قال : فلما كان قهاراً اوجد المظاهر القهريّة الّتي يترتّب عليها اثار القهر من الجحيم و دركاتها و عقاربها و حيّاتها و عقوباتها و اصحاب سلاسلها و اغلالها من الشياطين و الكفار و ساۤئر الاشرار و لمّا كان رحيما غفوراً اوجد مجالي الرحمة و الغفران كالعرش و ما حواه من ملاۤئكة الرحمة و كالجنّة و اصحابها من المقرّبين و السعداۤء و الاخيار و هكذا القياس في [ص 48] ساۤئر الاسماۤء و مظاهرها و مشاهدها و الصفات و مجاليها و محاكيها و اعتبر من احوال نفسك الناطقة المفطورة علي صورة الرحمن و هي حجة اللّه علي الخلق فاعرف ان كل ما يصدر عنك من الاقوال و الافعال و الحركات و السَّكَنات و الافكار و التخيّلات هي مظاهر ما كَمنَ في ذاتك من الصفات و الاسماۤء فانّك اذَا اَحْببتَ احداً و واليتَهُ دعتْك تلك المحبّة الي ان يظهر منك ما يدلّ علي محبّتك ايّاه من المدح و التعظيم و البسط و التكريم و الدعاۤء له و اظهار الفرح و النشاط و التبسم و المطايبة و لو لمتكن احببته لماظهر منك شيء من هذه الاسماۤء و الامور و الاثار و النتاۤئج مظاهر لصفة المحبّة التي فيك فاذا عاديتَ احداً ظهر منك من الاقوال و الحركات و الٰاثار ما يدلّ علي معاداتك اياه كالشتم و الضرب و الذمّ و اظهار الوحشة و الكراهة له و تمنّي زواله و تَشهّٖي نكاله فهذه الاثار مظاهر لصفة العداوة التي فيك و قس علي ذلك نَظَاۤئره .
اقول قوله وَ اعْتبر من اَحْوال نفسك الناطقة المفطورة علي صورة الرحمن و هي حجّة اللّه علي ٱلخلق ، و ان كان في نفسه في ٱلجملة مُتَّسِقاً لٰكنّه لايقاس عليه ٱلقديم لان ٱلقديم لايُقَاس بالحادث و اما كون الصورة الانسانيّة خُلِقت عَلَي صورة الرحمن فليس المراد به انّها خلقت علي صورة الذات الحق تعالي اذ ليس للحقّ عز و جل صورة و انما المراد انها خلقت علي صورة فعل الرحمن لانه تعالي تجلّي برحمانيّته علي عرشه فاعطي كلّ ذي حق حقّه و ساق الي كل مخلوقٍ رزقه و ذلك مَا اظهر من اركان الوجود الاربعة الخلق و الرزق و الموت و الحيوة فاخترع بمشيّته [ص 49] اكوانها الاربعة الكلية و بارادته اعيانها و النفس و جميع ما يصدر عنها من الاقوال و الافعال و الحركات و السكنات و الافكار و ٱلتخيّلات مما هو اٰثار صفاتها الفعليّة اياتٌ لفعل الله و لما صدر عنه من الاثار فانّها خلقت علي صورة الفعل كما خلقت الكتابة علي صورة هيئة حركة يد ٱلكاتب لا علي صورة الكاتب فان الكتابة لو خلقت علي صورة الكاتب لدَلّت عليه من شقاوة او سعادة و من حسنٍ او قبح و لكنّها لاتدلّ علي شيء من ذلك و انّما تدلّ علي هيئةِ حركة يد الكاتب من اعتدالٍ و استقامةٍ او خلاف ذلك و انما كانت الصورة الانسانية علي هيئة صورة الفعل لان الفعل من نوع الممكنات و انّما قال عليه السلم مَن عرف نفسه فقد عرف ربّه ه ، لانّه سلام الله عليه يريد معرفة استدلالٍ عليه لا معرفة تكشف له لانك انما تعرف نفسك اذا جرّدتَها عن جميع السبحات حتي النسب و الاضافات و عن التجريد فانك تجد مَا بقي بعد التجريد الكلي نقشاً فَهْوانِيّاً و انموذجاً بحْتا ليس كمثله شيء و هذا باقٍ من المصنوع بعد التجريد الكلّي فيكون آيةً تعرف الله بها بانه تعالي ليس كمثله شيء فدلَّكَ الوصف الذي ليس كمثله شيء علي وجود موصوفٍ ليس كمثله شيء كما تدل الكتابة علي وجود كاتب و الاثر علي وجود مؤثرٍ و النور علي وجود منير و الصفة علي وجود موصوف فحيث كان الدال ليس كمثله شيء و لا كيف له كان المدلول عليه ليس كمثله شيء و لا كيف له .
[ص 50] قال : فهذه الاسماۤء و الصفات و ان كانت متّحدة مع ذاته تعالي بحسب الوجود و الهويّة فهي متغايرة بحسب المعني و المفهوم و من هنا يثبت و يتحقّق بطلان ما ذهب اليه اكثر المتأخرين من اعتبارات الوجود و كونه امراً انتزاعيا لا هويّة له في الخارج و لا حقيقة له كساۤئر المفهومات المصدريّة كالامكان و الشيئيّة و الكلّية و الجزئية و لايكون متكثراً الّا بتكثر ما نسب اليها من المعاني و الماهيات فيلزم عليهم كون صفاته تعالي موجودات متعددة متكثرة حسب تكثر معانيها و هذا فاسد قبيح جدّا و لاجل هذا الالزام ذهبوا الي ان مفادها و معناها امر واحد و كلها ترجع الي مفهوم واحدٍ و كادوا ان يقولوا بان الفاظها مترادفة في حقّه و قد علمتَ فساده بل التحقيق كما مرّ مراراً ان الوجود و هو الاصل في الموجوديّة و هو مما يتفاوت كمالاً و نقصاً و شدّة و ضعْفاً و كلّما كان الوجود اكمل و اقوي و اشرف كان مصداقاً لمعانٍ و نعوتٍ كماليّة اكثر و مبدء الاثار و الافاعيل اكثر بل كلّما كان اكمل و اشرف كان مع اكثريّة صفاته و نعوته اشدّ بساطةً و فردانيّةً و كلّما صار انقص و اضعف كان اقل نعوتا و اوصافاً و كان اقرب الي قبول التكثر و التضاۤدّ حتي انه يصير تغاير المعاني المتكثرة التي تكون في الوجود القوي الشديد موجباً لتضاۤدّ تلك المعاني في حق هذا الوجود الضعيف فتغاير الاسماۤء المتقابلة له تعالي كالمضِلّ و الهادي و المحيي و المميت و القابض و الباسط و الاوّل و الاخر و الغفّار و القهّار سبباً لتضاۤدّ الموجودات و تعاند المكوّنات التي هي اثارها و مظاهرها كالهداية و الضلالة بل كالملك و الشيطان و الحيوة و الموت بل كالارواح و الابدان ، [ص 51] انتهي ما نقلتُ من كلامه .
اقول قوله فهذه الاسماۤء و الصفات و ان كانت متّحدة مع ذاته تعالي بحسب الوجود و الهويّة ، قد تقدّم الكلام فيه و ممّا فيه اَنّ الاسْماۤء لاتكون في رتبة المسمّي بل رتبتها بعد رتبة المُسَمَّي فلاتتّحِد معه في ٱلوجود و ٱلمعني ٱلّذي يُثْبتون به ٱلاتّحاد عَلَي بَعْضِ اَفْرادِ ٱلاِتّحَاد و هو ما عَنوه هُنا حيث قالوا انَّ ٱلشخص اذا تصَوّر صورة فانّها حال تصوّرهٖ لها لَاتنفكّ عن نفسهٖ فهي حينئذٍ متّحدة بنفسِهٖ في الوجود و ان كانت نفسه سابِقةً في الوجود علي الصّورة فاتّحادها بنفسه في الوجود لِاَنّها لا وجودَ لَها الّا وجود تصوّرِهٖ لَها وَ لا وُجودَ لتصوّره لَها الّا وجود نفسه فالثّلاثة حالَ تصوّرِهٖ للصُّورةِ موجودةٌ بِوُجودٍ وَاحدٍ و هذا النمط من الاتّحاد مبني علي مجازفة الافهام و عدم فهم الوجود و حقيقته الموجودة في افراد الموجودات لانهم فهموا ان الوجود الذي تقوّمت به افراد الموجودات من نور محمد صلّي الله عليه و اله فنازِلاً الي التراب بجميع مراتبه في الكٰائناتِ طينة واحدة و حقيقة واحدة بسيطة مختلفة الحصص في الشدَّةِ و الضّعف فهو كنور السراج كلّما قرب منه كان انور و كلّما قَرُبَ من التُّرابِ كان اضعف فنور محمد صلي اللّه عليه و اله و حقيقته و حقيقة التراب و الجمادات شيء واحد من طينةٍ واحدة فيكون وجود الجواهر المجرّدة و الماۤدّيّة و وجود الاعراض و الهيئات الخارجيّة و الذهنيّة شيئا واحداً و حقيقة واحدة عندهم و لو ارادوا بالاتحاد بين الاسماۤء و الصفات و بين الذات و الافعال و [ص 52] المفعولات هذا الاتحاد الذي ذكرنا لكان له وجه و ان لمنقبله و لمنقبل اصله الّذي قالوا من ان وجود جميع الحوادث علي اختلاف حِصَصِهٖ في القوّة و الضعف و القرب و البُعْد شيءٌ واحِدٌ بَسيطٌ و انّما يريدون اَنَّ الفعل وجوده هو وجود الفاعل اذْ ليس شيئا بذاته و انما هو شيء بفاعله فشيئِيّتُه شيئيَّةُ فاعله اذ لا شيئيّة للفعل وَ ٱلْمفعول لٰا وُجودَ له الّا وجود الفعْل وَ لا شَيْئِيّة له الّا شيئيّة الفعل فقد اتّحد المفعول بالفعل في الوجود و ٱتّحد الْفعل بٱلفاعل فهذا ٱلاتّحاد هو الّذي يريدونه بالاتّحاد في الوجود و هذا ليس بصحيح لان وجود الفاعل هو ذاته و هو قديم و وجود الفعل هو ذات الفعل و هو حادث بنفسه لا من شيء بل وجوده الذي تقوّم به تَقَوُّمَ صدورٍ و تَقَوُّماً رُكنيّاً هو نفسه ٱلمبتدعة و ذاته ٱلمخترعَةُ لا من شيء و وجود المفعول الّذي تقوَّمَ به تَقَوُّماً رُكنيّاً هو اثر ٱلفعلِ و تأكيده لا نفس وجود الفعل وَ لا مِنْ نفسِهٖ فان وجود الاثر ليس من وجود المؤثّر و وجود النور ليس من وجود المنير اذِ الاثر من هيئة فعل المؤثر و النّور من هيئة فعل المنير و ذلك لانّ الصّفة لٰاتتّحِدُ بالموصوف في الوجود الذاتي و ان جمعهما الوجود المعنوي المصدري ٱلمعبّر عنه في اللغة ٱلفارسيّةِ بهَسْتْ اعني الكون في الاعيان و قد ذكرنا فيما تقدّم انّ هذا الوجود اذا جمع اثنين لايكون منه اتّحادهما كما هو المدّعَي بان يكونا شيئا وَاحِداً في الذات و لا فِي الرتبة اِذَا كان اَحَدُهُمَا مَعْرُوضاً و الْآخر عَرَضاً و امّا الاتّحاد الذي نعني فانّه تعبير عن المتّحد في نفس الامر لانّه واحد حقيقي سُمّي باسماۤء كثيرة [ص 53] باعتبار افعاله المتكثّرة كما تسمّي زيداً ضارباً و قاۤئما و قاعداً وَ ماشياً و متحرِّكاً و ساكناً ، هذا اذا سمّيته باعتبار افعاله و ان سمّيته باعتبار مفعولاته قلت عالماً و سميعاً و بصيراً بمعني ما ذكرنا فيما تقدّم في المثال بك فانّك سمٖيع باعتبارِ ادْرَاكِك للمَسْموع و بصير باعتبار ادراككَ للمبصَر و عالم باعتبار ادراكك للمعلوم و اشْتقّ لَكَ مِن لفظِ اَسْماءِ ما ادركتَهُ اَسْماۤء و المسمّي منك بكلّ واحدٍ منها شيئا وَاحِداً و هو اَنْتَ لانّك انت المدرك للمسموع و انت المدرك للمبصَرِ و انت المدرك للمعلوم فتعدّدت الجهات من جهة المفعولات المتعدّدة و اذا لحظتَ منشأ الادراك لهذه المفعولات وجدتَه شيئاً واحِداً من كل جهةٍ و بكلِّ اعتبار فاذا سمّيته بتلك الاسماۤء وجب اتّحاد معانيها وَ مفاهيمها و عدم تغايرها و الّا كان ذاتِ جهاتٍ و حيثيّاتٍ فاذا اتّحدت معانيها و مفاهيمها بان كانت معني واحداً و مفهوماً واحداً كانت مترادفة فكان اطلاق الاسماۤءِ بلحاظَيْن احدهما اِنْ اُطلِقَتْ بلحاظِ المفعولات و الافعال التي اُحْدِثَتْ بها كانت مختلفة المعاني و المفاهٖيم و كانت صفات افعال و لمتكن حينئذٍ عين ذاته تعالي بل هي حادثة بالفعل الحادث و ثانيهما اِن اطلقت بلحاظ ما صدرت عنه الافعال كانت متّحدة المعاني و المفاهيم و كانت صفات ذاتٍ واحدة بسيطة غير مختلفةٍ بحيثيّةٍ و لا جهة و لا اعتبار و حينئذ تكون هي عين ذاته تعالي اذ لا معني لها و لايراد منها غير محض الذات فلاتكون الّا مترادفة لان المراد بقوله عليه السلم و كمال توحيده نفي الصفات عنه ه ، نفي التعدد و الكثرة بكل اعتبارٍ لا نفي نفس الصفات بان يقال [ص 54] لا علم و لا قدرة و لا سمع و لا بصر بل صفات موجودة و لكن الصفة هي الموصوف فالعلم هو الذات بمعني هو العالم و القدرة هي العلم و هي الذات و السمع هو السميع و هو الذات و البصر هو البصير و هو الذات و هكذا و ليس بقولنا العلم هو العَالِمُ و هو الذات انّ العلم هو الذات المُتَّصِفة بالعلم و لا هو الذّات بدونِ الصِّفة اي بدون العلم بل ٱلمراد انّ المسمّي بالعلم هو المُسّمَي بالقدرةِ بجهةِ مَا سُمِّي بالعِلْمِ و بساۤئِر ٱلصِّفاتِ فالمسمّي بالعلم هو الذّات العالمة و تلك الذّات العالمة هي الذّات القادرة و هي الذّات السميعة البصيرة فذلك الشّيء الحقّي المنفرد البسيط هو المسمّي بالله و الرحمن و الرحيم و العلم و القدرة و السمع و البصر و الحيوة و المعبود الحقّ و واجب الوجود و الذّات البحت و مجهول النعت و اللّاتعيّن و ما اشبه ذلك فان كان الاسم الذي اطلق عليه لَهُ مفهوم معلوم كان مفهومه منسوباً الي فعله تعالي و المقصود منه الذات الحقّ تعالي و صح اطلاقه عليه و تسميته به لاختصاصه تعالي بذلك الفعل المنسوب اليه ذلك الاسم مثل خالق السموات و الارض و عالم الغيب و الشهادة و الرحمن الرحيم و ان لميكن له مفهوم معلوم كانَ في نفس الامر جاريا علي العنوان و المقصود منه الذات الحقّ تعالي مثل الذات البحت و المجهول النّعت و اللّاتعين فرجع الحاصل من اسماۤء صفات الذات اذا اُرٖيد منها عينيّة الذات البحت الي انها مترادفة و ان فهم منها تغاير المفاهيم و المعاني كانت اسماۤء افعالٍ فافهم فان فهمتَ و الّا فلاتقْفُ ما ليس لك به [ص 55] علم و السلام علي من اتّبَعَ الهدي و قوله و من هنا يثبت و يتحقّق بطلان ما ذهب اليه اكثر المتأخّرين من اعتبارات الوجود الي قوله و هذا فاسد قبيح ، فاسد قبيحٌ لان ابطالَه ما ذهبوا اليه مبني علي ثبوت تغاير مفاهيم الصفات التي هي عين الذات البحت و اختلاف معانيها و هذا فاسد قبيح كما قلنا مراراً انَّ ما هو الذات لايجوز فرض تغايره و اختلافه فضلاً عن وقوعه لا بحسب المفهوم و لا بحسب المعْني و لا بحسب الوجود لان مفهوم الذات البحت و معناها و وجودها شيء واحد و لايراد ممّا هو عين الذات البحت شيء غير الذات و اختلاف الالفاظ راجع الي اختلاف معاني اثار افعالها كما نسمّي ايجاده تعالي للاكوان اي مواۤد انواع الاشياۤء بخلَقَ و شاۤءَ و ايجاده للاعيان اي الصور النوعيّة ببَرأَ و اراد و ايجادَهُ للهيئات الشخصيّة و حدودها بصَوَّرَ و قدَّر و ايجاده لتركيب ما قدّر بقَضَي و امضي و الايجاد في الاطوار الاربعة واحد سُمِّيَ في كلّ طورٍ و رتبةٍ بغيرِ مَا سُمِّيَ به في الاخري و نحن نريد تَبعاً لارادة موالينا و ساداتِنا محمّد و اله صلي الله عليه و اله انّ تلك الصفات هي الذات و لانريد ان الذات خالية من تلك الصفات لان نفي الصفات العينيّة نفي الذات و لانريد ان الذات متصفة بصفاتٍ ملحوظٍ فيها صفة و موصوف لان الصفة غير الموصوف و لو نُسِبَ الي الذّات شيء ذو جهتَيْن جهة بها الاتّحاد و جهة بها الافتراق و التغاير كما يقول الملّا و اتباعه لكانت الذّات مركّبة ذات جهة و جهة و حيث و حيث ، تعالي اللّه عن ذلك عُلوّاً كبيرا لانه اذا قال بان العلم و القدرة مثلا متغايران في المفهوم و المعني كانا مغايرَيْن للذات في المعني [ص 56] و المفهوم و اذا اتّحَدٰا بالذات في الوجود و اراد بالوجود نفس الذات كان المختلف المتغاير في جهةٍ متّحِداً بالبسيط البحت بذاته فيلزم ٱلتركيب في جهة المغايرة مع ما قلنا من اَنَّ المفهوم المدرك مفهومه و معناه بدليل ٱلحكم بالتغاير مُدْرَك مُحَاطٌ به و المحاط به لمِثل الملّا حادث و لايتّحد الحادث بالقديم و قوله و من هنا اي و من جهة كون صفاته تعالي متّحدة بذاته في الوجود مع تغاير مَعٰانيها و اختِلَافِها تبيّن بطلان كلام القائلۤين بكونِ ٱلوجود ٱعتباريّاً انْتِزَاعِيّاً لانّه انّما صحّ عينيّة صفاته تعالي مَع تَغايُرِ مفهوماتِها لِاَجْلِ كونِ الوجود ثابتاً مُتَحقِّقاً في الخارج و لو كان اعْتِبارِيّا غير متحقّقٍ في الخارج لَماامكن فرض اتّحادِها لانّ مفاهيمها و معانيها متغايرة و لا جَامعَ لها الّا الوجود فاذا كان اعتباريّاً كانَ عَدَميّاً و ٱلعَدمي لايكون جامِعاً لاشياۤء متفرّقة وجوديّةً و اقولُ قدْ بيّنّا انّ الوجود نفسه لايجمع المتفرّقات لانّه ان كان يراد منه ما تتقوّم به الاشياۤء تقوّما ركنيّا لميلزم منه الاتحاد لان الاشياۤء التي جمعها تتعدّد و تتكثر بالمشخِّصات كالخشب الجامع للبابِ و السرير مع تعدّدِهما لتمايزهما بالمشخِّصات فلو فرض كون الوجود جامعاً لها لميلزم اتّحادها بالذّات و كونها عين الذّاتِ لثبوت تغايرها و ان كان يُرَاد منه الكون في الاعيان اعني المعني المصدريّ فلايكون منه الاتّحاد بالطريق الاَولي فلايلزمهم بما ذكروا كون صفاته تعالي موجوداتٍ متعدّدة متكثّرةً حسب تكثّر معانيها ثم قال و لاجل هذا الالزام الي قوله مترادفةً في حقّه يعني لاجل انّهم قالوا بان الوجود [ص 57] اعتباري انتزاعي و يلزمهم عدم عينيّة الصفات اذا قالوا بتغايرها ذهبوا الي ان مفادها واحد حتي كادوا يقولون بترادف الفاظها لتحصل العينيّة و الاتّحاد و نحن قد بيّنّا لك ما في كلامه و امّا كلامهم فترادف الالفاظ اذا اريد بالصفات صفات الذات ممّا لايرتاب فيه مَن عرفه و امّا اعتبارية الوجود فان اريد به ما نريده نحن من ان المراد منه الماۤدّة فقولهم بالاعتباري غلط و ان اريد به شيء غير المادة و الصورة سواۤء اريد به الكون في الاعيان او ما به الكون في الاعيان علي رأيهم فلو كنّا نثبت شيئا من الاشياۤء اعتباريّاً لكان قولهم بكون الوجود امراً اعتباريّا انتزاعِيّاً مُتَّجِهاً و لكنّا لانقول بخلاف العقلي و النَقْلِيّ فامّا العقلي فانّ الشيء المخلوق الذي خلقه الله لا بدّ و ان يكون متحقّقا ثابتاً و هذا مما لا اشكال فيه فان كان موجوداً في الخارج كان متحقِّقا سواۤء كان صفةً اَمْ موصوفا و الصفة قد تكون قاۤئمة بموصوفها قيام صدورٍ كالكلام و قد تكون قاۤئمة به قيام عروض كالحمرة في الثّوب و قد تكون قائمة به قيام تحقّق كالمشخّصات المميّزة للافراد كالحدود و الصور و الهيئات فانها لو لمتكن متحققة في الخارج لميتميّز بين انواع الجنس و اشخاص النوع بعضها من بعض الاتري انك اذا اعتبرت انّ زيداً الطبّاخ للسلطان هو الملك لميكن ملكاً باعتبارك ما لمتتحقّق الصفة في الخارج و ان كان موجوداً في الذهن خاۤصّةً لميظهر مقتضاه في الخارج فلو كان الامكان امراً اعتباريّا و لمتكن له هويّة في الخارج و انما توجد في الذهن لكان زيدٌ ٱلموصوف بالامكان قديماً لانه لا واسطة بين القديم و الممكن فاذا لميتّصف في الخارج بالامكان [ص 58] كان قديماً و لو كانت شيئيّة زيد غير متحققةٍ في الخارج و لميتّصف زيد بها الّا ذهنا لميكن زيدٌ شيئا و كذا الكلية وَ الجزئية و ان كنتم لاتطلقون المتحقِّق الّا علي الشّيء القاۤئم بنفسه و امّا الصفة المتقوّمة بموصوفها الّتي لايمكن قيامها بذاتها فلاتطلقون عليها التّحقق لمتكن حركة الحيوان عندكم متحقّقة في الخارج و لا العلم و القدرة و امثال ذلك اذ لايتقوّم منها شيء بنفسه فلايكون متحققا بل هو اعتباري و الله سبحانه يقول الذي خلق الموتَ و الحيوة و انتم تقولون الموت اعتباري لا تحقّق له في الخارج لانه عدم الحيوة عما من شأنه الحيوة و الظلمة اعتباريّة لأنها عدم النور عمّا من شأنه النور مع انكم ترونها بابصاركم فكيف تدرك ابصاركم ما هو غير ثابتٍ و لا متحقِّق في الخارج فاذا سلكتم هذا المَسْلك كنتم قد نفيتم الوجود عن نصف العالم لان نصف الممكنات كلّها بهذه الطريقة ليس فيها ثخين الّا نفس الجمادات خاۤصة فاعتبروا يا اولي الاَبْصَار و امّا النقلي فمنه قول الصادق عليه السلم كلّ ما ميّزتموه باوهامِكم في ادقّ معانيه فهو مثلكم مخلوق مردُودٌ اليكم ه ، و في كتاب العلل للصدوق (ره) في باب علة خلق الخلق باسناده الي الحسن بن علي بن فضّال عن ابيالحسن الرضا عليه السلم قال قلتُ له لمَ خلق الله عز و جلّ الخلق علي انواع شتّي و لميخلقه نوعاً واحداً فقالَ لِئَلّايقع في الاوهام علي انّه عاجز و لاتقع صورة في وهمِ احدٍ الّا و قد خلق اللّه عز و جل عليها خلقاً لئلّايقول قائل هل يقدر الله عز و جل علي ان يخلق صورة كذا و كذا لانه لايقول من ذلكَ شيئا الّا و هو موجود في خلقِهٖ تباركَ و تعالي [ص 59] فيُعْلَم بالنظر الي انواع خلقه انّه علي كل شيء قدير ه .
و قوله بل التحقيق كما مرّ مراراً ان الوجود هو الاصل في الموجوديّة و هو ممّا يتفاوت كمالاً وَ نَقْصاً و شدّة و ضعْفاً الخ ، يريد به ان الوجود لمّا كان اَصْلاً في موجوديّة الاشياۤء كلّها كان اكمل و اشرف و اقوي و ما كان كذلك كان جامعاً لكل كمال و صفةٍ حميدة و ما كان كذلك كان اكثرها نُعوتاً و معاني كماليّة و ما كان كذلك كان اكثرها افاعيل و آثاراً وَ ما كان كذلك كان اشدّها بساطةً و توحّداً لان المتكثر الجهات ان لميكن شديد البساطة عاقَتْه الكثرة الذاتيّة عن الافاعيل الكثيرة و الاثار العديدة و اذا اشتدّت بساطته طوت الكثرةَ وحدته لعدم الموانع و العواۤئق و لذا قال تعالي ما خلقكم و لا بعثكم الّا كنفسٍ واحدةٍ و قال و ما امرنا الا واحدة كلمح بالبصر فكثرة مفاهيم الصفات و تغاير معانيها لاتنافي الوحدة و البساطة لشدّة بساطة الجهة الجامعة للمختلفة المتكثّرة و هي الوجود الجامع لها و الجواب انّ البساطة التي طوت الكثرات انّما هي لخلوص وَحدتِها و تجرّدها عن مطلق الاختلاف و التغاير الّذي بهٖ كٰانَ غير مُتَناهي الكمال و ٱلشّرف و الغَني المطلق اذِ الغني المطلق ينافيه مطلقُ التغاير و الاختلاف اذْ ادنَي ما فيه من المنافي اعتبار عدم المنافاة و الاحتياج اليه و هو كافٍ في المنافاة و ظهور كثرة الافاعيل و الاثار الغير المتناهية فيما هو كلمح البصر او هو اقرب شاهد صدقٍ و مقتضي حقٍّ بانتفاۤء تغاير مفاهيم الصفات و معانيها اذِ الوحدة الحقّيّة و الغني المطلق لايجامعهما تغاير المفاهيم و المعاني و لو بالفرض في حال من الاحوال في الاماكن [ص 60] الثلاثة في الخارج و في نفس الامر و في الذهن و التعقل و لا في ظلمات الرابع من التوهّم و التجويز و الشك ثم لا مَناصَ عن ٱلقول بالتّرادف اوْ ارجاع التّغاير الي متعلّقات الافعال من الاثار المختلفة باختلاف رُتَبها و قوابلها حال التّعلق اوْ انها صفاتُ افعالٍ ابْتِداۤءً و ليس ثبوت هذه ٱلقدْرةِ و ٱلقهر للذّاتِ الّا لتحقق البَسَاطة و الغني المطلق و مايتحقّق ذلك الّا لعدم وقوع التّغاير المفروض وقوعُهُ و لو ثبت التغاير تحقّق لازمه و هو النقص و الضعف و الحاجة المنافية للبساطة و الغني المطلق و ليس كثرة الاثار و المظاهر و تعدّدها لاَجْلِ وجود التغايُرِ و اختلاف المفاهيم و المعاني المتحقّقَيْنِ في الصفات الذاتية كما يشير اليه كلام الملّا و انما التعدد و التّغاير و الاختلاف الواقعة في الاشياۤء لتعدّد الافعال و تغايرها و تضاۤدِّها و ذلك لاختلاف القوابل و المشخّصات و القوابلُ و حدودُها و مشخّصاتُهَا خُلِقَتْ من المقبولات و بالمقبولات بَل سببُ تعدّدِ الافعال هو تعدّدُ القوابل و المشخصات و ترجيح الفاعل لمفعولاته بتَرجُّحِها في نفسها حين تكوينها لا قبله و لا بعده اذْ لا وجودَ لها قبل تكوينها و لا ذِكر و انّما خُلِقَتْ القوابل من ٱلمقبولات و المقبولات لا وُجُودَ لها و لا تحقق قبل قوابلها فخلق تعالي شرط وجودِها و ظهورها منها كما خلق الانكسار من الكسر و ٱلانكسار شرط وجود الكسر و ظهوره و نحن نقول الماهية شرط وجود الوجود و ظهوره و هي خُلِقَتْ من الوجود من نفسِهٖ من حيث هو هو لا من حيثُ كونهٖ اثراً لفعل ٱلفاعل و الماهية هي القابليَّةُ و الوجود هو المقبول [ص 61] و الوجود بالمعني الاول علي ما ٱصطلحنا عليه هو الماۤدة و هو حصّة من الجنس كالحصّةِ من الحيوان التي هي ماۤدة النوع تختصّ بالانسان اذا حمل عليها الفصل الانساني اعني النّاطق و هو الصورة النوعيّة و الوجود بالمعني الثاني هو كون الشيء اثر فعلِ اللّه و صنع اللّهِ و نور الله و الماهية هي الشيء من حيث هو هو .
و قوله حتي انه يصير تغاير المعاني المتكثّرة الّتي تكونُ في الوجود القوي الشديد موجباً لتضاۤدّ تلك المعاني في حق هذا الوجود الضعيف الي اخر كلامه ، غلط فاحش لان تغاير المعاني المتكثرة الذي هو تغاير الاسماۤء المتقابلة كالهادي و المضلّ و المحيي و المميت ليس منسوباً الي الذات الذي هو الوجود القوي الشديد و انما ذلك راجع الي فعله الّذي هو الوجود الضعيف القابل للتّضاۤدّ و ليس في الوحدة الحقيّة تغاير و لا تقابل و انما التغاير و التقابل حاصل للفعل المتعدّد المتكثر المتعاقب باعتبار تعلّقه و ارتباطه بٰاثاره المتغايرة المتكثّرة المتعاقبة و كله بجميع انواعه و افراده من الوجود الضعيف الحادث و لميكن سبباً لتضاۤد الموجودات و تعاندها و تغايرها و كثرتها الّا ارادة الفاعل المختار التي هي فعله لا غير ذلك و انما صحّ صدور الامور المتعددة الغير المتناهية و هو صدور الافعال المتعددة الغير المتناهية من انفسها و صدور المفعولات المتعدّدة الغير المتناهية من تلك الافعال بقدرة الفاعل عز و جل مع عدم التعدّد في ذاته و لا في جهته لا واقعاً و لا تعقّلاً و لا في نفس الامر و لا فرضاً و لا تجويزاً لان توحّد ذاته و بساطته و غناه هو نفس ذاته [ص 62] البحت الغير المتناهية في حالٍ فلايكون لتوحّده و بساطته و غناه حدٌّ بحال ففرض استغناۤءِ شيءٍ عنه او مشاركة غيره له في الاحتياج اليه مُنَافٍ للوحدة و البساطة و ٱلغني المطلق فللوحدة المطلقة و البساطة الحقّة و الغني المطلق استوي من كل شيء في كلّ شيءٍ اذ ذلك هو الموجب للاحاطة بكل شيء في كلّ شيء . . .
( الي هنا وجد في النسخة الاصلية و غيرها من النسخ )