي حسب فهمه لها الّا ان الستة الميادين الاخيرة من الاحدعشر لايسلم سالكها لانها مُسْبِعَةٌ كثيرة الحيات و العقارب نعم يسلم منهم اصحاب العقول و هم الناظرون في اوّلها اذا اخذت بايديهم يدُ العناية و الله يهدي من يشاۤء الي صراط مستقيم .
ثم انه سلمه الله بيّن كيفية الوصول الي الاتحاد و الحلول المرضيين بقوله :
و حلّ عقوداً من طباعك ان ترم حلول مقامات ٱتّحادٍ و كن وفي
باكمل عهدٍ الجواب له بلي و نور وجود الحق في الخلق ماطفي
و اسئل ربي مزج روحي بنوره لتمتحق الاشباح حتي اكن خفي
قوله و حل عقودا ، يعني به انّ الطبيعة الامكانية قُبُورُ الاموات و ما انت بمسمع من في القبور ، اومن كان ميتا فاحييناه و انما اتي بصورة الحل و العقد المعروفين عند اهل الصناعة لان الحل تمشية اجزاء يابسة مشاكلة برطوبة مشاكلة و العقد بعد الحل ليتقيد الآبق بالطّلقِ و الاكليلِ بعد ان كانا بحكم الآبق في الذوبان في الحل فتمازجٰا ذاۤئبين ثم انعقدا فثبتا علي نار السبك بعد ان دُبّرا بنار الحضانة كذلك عقود الطبيعة و جمودها اذا حللتها شيئا فشيئا بالاداب الشرعيّة و التدابير الالهيّة حتي تذوب قال (تع) فكانت هباۤء منبثا ثم تعقدها بنار الرياضة الالهيّة و الحضانة الشرعية كما علمك الشارع الحكيم عليه السلم ثم قال ان ترم حلولَ مقامِ اهلِ الأتّحاد و القربِ من اللّهِ فانهض باعباۤءِ ما عاهدتَ عليه خالقك في التكليف الاول قال لك الست بربكم فقلتَ بلَي فانه سبحانه قد غرز في [ص 34] جبلّتك جَوابك لسؤاله ثم لمّا زجرك الملك بالخروج الي الدنيا و نسيت العهد المأخوذ رحمك و اتمم عليك نعمه ظاهرة و باطنة فارسل اليك افضل مبلغ بافضل شريعة شرح لك فيها جميع ما اخذ عليك و ذكّرك جميع ما نسيت وَ وَفّر عليك النعمة الباطنة التي تعي بها تعريف النعمة الظاهرة و تذكر بها ما ذكّرك و فيه اشارة الي الحلولِ و الأتحادِ المسئولِ عنهما ثم قال و نور وجود الحق في الخلق ماطفي ، يشير به الي جواب السؤال عن الحلول و قد تقدم بعض الكلام في شرح جواب الشيخ علي بمثل هذا المعني و لعمري لقد اجاب هذا الشيخ عن هذه المسئلة في هذه الفقرة بما لا مزيد عليه و لا شرح اجلي منه و لا كلام اخصر منه و هذا لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد ثم قال و اسئل ربي مزج روحي بنوره ، مشيراً الي الجواب عن الاتحاد و هو كالذي قبله في الاختصار و ظهور المعني المراد علي اكمل وجه بما ليس عليه غبار و الحمد لله رب العالمين .
وقع الفراغ من تسويدها الليلة التاسعة و العشرين من جميدي الاولي من السنة العاشرة بعد المأتين و الالف بقلم مؤلفها حامدا مستغفرا مصليا مسلما .
تمت .