[ص 1]

الرسالة الاعتبارية

في بطلان ما اعتمدوا عليه من الامور الاعتبارية علي جهة القطع و اليقين

من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد

الشيخ احمد بن زين‌الدين الاحسائي اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين و صلي الله علي محمد و اله الطاهرين .

اما بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زين‌الدين الاحساۤئي انه قد حصل كلام من بعض الطلبة المحصّلين و العلماۤء العارفين الطالبين للحق و اليقين الذين لايكتفون بالظن و التخمين فيما يذكره اكثر العلماۤء و الحكماۤء من اثبات الامور الاعتبارية و غيرها و كثرة ما يبرهنون عليها حتي كانت عندهم من المساۤئل القطعيّة بحيث كان اكثر مَن يُعَدّ من المحققين المدقّقين اذا سمع شيئا من ذلك او رءاه تلقّاه بالقبول و لم‌ينظر فيه و لم‌يتدبّر في ادلّته و لم‌يتفهّم ذلك مع ان تلك المساۤئل التي اعتمدوا عليها مع ادلّتها التي بنوها عليها اذا رجع العاقل الي الادلّة العقلية و النقلية خصوصا ما دل عليه الكتاب و السنة من النظر في ايات الله في الافاق و في الانفس و خصوصا ما اصّله ائمة الهدي محمد و اهل بيته الطاهرون صلّي الله عليه و عليهم اجمعين مثل قول الصادق عليه السلم العبوديّة جوهرة كنهها الربوبيّة فما فُقِد في العبودية وجد في الربوبيّة و ما خفي في الربوبية اصيب في العبودية قال الله تعالي سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق اولم‌يكف بربّك انه علي كل شيء شهيد يعني موجود في غيبتك و في حضرتك ه‍ ، و قوله عليه السلم كلّما ميّزتموه باوهامكم في ادقّ معانيه فهو مثلكم مخلوق مردود اليكم ( عليكم خ ) ه‍ ، و مثل قول الرضا عليه السلم قد علِمَ اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هناك لايكون الا بما هيهنا ه‍ ، [ص 3] و امثال ذلك اذا تدبّرها تبيّن له بطلان ما اعتمدوا عليه علي جهة القطع و اليقين لايأبَي ذلك الّا مكابر لعقله او جامِدٌ علي ما انست به نفسه فاحببتُ اَن اُنَبِّهَ علي ذلك افهام الغافلين بذكر بعض الادلة الذوقيّة التي يقطع بها كلّ مُنصِفٍ طالبٍ للحق اذ ليس بعد الحق الّا الضّلال و علي الله سبحانه قصد السبيل و هو حسبنا و نعم الوكيل .

و ممّن ذكر ما اشرنا اليه فخر العلماۤء و الحكماۤء المتألّهين المحقق الخواجه نصيرالدين قال رحمه الله في التجريد و القدم و الحدوث اعتبارانِ ينقطعانِ بانقطاع الاعتبار ، و قال العلّامة الحلّي رحمه الله في شرحه اقول ذهب المحقّقون الي ان القدم و الحدوث ليسا من المعاني المحقّقة في الاعيان و ذهب عبدالله بن سعيد من الاشعريّة الي انهما وصفان زايدان علي الوجود و الحق خلاف ذلك و انهما اعتبارانِ عقليّانِ يعتبرهما الذهن عند مقايسة سبق الغير اليه و عدمه لانهما لو كانا ثبوتيّين لزم التسلسل فان الموجود من كلٍّ منهما اِمّا ان يكون قديما او حادثا فيكون للقدم قدم و كذا الحدوث هف بل عقليانِ يعتبرهما العقل و ينقطِعان بانقطاع الاعتبار العقلي و هذا جواب عن سؤال مقدّر و هو ان يقال اذا كان القدم و الحدوث امرين ثبوتيّين في العقل امكن عروض القدم و الحدوث عليهما و يعود المحذور من التسلسل و تقرير الجواب انهما اعتبارانِ عقليّان ينقطعانِ بانقطاع الاعتبار فلايلزم التسلسل انتهي . و قال في المتن بعد ذلك و لايفتقر الحادث الي الماۤدّة و المدة و الّا لزم التّسلسل و قال الشارح ذهب الفلاسفة الي انّ كلّ حادثٍ مسبوق بماۤدّة و مدة لان كل حادثٍ ممكن و امكانه سابق عليه و هو [ص 4] عرض لا بدّ له من محلٍّ و ليس بمعدومٍ لانتفاۤئه فهو ثبوتي هو الماۤدة و لان كل حادث يسبقه عدمه سبقاً لايجامِعُه المتأخر فالسبق بالزمان و هو يستدعي ثبوته فهذان الدليلانِ باطِلانِ لانه يلزم منهما التسلسل لان الماۤدة ممكنة فمحلّ امكانها مغاير لها فتكون لها ماۤدّة اخري علي انّا قد بيّنّا ان الامكان عدميّ لانه لو كان ثبوتيا لكان ممكِناً فيكون له امكان و يلزم التّسلسل و الزمان تتقدّم اجزاۤؤه بعضُهَا علي بعضٍ بهذا النوع من التقدّم فيكون للزَّمان زمان هف انتهي .

اقول الحقّ اَنّ القِدَم و الحُدوث من المعاني المحقّقة في الاعيان لان القديم ان لم‌يتحقق اِتّصافه بٱلقدَمِ في الخارج لم‌يكن قديماً و الحادث اذا لم‌يتّصف في الخارج بالحدوث لم‌يكن حادثاً و لايلزم في تحقّقِهٖ كونُه منفرِداً بنفسه غير منضمٍّ في تقوّمه و تحقّقِه الي غيره بل يصدق تحقّقه و ثبوته بوُجودِه في مَوْصُوفِهٖ و معروضه و لو كان لايتحقق ثبوت الشيء و تحقّقه في الخارج الّا اذا كان منفرداً عن غيره مستَقِلّاً بنفسِه غير منضمٍّ الي غيره و الّا فهو اعتباري كانت جميع صفات الواجب تعالي كالعلم و الحيوة و القدرَة و السمع و البصر اعتباريّة لا تحقّق لها في الخارج مع انّها عين ذاته و ليست منفردة عن ذاته بل هي صفات متّحدة بذاته مع انه لايقول احد بان شيئا من صفاته تعالي الذاتيّة اعتباري لا تحقّق لها في الخَارج كيف و هي عند الكلّ موسومة بٱلثّبوتيّةِ بمعني انها ثابتة له تعالي في الخارج لا في الذهن و الاعتبار فعلمه و قدمه شيء واحد فان كان لو فرض تحقق قدمه و ثبوته في الخارج لزم التّسلسل المحال لزم [ص 5] التسلسل ايضا مع تحقّق وجوده اذ يلزم ان يكون للوجودِ وُجودٌ فان قيل انّ الوجود وجود بنفسه فلايستلزم وجوداً غير نفسه قلنا كذلك القدم فانّه قدَمٌ بنفسه فلايستلزم قِدَماً غير نفسِه و كذلكَ ساۤئر صفات الازل من الحيوة وَ العلم و السَّمع و البَصر و القدرة و ما اشبَه ذلك وَ اعْلم انّ الاشياۤء لايخرج شيء منها عن اَحَدِ اتّصافَيْنِ اِمّا اتّصافٌ بقدَمٍ اوِ اتّصافٌ بحدوثٍ ثم الاتّصاف لايخلو اِمّا اَنْ يكون ٱلاتّصاف بوصفٍ ثبوتي متحقّقٍ في الخارج او بوصفٍ اعتباري لا تحقّق له في الخارج و انما يعتبر ثبوتُه في الذهنِ فان كان الاتّصاف بوصفٍ ثبوتي متحقّق في الخارج كان المتّصف بالقدم اذا كان ثابتاً له موجوداً معه قديماً و لو كان ما اتّصفَ به انما ثبت في نفسه و تحقّق ذهناً لا خارجاً لم‌يكن بذلك الاعتبار قديماً بل يكون الذهن كاذباً و الموصوف بذلك بخصوص الذهنِ حادث كما اذا اعتبرتَ كون زيدٍ قديماً فانه حينئذ متّصف بالقدم في الذهن مع انه حادث لم‌يجعله اعتبارك قديما و كذلك الكلام في الحادث فانّ الامكان و الحدوث ان لم‌يثبت لزيد مثلا في الخارج و يتحقّق بحيث يكون اتصافه بالامكان اتّصافاً حقيقيّاً وجوديّا و يكون للوصف وجود متحقّق في الخارج كوجود زيد في مطلق التحقق لم‌يكن زيدٌ ممكناً و ان ثبت له الامكان في الاعتبار بل يكون قديماً واجباً اذ لا واسطةَ بين الوجوب و الامكان الّا علي ما ذهب اليه المعتزلة من اثبات احوالٍ ليست قديمةً و لا حادثةً فاذا اعتبر الذهن الامكان لزيد و لم‌يكن الامكان موجوداً له في الخارج كان اعتباره كاذباً كما لو اعتبر له الوجوب فان الذهن انما كان كاذبا حين اعتبر الوجوب لزيد لان الوجوب [ص 6] لم‌يثبت لزيد في الخارج و انما اتصف به في الذهن خاۤصة فكذلك اذا اعتبر الامكان و لم‌يكن موجوداً في الخارج لزيد و توهّم لزوم التسلسل اذا فرض تحقق الامكان و الحدوث و القدم و ما اشبهها توهم فاسد و خيال كاسد اذ لا فرق بين تحقق الحدوث و الوجوب و الوجود و القدم و ساۤئر الصفات للواجب و الحادث كالسمع و البصر و الحيوة و العلم و القدرة و الكتابة و الخياطة و الحركة و السكون و ما اشبه ذلك فان لم‌يثبت شيء منها خارجاً و لم‌يتحقّق لم‌يكن الموصوف به متّصفاً بشيء لانّ ما لَمْ‌يثبت الا في الذهن ليس بشيء في الخارج فافهم و قول المحقق الطوسي في التجريد و العلّامة الحلّي في شرحه ان القدم و الحدوث اعتباريّانِ ينقطعان بانقطاعِ الاعتبار العقلي و الّا لَزم التّسلسل المحال فان الموجود من كلٍّ منهما اِمَّا اَنْ يكونَ قَدٖيماً اَوْ حادِثاً فيَكون للقدم قِدَمٌ و كذا الحدوث هف ، ليس بصحيحٍ لما قدّمنا من انّه يلزم ذٰلك عليهم في الوجود فانه متحقّق في الخارج ثابت بلا اشكال فيلزم ان يكون له وجود و لوجوده وجود و هكذا فيتسلسل و التزامهم بالاعتباري فراراً من لزوم التّسلسل يوقعهم في نظيره في الوجود و لايقدرون علي التزام الاعتبار فيه و لاينفعهم الاعتبار فيما جوّزوه فيه كالقدم لانّ القديم تعالي مَااتّصَف عندهم بشيءٍ و لوِ اتّصَفَ بشيءٍ لم‌ينقطع بتصوّرهم كما لم‌ينقطع غِنَي زَيْدٍ بانقطاعِ تصوّرهم لغناه بان يكون غنيّا ما داموا يتعقّلونه فاذا قطعوا التّعقّل كان زيد فقيراً و امّا الذي يستغني في عقولهم و يفتقر ليس هو زيداً الموجود خارجاً و انما هو الصورة المنْتزعة من زيدٍ الّذي في الخارج [ص 7] فانّها هي الّتي يتّصل اتّصافها بالغِنَي في اَذْهانهم باتّصالِ تصوّرها و ينقطع عنها الغني بانقطاعِ تصوّرِها و لايختلف حال زيد في الغِني و الفقر باتِّصال الاعتبار و انقطاعِهٖ و قول العلّامة في الشرح امكن عروض ٱلقدَمِ و الحدوث عليهما ليس بمستقيم لانّ المعروض اَعْني القديم و ٱلحادث الذّهنيّين اِذا عرض عليه القدمُ و الحدوث الذهنيّان الاعتباريّانِ لايكون مُقْتَضِياً لاَنْ يعرض القِدَمُ او الحدوث الخارجِيّانِ علي القديم و الحادث الخارِجِيَّيْنِ الّا اذا كان القدم و الحادث الذّهنيان و معروضهما انتزعها الذهن الصادق من اصُولِها الخارجية التي هي منشأ انتزاعها ليكون ما في الذهن فرعاً مبنيّاً علي اصله ٱلخارجي و ظلّاً انتِزاعيّاً مِن شاخِصهِ الخَارجي و حينئذٍ تثبت دعوي ان القدم و الحدوث و ما اشبههما من النسب امور متحقّقة في الخارج وجودية لا اعتباريّة و ايضا قول المحقق الطوسي (ره) في متن التجريد كما تقدم نقله و لايفتقر الحادث الي الماۤدة و المدّة و الّا لزم التسلسل و قول العلامة الحلي (ره) ذهبت الفلاسفة الي ان كل حادثٍ مسبوق بمادةٍ و مدّةٍ لان كل حادثٍ ممكن و امكانه سابق عليه ، الي اخر ما نقلناه فيما تقدّم مثل الذي قبله في عدم الاستقامة لان قوله رحمه الله في ردّ كلام الفلاسفة ليس بصحيح و الدليلان اللذانِ ذكرهما الفلاسفة ليسا بباطلين و ان كانا مبنيّين علي البحث الذي مستنده المجادلة بالّتي هي احسن فان قوله يلزم منهما التسلسل ليس بصحيح في دليل الحكمة بل و في دليل المجادلة بالتي هي احسن لمن لَطُفَ حِسُّه و صحّ تمييزه فانّا قد قلنا انّ الماۤدة اصلها [ص 8] الامكان كما سيأتيك فيما بعد هذا و علي ظاهر الدليل ان الحادث انّما كان امكانه سابقا علي ماۤدته في الوجود العلمي لا في الوجود الكوني فلمّا اخترع البارئ عز و جل الماۤدة لا من شيء علي مقتضي الحكمة ظهرت في الكوني بجميع ما يتوقف عليه تكوينها من الاسباب التي هي اركان ماهيتها اعني صورتها لانّ الماهية عندنا هي القابلية و هي في الخلق الاوّل الصورة النوعية بجميع اركانها و حدودها و متمّماتها و مكمّلاتها لانّ المادة عندنا هي الوجود و هي الماۤء الّتي جعل تعالي منه كلّ شيء حيّ و هي ادم الاوّل عليه السلم من المكونات و خلق منه زوجته و هي حواۤء و هي الامكان في نفس الامر بالنسبة الي المشية الامكانية فالماۤدة عندنا هي الاب كما حقّقناه في الفواۤئد عقلاً و نقلا و الصورة هي الام فراجعه هناك بخلاف ما توهّمه القاۤئلون بالعَكسِ و الصورة النوعية في الخلق الاوّل هي الامكان الذي ظهر وصفاً للماۤدة لانّه خلق منها كما خلق الانكسار من الكسر و هو صفة الكسر و جزء ماهية الشيء فالامكان بلحاظ الكنه هو اصل ماۤدة المكوّن الذي خُلِقَتْ منه كما ذكرناه في الفاۤئدة الخامسة‌عشرة من الفواۤئد و بلحاظ الماهيّة و الهيئة المعبّر عنها بالقابلية هو صفة المكوّن كما تقول الوجود بلحاظ كنه الشيء هو اصل ماۤدة المكوّن الذي خُلِقَت الماۤدة منه و بلحاظ هيئته و قابليته هو صفته فتقول في لحاظ الكنه ماۤدته من الوجود الموصوفي و الامكان الموصوفي و في لحاظ الصفة موجود و ممكن و هو الوجود الوصفي و الامكان الوصفي و الاشياۤء كلها بهذا النمط مثلا النار اصلها حرارة و يبوسة [ص 9] و صفتها حرارة و يبوسة الّا ان الحرارة و اليبوسة الموصوفيّين جوهرانِ و الحرارة و اليبوسة الوصفيَّينِ عَرَضانِ كما انّ الوجود و الامكان الذاتيينِ جَوْهرانِ و الوجود و الامكان الوصفيَّيْن عرضانِ و الجوهر الاوّل خُلِق لا من شيءٍ و العرض خلق من الجوهر و اوّل التّعيّن المشية و اوّل صادرٍ عن المشيّة الامكانية الامكان خلقت بنفسها لا من شيء غير نفسها و خُلِق الامكان من هيئة المشية فهو تأكيد لها مثل ضَرْباً خلق مِن ضَرَب فهو تأكيدٌ له و هو و ان كان بمنزلة العرض بالنسبة الي المشيّة الّا انّه ذاتٌ بالنّسبة الَي مَنْ دونه تذوّتَ مَن دونه بفاضلِ تذوُّتِهٖ و جميع جزئيّات الاشياۤء كلّ واحدٍ خُلِقَتْ ماۤدّته حصّةً من نوعه الواقع في رتبته و قابليّته خُلِقَتْ من نفس ماۤدته من حيث هي هي و ساۤئر صفاته و افعاله و اقواله و اَحْوالِهٖ حدود قابليته التي هيَ ماهيته بالمعني الاول و بالمعني الثاني ● و قد اشرتُ الي مأخذ ادِلّة ما ذكرنا في بَعْضِ رسَائِلنا و دلٖيل الشارح رحمه اللّه في بيان بطلان دليلي الحكماۤء لانه يلزم منهما التسلسل لانّ الماۤدة ممكّنه فمحلّ امكانها مغاير لها فتكون لها ماۤدة اخري هو الباطل لما بيّنَّا من انّ الماۤدة اصلها الامكان و هي حصّة منه لَا انّها محلّ لامكانها لانّ الامكان الذي هي محلّه في الحقيقة صفتها و الصفة متأخّرة عن الموصوف و السّابق علي الماۤدة هو الامكان الجوهري و الماۤدّة حصّة من هذا الجوهري كما تقدّم فلاتكون الماۤدة محلّا له و قوله علي انا قد بيّنّا ان الامكان عدمي الخ ، و انا اقول انّا قد بيّنّا ان الامكان ثبوتي وجودي ممكن متحقق و لايلزم انه يكون له [ص 10] امكان اخر لانه امكان بنفسه فلايلزم التسلسل و انما قلنا انه امكان بنفسه لانه في نفس الامر هيئة المشيّة و تأكيدها فهو منها و هي شيء به كالكسر و الانكسار فامكانه منها لأنها ممكنة بنفسها و هو محلها و امكانها به لتوقّف ظهور كونها عليه كما تقدم .

قال في الشرح المسمي بالمفصّل علي شرح المحصّل لفخرالدين الرازي : اعلم ان المتكلمين انكروا كون الاعراض النسبيّة اُموراً وجوديّةً بل زعموا انها اعتبارات ذهنيّة لا وجود لها في الخارج امّا الاضافة فقد احتجوا علي كونها كذلك بوجوه : الاول انّ الاضافة لو كانت موجودة في الاعيان لكانت حاۤلّةً في محلٍّ ضرورةَ انها ليست من الامور القاۤئمة بانفسها و لو كانت حاۤلة في محلٍّ لكان كونها في المحل اضافة اخري عارضة لها فيحتاج هي ايضاً الي محلٍّ و الكلام فيها كالكلام في الاولي و يلزم التسلسل و انه محال الثاني لو كانت الاضافة موجودةً في الاعيان لزم ان يكون البارئ تعالي محلّا للحوادث و التالي باطل فالمقدّم مثله بيان الشرطيّة هو ان كل حادث يحدث فان الله تعالي يكون موجوداً معه و تلك المعيّة اضافة و هي ما كانت موجودة قبل ذلك الوقت و يزول بعده فيكون الباري تعالي محلّا لتلك المعيّة الحادثة التي هي اضافة الثالث لو كانت الاضافة موجودة في الاعيان لكانت مشاركةً لساۤئر الموجودات في الوجود لما ثبت ان الوجود وصف مشترك بين جميع الموجودات و متميّزة عنها بخصوصياتها و ما به الاشتراك مغاير لما به الامتياز و اذا كان كذلك كان وجودها غير ماهيتها لكن الوجود ما لم‌يتقيّد بتلك الخصُوصيّة لم‌توجد الاضافة في الاعيان و [ص 11] يكون ذلك التقييد سابقاً علي وجود الاضافة لكن ذلك التقييد فاذَنْ لاتوجد الاضافة في الخارج الّا اذا وجد الاضافة قبلها و الكلام في الاضافة الثانية كالكلام في الاضافة الاولي فيلزم ان لاتوجد الاضافة الّا بعد وجود الاضافاتِ اللّانهاية لها و انه محال و لانه يلزم ان تكون الاضافة موجودة قبل نفسها و انه دخل في الاستحالة و الجواب عن الاول ان نقول لانسلّم ان الاضافة لو كانت في محل كان حلولها في المحلّ اضافة اخري عارضة لها و انّما يلزم ذلك ان لو كانت الاضافة مفهوماً اخر وراۤءَ هذا الحلول و ليس كذلك فان الابوّة العارضة للموضوع مثلاً مفهومها عيْن مفهوم العروض للموضوع و ليس لها مفهوم آخر وراۤء ذلك العروض للموضوع و اذا كان كذلك لايلزم ان يكون للعروض للموضوع عروض آخر للموضوع حتي يلزم التّسلسل و فيه نظر لان حلولها في المحل مشروط بوجودها و نسبة بينها و بين محلّها و المشروط مغاير للشرط و النّسبة للمنتسب و عن الثاني لان نقول لانسلّم صدق الشرطيّة و انّما تصدق اَن لو كان معني قولنا انّ الله تعالي موجود مع الحادث المعيّن كونه موجوداً معه في الزمان او في المكان و هو ممنوع فانّ اللّه تعالي منزّه عن ذلك بل معني ذلك صدق الوجود عليه زمان صدق الوجود علي غيره من الحوادث و ذلك لايوجب اضافة و لا نِسبةً فلايلزم قيام الحوادث بذات الله تعالي و عن الثالث انا لانسلّم كون الوجود وصفاً مشتركا بين جميع الموجودات و ما ذكر من الدليل عليه فقد اجبنا عنه و لئن سلّمنا كون الوجود مشتركاً لكن لانسلم انّه يلزم [ص 12] تقدّم الاضافة علي نفسها و انّما يلزم ذلك اَنْ لو كان مفهوم تقيد الوجود بالخصوصية مغايراً لمفهوم الاضافة و هو ممنوع بل عندنا مفهوم الاضافة و مفهوم ذلك التقيد واحد و فيه ما مرّ من الجواب عن الوجه الاول ، انتهي كلام المفصّل .

اقول و النظر المدّعي في الجواب عن الاول لايتوجّه علي الجواب لان المراد بالوجود الذي هو شرط هو وجوده لمحلّه لا الوجود الذي به يتحقّق و وجوده لمحله هو عين حلوله فيه فلايكون في الجواب قدحٌ وَ امّا عَلَي قولنا باَنَّ وجوده الذي به هو فليس مراداً اذ ليس له مدخل في هذه الشرطيّة التي يلزم منها مع فرض مغايرة الوجود للحلول التسلسل اِذْ شرطيّة الوجود الذّاتي لايختص بالنسب فلايكون مراداً في الشرطيّة و امّا الجواب عن الثاني فهو جيّد علي ظاهر القول و امّا في حقيقة الامر فهو مثل الاعتراض الثاني في الفساد لان الاعتراض الثاني مبني علي كون القديم تعالي موجوداً في الامكان و ان وجوده مفهوم مدرك كوجود الحوادث و لذا شرّك المعترض بين وجوده و وجود غيره من خلقه في نفس الوجود و في نفس المفهوم لجعله وجود الحق تعالي مفهوماً مدركا محاطا و في المعيّة لأنها متفرعة علي ذلك و وجه كون الجواب مثل الاعتراض في الفساد من قوله بل معني ذلك صدق الوجود عليه زمان صدق الوجود علي غيره فسوّي بين الوجود الحق و الوجود الحادث الفاني و الجواب ان يقال انّه تعالي لاتصح علي ذاته المقدّسة مطلق المعيّة بوجه من الوجوه و انما المراد بالوجود الصادق عليه زمان صدق [ص 13] الوجود علي غيره هو المعني الذي يخاطب به المكلفون الذي هو المعبّر عنه في الفارسية بهست لانه هو الذي يدركه المكلفون و الذي يدركه المكلفون و يفهمون معناه ليس هو الوجود القديم المجهول الكنه لكل من سواه و مراد المجيب في جوابه انّه هو الواجب الحق و لذا قلنا انه مثل الاعتراض في الفساد و وجه كلامنا انه تعالي مع كل شيء بفعله و قيّوميته الفعلية و الدليل علي هذا انّه عز و جل قال في كتابه سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم و لمّا نظرنا في الافاق رأينا السراج و قرأنا ما ضرب الله تعالي فيه من الامثال و الايات فاذا جميع اشعته المنبثة في الجدران و البيوت قائمة به قيام صدور و قيام تحقق ركنيّ لان الاشعة كلها منتهية الي الشعلة المرئيّة و الشعلة في الحقيقة دخان من الدهن تكلّس بحرارة النار و استنار بمَسّ حرارتها اي حرارة فعلها فالاشعة قائمة بحرارة فعل النار قيام صدور و بالدخان المستنير بمسّ فعل النارِ قيام ركنيّ فليس في السراج شيء من الاشعة و انما هي منبثة في الجدر و البيوت لكنها متقوّمة بالشعلة المرئيّة فلايخلو شيء من الاشعة عن فعل النار طرفة عين و الّا لعُدِم و اضمحلّ و لم‌يكن متقوِّماً بنفس النار فالنار الجوهر اعني الحرارة و اليبوسة الجوهريين آية الازل عز و جل و للّه المثل الاعلي و مسّ النار اية فعل الازل تعالي و الدخان المستنير بمس النار اية نور الانوار و الوجود الممكن الراجح و الماۤء الذي جعل منه كل شيء حيّ و هو نور محمد و اله صلي الله عليه و اله و الاشعة مثال ساۤئر الخلاۤئق فالمعيّة التي تتحقق بها النسبة و الاضافة [ص 14] انما هي بين فعل الله و بين سائر الحوادث من الغيب و الشهادة و هي نسبة اشراقيّة تثبت بثبوت المنتسب و تزول بزواله و اما الجواب عن الثالث فهو حسن و ليس فيه شيء كما توهمه صاحب المفصّل و اما نسبة الشيء الي الزمان فهي في الحقيقة كنسبته الي المكان و الاعتراض عليه و الجواب عنه يعرف مما تقدم .

و كذلك نسبة التأثير الي المؤثر فانه قال في الشرح المسمي بالمفصل : الدليل علي ان تأثير الشيء في الشيء ليس امراً مغايراً لذات المؤثر و الاثر هو انه لو كان كذلك لكان عرضا قائما بذات المؤثر و الاثر ضرورة انه ليس جوهرا قائماۤ بنفسه مبايناً عن ذات المؤثر و الاثر و لو كان كذلك لكان مفتقراً اليه فيكون ممكناً لذاته مفتقرا الي مؤثر فيكون تأثير المؤثر فيه ايضاً امراً آخر مغايراً له و لمؤثره و الكلام فيه كالكلام في الاوّل فيلزم التسلسل و انّه محال انتهي .

اقول التأثير فعل المؤثر و لايوجد الّا عند الشروع في الفعل و المؤثر ذاتٌ موجودة قاۤئمة بنفسها و التّأثير حركته و لاتقوم بنفسها فهي مغايرة للمؤثر ذاتاً و اسماً و رتبة فدعوي اتحادِهما جهل محض خارجة عن مقتضي العقل فان المؤثر يوجد و لم‌يكن الاثر لان الاثر مثل القيام و التأثير احداث الاثر فان كان احداثك القيام هو انت كان التّأثير هو المؤثر و لا شكّ في ذلك و لكن ثبوت مغايرته للمؤثر لايستلزم التسلسل لما قرّرنا مراراً بانه فعل و الفعل يحدثه الفاعل بنفسه اي بنفس الفعْل كما قال الصادق عليه السلم خلق الله المشيّة بنفسها ثم خلق الخلق بالمشية ، و الفقهاء قد اتّفقوا علي انّ المصلّي يحدث الصلوة [ص 15] بالنية و يُحْدث النّية بنفسها فلايستلزم مغايرة التّأثير للمؤثر و الاثر تسلسلاً و لا دوراً و قد بيّنا ذلك في الفوائِد و شرحها و في غيره .

و كذلك مقولة الانفعال قال في الشرح المذكور لو كان مقولة ان ينفعل التي هي عبارة من قبول الشيء للشيء امراً زايدا لكان ذلك القبول قائما عرضاً قائما بالمحل فتكون موصوفيّة ذلك المحلّ بذلك القبول امراً زائداً علي ذلك القبول و الكلام فيها كما في الاول و لزم التسلسل و انه محال فهذا جميع دلاۤئل نفاة الاعراض النسبيّة انتهي .

اقول قد تقدّم جواب مثل هذا بان نقول ان القبول زائد علي القابل و ليس غير الموصوفية و علي تسليم الغيريّة فليس للموصوفية موصوفية غير ما هي به موصوفية كما بيّنا مرارا فلايلزم التسلسل .

و قال في الشرح المذكور : احتج الحكماۤء علي كون هذه النسب اموراً وجوديةً في الاعيان بان قالوا كون السماۤء فوق الارض اِمَّا مجرّد اعتبارٍ عقلي اوْ امرٍ محقّق في الخارج و الاول باطل لانه لو كان كذلك لكان هذا الحكم ثابتاً قبل الفرض و الاعتبار و اللّازم كاذب لان هذا المعني حاصل سواۤء وجد الفرض و الاعتبار او لم‌يوجد و لان الفوقية قد تحصل للشيء بعد ما لم‌تكن حاصلةً له و الفوقية حصلَتْ اذَنْ بعد عدمِها و الحاصل بعد عدمه لايكون عدميّا و الّا لكان نفي النفي عدميّاً و الثبوت عدماً هذا خلف فعلم ان الفوقيّة صفة وجوديّة في الخارج و ليست هي نفس ما عرض له الفوقيّة و هو الجسم مثلا من حيث انّه تلك الذات ليس امراً مقولاً بالقياس الي غيره و من حيث انه معروض للفوقيّة مقول بالقياس الي الغير و الفوقية مغايرة لتلك الذات [ص 16] و لان الفوقيّة لو كانت نفس ما عرضت له لزال معروضها بزوالها و ليس كذلك لان الشيء قد لايكون فوقاً ثم يصير فوقاً و بالعكس و هو اعني معروض الفوقية باقٍ في الحالَيْنِ و الفوقية غير حاصلةٍ حالَ عدمها فالفوقية حاصلة لمعروضها ، هذا تقرير ما ذكره الامام و الحكماۤء ذكروا لِاثبات هذا المطلوب وجها آخر و هو ان المفهوم من كون الشيء مؤثرا في غيره قابلاً له مغاير لتلك الذاتِ المخصوصة لانه يُمكِنُنَا تعقّل تلك الذات المخصوصة مع الذهول عن كونها مؤثرة في الغير او قابلةً له و المعلوم مغاير لما ليس بمعلوم و ليس امراً عَدميّا لان قولنا للشيء انّه مؤثر نقيض لقولنا انه ليس بمؤثر و قولنا ليس بمؤثر عدميّ لصدقه علي الامر العدمي و امتناع صدق الموجود علي المعدوم فهو اذن وجوديّ لوجوب كون احد النقيضَيْنِ وجوديّا و انت لايخفي عليك فساد هذا الوجه بعد احاطتك بما سبق من المباحث انتهي .

و اقول ما ذكره الحكماۤء و الامام صحيح لا شكّ فيه و لا غبار عليه الّا ما دخل علي الخصم من الشّبهِ التي هي كالسراب و الوجه الاخير الذي ذكره الحكماۤء اشد صحّة و ابين وضوحاً نعم فيما ذكر الامام و الحكماۤء لو كانت نفس ما عرضت له لزال معروضها بزوالها اعتراض و هو انّهم عندهم علي اصطلاحهم يطلقون الاتّحاد علي اللازم حال اعتبار اللزوم و ان كان في نفسه مغايراً لملزومه و هذا و ان كان غلطاً منهم و باطلاً الّا انّ ذلك غير ملزم لهم لانهم لايسلّمونه فانهم يقولون انك اذا تصوّرتَ صورة زيدٍ في خيالك كانت حال تصوّرك لها متّحدة بنفسك يمتنع تصوّر [ص 17] انفكاكها من نفسك و اذا ذَهلتَ عنها زالت الصورة عندهم و لايلزم من زوالها زوال ملزومها الذي كانت هي حال التصوّر نفسه و هذا كله باطل و ما ذكره الامام و الحكماۤء هنا كله حقّ و ان الفوقية اذا كانت نفس ما عرضت له يزول بزوالها و الّا لم‌تكن نفسه بل هي غيره لان كونها نفسه ان كان في الواقع كذلك فلا ريب ان الشيء اذا زال فقد زال و ان كان لم‌يزل فانّما زال غيره و غيره لايكون نفسه فيا سبحان الله ما اعمي قلوباً و بصائرَ عن الحقّ و الطريق القصد الواضح و اصل منشأ هذا الاعوجاج ما ذكرناه مرارا في كثيرٍ من كتبنا و رساۤئلِنا بان اصل ذلك من احدِ امورٍ ثلاثة احدها العناد و الاستكبار و الاستنكاف عن الاعتراف بالحق للاغراض الدنياويّة و هذا شأن كثير من الناس و ثانيها ليس المانع من قبول الحق و الاعتراف به ذلك و لكن من الناس مَن سمع شيئا و لم‌يفهم انه باطل و استمرّ عليه حتي اطمأنّت به نفسه و انست به فاذا سمع خلاف ما كان عنده و ان كان حقّا بل ربّما يظهر له انه حق انكره و تكلّف ردّه و معارضتَهُ و ليس عناداً و لكن نفسه انست بخلافه فيصعب عليها مفارقته و العدول عنه فيتكلّف تصحيح ما انست به نفسه و ثالثها ليس المانع من قبول الحق العناد و لا انس النفس بخلافه و لكنه يستند في جميع ما يصل اليه و يسمعه الي قواعدَ اعتمد علي صحّتها و ضوابط قرّرها يعتقد انّها في كلّ ما تنطبق عليه و تتناوله حق بقولٍ مطلق فاذا سمع شيئا بخلاف ما عنده او لم‌يعلم به عرضه علي قواعده و وزنه بعيارها و بميزان عقلِه و فهمه في انطباقها عليه او عدم انطباقها فاذا رأي ما سمع مخالفاً لِقواعده او [ص 18] لتمشيته ايّاها اليه انكره و لم‌يقبل الّا ما وافق وزنه بتلك القواعد و تكلّف ردّه و نقضه و لعلّ الغلط في قواعده او في تطبيقها علي ما سمع و كل واحدٍ من هؤلاۤء الاصناف الثلاثة اذا اراد الاستدلال علي مطلبه وجد له في مطلق الادلّة من الكتاب و السّنة و من الامثال التي ضربها الله سبحانه للناس و من الايات التي اراها خلقه في الافاق و في انفسهم اذا طلب ذلك وجد فيها ما يوهم الدليل علي مطلبه و العلة فيه قوله تعالي ان الساعة آتية اكاد اخفيها لتجزي كل نفس بما تسعَي و ذلك في قوله عليه السلم لو خلص الحق لم‌يخف علي ذي حِجيً و لكن يؤخذ من هذا ضِغثٌ و من هذا ضغث فيمزجانِ فهنالك هلك مَنْ هلك و نجي منْ سبقت له من ٱللّه الحسني ه‍ ، نقلته بالمعني او كما قَالَ .

و اعْلَم اَنّ معمّر بن عبّاد من المعتزلة و كان سابقاً بالزمان علي الاشعري لمّا تأمّل في حجّة الفلاسفة في اثبات النسب و الاضافات وجدها قويّة الاركان مشيدة البنيان و اعترف بمقتضاها و قال بكونها وجوديّة و لمّا الزمه الخصم بلزوم التسلسل و لم‌يقدر علي ردّ ذلك بنحو ما ذكرنا التزمَ بالتّسلسل و منع استحالته و قال بثبوت اعراضٍ لٰا نِهٰايةَ لَها يقوم بعضها بالبعض ، فاجاب عنه المتكلمون بوجهين الاوّل ان كل عددٍ موجودٍ فله نصف بالضرورة و نصفه اقَلّ من كلّه و الَّا لَزِمَ ان يكون جزء الشيء مُسَاوياً لَهُ و هو مُحَال بالضرورة و كلّ ما كان اقلّ من غيره فهو متناهٍ فنصف كل عددٍ متناهٍ اما الكبري فلِانّا اذا قابلنا الفرد من الاقل بالفرد من الاكثر فاما اَن تثبت هذه المقابلة لكل فردٍ من الاقل لكلّ فردٍ من الاكثر من غير تكريرٍ [ص 19] او لاتثبت فان ثبت لزم اَنْ تكون افراد الاقل مساوياً لعَدد افرادِ الاكثر فالاقل مثل الاكثر و هو محال بالضّرورة و ان لم‌يثبت يلزم ان يفني عدد افراد الاقل فتكون افراد الاقل متناهية و اذا كان نصف كل عدد متناهياً كان الكل ايضا متناهياً لان الزاۤئد علي المتناهي بمقدارٍ متناهٍ يكون متناهياً و هو المطلوب . قال معمّر لانسلِّم ان كل عدد فله نصف بل ذلك عندي من خواۤص العدد المتناهي لم قلتم بانه ليس كذلك لا بُدّ له من دَليل اجاب المتكلمون بانه لا حاجة لنا الي هذه المقدّمة بل نقول كل عدد موجودٍ بدون عشرة افرادٍ منه اقل منه مع تلك الافراد العشرة و العلم به ضروري ثم تتم الحجة المذكورة الي آخرها ، ثم اجاب المتكلمون عن منع صغري القياس ، قال معمّر لانسلّم صدق الكبري و هو قولكم ما كان اقل من غيره فهو متناهٍ و مستند المنع هو انّ مقدورات الله تعالي اقل من معلوماته لاندراج الواجبات و الممتنِعات في المعلومات دون المقدورات اذ القدرة لاتتعلق الّا بالممكنات مع ان كل واحدٍ من المقدورات و المعلومات لا نهاية لها و كذلك تضعيف الالف مراراً لا نهاية لها اقلّ من الالفين مراراً لا نهاية لها مع ان كل واحد منهما غير متناهٍ ، اجاب المتكلمون عنه بان قالوا المدّعي في الكبري انَّ كلَّ عددٍ موجودٍ هو اَقلُّ من عددٍ آخر موجودٍ فهو متناهٍ لما ذكرناه من البرهانِ و ما ذكرتموه من الصورتين فلانسلّم وجودهما في الخارج امّا الصورة الاولي فلانّا اذا قلنا مقدورات اللّه تعالي غير متناهية و كذلك معلوماته ليس معناه انها موجودة و لا نهاية لافرادها بل معناه انّ ايّ ممكن يفرض [ص 20] فالقدرة صالحة لان تتعلّق به و ايّ معلوم يفرض فالعلم صالحٌ لان يعلمه و لاينتهي العقل عند حدٍّ يجزم بانه لايقدر علي الزاۤئد علي ذلك الحدّ و لايعلم الزاۤئد عليه مع ان الموجود في الخارج من المقدورات و المعلومات ابداً يكون متناهياً و كذلك الجواب عن الصورة الاخري لانّ معني تضعيف الالف مراراً لا نهاية لها ان كلّ حدٍّ يفرض في التضعيف فالعقل يقدر علي تضعيفه مرة اخري و لاينتهي الي حدٍّ لايقدر العقل علي تضعيفه بعد ذلك و كذلك تضعيف الالفَيْن مراراً لا نهاية لها لا انّ تلك الاعداد المضعّفة بغير نهايةٍ موجودةٌ في الخارج فان الموجود منها ابداً متناهٍ انتهي .

اقول قد اشرنا الي عدم تحقّق التسلسل في الممكنات لانقطاع ترامي كل ما فرض فيه ذلك بحكم التضايف و المعيّة كما مثّلنا فيه بالكسر و الانكسار و ذلك في كلّ ما يفرض فيه الترامي ، هذا فيما تعرفه العقول من حكم ما في الامكان و اما فيما تعرفه الافئدة فلا امتناع في فرض ترامي اشياۤء في الخارج لا الي نهاية لان قدرة الله لاتقدرها عقول الممكنات لما قررنا من ان الاشياء انما تعرف اشباهها و تشير الٰالات الي نظاۤئرها كما اشار اليه اميرالمؤمنين عليه السلم انّما تحدّ الادوات انفسها و تشير الالات الي نظاۤئرها ، و الازل عز و جل بخلاف ما عليه خلقه في كلّ شيء و امّا معمّر بن عبّاد فمنعه للتسلسل لا عن دليل و لذا استدل بتجويز ترامي اعراض لا الي نهاية و هو غلط لما قلنا بانحصار الواقع في انتهائها الي التضايف و المعيّة و الدليل الحقيقي ما اشرنا اليه سابقاً من انه ممكن و ان الممتنع ممتنع الفرض اذ [ص 21] لايوجد الا الواجب و الممكن و العلّة في عدم ايجاد ما احالته العقول ان كل شيء انما خلقه الله للتّعريف و التعرف و لو خلقه تعالي علي غير ذلك لم‌يمكن له المعرفة و لايمكن لغيره الاستدلال به لانه خلق علي غير مقتضي الحكمة و المخلوق ان خلق علي خلاف مقتضي الحكمة كان مخلوقا علي الاهمال فلايعرف شيئا الّا بوصفٍ خاۤصّ به فيلزم لمعرفة جميع الاشياۤء لكلّ فردٍ منها وصف خاۤصّ به مميّز له فيلزم في تعريف الاشياۤء اوصاف لاتتناهي فلمّا كان المؤلَّف علي مقتضي الحكمة لايعرف الّا نظيره كان العقل لايعرف الّا ما اُلِّف علي مقتضي الحكمة لانه كذلك بخلاف الفؤاد لانّه غير مؤلّفٍ بل هو بسيط لانه آية الله سبحانه فهو يدرك انّ الذي يحكم عليه العقل بانه ممتنع انه ممكن في قدرة اللّه كالتسلسل و امّا تجويز معمّر له فعن غير دليل و امّا جواب المتكلمين بان كل عدد موجود فله نصف و نصفه اقل من كله في نفي ما لايتناهي من العدد فان ارادوا ان ما فرض انه نصف مُسَاوٍ للقسم الاخر فقول معمّر بل ذلك عندي من خواۤص العدد المتناهي ، متّجه لان الطرف الاخر لايساوي الطرف الاوّل الّا في المتناهي و ان ارادوا مطلقاً كان كقولهم الاخر انّ كل عدد موجود بدون عشرة افرادٍ منه اقل منه مع تلك الافراد العشرة و علي هذا فلمعمّر بن عبّاد انّ القلّة و الكثرة انما تقال علي ما علم اخره و امّا اذا لم‌يعلم كما لو كرّرتَ عشرة مَراراً غير متناهية و الفاً او الفين مراراً غير متناهية فلايعقل القلّة و الكثرة الّا مع الاحاطة بالمرّات المكرّرة و امّا مع عدم الاحاطة فانما يتوهّم القلّة و الكثرة بالنظر [ص 22] الي العشرة نفسها و الالف نفسه مع عدم الالتفات اليهما بعد التكرير و ذلك بنظرين بان تلتفت النفس الي العشرة وحدها قبل التكرير و الي الالف وحده قبل التكرير فتدرك قلّة العشرة و كثرة الالف ثم تلتفت الي تكرارِهما فتتوهم القلّة و الكثرة الثابتين قبل التكرير بعد التكرير و لا شك انّ التكرير نفسه لا قلّة فيه و لا كثرة و اذا لحقتا ما قبل التكرير انما لحقت العددين المعينين العشرة و الالف و افرادهما متناهية و الافراد الحاصلة من التكرير ان كانت متناهية كان التكرير متناهيا و هو خلاف المفروض و ان لم‌تكن متناهية فمِن اَيْن تلحقها القلّة في بعض و الكثرة في بعض و كلّ منهما غير متناهٍ فافهم فانه دقيق و دعوي الضرورة انّما حصلت من نظرين نظر حصّلوا به التناهي و القلة و الكثرة من نفس العشرة و الالف وحدهما قبل التكرير حال تناهي افرادهما ثم وصفوا افرادهما حال اللاتناهي بالقلة و الكثرة و هو وصف لغير من هو له بل لو طبّقت السلسلتين بما فيهما من الافراد الحاصلة من التكرير احديهما علي الاخري ماوجدت العقول من القلة و الكثرة الّا ما وجدته في العشرة و الالف قبل التكرير اوْ انّ مرّات التكرير محصورة و امّا ما استند معمر في منعه الي ان معلومات الله اكثر من مقدوراته تعالي مع عدم تناهيهما و ما اجابه المتكلمون عن ذلك كما تقدم فكلاهما غير مستقيم اما قول معمر فلما قرّرنا من عدم كون الممتنع شيئا معلوماً و لو كان الممتنع شيئا لكان معلوما و لو كان معلوما لكان مقدوراً لان العلم و القدرة ليسا شيئين بل هما شيء واحد و كيف يكون شيء لايعلمه [ص 23] الله و لذا لمّا ادّعوا شريكاً له تعالي قال اتنبّئونه بما لايعلم في السموات و لا في الارض فاذا كان لايعلمه دلّ علي ان الممتنع ليس شيئا و علي ان العلم مساوٍ للقدرة لأنهم يريدون بالممتنع شريك البارئ تعالي و لو صحّ علم الممتنع لماقال اتنبئونه بما لايعلم و قد برهنا في الفوائد و في شرحها ● علي انّ الممتنع ليس شيئاً و انّما هو ممكن سمّيتموه بممتنع فاذا نظرت ما ذكرنا ثبت عندك انّه لايعقل الّا ممكن او واجب بٰاياته و اذا ثبت ذلك عندك ثبت عندك انّ قدرة اللّه ليست اقلّ من علمه علي انّ العلم اذا كان اكثر ( اذا كثر خ‌ل ) من القدرة اختلفا فلايكون المختلف بسيطاً و الحاصل الكلام علي ما ذكروه من ادلّتهم يطول فلا فائدة فيه عظيمة بعد ظهور المدعي و كذا ذكر ما قالوا نعم قد اذكر بعضاً و قد اتكلّم علي بعض ما اذكر اذا توقف عليه ظهور المدّعي .