و فخرالدّين الرازي اعترض علي الحكماء القاۤئلين بكون النّسب وجوديّة متحقّقة في الخارج لا انّها امور اعتباريّة فقال : ان اثبات النّسب يقتضي كون التقدم و التّأخّر صفتين موجودتين و ذلك محال و تقريره من وجهين الاول ان ما ذكرتم من الدّليل لو صحّ جميع مقدّماته لزم ان يكون التقدّم و التّأخر صفتين موجودتين في الخارج زايد ( زايدا خل ) علي ذات المتقدّم و المتأخّر و ذلك محال امّا الشّرطيّة فلانّ كون الشيء متقدّماً علي غيره ليس من الامور الفرضيّة و الاعتباريّة فان كون ادم عليه السلام قبلي امر محقق سواء وجد الفرض و الاعتبار ام لميوجد و ليس امراً عدميّاً لانّ القبليّة و البعديّة يعرضان للشيء بعد ان لميكن كذلك و الحاصلُ بعد عدمه ثبوتي و ليس نفس ذات المتقدّم و [ص 24] المتأخّر من حيث انّه تلك الذّات غير مقول بالقياس الي الغير و من حيث انّه متقدّم و متأخّر مقول بالقياس الي الغير و اما استحالة الثاني ( التالي خل ) فلانّ من خاصية المتضاۤئفين ان يكونا متساويين في الذّهن و في الخارج علي معني انّه اذا وجد احدهما باحد الوجودين وجد الاخر بذلك الوجود و اذا زال احد الوجودين عن احدهما زال ذلك الوجود عن الاخر و ذلك ظاهر و الامثلة ايضاً شاهدة ( مشاهدة خل ) به اذ الابوّة مساوية للبنوّة و الاخوّة للاخوّة علي ما ذكرنا من التّفسير . اذا عرفت هذا فنقول لو كان التّقدم امراً موجوداً في الخارج لزم من وجوده فيه ( يلزم من خل ) وجود التّأخّر فيكونان معاً موجودين في الخارج و حينئذ ان وجد معهما محلّاهما لزم وجود المتأخّر في الخارج في جميع زمان وجود المتقدّم فيه فلايكون المتقدّم متقدّماً هذا خلف و ان لميوجد محلّٰاهُما ( محلّا لهما خل ) لزم تحقّق الصّفة الاضافيّة في الخارج بدون معروضه و ذلك محال انتهي ، اقول اذا كان التّقدم و التّأخر موجودين كما هو المتحقق لايلزم منه محال ( مجال خل ) و لا تنافي لانّهما اذا وجدا في محلّيهما كان كلّ منهما مع محلّه في رتبته لانّ المتقدّم سواۤء كان التّقدم الّذي اتّصف به موجوديّاً ( وجوديّاً خل ) ام عدميّاً هو متقدّم في رتبته و المتأخّر متأخّر فلايكون المتقدّم بكون صفته اعتباريّة متأخّراً و لا غير متقدّم و المتأخّر كذلك فلايختلف الحال بالوجود و الاعتبار و ايضا علي فرض الاعتباري يكون الوجود ليس الّا المتقدّم و المتأخّر فيلزم ايضاً اجتماعهما في زمانٍ واحدٍ فلايكون المتقدّم متقدّماً اذ اعتبار كونه متقدّما ممتنع مع اعتبار التساوق و الاجتماع بين المعروضين فهو احقّ و اولي [ص 25] بالاجتماع و التّساوق منه مع ثبوت التحقّق و زيادته علي المعروض في الخارج لانّك اذا اثبتّ وجود التقدّم و زيادته علي معروضه كان الاجتماع و التّساوق انّما يعتبر في المعروضين و امّا العارضان فالتّقدم اتّصف به ادم عليه السلام قبل ان يتّصف شيث عليه السلام بالتأخّر و ذلك فيهما مقول بالقياس الي الغير و ان لزم فيهما التّضايف اذ لو لميعتبر السّبق في الاتّصاف لميعقل شيء منهما فلايتميّز السّابق من اللّاحق علي الفرضين لانّ التّقدّم و التّأخّر احد جزئي مفهوم الصّفة الفاعليّة كالضرب في ضارب الّذي هو اسم الفاعل و صدورها من الفعل زمانيّ اي مقترن بالزّمان فقد تحقّق التّقدم بسبق وجود المتقدّم بذاته او بما نسب التقدّم به اليه كمجيئه و ذهابه و ما اشبههما فهو مع وجود المتأخّر معه في وقت واحد متّصف بسبق مَلْحوظٍ فيه تحقّقه و تقدّمه علي اتّصاف المتأخّر بالتأخّر ( بالتأخير خل ) بذاته او بما نسب التّأخّر به اليه فالاتّصافان و الوصفان لميجمعهما زمان و ان جمع الزّمان محلّهما فانّما جمعهما لا من حيث الاتّصاف فلايلزم محال بوجه ( من خل ) الوجوه و جواب الشيخ في الشفاء بعدم تسليم كون التقدّم و التأخّر وجوديّين غير شافٍ و لا مفيد لحقّ و فرقه بينهما و بين فوقيّة السّماء و تحتيّة الارض لا معني له و تعليله وجوديّة الفوقيّة و التحتيّة بان هٰذين صفة ثبوتيّة لاتتوقف علي اعتبارٍ لانّ السّماء و الارض لمّا كانا موجودين في الخارج كانت فوقيّة احدهما للاخر صفة وجوديّة جارٍ في المدّعي بل في جميع النّسب بعين ما ذكر من غير فرقٍ في شيء من النّسب و تقرير [ص 26] الوجه الثّاني الّذي ذكره الرازي من الاعتراض علي حجّة الحكماء القائلين بوجود النّسب ان يقال لو صحّ ما ذكرتم من الحجّة لزم قيام الصّفة الوجوديّة بالامر العدميّ و انّه محال بيان الشّرطية و هو انّا نحكم في اليوم الحاضر علي الامس بكونه ماضياً و المفهوم من كون الامس ماضياً اِمّا ان يكون امراً وجوديّاً او امراً عدميّاً و الثّاني محال لان الامس صار ماضياً بعد ان لميكن ماضياً و تبدّل العدم بالعدم غير معقول فهو اذن وجودي و حينئذ اِمّا ان يكون ثبوته في الذّهن فقط او فيه في ( و في خل ) الخارج و الاوّل محال لانّا لو فرضنا عدم الفرض و الاعتبار فذلك اليوم اعني امس ماضٍ في نفسه فهو اذن موجود في الخارج و حينئذ اِمّا ان يكون نفس ذلك اليوم او يكون امراً زائداً عليه و الاول محال لانّه لو كان نفس ذلك اليوم لتحقّق الماضي حيث تحقّق ذلك اليوم لكن ذلك اليوم حين كان حاضراً و لميكن ( حاضراً لميكن خل ) ماضياً فهو اذن امر زايد عليه و لو كان كذلك يلزم قيام الصّفة الوجوديّة بالامر العدمي فعلم انّ ما ذكرتم من الحجّة يقتضي هذا المحال فتكون باطلة اجاب الحكماء عنه بان قالوا لمَ قلتم بانّ المفهوم من كون الامس ماضياً ليس امراً عدميّاً قوله صار ماضياً بعد ان لميكن ماضياً و تبدّل العدم غير معقول قلنا كلّ واحدة من هاتين المقدّمتين مسلّم و لكن لمَ قلتم بانّه يلزم منهما ان يكون المفهوم من كونه ماضياً امراً وجوديّاً و انّما يلزم ذلك ان لو كان المفهوم من كونه ليس بماضٍ امراً عدميّاً و هو ممنوع ( ممتنع خل ) لان المفهوم من كونه امراً ماضياً هو غير المفهوم من كونه حالاً و المفهوم من كونه حالاً [ص 27] امر وجوديّ و اذا كان كذلك كان ذلك تبدّلا للامر الوجوديّ بالامر العدمي و هذا التبدّل يقتضي كون الحاصل بعده عدميّاً لا وجوديّاً فهذا تحقيق ما ذكره الحكماء في جواب هذا الوجه و لايتأتّي مثل ذلك في كون السّماء فوق الارض فيتمّم ( فيتمّ خل ) الحجّة هناك دون هيٰهنا ، انتهي كلام المفصّل .
اقول الاعتراض و الجواب كلاهما يرد عليه النّقض المتقدّم او ما ( و ما خل ) يتفرّع عليه فاذا تأمّلت ما ذكرنا هناك ( هنا خل ) تبيّن لك ما فيهما هنا من الخلاف فان حكمنا في اليوم الحاضر علي الامس بكونه ماضياً حكم مطابق للواقع لانه حكم بما هو واقع في الخارج لان كون الامس ماضياً حصل بعد ان لميكن و الحاصل بعد ان لميحصّل ( ان يحصل خل ) لايكون الا ثانياً ( ثابتاً خل ) كما ذكره المعترض و لا شك انّ ثبوته في الخارج لتحقّقه مع عدم الاعتبار و ايضاً لا شكّ في انّ كونه ماضياً زائد علي نفس ذلك اليوم فكلام المعترض كله صحيح الّا ما توهّمه هو و اكثر النّاس من ان الامس في هذا اليوم معدوم فانّه باطل و كيف يكون معدوماً و انت تتخيّله و تتصوّره في ذهنك و قد بيّنّا في مواضع كثيرة من كتبنا انّ الذّهن في الحقيقة مرءاة تنطبع فيها الصّور اذا كانت مقابلة لذي الصّورة لانّ المرءاة انّما تنطبع فيها صورة الشّاخص المقابل لها فلو لمتقابله شيئا ( فلو لميقابلها خل ) لمينطبع فيها شيء و قد بيّنّا برهان ذلك و ايضاً اذا ثبت انه كان موجوداً حال كونه حاضراً و انّه اي هذا اليوم داخل في ملك اللّه سبحانه فاذا جاء الغد و كان اليوم امس اين يذهب هل يخرج من ملك اللّه بعد ما دخل فيه و انّما انتقل من مكان الي مكانٍ بل في الحقيقة هو في مكانه منذ خلقه اللّه و انما الخلائق كلّهم يسبحون في بحر [ص 28] الزّمان من المشرق الي المغرب الي ان يصلي ( يصل خل ) الاخرة فيأتيك امسك بعينه و يومك بعينه وَ غَدك بعينه فتشهد ( فيشهد خل ) عليك او لك و كذلك بقاع الارض و الارض ( الامس خل ) لميفن و انّما انت الّذي سرت عنه و غبت عنه و مثاله حين خرجت من خراسان و اتيت الي اصفهان لمتكن خراسان حين سرت عنها و غبت عنها عدماً بل هي موجودة كحالها حين كنت فيها فلمّا خرجت عنها بقيت صورتها في خيالك و لو رجعت اليها او سارت اليك رأيتها بعينها كذلك امس حين سرت عنه وصلت الي اليوم الحاضر و انت و صفاتك ( و جسمك و صفاتك خل ) و الزّمان و المكان شيء واحدٌ في حكم البقاء و الفناء و الحشر و ما بعده فكون امس ماضياً صفة وجوديّة قامت بوجود و مَن تتبّع اخبار اهل العصمة عليهم السلام و تدبّرها و آمن بما نطقت به وَجَدَ جميع ما نطقت به موجوداً فيها مراداً بها لايخالف منها حرفا الا فيما لميكن من طوري مما لماصل اليه فان ذلك لهم لا لي و لا لابناء صنفي ( لابناه حقيقي خل ) صلّي اللّه عليهم اجمعين و امّا جواب الحكماء في قولهم لم قلتم بان المفهوم من كون الامس ماضياً ليس امراً عدميّاً ، فليس بصحيح اذ ( ان خل ) لهم ان يقولوا انّما قلنا بانّه وجوديّ لحصوله بعد ان لميكن فان العدم لايحصل اذ لا حصول له و قولهم لان المفهوم من كونه امراً ماضياً هو غير المفهوم من كونه حالاً و المفهوم من كونه حالاً امر وجوديّ الخ ، ليس بصحيحٍ لانّ النظر الّذي يقتضي كون المفهوم من كونه حالاً وجوديّاً يقتضي كون المفهوم من كونه ماضياً امراً وجوديّا بالطّريق الاولي فالحقّ الصّريح البيّن انّ الكلّ وجوديّا ( وجودي خل ) و انّ التبدّل الوجودي بالوجودي و لا محذور بل هو المعروف عند اولي الحجي الطّالبين للحق المبين و هذا يأتي في كون السّماء فوق الارض و [ص 29] غيرها من النّسب كالالوان و الاصوات و الاضواء و الانوار و البريق و الصّقالة و الصلاية ( الصّلابة خل ) و اللّين و الخشونة و الملاسة و التّلزز و التّفشي و التّحلل و الحركة و السكون و الحاصل جميع الصّفات اللّاحقة بكل شيء من عالم الملك و الملكوت و الجبروت القائمة بموصوفها قيام صدور او ظهور او قيام تحقّق او عروض و ما اشبه ذلك كلّها امور وجوديّة قد دلّت علي ثبوتها و وجودها ما دلّ علي وجود ما تقدم و ثبوته علي ان المثبتين للامور الاعتباريّة القول بان اكثر ما في ملك اللّه ليس من صنع اللّه و ليس في ملك اللّه و انّما هو من ابتداع نفوسهم حتّي ان بعض الاشياء اخبر سبحانه انّه خلقه و هم يقولون ليس بشيء مثل ما في قوله تعالي الذي خلق الموت و الحيوة فانّهم يتلون قوله الذي خلق الموت و مع هذا يقولون ان الموت امر اعتباريّ لا تحقّق له في الخارج لانّه عبارة عن عدم الحيوة فاذا كان هذا كلامهم و هم يقرؤن كلام اللّه بخلاف قولهم و لميرجعوا عن قولهم فكيف ينتفعون بقول قائل او يسمعون عَذْلَ عاذلٍ و النّظر الصّحيح المستند الي معرفة آيات اللّه في الافاق و في الانفس مع توفيق اللّه و هدايته لسُبُله ( لسبيله خل ) لمن جاهد في اللّه و احسن المجاهدة بالايمان الصّادق و طلب محض ( محض الحق خل ) للّه عزّ و جلّ قد اعطي صاحبه ان كلّ ما سوي اللّه عزّ و جلّ فانّ اللّه سُبحانه خلقه و جعل وجوده الّذي به قوامه وجوداً تعلّقياً لا تحقّق له بنفسه و لا تقوّم له الّا بغيره لانّ وجوده الّذي به يتقوّم جعله متقوماً بفعله تقوم صدور لانّه اخترعه لا من شيء و ليس له اصل احدثه منه الا فعله لانّ الفعل حين [ص 30] الايجاد احداث و مفعوله تأكيد له فالوجود المخترع في حقيقته و كنهه تأكيد للاحداث و الفاعل تعالي اخترعه تأكيداً لفعله و اقامه بدوام الاختراع و اتّصاله فتقوّمه بجهة دوام الاختراع و اتّصاله تقوّم صدورٍ و بجهة متعلّق الاختراع المتّصل تقوّم تحقّقٍ تقوّماً ركنيّا فحقيقة وجوده و اصله تأكيد لفعل الخالق تعالي بالاحداث و الامداد باثره و هو مرادنا بالتّعلّقي يعني ان وجود الحادث من فعل الخالق تعالي كوجود الصّورة الّتي في المرءاة في مقابلة الشّاخص و كالنّور في الكثيف من المنير فوجود زيدٍ متقوّم بفعل اللّه تقوّم صدور و باثر فعل اللّه اي متعلّقه و تأكيده تقوّماً ركنيّا تقوّم تحقّق و هذا حكم ما ( حكم كل ما خل ) سوي اللّه مما صدر عن فعل اللّه عزّ و جلّ من جميع الاشياء من الذّوات و الصّفات من العقول و العقلانيّات و النّفوس و النّفسانيات و الاجسام و الجسمانيّات ممّا دخل في واحد ( احد خل ) الظّروف الثلاثة ظرف الخارج و ظرف الذّهن و ظرف نفس الامر اعني ما قام عليه الدّليل القطعي مما طابق الخارجي او الذّهني او لا و ضابط ما يجري فيه الحكم المشار اليه هو ما وضع بازائه لفظ يدلّ عليه او ما صحّ فرض وقوعه و ( او خل ) ما امكن تصوّره او ما لحقه التجويز و الاحتمال و صحّ اعتباره و توهّمه فان كل شيء من ذلك فوجوده اثر فعل اللّه او من اثر فعل اللّه و مرادي بوجوده مادّته اذ لا معني للوجود المخترع المحدث الّا المادّة و هي في كلّ شيء بحسبه و اعلاه نور الانوار و النّور الّذي تنوّرت منه الانوار و هو الماء الّذي منه كل شيء حيّ صلّي اللّه عليه و آله الطاهرين و صورة كلّ شيء خلقها اللّه من نفس [ص 31] مادّته من حيث هي هي و ذلك ايضا في كلّ شيء بحسبه و لايكون شيء من خلق اللّه بسيطا بل كل شيء غير المعبود بالحقّ عزّ و جلّ مركب قال تعالي و من كلّ شيء خلقنا زوجين ، و قالَ الرّضا عليه السلام انّ اللّه لميخلق شيئا فرداً قائماً بذاته دون غيره للذي اراد من الدّلالة عليه و اثبات وجوده ه ، ثم استشهد عليه السلام بالاية و العقل يقطع هذا لانّ كلّ شيء مصنوع لا بدّ ان يكون له اعتباران اعتبارٌ من ربّه و هو وجوده اعني مادّته و اعتبارٌ من نفسه و هو ماهيّته اعني صورته و قابليّته و جميع الاشياء اشتقّها عزّ و جلّ بقدرته من اشراقات نور الانوار و اشراقات اشراقاته و امداداته و امدادات امداداته و لميخلق شيئا من الاشياء من ذات نور الانوار صلّي اللّه عليه و اله قطّ و انّما قسمه تعالي اربعةعشر جزءاً فبقيت تلك الاجزاء اشباحاً يسبّحون اللّه و يحمدونه و يهلّلونه و يكبّرونه الف دهرٍ كلّ دهرٍ علي ما فهمته مائةالف سنة و الّذي اتاني به وارد الوقت ناقلا لي عن بعض الرّوايات انّ هذه السّنين كلّ سنة ثمانون شهراً كلّ شهر ثمانون جمعة كلّ جمعة ثمانون يوماً كلّ يوم ثمانون ساعة كلّ ساعة كالف سنةٍ ممّا تعدّون فعلي هذا يكون سبق تلك الاشباح في الوجود قبل جميع الخلايق باربعةالاف الف الف الف الف سنة ( الف الف الف سنة و سنة خل ) و ستّة و تسعون الف الف الف الف ( تسعون الف الف الف خل ) سنة من سني الدّنيا ثمّ نظر تلك الانوار الاربعةعشر بعين الهيبة فعرقت فخلق اللّه تعالي من عَرَقِها مائة ( مائةالف خل ) و اربعة و عشرينالف قَطْرةٍ فخلق تعالي من كلّ قطرة رُوحَ نبيّ فبقيت ارواح الانبياء عليهم السلام يسبّحون اللّه تعالي و [ص 32] يحمدونه و يهلّلونه و يكبّرونه الف دهرٍ كلّ دهرٍ مائةالف سنة و الوقت الاوّل وقت السّتر ( السّرّ خل ) و الوقت الثّاني وقت الحجاب و الي الوقتين اشار بعض اهل التّأويل بان الالف اللّينة هي هيولي ساير الحروف و انّ طولها الفالف قامة و الالف المتحركة هي اوّل الحروف و طولها الفالف ذراع ثم انّه تعالي نظر الي الانوار المائة و اربعة ( المائةالالف و الاربعة خل ) و العشرينالالف بعين الهيبة فعرقَتْ فخلق اللّه مِنْ عَرَقِهٰا ارواح المؤمنين و الي هذا اُشِرَ ( اشير خل ) فيما قبل انّ الباء الموحّدة من تحت طولها الفالف شبر ثم خلق من عرقها ارواح الملائكة و الي هذا اشير بانّ الجيم طولها الفالف اِصْبَعٍ و الي سبق نور الانوار علي ساير الخلق اشار اميرالمؤمنين عليه السلام لاهل الاشارة في جوابه لمن سأله كم بقي العرش علي الماء قبل خلق السّموات و الارض فقال عليه السلام ما معناه اتحسن اِنْ تُحسَب ( ان تُجَب خل ) فقال نعم فقال اخشي الّاتحسن قال بلي قال انظر لو صبّ حبّ خردلٍ حتّي سدّ الفضاء و ملأ ما بين الارض و السّماء ثم عُمِّر لك مع ضعفك ان تنقله حبّة حبّة من المشرق الي المغرب حتّي ينفد لكان ذلك اقلّ من جزءٍ من مائةالف جزء من مثقال الذّر مما بقي العرش علي الماء قبل خلق السّموات و الارض و استغفر اللّه عن التّحديد بالقليل ه ، و هذا النّور اعني نور الانوار هو نور العالين الذين لميسجدوا لادم عليه السلام انّما سجدت الملائكة اجمعون لسطوعه في صلب ادم عليه السلام و هو نور السّتر المذكور في صحيحة علي بن عاصم و الانوار المخلوقة من عرقه انوار الكروبيّين و هم قوم من شيعة عليّ عليه السلام [ص 33] من الخلق الاوّل جعلهم اللّه سبحانه خلف العرش و وراءه و النّور المتجلّي للجبل لموسي عليه السلام واحد منهم و هؤلاء حجاب السّتر و الحاصل ليس وجودات جميع الاشياء شيئا واحداً تجمعه حقيقة واحدة في رتبة واحدة و مواد الاشياء كلّها من الغيب و الشّهادة حصص من تلك الحقيقة كما توهّمهُ الاكثرون بل كلّ رتبة لاهلها لايشاركهم فيها غيرهم فالنّور الّذي تنوّرت منه الانوار خلق منه شبح ( شبه خل ) واحد صلّي اللّه عليه و اله و اخذ منه ثلاثةعشر شبحا صلّي اللّه عليهم اجمعين كاَخذ السّراج من السّراج و هو قول اميرالمؤمنين عليه السلام انا من محمّد كالضوء من الضوء صلّي اللّه علي محمّد و اله و لميخلق اللّه عزّ و جلّ من ذلك النّور غيرهم و لميفضل منه شيء عن موادّهم ثم خلق انوار الكروبيّين من فاضل النّور الّذي تنوّرت منه الانوار يعني من شعاعه و اشراقه و المراد بالفاضل هو الشعاع و لانعني بالفاضل بقيّة الشّيء لا في الاخبار و لا في ما نصطلح عليه في ساير كتبنا و منه ما في حديث النّخلة في قوله عليه السلام و انما سمّيت النّخلة نَخْلةً لأنّها خلقت من نخالة طين ادم عليه السلام فانّ المراد بالنّخالة الشعاع الجسماني فافهم ● .
و اعلم ان كثيراً من الناس يتكلم بما لايفهمه و من ذلك ان كثيراً من المتكلمين يقولون انّ صفاته عين ذاته تعالي و يقولون مع ذلك انّ العلم اعمّ من القدرة لان العلم يتعلّق بالممكن و ٱلممتنع و امّا القدرة فانها لاتتعلّق بالممتنع فيلزمهم ان العلم غير القدرة في الذات و يلزمهم اِمّا انهما غير الذات و اِمَّا ان الذات مركّبة متعدّدة مختلفة لتركّبها [ص 34] من المختلفة المتغايرة و مثل هؤلاۤء في الخطاء و الغلط مَنْ جَعلها متغايرة في معانيها و مفهوماتها و هي عين ذاته تعالي كالملا صدرالدين الشيرازي كما ذكره في ساۤئر كتبه و منها ما ذكره في الاسفار و انا انقل لك كلامه و اجعله كالمتن و جوابه و ٱلرَّدُّ عليه كالشرح .
قال : فصل - في ايضاح القول بان صفات الله تعالي الحقيقية كلّها ذات واحدة لكنها مفهومات كثيرة .
اقول يريد انها عين ذاته في الوجود و معانيها و مفهوماتها مختلفة متغايرَةٌ و هذا هو ما ذكرنا مما يلزمه من كون الذات مركبة من الامور المختلفة لا مناص له عن ذلك .
قال : و اعلم ان كثيرا من العقلاۤء المدقّقين ظنّوا ان معني كون صفاته عين ذاته هو ان معانيها و مفهوماتها ليست مغايرة بل كلّها ترجع الي معني واحدٍ و هذا ظن فاسد و وهم كاسد و الّا لكانت الفاظ العلم و القدرة و الارادة و الحيوة و غيرها في حقّه تعالي الفاظا مترادفة يفهم من كل معني منها ما يفهم من الٰاخر فلا فائدة في اطلاق شيء منها بعد اطلاق احدها و هذا ظاهر الفساد مُؤدٍّ الي التّعطيل و الالحاد .
اقول ما ذكره هؤلاۤء المدقّقون هو الحق الذي جاۤء به الشرائع و شهد بصحّته العقل الكامل البارع لانّها اذا تغايرت معانيها دلّ ذلك علي انها صفات افعال لان الافعال هي المتغايرة فتتغاير صفاتها و الذات لا تغاير فيها و لو تغيّرت صفاتها تغيّرت في حد ذاتها لان الذات انما هي هي بصفاتها حتي لو فرض اتّحاد الصفات المتغيّرة المتخالفة بالذات و ثبت حينئذ [ص 35] عدم تغيّر الذات و اختلافها حصل لنا القطع بعدم اتّحادها بالصفات المختلفة و ان الصفات المختلفة صفات افعالٍ لانا لانريد بكونها عين ذاته تعالي اتّحاد نسبةٍ بان يكون احدهما عبارة عن الاخر فيما ينسب اليه من فعلٍ بان يكون فاعلاً عنه اوْ به بالنيابة او القيام مقامه او من صفةٍ بان يكون وصفهما واحداً و لا اتّحاد تداخلٍ كاتّحاد نور الشمس و نور السراج و لا اتّحاد تمازج كاتحاد الماۤء الحار بالماۤء البارد لفناۤئهما و وجود ثالثٍ و لا اتحاد استهلاكٍ لفناۤء احدهما فتنتفي العينيّة و الاتّحاد و انّما نريد بالعينيّة انّ احدهما هو الاخر لايراد منه غير نَفس الاخر لا في الخارج و لا في الذهن و لا في نفس الامر لا بالاحتمال و لا بالفرض و لا بالتجويز و الامكان و لا مغايرة حيثيّة و لا فرقٍ مطلقا لا في امكان و لا وجوب فحاصل ما نريد و نعني بهذه الالفاظ الكثيرة و ما نفهم منها شيء واحد بكل احتمال و بكلّ اعتبار فلو فهم من واحد منها غير ما يفهم من الاخر لميكن هو واحداً بل هما اثنان اتّحدا باحد انواع ما اشرنا اليه من الاتحاد و ما اشبهها فيلزم مما قلنا كونها الفاظاً مترادفة لايمكن غير الترادف لانّ المفهومات المتغايرة لاتخلو اِمّا ان تكون اختلافها بلحاظ اختلافها في حقاۤئقها او بلحاظ اختلاف ظهوراتها باثارها في افعالها فان اريد الاول لمتكن الصفات اللّاتي تُفْهم حقاۤئقها و معانيها عين ذاته تعالي لان ما هو عين ذاته لايكون مفهوماً لغيره و لا مدرَكاً لاحدٍ من الحادثين لانه ذاته تعالي و لايحيطون به علماً و المفهومات اللّاتي تدركون معانيها حادِثة و لاتكون الحوادث عين ذاته و انما الصفات [ص 36] المفهومة صفات افعاله تعالي و ان اريد الثاني و هو ان اختلاف تلك المفاهيم راجع الي اختلاف اثار تلك الصفات و هي في نفسها شيء واحد لميفهم منها جميعها الّا ما يفهم من ذات الله عز و جل بانه المجهول المطلق الذي لايعرف الّا من حيث لايعرف و انما عرفوه تعالي بما وصف نفسه لهم و ذلك الوصف وصفُ استدلالٍ عليه لا وصفٌ يكشف له و جعل بلطفه و كرمه و رحمته ذلك الوصف حقيقةَ مَن اراد انّه يعرفه ليعرفه بنفسه فقال سفيره الداعي اليه صلي الله عليه و اله اعرفكم بنفسه اعرفكم بربّه و قال وصيّه و خليفته صلي الله عليهما و آلهما من عرف نفسه فقد عرف ربّه ه ، و معني المراد الاول العلم بالمعلوم و السمع للمسموع و البصر للمبصر و القدرة علي المقدور فالعلم المقترن بالمعلوم المطابق له بل المتّحد به لايكون هو عين ذاته تعالي و الّا لكانت ذاته مقترنة بك لِانّك مَعْلومُهُ وَ مطابقةً لك بل متّحدةً بك بمعني انّها اَنْتَ لانّ العلم عين المعلوم كما هو ٱلحَقُّ و معني الثّاني انّ العِلْمَ و السمع و البصر و القدرة وَ باقي الصِّفات يراد منها محض الذّاتِ خاۤصّة و انّما اختلفَتِ الالفاظ حتّي تُوهِّمَ انها موضوعة بازاۤء معانٍ متعدّدة مختلفةٍ الحقاۤئِق مع انّ المراد منها معنيً واحِدٌ لانّ الالفاظ وضعت بازاۤء مبادي اٰثارِ افعال الذات فحملت تلك الالفاظ باعتبار الاثار التي هي اركان لما تقوّمَتْ بها من تلك الافعال علي الذات حملاً صناعيّاً بالحمل المتعارف الشاۤئع و حمل ما يراد منها من الصفات علي الذات حملاً اوّليّاً ذاتيّاً مثال ذلك ما اريٰك الله سبحانه من اياته الدّالّة بصحيح البيان و صريح المشاهدة و [ص 37] العيان في ما تحقّق لك مما تشاهده في نفسك بيقين الوجدانِ انّك انت السميع قبل ان يتكلم احد فلمّا تكلم زيد اقبلتَ انت بنَفسك علي كلامه و اشرفتَ عليه من باب اُذنك فادركتَ كلامه و انت البصير قبل ان يحضر لديك لون او صورة فلمّا حضر لديك اقبلتَ انتَ عليه بنَفْسِك و اشرفتَ عليه من باب بصرِك فادركتَهُ فانت بنفسك السمٖيع و البصير ادركتَ الكلام من باب اُذنِك و ادركتَ اللَّوْن من باب بصرك بجهةٍ واحدةٍ منك من غير مغايرةٍ حصلَتْ لك لا في وجودٍ و لا في مفهومٍ بحال من الاحوال و انما الاختلاف و المغايرة انّما هو فيما ادركته و في طرقه و جهاته فحمل السميع عليك و سُمّٖيتَ به باعتبار ما تقوّمَ به ادراكك للمسموع من اركانه الّتي هي آثار فعلِك بالحمل المتعارف الشاۤئع وَ كذلك الكلام في البصير و القدير و ساۤئر الصفات فالسميع و البصير و القدير و الحي هو انت بجهة واحدة منك لانك انت تبصر و انت تسمع و اَنْتَ حيّ و انّما كثرت اسماۤؤك بكثرةِ آثار افعالها خاۤصّةً اذ لستَ تسمع بغير ما تبصر به لتخلتف مَعاني صفاتِك و مَفاهٖيمها بل انت تسمع انت تبصر فانت حين تسمع غيرك حين تبصر حتي تكون معانيك مختلفة متغايرة لانك لو اختلفت مفاهيم صفاتك و معانيها كان البصير حين تكون سميعاً غيرك و بالعكس فقول الملّا صدرا و الّا لكانت الفاظ العلم و القدرة و الارادة و الحيوة و غيرها في حقه تعالي الفاظا مترادفة يفهم من كلٍّ منها ما يفهم من الاخر فلا فاۤئدة في اطلاق شيء منها بعد اطلاق اَحدِها و هذا ظاهر الفساد الخ ، ظاهر الفساد لان اطلاق كلٍّ [ص 38] منها لا فائدة فيه ترجع الي كشف معني من الذات و لا من الصفات التي هي الذات و انّما الفاۤئدة في اطلاق واحدٍ منها بيان اثر فعلٍ من افعاله فاذا اطلقتَ واحداً لبيان اثر فعلٍ جاز اطلاق آخر لبيان اثر فعل آخر فيا سبحان اللّه ما اعجب غفلة هؤلاۤء الاعلام المحقّقين الذين افنوا اعمارهم في طلب الحكمة و المعرفة حتي كان ثمرة زرعهم و تعبهم مثل ما سمعتَ و تسمع و لكن السبب في ذلك ظاهر لكل مؤمن و هو في قول سيد الوصيّين علي ابن ابيطالب عليه السلم ذهَب مَن ذهَب الي غيرنا الي عُيونٍ كدرة يُفرِغ بعضُها في بَعضٍ و ذهب مَن ذهب الينا الي عيونٍ صافيةٍ تجري بامر اللهِ لا نفَادَ لها ه .
قال : بل الحقّ في معني كون صفاته عين ذاته ان هذه المعاني المتكثرة الكماليّة كلّها موجودة بوجود ذاته الاحدية بمعني انه ليس في الوجود ذاته تعالي متميّزاً عن صفته بحيث يكون كلّ منهما شخصاً و لا صفة منه متميّزة عن صفةٍ اخري له بالحيثيّة المذكورة بل هو قادر بنفس ذاته و عالم بعين ذاته اي بعلمٍ هو نفس ذاته المنكشفة عنده بذاتها و مريد بارادتها التي هي نفس ذاتِه بل نفس علمه المتعلق بنظام الوجود و سلسلة الاكوان من حيث انها ينبغي اَنْ توجد .
اقول قوله بل الحق في معني كون صفاته عين ذاته ان هذه المعاني المتكثرة الي قوله الاحدية ، باطل لان الحق في معني كون صفاته عين ذاته انّ جميع هذه الصفات معناها واحد و هو ذاته لأنها اذا فرض معانيها متكثرة كانت متغايرةً مختلفةً و المتغايرة المختلفة في نفس الامر [ص 39] لاتكون واحداً لا كثرة فيه و لا تعدد و لا تركيب لانها اذا كانت عين ذاته كانَتْ ذاتُه مجموعَ معانٍ مختلفةٍ و انْ فرض كون جميع تلك المعاني المتغايرة موجودة بوجودٍ واحدٍ اذ كونها موجودة بوجودٍ واحدٍ لايخرجها عن التغاير و الاختلاف و قوله في تفسير تلك العينيّة بمعني اَنّه لَيْس في الوجود ذاته تعالي متميزاً عن صفته ، غلط لان البسيط البحْت و المختلف المتغاير اذَا جمعهما وجود واحد لا بدّ ان يتميّز من المختلف الّا ان يتركب البسيط من المختلفات فيكون مثلها اوْ ينسلخ الاختلاف منهٰا فتكون اِيَّاه بمعني نفي المغايرة بينها و بينها و بينه فيكون المراد من الكل شيئاً واحداً بكل اعتبارٍ في الذات و في الصفات و في الافعال و في النسب و في الاسماۤء و في المعني و في المفهوم حيث يصحّ استعماله و في الارادة و القصد و في العنوان و في المعرفة و في التعرّفِ بالوصف الاستدلالي و ما اشبه ذلك و امّا اذا وسم تلك الصفات باختلاف مفاهيمها و تغاير معانيها تمايزت عن ذاته و تميّز بعضها عن بعضٍ لانه هو مقتضي الاختلاف و المغايرة نعم اذا جعل معناها و مفهومها هو معني ذاته بحيث تكون تلك الالفاظ مترادفة و انما تكثرت الالفاظ و اختلفت و تغايرت لاختلاف اثار افعالها و تغايرها كما تقول هو تعالي غفور رحيم جواد كريم رازق سميع عليم ، صحّ له قوله بل هو قادر بنفس ذاته و عالم بعين ذاته اي بعلمٍ هو نفس ذاته و لو اراد بهذا العلم العلم المغاير مفهومه لذاته لميكن نفس ذاته لان العلم المفهوم لايكون نفس المجهول المطلق و الّا لكانت ذاته مفهومة قد احاطوا [ص 40] بها علما تعالي اللّه عن ذلك علوّا كبيراً و قوله و مريدٌ بارادتها التي هي نفس ذاته الخ ، غلط لانا قد قرّرنا في ساۤئر كتبنا و اجوبتنا انه ليس لله سبحانه ارادة هي عين ذاته لان الارادة من صفات الافعال و لهذا يوصف تعالي بها و بضدِّها فتقول ارادَ و لميرد و ليست علماً و لا كالعلم اذ تقول افعل ذلك ان شاۤء الله و ان اراد الله و لاتقول افعل ذلك ان علم الله لان العلم صفة ذاتٍ لايوصف به و بضدّه فتقول علم الله و لاتقول لميعلم الله كما تقول لميرد اللّه و قد تواترت اخبار ائمة الهدي عليهم السلم علي حدوث الارادة و المشية و انه ليس لله سبحانه ارادة قديمة و لميرد خبر عنهم عليهم السلم يدل علي قدمها بل روي الصدوق في توحيده عن الرضا عليه السلم انه قال المشية و الارادة من صفات الافعال فمن زعم ان الله لميزل شاۤئيا مريداً فليس بموحّدٍ ه .
و الملّا في كتابه الكبير الاسفار استدل علي قدم الارادة و علي انها هي علمه و هي عين ذاته الي ان قال فعلم من هذه الايات و نظاۤئرها ان ارادته تعالي للاشياۤء هي عين علمه بها و هما عين ذاته تعالي و اما الحديث فمن الاحاديث المرويّة عن ائمّتنا و ساداتنا عليهم السلم في الكافي و غيره في باب الارادة ما ذكر في الصحيح عن صفوان بن يحيي قال قلتُ لابيالحسن عليه السلم اخبرني عن الارادة من الله و من الخلق فقال الارادة من الخلق الضمير و ما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل و اما من الله فارادته احداثه لا غير ذلك لانه لايروّي و لايهمّ و لايفكّر و هذه الصفات منفيّة عنه و هي صفات الخلق فارادة اللّه الفعل لا [ص 41] غير ذلك يقول له كن فيكون بلا لفظٍ و لا نطقٍ بلسان و لا همّةٍ و لا تفكّر و لا كيف لذلك كما انه لا كيف له ه ، و لعل المراد من الضمير تصوّر الفعل و ما يبدو بعد ذلك و اعتقاد النفع فيه ثم انبعاث الشوق من القوّة الشوقيّة ثم تأكّده و اشتدادُه الي حيث يحصل الاجماع المسمّي بالارادة فتلك مبادي الافعال الاراديّة القصديّة فينا و اللّه سبحانه مقدّس عن ذلك كله ، انتهي ما اردتُ نقله من كلامه .
فبالله عليك تأمل حال هذا الرجل و اتباعه في زعمهم انّ الارادة قديمة و هي عين ذات اللّه سبحانه و انظر كيف يستدلون علي تلك الدعوي بمثل هذا الحديث الصحيح الصريح في خلاف دعويهم فانه عليه السلم قال و اما من اللّه فارادته احداثه لا غير ذلك و هذا الكلام عند الملّا هو معني انّ ارادة الله قديمة و انها عين ذاته كما ذهب اليه الصوفيّة و اتباعهم مع ان اهل البيت عليهم السلم لميرد عنهم حديث يوهم كونها قديمة و انما ذلك مذهب اعداۤئهم و ائمة الضلال و من قال من فقهاۤئنا بقدمها لميستند الي حديث قطّ و انما نظر في كتب المتكلمين و ليس فيها الّا قال الحسن البصري و قال النّظام و قال الجبّائي و قالت الكرامية و قال محمد بن عبدالوهاب القطّان و امثالهم و لميراجع اية و لا رواية قط فاذا قيل لاحدهم في ذلك قال هذه اعتقادات و ليس لها دليل الّا من العقول و انا اقول لا حول و لا قوة الّا باللّه العلي العظيم و لا شك ان افضل الاعمال انتظار الفرج من الله سبحانه اللّهم عجِّل فرَجَ وليِّ الفرج و مقيم العوج اللهم اقم به الدين و انصر به المؤمنين انَّك اَرْحم الرّاحمين .
[ص 42] ثم انّ الملّا ذكر كلاماً طَوٖيلاً بعْدَ ما نقلته و اريد ان انقله و ان لماتكلم عَلي كلِّ ما فيه لعدم خصوص الفاۤئدة في هذا المقام و لو اقتضي بعض منه بياناً ذكرته . قال و ينبعث من كلِ الصِّفات صفات اُخر مثل كونه حكيما و غفوراً خالقا رؤفاً رازقاً رحيماً مبدئاً و معيداً مصوّرا منشئا مُحْيِياً ممٖيتاً الي غير ذلك فانها من فروع كونه قادِراً علي جميع المقدورات بحيث لايدخل ذرّات من ذرّات الممكنات و المعاني في الوجود بايّة حيثية (ظ) كانت من الحيثيات الّا بقدرته و افاضته بوسطٍ او بغير وسطٍ و مثل كونه سميعاً و بصيراً و مدركا و خبيراً و غير ذلك مما يتفرع و يتشعّب مِن كونه عليماً و كذلك قياس سائر الاسماۤء و الصفات الغير المتناهية الحاصلة من تراكيب هذه الاسماۤء و الصفات كتركيب الانواع و الاصناف و الاشخاص من معاني ذاته كالاجناس و الفصول الداخليّة او عرضيته كاللوازم و الاعراض العاۤمة و الخاۤصّة الخارجيّة فانّ من الاسماۤء و الصفات ما هي جنسيّة و منها ما هي فصْليّة و نوعيّة و منها ما هي شخصيّة كخالقيّة زيد و العالميّة لعمرو و كلّ هذه الاسماۤء و الصفات يستدعي مظاهر و مجالي مناسبة ايّاها بها يظهر اثر ذلك الاسم و الصفة فيه فكل صفةٍ من صفات الله العظمي و اسمٍ من اسماۤء الله العليا يقتضٖي ايجاد مخلوقٍ من المخلوقات يدلّ ذلك المخلوق علي ذلك الاسم كما تدلّ الاشباح علي الارواح و الاظلال علي الاشخاص و المظاهر علي البواطن و المرايا علي الحقاۤئق فالعالم الربوبي من جهة كثرة المعاني الاسماۤئيّة و الصفات عالم [ص 43] عظيم جدّا مع انّ كل ما فيه موجود بوجود واحدٍ بسيطٍ من كلّ وجه و هذا من العجاۤئب التي يختصّ بدركها الراسخون في العلم فلذلك اوجد الباۤرئ جل ذكره ما سواه ليكون مظاهراً لاسماۤئه الحسني و مجالي لصفاتهِ العليا .
اقول اذا كان كل صفة و كل اسمٍ يقتضي ايجاد مخلوق غير ما يقتضيه الاخر دل علي تغاير ٱلصفات و ٱلاسماۤء في ذواتها و تغاير ٱلاشياۤء يدل علي تركيب كلّ واحدٍ منها مما به الاشتراك و ممّا به الامتياز و النقل و العَقْل دالّانِ علي انّ ٱلتّعدّد و الكثرة لاتكون الّا بالتّركيب و ما لا تركيب فيه و لا اختلاف لايكون فيه كثرة و اذا كانت الاشياۤء المتعددة بوجودٍ واحدٍ فذلك ما به الاشتراك فان وجد ما به الامتياز تكثرت و تعددت و اختلفت و تغايرت في ذواتها و لزِمَهَا التركيب مجتمعة و متفرّقة و انْ لميوجد ما به الامتيٰاز كانت شيئاً واحداً في ذاتها لا تعدّد فيها وَ لا تركيب و لا اختلاف و لا تغاير و ان لميوجد ما به الامتياز في ذواتها و وجد في آثار افعالها كانت في نفسها شيئا واحداً لا كثرة فيه بوجهٍ من الوجوه و كان التّعدد و الكثرة و الاختلاف في تعلّقِ افعالِها بٰاثارِها مثل الشمس اذا اشرقت علي الزجاجات المختلفة فان اشراقها في نفسه شيء واحد و ينعكس عن الزجاجات المختلفة مختلفاً متعدِّداً متغيّراً ثم علي قولنا انّ الوجود لا معني له الا احد امرين الاول الوجود عبارة عن الماۤدة و الثاني انه عبارة عن المعني المعبّر عنه في الفارسيّة بهست و هذا صفة تابعة لموصوفها في الثبوت وَ مُرتّبة التّحقق علي تحقّقِ الموصوف و علي قولهم الوجود شيء سارٍ في الاشياۤء كسريان الروح في الجسم يطرد [ص 44] عنها العدم و هو حقيقة الشيء و ما سواه من الشيء امور موهومَة لا تحقّق لَها فعلي قولنا لايكون الشيئان موجودينِ بوجود واحدٍ الا اذا كانا حصّتَيْنِ من حقيقةٍ واحدةٍ كحصّتين للباب و للسرير من الخشب فاذا كانا كذلك لمتتحقق فيهما الاثنينيّة الّا اذا تركب كل منهما من الخشب و من الصورة الشخصيّة و حينئذ لايكون احدهما عين الاخر كما لاتكون الفرس عين الكلب و لاتتميّز الحصّتان من ذواتهما بدون مشخّص وجودي متحقّق لميكن منهما و الّا لامتنع ان يدخلا تحتَ حقيقةٍ واحدة كالمتباينَيْنِ مثل النور و الظلمة و علي قولهم يلزم التنافي و التدافع لانّ ذلك الساري في الشيء ان تقوّمَ به الشيء تقوّما ركنيّاً كتقوّم السرير بالخشب فليس الّا ما قلنا من الماۤدة اذ لايلزم ان تكون المادة من التراب او من العناصر او من الطباۤئع كالافلاك بل المراد من الماۤدة ما تقوّم به الشيء من المعروضات و هي في كل شيء بحسبه فماۤدة الافئدة من الاسرار و ماۤدة العقول من الانوار و مادة الارواح من الهواء الدهري و ماۤدة النفوس من الماۤء الدهري و ماۤدة الطباۤئع من النار الدهريّة و ماۤدة الهباۤء من الذرّ الدهري و ماۤدة المثال من الاظلّة البرزخيّة و ماۤدة الافلاك من الطباۤئع الجوهريّة و ماۤدة العالم السفلي من العناصر و الحاصل ضابط الماۤدة ما يدخل علي اسمها لفظ مِن التّبعيضيّة تقول صُغت الخاتم من فضّة و الباب صنعته من الخشب قال الصادق عليه السلام ان اللّه خلق المؤمنينَ من نوره وَ صبغهم في رحمته فالمؤمن اخو المؤمن لابيه و امّه ابوه النور و امه الرحمة الحديث ، فكما لايلزم ان تكون الماۤدة [ص 45] لكل شيءٍ من العناصر بل هي في كل شيء بنسبة رتبته من الكون كذلك لايلزم ان يكون الوجود لكل شيء من النور بل نقول وجود الباب من الخشب يعني ان كل شيء مركب من وجود و ماهيّة فالباب وجوده حصّة من الخشب و ماهيته صورته التي تميز بها عن السرير و هذا علي ما نريد من معني الوجود و الماهيّة بالمعني الاول بمعني ان الوجود بالمعني الاول لكل شيء حصّة من ذلك النوع الذي صنع منه و ماهيته بالمعني الاول حصّة من الفصل الذي تقوّم به ذلك النوع فان اريد بوجود الشيء ما تقوّم به تقوّما ركنيا فهو حصّة معروضة من النوع الذي صٖيغَ منه ذلك الشيء كما ذكرنا و ان اريد به ما تقوّم به ذلك الشيء المخلوق تقوُّمَ صدورٍ فهو رأس مختصّ بايجاده و احداثِه من فعلِ اللّه و هو عبارة باللسان الظاهر عن الحركة الايجاديّة و المخلوق لايتركب من فعل خالقه و ان صدر عنه كما لاتتركّب الكتابة من حركة يد الكاتب و ان صدرت عنها فان اريد بالوجود ما قلنا فهو الماۤدة و ان اريد به المعني الثاني فلميكن وجوداً للشيء و انما هو ايجادٌ لَهُ و الايجاد فعل الفاعل و فعل الفاعل لايكون جزءاً من مفعوله الّا علي قول ضرار بن عمر فانه يقول انّ مشيّة اللّه تأكل و تشرب و تنكح و تموت و هو قول بعض من الصوفيّة فان بعضهم ذهب الي ان الوجود الّذي هو جزء المخلوق هو مشيّة اللّه تعالي و هو قول باطل ظاهر الفساد لان فعل اللّه الذي هو مشيته و ارادته انما قامت به الاشياۤء قيام صدورٍ فهو مفيض مواۤدّها و امداداتها و به و بٰاثارِه التي هي مواۤدّها و [ص 46] منها امدادها قَيّوميّتها و ان ارادوا غير هٰذَيْن فمِن اين و الي اَيْنَ اي فمن اين يأخذون و الي اين يذهبون فعلي ما هو الحق المبين كما ذكرنا لطالبي النور و اليقين يكون معني ان صفاته عين ذاته انّها هي و ذاته متّحدة في الوجود بمعني ان حقيقة الكل واحدة بسيطة بكل معني و بكل اعتبار فاذا عرفتَ كما تقدم ان التعدّد و التغاير مطلقا لايكون في حقيقة واحدة بسيطة الّا اذا كانت حصصاً و تمايزت الحصص بالمشخصات و المميّزات الغريبة الاجنبيّة سواۤء كان في مفهوم ام معني ام وجودٍ ظهر لك تنافي قولهم و تعارض بعضه بعضا و تصادمه و لميرد عليهم ذلك الّا لأنهم شبّهوه بخلقه كما قال الصادق عليه السلم في دعاۤء الوتيرة بعد العشاۤء كما رواه الشيخ في المصباح قال عليه السلم بدت قدرتُك يا الهي و لمتَبْدُ هيئة يا سيّدي فشبّهوك و اتّخذوا بعض آياتك ارباباً يا الهي فمن ثَمَّ لميَعْرِفُوك الدعاء ، حتي انّ الملّا بنفسه نقل في كتابه الاسفارِ قال قال العلّامة الطوسي في شرح رسَالة مسئلة العلم ان تكثر العلم و القدرة انما حصل في الموجودات الممكنة فقاست العُقول مبدأها الاوّل عليها و وصفه بالعلم و القدرة و التنزيه ان يقال سبحان ربّك ربّ العزة عما يصفون ه . و اقول لقد صدق الطوسي العلّامة في كل ما قال الّا في حرفٍ و هو قوله مَبْدأها الاول ، فان هذا غلط و باطل فان العقول مبدؤها العقل الكلي و العقل الكلي مبدؤه نور الانوار اعني حقيقة محمد صلي الله عليه و اله و حقيقة محمد صلي الله عليه و اله بُدِئَتْ عن فعل اللّه عز و جل لا مِن شيءٍ فقول الملّا صدرا فالعالم الربوبي من [ص 47] جهة كثرة المعاني الاسماۤئيّة و الصّفات عالمٌ عظيم جدّاً مع ان كل ما فيه موجود بوجودٍ واحد بسيط من كلّ وجهٍ يدلّ علي انّ تلك المعاني الاسماۤئية كثيرة و لاتكون كثيرة الا بتغايُرِها و لاتتغاير الّا باختلاف مشخّصاتها و تَبايُنِها لان ما يجمعه وجود واحد بسيط ان اريد بهذا الوجود الجامع حصولها و ثبوتها الّذي هو الوجود الوصفي كان خارجاً عن حقاۤئقها غير مخرجٍ لها عن تباين ذواتها كما تقول وجد عندي فرسٌ و عصيً دفعةً واحدة و ان اُريدَ به معني الايجاد فكذلك و ان اريد به ما به الحصول و الكون في الاعيان فليس الّا حقيقة الشيء و علي ارادة هذا المعني تكون افراد تلك الحقيقة البسيطة حِصَصاً منها تغايرت و تمايزت بالمشخصات فكل واحدٍ منها مركب من الجامِع و الماۤئز و المركب منها مركب بكل اعتبار لان الراسخين في العلم اذا ادركوا تغايُرَها في معانيها و اَدْركوا لها وجوداً بسيطا جامعاً لها ليس الّا ما بيّنّاه لك من لزوم التركيب و من انّ المدرَكَ للحادثين لايكون قديماً لانّ القديم لايدركه الحادث و لايحيط به علما اذ ما ادركته لايكون الّا حادثا انما تحدّ الادوات انفسها و تُشير الٰالات الي نظاۤئِرها .