يعني بقوله هند بنت اسماء بن خارجة زوجة عبيداللّه لما قتل حملها عتبة أخوها إلي الكوفة و بقوله ابيإسحاق هو المختار و هرب غلام لعبيداللّه إلي الشام فسأله عبدالملك بن مروان عنه قال لما جال الناس تقدم فقاتل ثم قال ائتني بجرة فيها ماء فأتيته فشرب و صب الماء بين درعه و جسده و صب علي ناصية فرسه ثم حمل فهذا آخر عهدي به قال يزيد بن مفرغ يهجو ابن زياد :
إن المنايا اذا حاولن طاغية هتكن عنه ستوراً بعد ابواب
إن الذي عاش غداراً بذمته و مات هزلاً قتيل اللّه بالزاب
ماشق جيب و لاناحتك ناحية و لابكتك جياد عند اسلاب
هلا جموع نزار إذ لقيتهم (ظ) كنت (ظ) امرء من نزار غير مرتاب
أو حمير كنت قيلاً من ذوي يمن إن المقاويل في ملك و احباب
و كان المختار قد سار من الكوفة يتطلع احوال ابراهيم و استخلف في الكوفة السائب بن مالك فنزل ساباط ثم دخل المدائن و رقي المنبر فحمد اللّه و اثني عليه و أمر الناس بالجد في النهوض إلي إبراهيم قال الشعبي كنت معه فأتته البشري بقتل عبيداللّه و أصحابه فكاد يطير فرحاً و رجع إلي الكوفة في الحال مسروراً بالظفر [ص 824] و ذكر ابوالسائب عن أحمد بن بشير عن مجالد عن عامر أنه قال الشيعة يتهموني ببغض علي عليه السلام و لقد رأيت في النوم بعد مقتل الحسين عليه السلام كأن رجالاً نزلوا من السماء عليهم ثياب خضر معهم حراب يبتغون قتلة الحسين (ع) فمالبثت أن خرج المختار فقتلهم و ذكر عمر بن شيبة قال حدثني ابوأحمد الزبيري عن عمه قال قال ابوعمر البزاز كنت مع إبراهيم بن الأشتر لما لقي عبيداللّه بن زياد بالخازر فعددنا القتلي بالقصب لكثرتهم قيل كانوا سبعينالفاً و صلبه إبراهيم منكسا فكأني أنظر إلي خصييه كأنهما جعلان و عن الشعبي أنه لميقتل قط من أهل الشام بعد صفين مثل هذه الوقعة بالخازر و قال الشعبي كانت يوم عاشورا سنة سبع و ستين و بعث إبراهيم برأس عبيداللّه بن زياد و رؤس الرؤساء من أهل الشام و في آذانهم رقاع أسمائهم فقدموا عليه و هو يتغذي فحمد اللّه تعالي علي الظفر فلما فرغ من الغذاء قام فوطئ وجه ابن زياد بنعله ثم رمي بها إلي غلامه و قال اغسلها فإني وضعتها علي وجه نجس كافر و عن ابيالطفيل عامر بن واثلة الكناني قال وضعت الرؤس عند السدة بالكوفة عليها ثوب أبيض فكشفنا عنها الثوب و حية تتغلغل في رأس عبيداللّه و نصبت الرؤس في الرحبة قال عامر و رأيت الحية تدخل في منافذ رأسه و هو مصلوب مراراً ثم حمل المختار رأسه و رؤس القواد إلي مكة مع عبدالرحمن بن ابيعمير الثقفي و عبدالرحمن بن شداد الجشمي و أنس بن مالك الأشعري و قيل السائب بن مالك و معها ثلاثونالف دينار إلي محمد بن الحنفية و كتب معهم إني بعثت أنصاركم و شيعتكم إلي عدوكم فخرجوا محتسبين أسفين فقتلوهم فالحمد للّه الذي أدرك لكم الثار و أهلكهم في كل فج عميق و غرقهم في بحير ( في كل بحر [ص 825] ظ ) و شفي اللّه صدور قوم مؤمنين فقدموا بالكتاب و الرؤس عليه فلما رآها خر ساجداً و دعا للمختار و قال جزاه اللّه خير الجزاء فقد أدرك لنا ثارنا و وجب حقه علي كل من ولده عبدالمطلب بن هاشم اللّهم و احفظ لإبراهيم الأشتر و انصره علي الأعداء و وفقه لما تحب و ترضي و اغفر له في الآخرة و الأولي فبعث رأس عبيداللّه إلي علي بن الحسين عليه السلام فأدخل عليه و هو يتغدي فسجد شكراً للّه تعالي و قال الحمد للّه الذي أدرك لي ثاري من عدوي و جزي اللّه المختار خيراً أدخلت علي عبيداللّه بن زياد و هو يتغدي و رأس أبي بين يديه فقلت اللّهم لاتمتني حتي تريني رأس ابن زياد ، و قسم محمد المال في أهله و شيعته بمكة و مدينة علي أولاد المهاجرين و الأنصار و روي المرزباني بإسناده عن جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام أنه قال مااكتحلت هاشمية و لااختضبت و لارئي في دار هاشمي دخان خمس حجج حتي قتل عبيداللّه بن زياد و عن عبداللّه بن محمد بن ابيسعيد عن ابيالعيناء عن يحيي بن راشد قال قالت فاطمة بنت علي ماتحنأت امرأة منا و لاأجالت في عينها مروداً و لاامتشطت حتي بعث المختار رأس عبيداللّه بن زياد و روي أنه قتل ثمانية عشر ألفاً ممن شرك في قتل الحسين أيام ولايته و كانت ثمانيةعشر شهراً أولا ( أولها ظ ) أربععشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة ست و ستين و آخرها النصف من شهر رمضان من سنة سبع و ستين و عمره سبع و ستون سنة قال جعفر بن نما مصنف هذا الثار اعلم أن كثيراً من العلماء لايحصل لهم التوفيق بفطنة توقفهم علي معاني الألفاظ و لا روية تنقلهم من رقدة الغفلة إلي الاستيقاظ و لو تدبروا أقوال الأئمة في مدح المختار لعلموا أنه من السابقين المجاهدين الذين مدحهم اللّه تعالي جل جلاله في كتابه (ظ) المبين و [ص 826] دعاء زينالعابدين عليه السلام للمختار رحمه اللّه دليل واضح و برهان لائح علي أنه عنده من المصطفين الأخيار و لو كان علي غير الطريقة المشكورة و يعلم أنه مخالف له في اعتقاده لماكان يدعو له دعاء لايستجاب و يقول فيه قولاً لايستطاب و كان دعاؤه عليه السلام له عبثاً و الإمام منزه عن ذلك و قد أسلفنا من أقوال الأئمة في مطاوي الكتاب تكرار مدحهم له و نهيهم عن ذمه ما فيه غنية لذوي الأبصار و بغية لذوي الاعتبار و إنما أعداؤه عملوا له مثالب ليباعدوه من قلوب الشيعة كما عمل أعداء اميرالمؤمنين عليه السلام له مساوي و هلك بها كثير ممن حاد عن محبته و حال عن طاعته فالولي له عليه السلام لمتغيره الأوهام و لاباحته تلك الأحلام بل كشفت له عن فضله المكنون و علمه المصون فعمل في قضية المختار ما عمل مع أبي الأئمة الأطهار و قد وفيت بما وعدت من الاختصار و أتيت بالمعاني التي تضمنت حديث الثار من غير حشو و لا إطالة و لا سئامة و لا ملالة و أقسمت علي قاريه و مستمعيه و علي كل ناظر فيه أن لايخليني من اهداء الدعوات إلي و الاكثار من الترحم علي و أسأل اللّه أن يجعلني و إياهم ممن خلصت سريرته من وساوس الأوهام و صفيت طويته من كدر الآثام و أن يباعدنا من الحسد المحبط للأعمال المؤدي إلي أقبح المآل و أن يحسن في ( لي ظ ) الخلافة علي الأهل و الآل و يذهب الغل من القلوب و يوفق لمراضي علام الغيوب فإنه أسمع سميع و أكرم مجيب و الحمد للّه رب العالمين و صلاته علي سيد المرسلين محمد و آله الطاهرين .
[ص 827] باب في قصص مبدء امر المختار الي آخره برواية ابيمخنف
كتاب فيه اخذ الثار و انتصار المختار علي الطغاة الفجار روي ابومخنف رضي اللّه تعالي عنه قال لما قتل مولانا و مولي كل مؤمن و مؤمنة الحسين بن اميرالمؤمنين صلوات اللّه و سلامه عليهما و استولت بنوامية لعنهم اللّه تعالي علي الملك و كان بالكوفة رجل معلم صبيان في مكتب يقال له عمير بن عامر الهمداني و كان ذو عقل و ادب و كان مواليا لاهل البيت عليهم السلام فلما كان في بعض الايام مر به رجل يسقي الناس الماء فقال له عمير اسقني ماء فناوله شربة ماء فشربها فقال اللّهم العن من قتل الحسين عليه السلام و منعه شرب الماء و كان من جملة ( جملة الاولاد ظ ) ولد سنان بن انس النخعي لعنه اللّه تعالي فلما سمع الولد ذلك من المعلم قال لعمير هكذا تسب الخليفة و تلعن الامير عبيداللّه بن زياد فقال له المعلم يا غلام اعرض عن هذا الكلام و لاتعد عني ما سمعت و انت عندي مثل ولدي ثم ان الصبي صبر الي وقت الانصراف فانصرف مع الصبيان و دخل في خرابة و جرح نفسه بسكين كانت معه و رضح رأسه بحجر و خضب وجهه بالدم و مضي الي امه فلما رأته كذلك صرخت في وجهه و قالت له يا ولدي من فعل بك هذا قال لها اعلمي ان المعلم عبر اليه ساقي يسقي الماء فناوله شربة فشرب فطاب له الماء فلعن الخليفة و لعن الامير عبيداللّه بن زياد فلمته علي ذلك ففعل بي هذا الفعل فاخذته امه الملعونة و مضت به الي دار ابن زياد لعنه اللّه تعالي و نادت بأعلي صوتها النصيحة النصيحة فخرج اليها ابو الصبي و كان من خواص ابن زياد الملعون الفاجر الفاسق لعنه اللّه تعالي فلما رأي ولده علي تلك الحال قال يا ويلك من فعل بك هذا الفعل فحدثته امرأته الملعونة بالحديث من اوله الي آخره فلما [ص 828] سمع ذلك اخذه و ادخله علي عبيداللّه بن زياد الملعون و قص عليه القصة من اولها الي آخرها و زاد عليها زيادة كثيرة فلما سمع ابن زياد الملعون ذلك قال لبعض قواده احضروا عمير بن عامر الهمداني مكتوفا مكشوف الرأس سريعا هذه الساعة و احضروه بين يدي فمضت القواد من وقتهم و ساعتهم و قبضوا المعلم و جاؤا به و احضروه بين يدي ابن زياد لعنه اللّه تعالي فلما رآه قال له يا ويلك انت الذي سببت الخليفة و الساب لي فقال له المعلم معاذ اللّه ايها الامير اني ماقلت شيئا من ذلك و لكن احضر الساقي و عقلاء الصبيان فان شهدوا علي بذلك فلايؤاخذك اللّه فيما تعمله في قال ثم امر ابن زياد ان يحبسوه بالطامورة و كان لها ثلثة ابواب علي كل باب قفل يقفل فيه و يختم عليه عبيداللّه بن زياد الملعون قال عمير فادخلوني الباب الاول و الثاني حتي نزلت تحت الطامورة بعشرين ذراعا فلما نزلت فلمابصر شيئا فصبرت ساعة فاضاء لي الموضع فرأيت قوما في الميلاد و هم يستغيثون فلايغاثون منهم اقوام مقيدون و منهم جماعة مغلولون و سمعت في آخر الطامورة انينا عاليا فتخطيت رقاب من كان بين يدي حتي وصلت الي الانين و اذا انا برجل مقيد مغلولة يديه علي عنقه و هو جالس لايقدر ان يلتفت يمينا و لا شمالا و هو في ذلك الحال يتنفس الصعداء فسلمت عليه فرد علي السلام و رفع رأسه و نظر الي و اذا بشعره قد غطا عينيه و وجهه فقلت يا هذا ما الذي جنيت حتي نزلت بك هذه المصيبة فقال استوجبت ذلك فقلت لأي سبب قال لأني من شيعة علي بن ابيطالب و مولي ولده الحسين صلوات اللّه و سلامه عليه فقلت له من انت من اصحاب الحسين (ع) فقال انا المختار بن ابيعبيدة الثقفي قال عمير فلما سمعت كلامه انكببت عليه فقبلت رأسه و يديه فقال لي من انت يرحمك اللّه تعالي فقلت انا [ص 829] عمير بن عامر الهمداني و قد اعلم الصبيان فحكيت له قصتي كلها فقال المختار ليس هذا موضع المعلمين بل موضع من يأخذ بثار الحسين صلي اللّه عليه و آله روحي فداه و لكن انت يا عمير لاتغتم و طب نفسا و قر عينا فأنت تخرج عن قريب ان شاء اللّه تعالي قال فبقي المختار و المعلم اياما قلايل و كان للمعلم ابنة اخ و هي داية في دار ابن زياد لعنه اللّه تعالي قد ارضعت اولاده فلما سمعت بخبر عمها دخلت علي حضية ( خطية خل ) زوجة ابن زياد الملعون و شقت جيبها و هي تبكي فقالت لها حضية ما الذي اصابك فقالت اعلم يا سيدتي ان عمي شيخ كبير و هو معلم اولادكم و قد وجب حقه عليكم و قد كذب عليه صبي بكلام لميقله و قد حبسه الامير في الطامورة فلعل يفك اسره علي يديك و يفرج عنه بسببك فعند ذلك قالت حضية حبا و كرامة ثم انها نهضت و دخلت علي ابن زياد الملعون و كانت احظي نسائه عنده و اوجههن اليه فقالت ايها الامير ان عمير المعلم له علينا احسان و قد وجب حقه علينا و هو مكذوب عليه فيما قيل فيه و اسألك ان تمن علي فيه و ان تهبه لي فقال لها حبا و كرامة ثم انه دعي في الحال و الوقت ببعض حجابه و قال له انطلق الي عمير المعلم و اخرجه من الطامورة و ائتني به فمضي الحاجب في الساعة و أتي الي الطامورة و فتح الاقفال و كان في ذلك الوقت المعلم و المختار يتحدثان فلما سمع المختار الاقفال تنفتح قال للمعلم اعلم ان هذه الساعة يفرج اللّه عنك و تخرج فقال عمير واللّه يصعب علي فراقك و قد كنت كارها لهذا الموضع فلما وجدتك اشتهيت ان لاافارقك طرفة عين قال فعندك ذلك قال المختار ان رأيت اصلحك اللّه تعالي ان تقضي لي حاجة يجزيك اللّه تعالي عنها الثواب الجزيل و [ص 830] يكون لك عندي منزلة ان كان لي سلامة فقال المعلم و ما هي حتي احتال في قضائها فقال اريد ان توصل اليّ ورقة و لو قدر شبر و قلما و لو قدر ابهام و مدادا و لو في قشر جوزة لأكتب بها حاجة لي فقال المعلم حبا و كرامة و لايكون خاطرك الا طيبا قال فبينما هو يتحدثان و اذا بالحاجب قد دخل و اذن للمعلم بالخروج فخرج هو و الحاجب حتي مثل بين يدي عبيداللّه لعنه اللّه تعالي فلما رآه قال له يا عمير قد عفونا عنك و عفونا عن زلتك لاجل من قد سألنا فيك فاياك ان تعود الي مثلها ابدا فقال له عمير انا تائب علي يديك انني لااعود الي تعليم الصبيان و لااجلس في مكتب بعد هذا الامر ثم استرخص من عبيداللّه بن زياد الملعون و انصرف الي منزله و دخل علي زوجته و اوفاها صداقها و طلقها لانه كان خائفا منها ان تظهر خبره و كان صاحب مال و قال في قلبه لا بد ان افرغ همتي في قضاء حاجة المختار ثم ان عمير عمد الي بهيمة سمينة فشواها و جعل معه خبزا كثيرة و فاكهة كثيرة و جعل معه الف دينار و الف درهم و حمل ذلك كله علي رأسه و سار في الليل حتي لايعلم به احد حتي اتي الي دار السجان فلميجد السجان حاضرا فخرجت اليه زوجة السجان فسلمت عليه و سلم عليها و سلم لها ما كان معه و قال اذا قدم زوجك سلمي لي عليه و قولي ان المعلم الذي كان عندك في الطامورة يقول اني نذرت للّه تعالي نذرا متي فك اللّه سجني اهديت لك ذلك و سلمه الي و مضي قال راوي الحديث فلما كان اليوم الثاني فعل مثل ما فعل بالامس و حمله في الليل فلميجد السجان حاضرا فسلمه الي زوجة السجان و قال لها سلمي لي علي زوجك و قولي له ما قلت بالامس قال فلما حضر [ص 831] السجان قالت له جميع ما قاله المعلم و احضرت بين يديه ما اهداه المعلم قال السجان واللّه ما هذا لأجل نذر بل هذا لأجل المختار لا محالة قال ابومخنف رضي اللّه تعالي عنه و كان السجان ممن اساءه و احزنه قتل الحسين صلوات اللّه و سلامه عليه و آله و لما كان اليوم الثالث استخلف السجان اخاه بموضعه و عاد الي منزله قعد يرتقب المعلم و اما المعلم فانه عمد الي حائل سمينة و شواها و ترك تحتها نقدا كثيرا و خبزا كثيرا و فاكهة كثيرة و اخذ منديلا ديبقيا و شد فيه الف دينار و الف درهم و جعل جميع ذلك علي رأسه و مضي في الليل الي دار السجان علي العادة المستمرة فصادف السجان علي الباب فسلم كل واحد منهم علي صاحبه فأخذه السجان و ادخله الدار فسلم اليه عمير ما كان معه فقال السجان يا اخي واللّه لقد احشمتني (ظ) بكرامتك فعرفني ما حاجتك حتي انظر في قضائها فقال يا اخي قد نذرت للّه تعالي متي فك اللّه تعالي اسري و خلصت مما اتهمت فيه اهديت لك ذلك فقال السجان دع عنك هذا الكلام و اذكر لي ما تريد فوحق اللّه العظيم و رسوله النبي الكريم و حق الحسين صلي اللّه عليهم اجمعين لاقضينها و لو كانت بذهاب نفسي فقال له عمير اعلم يا اخي انه لما حبسني هذا الظالم الفاجر الملعون في الطامورة رأيت المختار و هو في حالة ردية صورته قد تغيرت فشكي الي اللّه تعالي و الي حاله و قد احرق قلبي سوء حاله و سألني ان اوصل اليه بياضا و لو بقدر شبر و قلما و لو بقدر عقد ابهام و مدادا و لو في قشر جوزة يكتب فيها حاجة له و اريد ان تحتال لي في ذلك و توصل اليه ما قلت لك فقال السجان حبا و كرامة فاذا كان من الغد فاشتر خبزا يكون قرصا و اترك بين الاقراص بياضا و اشتر [ص 832] قثاء و يكون في القثاء قلم و استعد جوزا و اترك في جملة الجوز مدادا و تحمل الجميع علي رأسك و تجيء الي و تسلم علي و تقول لي اني نذرت نذرا متي خلصت من الحبس اعمل هذا للمحبوسين و تراني اقوم اليك و اضربك و اشتمك و ارمي الخبز من اعلي رأسك فينبغي ان تتوسل بي و تتضرع الي تقسم علي بما تقدر عليه حتي آخذ الطعام و ادخله الي المختار و اوصل اليه حاجته فعند ذلك فرح المعلم و قبل يدي السجان و خرج من عنده و بات تلك الليلة فلما كان من الغداة احضر المعلم جميع ما ذكره و حمله و جاء الي السجن فنظر السجان اليه و قال ما معك فقال معي نذر للمحبوسين و المسجونين فقام اليه السجان و ضربه و شتمه و رمي الخبز من اعلي رأسه فتوسل به المعلم و قبل يديه كثيرا فبعد الحاح كثير اخذ الطعام من المعلم و اوصله الي المختار ففرح المختار بذلك و حمد اللّه تعالي كثيرا و اخذ الكاغذ و قطعه نصفين و كتب الي اخته كتابة و كتب الي صهره عبداللّه بن عمر بن الخطاب كتابة اخري و سلمها الي السجان و امره ان يسلمها الي المعلم فأخذ السجان المكتوبين و سلمهما الي المعلم ففرح المعلم بذلك فرحا شديدا قال ابومخنف رحمه اللّه تعالي و كان عند السجان صبي قد التقطته زوجته و كفلته الي ان ادرك فقال السجان لامرأته اعلمي ان هذا الغلام قد ادرك و لست آمنه علي بناتي فقالت امرأته هذا بمنزلة ولدنا و مايطيب علي ان تخرجه من عندنا فسمع الصبي كلامهما و قد كان له اطلاع بما صار بين المعلم و السجان من امر المختار فأسر الغلام ذلك في نفسه فلما كان من الغداة سود وجهه و شق جيبه و خرج الي قصر الامارة و نادي النصيحة النصيحة الامير و ان غفل عنها كان فيها زوال ملكه فاحضروه بين يدي عبيداللّه بن [ص 833] زياد لعنه اللّه تعالي و قال له ما نصيحتك ايها الغلام فقال ايها الامير اعلم ان المعلم الذي حبسته في الطامورة حمل الي المختار طعاما و جعل فيه كذا و كذا و قال له كلما جري بينهما فلما سمع ابن زياد الملعون الفاسق الفاجر ذلك من الصبي انقلبت عيناه في ام رأسه كالخنزير لعنه اللّه تعالي و ركب من وقته و ساعته و ذهب الي دار السجن فقام اصحاب السجن هيبة له ثم انه اقبل الي السجان و شجه بالسوط و امر به فسجنوه و ضربوه حتي خضبوا بدمه ثم احضروا المعلم و ضربوه ضربا شديدا فامر بضرب عنقه و عنق السجان فقال السجان ايها الامير اخبرنا ما جنينا حتي نستوجب القتل فقال له يا ويلك أظننت انه يخفي علي ما فعلتا و يحتلتم به ( فعلتم و تحيلتم به ظ ) انت و المعلم تنزل علي المختار قلما في قثاء و مدادا في قشرة جوز و كاغذا في طيات (ظ) الخبز و تريد في ذلك زوال ملكي فقال ايها الامير هذا انا و المعلم حاضر بين يديك ماغاب منا احد و لامضي علي هذا الخبر يوم و لا يومان و مااظن اهل السجن أكلوا من الخبز شيئا فينبغي ان تفتش الطعام ان كان فيه مما ذكرت شيء فدماؤنا علي الامير حلال فامر ابن زياد الملعون غلمانه ينزلوا الي الطامورة و يصعدوا اليه جميع ما فيها من الطعام ففعلوا ذلك و فتشوا فلميجدوا فيه شيئا و اسأل ( و اسبل ظ ) اللّه تعالي عليهم السترة فاستحيي ابن زياد مما فعل و قال علي بالغلام فلما مثل بين يديه قال له يا ويلك كيف عملت هذا الكذب فتلجلج الغلام فعند ذلك قبل السجان الارض بين يدي عبيداللّه بن زياد الملعون و قال ايها الامير هذا من يعمل الاحسان في اولاد الزني هذا الصبي وجدناه مرميا في ظهر الكوفة فأخذناه و ربيناه و احسنا اليه حتي بلغ الحلم فلمآمنه علي بناتي و [ص 834] حريمي فقلت له اخرج من بيتي فأسر في نفسه و اراد هلاكي عندك ايها الامير قال فلما سمع عبيداللّه بن زياد الملعون كلام السجان تعذر عند السجان و المعلم و اخلع عليهما و خفف عن المختار و امر بضرب رقبة الغلام لعنه اللّه تعالي و قال ابومخنف رضي اللّه عنه و اما ما كان من امر المختار فانه لما نزلوا الي الطامورة اخذ قشر الجوزة مع مداده و دفنه في موضع حبسه و دفن القلم في موضع آخر و اما المعلم فانه لما طاب خاطره من امر ابن زياد الملعون قام من وقته و ساعته و دخل الحمام و اخذ شعره و تنظف و مضي الي باب عبيداللّه بن زياد لعنه اللّه تعالي و لبي فقال ابن زياد من هذا الملبي فقيل له المعلم ايها الامير الذي انعمت عليه و اطلقته من السجن و يقول انه نذر للّه تعالي نذرا متي خلص مما اتهم فيه يحج بيت اللّه الحرام و قد عزم علي المسير فقال ادخلوه علي فادخلوه عليه فلما مثل بين يديه قال يا عمير تمضي الي المدينة قاصدا قبل مكة ام مكة قبل المدينة فقال له المعلم ايها الامير قد نذرت الحج تاما فقال ابن زياد الملعون اعطوه الف دينار و الف درهم فاخذها عمير و تصدق بها علي فقراء المؤمنين و خرج قاصدا الي المدينة و لميزل يجد السير اياما و ليالي حتي وصل الي المدينة فدخل دار عبداللّه و كانت زوجة عبداللّه بن عمر اخت المختار و كان ذلك اليوم عند عبداللّه غرايب الطعام مطبوخا و مشويا و يقول لها عبداللّه تقدمي و كلي معي من الطعام و هي تقول لاآكل طعاما حتي اعرف خبر اخي بأنه طيب سالم فبينما هما كذلك و اذا المعلم قد دخل عليهما فلما وصل الي الباب و دقه خرج الخادم اليه فقال له من انت قال رجل من اهل الكوفة فلما سمعت اخت المختار كلامه خفق فؤادها و خرت مغشيا عليها [ص 835] فقام عبداللّه بن عمر و قال دخل الكوفي فدخل عمير علي عبداللّه بن عمر فاذا هو شيخ حسن الشيبة فسلم كل واحد منهما علي صاحبه و قدم اليه المائدة فأكل منها حتي اكتفي و غسل يديه فعند ذلك اخرج المعلم المكتوبين و اعطاهما عبداللّه بن عمر بن الخطاب و قرأ كتابه فلما طلع عليه بكي و خنقته العبرة و دخل علي زوجته و قال أبشري هذا كتاب اخيك اليك و هذا كتاب اخيك الي فلما رأت ذلك بكت بكاءا شديدا و قالت سألتك باللّه العظيم و رسوله النبي الكريم الا ما اذنت لي بالخروج اليه فانظر الي من نظر الي غرة اخي فاذن لها في ذلك فخرجت اليه و جلست عنده و قالت له يا اخي انا اعلم انه حملك ( ماحملك ظ ) علي قضاء حاجته الا محبتك للحسين عليه السلام و انا اسألك بحق الحسين صلي اللّه عليه الاتخفي علي من امره شيئا فحدثها بحديث اخيه من اوله الي آخره حتي ذكر انه مقيد مغلول و قد اسود وجهه و في وجهه ضربة يخرج القيح منها و قد منع ابن زياد الملعون الاطباء عن معالجته قال فلما سمعت ذلك قامت صارخة و دخلت منزلها و جزت شعرها و شعر بناتها و خرجت به و رمته بين يدي عبداللّه بن عمر بن الخطاب فقال لها يا ويلك ما هذا فقالت هذا شعري و شعر بناتي فواللّه لااجتمعت انا و انت تحت سقف واحد و اخي علي تلك الحالة فعذلها زوجها علي ذلك و لامها و قال واللّه لو لحقت رجلا ثقة استأجره ليوصل كتابي الي يزيد بن معوية ماكان اخوك يلبث ساعة في السجن فقال المعلم انا امضي قال فعند ذلك فرح عبداللّه بن عمر فرحا شديدا و سر غاية السرور و كتب الي يزيد بن معوية لعنهما اللّه كتابا يتلطف به و يدعو له و يذكر في الكتاب اشياء تحثه و اكد عليه تأكيدات بتخلية سجن المختار و كتب [ص 836] عنوانه من عبداللّه بن عمر الي يزيد بن معوية ثم دعي بثوب ديباج و لف به شعر رأس زوجته و شعر بناتها و دفعه الي عمير و قال له امض بارك اللّه تعالي فيك و ادفع كتابي الي يزيد فاذا قرأه فأحضر له الثوب و اره ما فيه فقد كتبت اليه شرح ما فعلت زوجتي بنفسها و بناتها تقضي الحاجة ان شاء اللّه تعالي ثم قال يا عمير بن عامر اوصيك بوصية اذا اوصلت الي دمشق فاصبر ثلثة ايام ثم ادخل الحمام و تنظف و تطيب حتي يذهب عنك درن السفر و البس ثوب ديبقي و شد وسطك بمنديل ديبقي و اجعل الثوب الذي فيه الشعر تحت ابطك و اترك علي كتفك ميزرا و ادخل كأنك بعض الغلمان فاذا اتيت الي دار يزيد و وصلت الي الباب الاول تري دهليزا طويلا علي اليمين دكتان و علي الشمال دكتان عليها بسط من الديباج الاحمر و علي كل دكة مائة حاجب و تري علي الباب ثلثمائة ابواب فادخل و لاتسلم عليهم فيحسبوك بعض الغلمان الذين (ظ) يدخلون و يخرجون من كثرتهم فلايعارضك احد فاذا دخلت الباب الثاني ستري دارا عالية و دهليز و علي الجانبين دكتان و علي كل دكة فراش من حرير و ديباج و علي كل دكة مائة غلام و علي رأس كل غلام خادم سقلاني يروحه و السيوف و الدرق معلقة علي الحيطان فادخل عليهم و لاتسلم عليهم ثم انك تأتي الي دار عالية و دهليزها طويل و اطول من الاول و فيه دكتان علي كل دكة منها بساط من الابريسم الاصفر و علي كل دكة زهاء من مأتين غلام جرد مرد متكئين علي وسائد الديباج علي رأس كل خادم خمس خدم صقالية عمر كل واحد من الخدم تسع سنين و هم يروحونهم بمراوح الذهب فجزهم و لاتعبأ بهم ثم تدخل الي الدهليز الرابع و فيه دكتان علي كل دكة بساط من الوشي الاصفر و علي كل دكة زهاء من [ص 837] ثلثمائة غلام سود مرد و علي رأس كل واحد منهم غلام يروحه فجزهم و لاتعبأ بهم ثم تأتي الي دهليز خامس فيه دكتان عليهما فرش الديباج و عليهما قوم يقال لهم الطستية و هم الذين قدموا رأس الحسين صلوات اللّه عليه و لعنهم اللّه تعالي بين يدي يزيد في طست من الذهب و هم زهاء من خمسمائة قائد بايديهم الحرب المسقية و ما لهم شغل غير اللّهو و اللعب فجزهم و لاتعبأ بهم ثم تأتي الي دهليز سابع و فيه قوم قعود علي بسط قد تعبت صناعها و اسهرت فيها عيونهم من غرايب صنايعها و دقته و هومصور فيه ساير ما خلق اللّه تعالي من الطيور و الوحوش فلاتنظر اليهم و لاتلتفت فان التفت اليهم يشكوا فيك فيقولون هذا غريب و هم الذين حملوا رأس الحسين (ع) الي يزيد فجزهم و لاتعبأ بهم ثم تأتي الي دهليز ثامن ستجده خاليا من الخدم و ستري فيه من الصور المختلفة و سقوف قد اجري عليها ماء الذهب الذي قد اتعب صناعها ثم تخرج الي دار عالية علوها اربعين ذراعا فيها بساط علي طول الدار و عرضها في اربعين ذراع و قد تعبت فيه ايدي الصناع و هو وصلة واحد و هو محشو بريش النعام بطن بالحرير و هو من صدر الدار الي باب الحمام حتي لايطأ يزيد علي الارض فقف في جنب الدار ساعة في مقدار ما تطلع الشمس فعند ذلك يخرج غلام حسن الوجه عليه قباء ديباج أحمر و علي رأسه عمامة خز و في رجليه اخفاف من الاديم الاسود و بيده مبخرة من الفضة و فيها عود و ند و عنبر حتي اذا اتي يزيد الي الحمام و خرج يبخره ثم يخرج بعده غلام لبسه مثل سواد الاول و بيده كوز مملو من ماء الورد و مسك و عنبر حتي اذا خرج يزيد من الحمام رش عليه من ذلك الماء ثم يأتي غلام ثالث حسن الوجه كأنه قمر منير عليه قباء [ص 838] من ديباج اسود غير محلول غير مشدود عليه عمامة سوداء و في رجليه مداس من الديباج الاسود فهو اذا رآك يأتيك مقبلا يسألك عن حالك و هو يقتضي ( يقضي ظ ) حاجتك لأنه ممن يوالي الحسين صلوات اللّه عليه و هو من يوم قتل الحسين عليه السلام يلبس السواد و هو الذي اشتري رأس الحسين عليه السلام بمائةالف دينار و رده الي كربلاء و هو صائم بالنهار قايم الليل و يفطر علي خبز الشعير و يعمل الزنانير و يبيع كل يوم زنارا بخمسمائة درهم ينفق علي انفسها بعضها و يتصدق بالباقي علي فقراء الشيعة و لايأكل من مال يزيد شيئا ابدا و لميكن مملوكا له بل يخدمه و يزيد الملعون مشعوف بحبه و لايقدر ان يفارقه و لايغضبه ابدا و كل ماحوت مملكته مطيعون له لما يرون من محبة يزيد له و تري معه منديل ابريسم و منشفة ديبقي فاذا رأيته فاسرع اليه و قبل يديه و اعطه الكتاب و قل له اني شيعة الحسين عليه السلام و بح بسرك اليه فانه يقضي جميع مآربك و يبلغك مرادك لانه استاد الدار و المرجوع اليه و المطاع امره و كل الخدم يخدمون يزيد لعنه اللّه بالنوبة الا هو لان يزيد لايأمن سواه و لايقدر ان يفارقه و ستراه اذا ذكرت له الحسين عليه السلام يبكي بكاء شديدا فسلمه الكتاب و انظر ما يأمرك به فافعل فقال له عمير ● جزاك اللّه خيرا فلما كان من الغد امر عبداللّه بن عمر بن الخطاب لعمير بالف دينار و الف درهم و وطأ له علي مركوب فره سريع السير و ضبط عمير نفسه و ودع عبداللّه و اخت المختار و قرءا له الفاتحة و استوي في ظهر مطيته و سار طالبا دمشق و لميزل يجد في السير حتي وصل الي دمشق و بقي مقيما ثلثة ايام فلما كان في اليوم الرابع دخل الحمام و اخذ شعره و تنظف حتي زال عنه ريح السفر ثم انه لبس ثوب ديبقي مرتفعا عن الارض و لبس من تحته ثوب رومي و شد وسطه بمنديل ديبقي و تعمم بعمامة خز و جعل علي كتفيه منديل ديبقي و جعل الميزر الذي فيه الشعر تحت ابطه و سار طالبا دار يزيد الملعون الفاجر الفاسق لعنه اللّه تعالي في الدارين و اذا هو بالبوابين علي الباب الاول كما ذكر له عبداللّه بن عمر الخطاب و دكتان مفروشتان بالديباج و هم زهاء من ثلثمائة بواب فجازهم و لميعبأ بهم و دخل الباب الثاني و الثالث و الرابع و هم كما وصف له عبداللّه بن عمر ثم اخترق الدهليز الخامس و اذا فيه قوم جلوس يقال لهم الطشتية و هم الذين قدموا رأس الحسين عليه السلام بطشت من الذهب بين يدي يزيد لعنه اللّه تعالي قال عمير فلعنتهم بقلبي و دخلت الدهليز السادس فاذا هو مفروش بالزقلاط و فيه خمسمائة غلام و هم خواص المشورة فجزتهم و لماعبأ بهم و ما احد انكرني من كثرتهم ثم اخترقت الدهليز السابع و اذا فيه بساط قد اتعب صناعه و اسهرت احداقهم من غرايب صنعته و دقة حكمته فيه كلما خلق اللّه من صور الوحوش و الطيور فجعلت افتكر فيه ساعة زمانية ثم اني ذكرت ما اوصاني به عبداللّه بن عمر الخطاب و سمعت قائلا يقول ما اكثر الدخول هذا اليوم الي هذا المكان فقال بعضهم يا ويلك دار فيهم عشرة آلاف حاجب و [ص 840] قائد و خادم و لكل واحدهم خدام بحسب حاله كيف تستكثر الدخول قال فجزتهم و لماعبأ بهم حتي انتهيت الي صحن الدار و اذا طولها اربعون ذراعا و عرضها كذلك و ارتفاعها كذلك و فيها بساط واحد قد تعبت ايدي الصناع مما عملت فيه من التماثيل و الصور و هو من باب مقصورة يزيد لعنه اللّه تعالي الي باب الحمام الي باب الدهليز و ذلك البساط محشو بريش النعام و ريش العصفور الهندي بالحرير الاصفر حتي لايطأ يزيد الملعون علي الارض قال عمير فلمار مثل ذلك البساط ابدا فبقيت متفكرا في عمله و في جبروت يزيد الملعون فبينما انا كذلك و اذا بغلامين و معهما المبخرة و هما ماضيان الي الحمام و كان لعنه اللّه تعالي لايدخل الحمام الا مصبحا فماكان هنيئة الا و اقبل غلام مارأيت احسن منه وجها و عليه قباء ديباج اسود محلول غير مشدود و علي رأسه عمامة سوداء و علي كتفه منشفة ديبقي و بيده منديل ابريسم فلما رآني اقبل الي مسرعا و قال لي لا اله الا اللّه محمد رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و سلم اين كنت اين كنت يا عمير منذ سبعةعشر يوما و ما الذي أخرك فقد واللّه اقلقت ليلي و نهاري بانتظارك و توقعي بمحبتك فقلت له يا سيدي من اين لك علم بأن اسمي عمير من الذي اخبرك انني دخلت دمشق منذ سبعةعشر يوما و مارأيتك و مارأيتني قبل هذا اليوم فقال لي يا عمير اني رأيت مولاي الحسين في منامي سبعةعشر يوما و حدثني بحديثك و اوصاني بقضاء حوائجك فقلت يا مولاي فاين هو حتي امضي اليه فقال مايحتاج فهو يأتيك فاقض حاجته و اعلم ( اعلمه خل ) ان جدي رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله يجزيك غدا و هو شفيعك و شفيعه غدا و اني سايقه الي الجنة و تكونان في جنة النعيم و انه يحشر بين يدي مع شيعتي حتي اوقفهم بين يدي [ص 841] الحق فاقول هؤلاء الذين نصروني و جاهدوا بين يدي ثم ان الغلام بكي و بكيت فبينما نحن كذلك و اذ قد اقبل الخدم بعضهم صغار و بعضهم كبار و هم زهاء من ستمائة غلام بالاقبية الديباجية و مناطق الذهب و بايديهم دبابيس الجوهر و اذا بيزيد الملعون الفاسق الفاجر اقبل و عليه ثوب ديبقي محلول الازرار و علي رأسه رداء مطوي اربع طاقات معلم بالذهب و في رجليه نعلان من ذهب شراكهما من اللؤلؤ الرطب و الفضة البيضاء مبطنتان بالحرير و هو يتوكأ علي قضيب من الذهب ( خيزران خل ) مكتوب عليه لا اله الا اللّه محمدا رسول اللّه امير المؤمنين يزيد و قد سود اللّه وجهه في الدنيا قبل الآخرة لعنه اللّه تعالي في الدارين قال عمير فلما رأيته و ذكرت مولاي الحسين عليه السلام جرت دموعي ثم ان الغلام اخذ الكتاب مني و الميزر الذي فيه الشعر و استقبله من قبل دخوله الحمام و قال له يا خليفة الوقت و الزمان أليس لي في عنقك يمين حلفته بحق والدك ان تقضي لي في كل يوم حاجة و هل سأتك منذ قتل الحسين عليه السلام حاجة قال لا ثم قال له يزيد لعنه اللّه فهل لك حاجة قال نعم قال ما حاجتك قال حاجتي اليك ان تقرأ هذا الكتاب و ترد الجواب في هذه الساعة ثم دفع اليه الكتاب فأخذه و فضه و عرف معناه و قال اين الذي اوصل اليك هذا الكتاب فقال هو هذا يا خليفة الزمان فقال علي به قال عمير فلما وقفت بين يديه نظرت اليه و اذا به ذميم الوجه قبيح المنظر افطس الانف اسود بشدقه ضربة كزند البعير غليظ الشفتين ما فيها صفة من صفات الملوك بل صفاته صفات العبيد لعنه اللّه تعالي فقال هذا الكتاب من عبداللّه بن عمر بن الخطاب يسألني في امر المختار بن ابيعبيدة الثقفي يسألني ان اكتب الي حاجبي عبيداللّه بن زياد بالافراج عنه قال عمير فقلت نعم [ص 842] قال فقال لي لا شك انك من شيعة الحسين فقلت انا رجل استأجرني عبداللّه بن عمر بن الخطاب لاحمل هذا الكتاب اليك و هذا المئزر قال و نشرت الثوب و أريته الشعر فلما نظر اليه اصفر لونه و تغير كونه و هز رأسه فقال له الغلام رحمه اللّه تعالي ايها الخليفة ما عليك منه ان كان من شيعة الحسين ام من غيرهم فانت اجبه علي حاجته قال ثم استدعي في الوقت و الحال بدواة و بياض و كتب كتابا الي عبيداللّه بن زياد لعنه اللّه تعالي يأمره بالافراج عن المختار و ان يحمله الي صهره عبداللّه بن عمر بن الخطاب مكرما و يأمره بالاحسان اليه و ان يكرم الرسول و لايسيء اليه ثم التفت الي الغلام و قال قد قضيت حاجتك واللّه لقد وددت ان تسألني عن مائة ( مأتي خل ) الف دينار من مالي و لاتسألني بالافراج عن المختار و لكن جمعنا في قضاء هذه الحاجة امرين احدهما قضينا حق عبداللّه بن عمر و الآخر انعمنا عليك و قضينا حقك قال عمير بن عامر فامر لي ان يعطيني مركوبا و خمسمائة درهم و خلعة فماكان ساعة الا و قد احضر ما امر به و رأيت له هيبة عظيمة قال عمير بن عامر الهمداني ثم خرجت من دار يزيد لعنه اللّه في غاية الفرح و السرور و من الحين ركبت الناقة التي اعطاني اياها يزيد و خرجت من دمشق طالبا لكوفة فماكان مدة قليلة الا و قد اشرفت علي الكوفة فدخلت الكوفة و قد قصدت دار الامارة الي عبيداللّه بن زياد لعنه اللّه قال عمير فضيقت لثامي استأذن الحاجب لي عليه الدخول قال من يكون له وافد من قبل يزيد قال عمير فضيقت اللثام بحيث لايري مني غير الحدقة حتي لايعرفني اهل الكوفة فلما دخلت عليه سفرت عن لثامي فنظر عبيداللّه بن زياد الملعون الي فعرفني فضحك عن الغضب و قال يا ويلك فعلها يا عمير فقال عمير نعم فعلتها [ص 843] و افعلها يا ايها الامير قال ثم سلمت الكتاب الي ابن زياد و كان من عادته انه اذا ورد عليه كتاب من يزيد لايقرأه الا و هو قائم فقبل الكتاب و وضعه علي رأسه و فضه و قرأه فلما قرأه و فهم معناه قال سمعا و طاعة للخليفة ثم قال احضروا المختار في هذه الساعة مكرما فماكان ساعة الا و قد احضر بين يديه فلما دخل المختار و رآه ابن زياد الملعون قام له اجلالا ثم امر ان يحضر له طبيبا يداوي الضربة التي كانت في وجهه و ان يدخل الحمام و يأخذ شعره و امر ان يخلعوا عليه خلعة سنية و امر له بناقة جيدة لاجل المسير الي المدينة و ناقة للزاد و ناقة للماء و امر له بعشرة آلاف دينار و جهز جهازا حسنا و قال له سر الي المدينة راشدا مهديا قال و اعتذر اليه ابن زياد الملعون كثيرا و تلطف به و كتب معه كتابا الي عبداللّه بن عمر قال عمير فخرجت انا و المختار من دار عبيداللّه بن زياد الملعون الفاجر و دخلت معه الي بيتي بالكوفة و احضرت له غرايب الطعام و قلت له كل يا سيدي فقد خلصت و للّه الحمد و المنة من فاقة عظيمة فقال لي المختار واللّه يا عمير لايخالط لحمي لحما حتي اقتل من بنيأمية لعنهم اللّه تعالي ما اوطئ به تحتي و اجلس علي رؤسهم ثم ابسط بساطا علي القتلي و اجلس انا و اصحابي ثم اقدم مائدة الطعام و آكل انا و اصحابي قال ثم قدمت اليه النوق فركب و ركبت معه ثم قال لي شكر اللّه تعالي سعيك و استودعتك اللّه يا شيخ قال قلت له واللّه ماافارقك ابدا فقال لي حبا و كرامة ثم اركبني معه في الهودج قال فامطر الجمال الجمال و اخذ بذمام الاولي و سرنا حتي قدمنا الي المدينة الطيبة و كان في ذلك اليوم الذي قدمنا فيه طبخ لعبداللّه بن عمر هريسة [ص 844] و قد غرف في الاصحن و هو يقول لزوجته تقدمي و كلي معي و كان يحبها محبة عظيمة و هي يقول اليك عني يا ابن عمر فواللّه لايخالط لحمي لحما حتي اعرف خبر اخي المختار و انظره بين يديه قال و بينما هما كذلك اذ طرقنا الباب فقام عبداللّه بن عمر و فتح الباب و اذا هو بالمختار فاعتنقه و بكي و سلم كل واحد علي صاحبه فدخلا الدار فقامت اخت المختار و اعتنقته و سقطا جميعا علي الارض مغشيا عليهما (ظ) فلما افاق المختار بقيت اخته مغشيا عليها فحركوها فاذا هي قد قضت نحبها فأخذ في تجهيزها و غسلوها و كفنوها و صلوا عليها و دفنوها و لزم عبداللّه بن عمر عليها الحزن اياما و ليالي و كذلك المختار حزن عليها حزنا شديدا ثم اقام المختار بعد موتها اياما في المدينة الطيبة .
قال ابومخنف رضي اللّه عنه و اما ما كان من امر يزيد بن معوية لعنهما اللّه تعالي فانه ركب في بعض الايام في خاصته عشرة آلاف فارس يريد الصيد و القنص فسار حتي بعد عن دمشق مسير يومين فلاحت له ظبية فقال لاصحابه لايتبعني منكم احد ثم انه اطلق جواده في طلبها و جعل يطردها من واد الي واد حتي انتهت به الي واد مهول مخوف فاسرع في طلبها ● فلميجدها فخرج اليه ملك من الملائكة الموكلين في جهنم و بيده سوط من النار فضربه علي وجهه فاهلكه لعنه اللّه تعالي و عذبه اللّه عذابا شديدا فلما ابطأ علي اصحابه اقتحموا الطريق الذي سلكه فلميجدوه و قيل انهم سلكوا مسلكه و مضوا الي جهنم و بئس المصير لعنه اللّه و لعنهم جميعا قال ابومخنف رحمه اللّه تعالي و بقي العسكر متحيرين و لميعرفوا له خبرا فرجعوا الي دمشق فبعد اليأس منه اقاموا له العزاء و وقعت الفتنة العظيمة و اختلف الناس بعده فبعضهم من فرح بقتل الملعون و بعضهم من حزن له لعنهم اللّه تعالي فمنهم قوم رضوا بقتل الحسين فجعلوا بما يعوق ( فجعلوا يمانعون ظ ) عن اولاد يزيد بن معوية و حرمه و ماله و بعض الناس ارادوا ان يهجموا علي دار الملعون و يقتلوا اصحابه و يقتلوا اولاده و هتك حريمه و في ذلك الوقت كانت ولاية المصرين البصرة و الكوفة بيد عبيداللّه بن زياد الملعون الفاجر و كان يزيد الملعون اوصاه ان يقيم بالبصرة ستة اشهر و بالكوفة ستة اشهر فلما هلك يزيد لعنه اللّه تعالي كان ابن زياد الملعون بالبصرة و كان في حبسه اربعة آلاف و خمسمائة رجل من التوابين من اصحاب ( شيعة خل ) اميرالمؤمنين صلوات اللّه عليه و ابطاله و جاهدوا معه و كانوا في حبس ابن زياد ( من ايام معوية خ ) و لميكن لهم سبيل الي نصر الحسين صلوات اللّه عليه لانهم كانوا مقيدين مغلولين بالحبس وكانوا يوم يطعمون و يوم لايطعمون و هم بالكوفة فما جاء البريد الي الكوفة بخبر هلاك يزيد الملعون بن معوية كان ابن زياد الملعون في ذلك الوقت بالبصرة فلما شاع هلاك يزيد لعنه اللّه تعالي بالكوفة وثبوا علي دار ابن زياد الملعون و نهبوا امواله و خيله و قتلوا غلمانه و كسروا حبسه و اخرجوا منه الاربعة آلاف و خمسمائة رجل من اصحاب اميرالمؤمنين علي بن ابيطالب صلوات اللّه عليه و [ص 846] آله منهم سليمان بن صرد الخزاعي و ابراهيم بن مالك الاشتر و ابن صفوان و يحيي بن عوف و صعصعة العبدي و فيهم ابطال و شجعان فلما خرجوا من حبس ابن زياد الملعون نهبوا خزاينه و امواله و خربوا داره ثم ان البريد خرج الي ابن زياد لعنه اللّه تعالي يخبره بهلاك يزيد بن معوية فلما سمع ابن زياد الملعون بذلك قام من وقته و ساعته فرقي المنبر و الناس لايعلمون بهلاك يزيد و جمعهم من كل جانب و مكان فلما اجتمعوا قام قائما علي المنبر و نادي باعلي صوته يا اهل البصرة و يا جماعة العرب ( انني قد عزمت علي الرحيل الي الشام لاجل حوائج عرضت لامير المؤمنين ليعلم شاهدكم غائبكم خل ) اعلموا ان اللّه اختار ما هو اهله و قد قبض يزيد بن معوية و ليعلم شاهدكم غائبكم و انني مخلف عليكم خليفتي النافذ حكمه فاتبعوه و قد عزمت علي الرحيل الي الشام و الدخول الي دمشق و كتبي متواترة اليكم و ها انا صاير فقال الناس سمعا و طاعة ثم عرفهم الخليفة عليهم و قضي حوائجهم و اعطاهم العطايا و الخلع ثم عزم علي المسير و معه الرجال و الابطال لانه قد بلغه فعل اهل الكوفة و انهم قد اخرجوا المحبوسين الذين هم اصحاب اميرالمؤمنين علي بن ابيطالب صلوات اللّه عليه و آله و نزلوا علي الطريق و يتربصون علي ابن زياد الملعون ليأخذوه و يقتلوه ثم ان ابن زياد الملعون توجه الي الشام فبلغ الخبر الي اهل الكوفة فخرجوا في طلب ابن زياد الملعون قال ابومخنف (ره) فلما صار ابن زياد الملعون في بعض الطريق اقبل اليه عمر بن الجارود و قال له يا عبيداللّه اصدقنا علي وجه خرجت من البصرة قال له اعلم انه قد بلغني ان الخليفة قد هلك و قد اتصل الخبر الي الكوفة و قد نهبوا داري و اخرجوا المحبوسين و انا متخوف منهم ان يكون قد علموا برحيلي من البصرة [ص 847] فيكمنون لي في الطريق فينتقمون مني لانهم من اصحاب علي بن ابيطالب و كانوا في حبسي فقال له عمر بن الجارود ان كان الامر كما تقول فما لك منهم مخلص الا بما اشير به عليك فقال ابن زياد ما الذي تشير به علي قال له اشدك تحت بطن الناقة و اشد عليك قراب منضوخة خالية من الماء و ارخي عليك الجلال و اجعل الناقة التي انت تحت بطنها وسط النوق فان خالفتني هلكت لامحالة لانهم يلحقوننا و يفتشوننا فواللّه ان اروك لايخلوك ساعة واحدة قال ابن زياد الملعون افعل ما بدا لك ثم ان عمر بن الجارود لعنه اللّه تعالي شد ابن زياد الملعون تحت بطن ناقة قوية فلما فرغوا من حيلتهم فاذا قد خرج عليهم سليمان بن صرد الخزاعي رحمه اللّه تعالي في اربعة آلاف و خمسمائة فارس فاحدقوا بعمر بن الجارود و اصحابه و نادوا يا آل ثارات الحسين فقال لهم عمر بن الجارود مهلا عفاكم اللّه ممن تطلبون ثارات الحسين فقال سليمان بن صرد الخزاعي و من معه قد بلغنا ان ابن زياد معكم تحملونه الي الشام فقالوا يا قوم اتقوا اللّه فما نحن بالظلماء و لا بليل و نحن في برية قفراء فتشونا كلنا ففتشهم اصحاب سليمان فلميروا معهم شيئا و لميعلموا بالحيلة فرجعوا عنهم و خلوا سبيلهم فقال سليمان رحمه اللّه تعالي الي (ظ) اين نرجع فان الذي حدثني بان ابن زياد خرج من البصرة قاصدا الي الشام صادق غير كاذب فنحن نكمن له في الطريق فاذا لقيناه انتقمنا منه لآل رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و سلم و نأخذ معه ما من مال بنيأمية لعنهم اللّه جميعا و لانلقي احدا ممن اسرج و الجم و شايع و بايع علي قتل الحسين صلوات اللّه و سلامه عليه الا قتلناه فقال له اصحابه نحن بين يديك في تحت امرك ما فينا من يعصيك قال ثم ان الجارود لعنه اللّه تعالي اخذ بابن زياد لعنه اللّه [ص 848] تعالي في البر الاقفر فلما بعدوا عن اصحاب سليمان بن صرد الخزاعي و أمنوا تقدم الي ابن زياد رحله من تحت بطن الناقة و اركبه هودجه فوهب له في الحال عشرة آلاف دينار من المال الذي حمله و سار حتي دخل دمشق بعد عشرين يوما فوجد اهل دمشق و ساير الناس اجتمعوا علي انهم يبايعون عبداللّه بن عمر الخطاب فدخل عبيداللّه بن زياد علي مروان بن الحكم لعنه اللّه تعالي و قال له لاتبايع عبداللّه بن عمر بن الخطاب و فيك عرق يضرب فقال له مروان بن الحكم لعنه اللّه تعالي اي شيء الرأي اين عندك ايها الامير قال تنادي قومك و تجمعهم و تفتح خزينة ابن عمك يزيد و تعطيه العسكر و آخذ لك البيعةعلي جميع الناس و تكون انت الخليفة مقام ابن عمك و قد جئتك انا بخمسين ناقة محملة ذهب و فضة و ثياب فاخرجه و اعط الجيش المال و اخلع علي كبارهم و ادعهم الي بيعتك فاذا بايعك اهل الشام اخرج و اجهز الجيش و اقصد اهل العراق و اكفيك امر العراقين الكوفة و البصرة و اخطب لك فيهما و اكاتب خراسان و اصفهان و الحرمين و اكاتب ساير الامصار انك انت الخليفة و ان الناس قد اجتمعوا علي بيعتك و خلافتك و ان خطبت لك في الشامين ( الشام خل ) خطبت لك في العراقين و الحرمين الشريفين و خطبت لك في ساير الامصار و خطبت لك في المشرق و المغرب فقال مروان بن الحكم لعنه اللّه تعالي افعل ما شئت لنا و انت في هذا الامر اولي فعند ذلك فرش ابن زياد الملعون الانطاع (ظ) و طرح عليه الاموال و احضر قواد يزيد لعنه اللّه و خاصة عسكره و اعطي كل واحد منهم اضعاف ما كان يؤتيهم يزيد لعنه اللّه تعالي و حلفهم بالمصاحف و الطلاق بانهم لاينقضون بيعة مروان بن الحكم لعنه اللّه تعالي ففعلوا ذلك ثم ان مروان بن الحكم لعنه اللّه تعالي [ص 849] انتقل من داره الي دار يزيد الملعون فعند ذلك جهز لابن زياد مروان الحكم ثلثمائةالف فارس من اهل الشام و من اهل العراق و كتب الي خراسان و اصفهان و الي ساير الامصار و البلدان ان الخليفة مروان بن الحكم عقد لابن زياد راية علي ثلثمائةالف فارس و انفذه الي العراق من دمشق لقتال من يضاده في الخلاف ثم سار بالعكسر من الشام يريد العراق فلما خرجوا من الشام مسيرة يومين نزلوا علي قرية هناك و كان ابن زياد الملعون قبل نزوله علي القرية قد وجه غلاما من غلمانه ليقيم الزاد و العلوفة و النزول للعسكر فلما نزل بذلك الموضع عقد لبعض حجابه راية و ضم اليه مائةالف فارس و امره ان يكون متقدما علي العسكر و قال له قد بلغنا أن في طريقنا اربعة آلاف و خمسمائة من التوابين الذين تابوا علي يد علي بن ابيطالب و لابد ان يتلقوك و يطلبون ثار الحسين فان لقيتهم لاتبق منهم احدا و ها انا في اثرك فارتحل القايد بمن معه في مقدمة ابن زياد الملعون و كان سليمان بن صرد الخزاعي هو و اصحابه نزولا علي تكريت ينتظرون قدوم ابن زياد الملعون و كان كل من يرونه من بنيأمية لعنهم اللّه تعالي و من انساب يزيد و انساب ابن زياد الملعون وكل من شايع و بايع علي قتل الحسين عليه السلام يقتلونه فبينما هم كذلك و اذا قد طلعت عليهم رايات العسكر مع القايد الذي قدمه ابن زياد الملعون و هم مائة الف فارس فلما نظر اليهم سليمان و اصحابه هللوا و كبروا ثم اقبل سليمان علي اصحابه و قال يا اخواني هذا عسكر ابن زياد لعنه اللّه تعالي قد اقبل و معهم رايات مكتوب عليها مروان بن الحكم و ابن زياد الملعون مضي الي دمشق و عقد البيعة لمروان بن الحكم و عضده و نصره و عقد الرايات علي حربكم فاحملوا بارك اللّه تعالي فيكم علي اعداء اللّه و اعداء رسول [ص 850] اللّه صلي اللّه عليه و آله فلما سمعوا ذلك استووا علي ظهور خيولهم و قوموا الاسنة و اطلقوا الاعنة و نادوا يا آل ثارات الحسين و حملوا حملة رجل واحد فلما رأوهم اصحاب ابن زياد حملوا ايضا عليهم حملة رجل واحد و اقتتلوا قتالا شديدا و صبر سليمان و اصحابه علي الشدايد حتي اظلم الليل و حال بين الفريقين و اصحاب ابن زياد لعنه اللّه تعالي ينادون بالبيعة لمروان بن الحكم و اصحاب سليمان ينادون يا آل ثارات الحسين و قال ابومخنف رضي اللّه تعالي عنه فافترق عن بعضهم بعض و قد قتل من اصحاب ابن زياد الملعون اثنيعشرالف فارس و قتل من اصحاب سليمان مائة ( الف خل ) فارس رحمهم اللّه تعالي قال و باتوا تلك الليلة و قد كلت سواعدهم من الطعن و الضرب و خيولهم من التعب و كثرة الجراح فلما اقبل الصباح اذن مؤذن سليمان و صلي باصحابه و بعد الفراغ من الصلوة استووا علي ظهور خيولهم و نادوا يا آل ثارات الحسين و حملوا علي القوم و لميزالوا في كر و فر و ضرب و طعن حتي جنهم الليل و افترق عن بعضهم بعضا و قد قتل من اصحاب ابن زياد الملعون اربعونالف فارس و قدنزل اصحاب سليمان رحمهم اللّه تعالي في موضع قوم ابن زياد الملعون و ملكوا رحالهم و اموالهم و انهزم اصحاب ابن زياد الملعون فلحقهم ابن زياد بعسكره علي مسيرة يومين منهزمين فلما رآهم منهزمين عظم عليه ذلك و قال لهم يا غلف القلوب و يا خلقان الرجال انتم مائةالف فارس تنهزمون عن اربعةآلاف و خمسمائة فارس و يقتلون منكم اربعينالف فارس فسيروا الآن بين يدي فرجعوا معه طالبين سليمان رحمه اللّه تعالي و قد صار عسكر ابن زياد الملعون مائتيالف فارس و ستينالف فارس و ساروا و سار ابن زياد الملعون مع قومه في اليوم الثالث و قد بقي سليمان في ثلثة آلاف فارس حتي اشرفوا علي اصحاب سليمان فلما [ص 851] رآهم سليمان رحمه اللّه تعالي اقبل يحرص اصحابه و يقول جاهدوا بارك اللّه فيكم في سبيل اللّه تعالي فلما رآهم ابن زياد لعنه اللّه تعالي حمل عليهم هو و اصحابه حملة رجل واحد و اقتتلوا قتالا شديدا و لميزالوا كذلك حتي اظلم عليهم الليل و حال بين الفريقين و افترق القوم من المعركة و قد بقي من اصحاب سليمان الف فارس و قالوا ايها الامير انت تعلم اننا كنا اربعة آلاف و خمسمائة فارس و بقينا بالف فارس و هذا ابن زياد الملعون في مأتين و اربعينالف فارس ان اصبحنا و نتلقاهم لميبق منا احد و الصواب انا نعبر الفرات و نقطع الجسر و نسير الي الكوفة و ننادي يا آل ثارات الحسين و لانلاقي عدو اللّه و رسوله فقال لهم سليمان من اراد منكم يصبر علي الموت و يكره الحيوة و الا ينصرف حيث شاء فان غرضي القي مولاي الحسين صلوات اللّه عليه و هو عني راض قال فعند ذلك قال اصحابه كلهم ما لنا في الدنيا من حاجة و لانطلب الا رضا اللّه تعالي و رسوله و اهل بيته صلوات اللّه عليهم اجمعين و ها نحن بين يديك ثم انهم باتوا تلك الليلة و قد رغبت نفوسهم في القتل فلما اصبحوا استووا علي ظهور خيولهم و لايزالون مقبلين غير مدبرين علي هذا الامر سبعة ايام فلما كان في اليوم الثامن اصبح سليمان رحمه اللّه تعالي و قد بقي من اصحابه سبعة و عشرون رجلا و قد اثخنوا بالجراح و عجزوا عن القتال و في جسد كل واحد منهم مائة طعنة و مائة ضربة و اسهام نافذة و قد احصي سليمان ما وصل الي جسده مائة و عشرين طعنة و ضربة غير السهام فعند ذلك عبروا الفرات و قطعوا الجسر و نزلوا عن خيولهم و هم لايطيقون الكلام و لايستطيعون النهوض من التعب و كثرة الجراح و ثقل الحديد و خيولهم قريب الهلاك من الجوع و كثرة العطش و كثرة [ص 852] الطرد فانضجعوا علي ظهورهم و هم يتلون القرآن و يكبرون اللّه تعالي و يصلون علي محمد صلي اللّه عليه و آله و سلم قال فعند ذلك قالوا ايها الامير انت تعلم ما كنا و ما صرنا اليه من العدة اليسيرة و الضعف بعد القوة فهل لك ان ترجع بنا و نجمع العساكر و نكثر من السلاح و نرجع اليهم فقال لهم يا قوم لااستطيع ان اترك عدو اللّه و رسوله خلفي و اولي عنهم بل اقاتلهم حتي القي اللّه عز و جل و رسوله صلي اللّه عليه و آله و سلم و هم راضين عني قال فلما سمعوا منه ذلك سكتوا عنه و لميجيبوه قالوا ثم ناموا و نام سليمان رحمهم اللّه تعالي قال بينما هو نائم فاذا بفاطمة الزهراء صلوات اللّه عليها و خديجة الكبري و قد اعطيتاه اناء فيه ماء و قالتا له افض هذا الماء علي وجهك و جسدك و عجل الينا بالقدوم قال سليمان رحمه اللّه تعالي ثم انتبهت من نومي و اذا بقدح تحت رأسي مملو من الماء فافضته علي جسدي و اذا قد التحمت جراحي ثم اشتغلت بلبس ثيابي فلماجد القدح فقلت اللّه اكبر قال فبهت اصحابي و قالوا ما الخبر ايها الامير فقصصت عليهم الرؤيا و في رواية اخري لما رقد سليمان و اصحابه في ثلث الليل الآخر رأي سليمان كأنه في روضة خضراء و فيها انهار و اشجار و اطيار و كأنه قد اوتي به الي قصر من الذهب و الفضة و عليه ستور من نور فتقدم سليمان الي الستر و رفعه و دخل الي القصر و اذا بامرأة قد خرجت من القصر و هي مخمرة بخمار من سندس و عليها حلل من استبرق قال فلما رآها كاد ان ينصرع فضحكت في وجهه و قالت شكر اللّه تعالي لك سعيك يا سليمان و لاخوانك فانكم معنا يوم القيمة و كل من قتل في محبتنا او دمعت عيناه رحمة لنا فانه يوم القيمة معنا [ص 853] قال سليمان فعند ذلك قلت لها يا مولاتي من انت فقالت انا خديجة الكبري و هذه ابنتي فاطمة الزهراء و هذان ولداها الحسن و الحسين صلوات اللّه عليهم اجمعين معها و هم يقولون لك ابشر فانت عندنا غدا عند الزوال ثم ناولتني اناء فيه ماء فانتبه سليمان فرأي عند رأسه اناء فيه ماء فأفاضه علي جسده و ترك القدح الي جانبه و اشتغل بلبس ثيابه فغاب عنه القدح فتعجب من ذلك و قال اللّه اكبر لا اله الا اللّه محمد رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و سلم علي ولي اللّه صلوات اللّه عليه و علي ابنائه فانتبه اصحابه لتكبير ( لتكبيره ظ ) و قالوا ما الخبر ايها الامير فقال لهم هذه خديجة الكبري تخبرني اني و انتم غدا عندها و نجتمع مع رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و ناولتني قدح ( قدحا ظ ) فيه ماء و امرتني ان افيضه علي جسدي فافضته و غاب القدح عني و ها انا لماحس بالم الجراح و لميزل سليمان راكعا و ساجدا الي ان طلع الفجر ثم صلي باصحابه و امرهم ان يعبروا الفرات فشدوا علي خيولهم و حملوا علي ابن زياد الملعون و قاتلوا الي ان قرب الزوال فدارت عليهم القوم من كل جانب فقتلوهم عن آخرهم رضوان اللّه تعالي عليهم و رحمهم اللّه ثم امر ابن زيادالملعون ان يقطعوا رؤسهم و يحملوها الي دمشق الي مروان بن الحكم لعنه اللّه تعالي و يخبره كيف جري له معهم و لبث ابن زياد الملعون يرتقب الجواب قال ابومخنف رضي اللّه عنه و كان المختار قد ارتحل من المدينة الي الكوفة و نزل في دار ابراهيم بن مالك الاشتر و معه خاتم من طين و هو يزعم انه خاتم محمد بن الحنفية و قال له يرحمك اللّه هذا خاتم الامام محمد بن الحنفية قد انفذني اليك و هو يأمرك ان تجمع له اهل الكوفة و تأخذ له البيعة عليهم و [ص 854] قد ولاني الامر و قد كان محمد بن الحنفية موكوعا لانه قد اهدي الي اخيه الحسين سلام اللّه عليه درع من نسج داود علي نبينا و آله و عليه السلام فلبسه ففضل عنه ذراع و اربعة اصابع فجمع محمد بن الحنفية ما فضل منه و فركه بيده فقطعه فأصابته نظرة فصار انامله تجري دماً و مدة و لهذا لميخرج مع الحسين صلوات اللّه عليه يوم كربلا لأنه ماكان يقدر ان يقبض قائم سيف و لا كعب رمح قال فلما سمع ابراهيم كلام المختار قال له يا اخي اني لك سامع مطيع و لكن غدا اجمع اهل الكوفة و ابلغهم ما تقول و اسمع ما يقولون من الجواب فلما كان الغد جمع ابراهيم رضي اللّه عنه اهل الكوفة و قال لهم ايها الناس هذا المختار قد ورد من المدينة و معه خاتم من طين و يذكر انه خاتم محمد بن الحنفية و هو يأمركم بالبيعة له فما تقولون قال فلما سمعوا هذا الكلام قالوا يا ابااسحق لانبايع بخاتم من طين بل نرسل من مشايخنا خمسين شيخا الي محمد بن الحنفية فان كان هذا صحيحا فالسمع و الطاعة نبايعه و لمنزل بين يديه حتي نقتل عن آخرنا و ان كان غير ذلك فلسنا نبايع بخاتم من طين فقالوا فعلوا ذلك قال فجمعوا من خيارهم خمسين شيخا و وجهوهم الي المدينة فلما وصلوا استأذنوا بالدخول علي محمد بن الحنفية فأذن لهم فدخلوا عليه قال فسلموا عليه فرد عليهم السلام ثم قالوا يا مولانا يا ابن اميرالمؤمنين صلوات اللّه عليه قد قدم علينا المختار و معه خاتم من طين و هو يزعم انه خاتمك و يدعونا الي البيعة ليأخذ بثار الحسين عليه السلام فقال لهم يا قوم واللّه ماانفذت اليكم بخاتم طين و لا غيره و لكن يجب حبنا و ولايتنا عليكم و لو اتاكم رجل ذميا او زنجيا و هو يطلب بثار الحسين عليه السلام و الذب عن حريمه وجب عليكم ان تنصروه و [ص 855] تجاهدوا بين يديه و لكن الآن هذا خاتمي اليه و اليكم و قد وليته عليكم و ان تكونوا له تابعين و تنصروه فقالوا باجمعهم السمع و الطاعة واللّه لك يا ابن اميرالمؤمنين ثم انهم اخذوا الخاتم و توجهوا من وقتهم طالبين الكوفة فلما وصلوا القادسية سمع المختار رحمه اللّه تعالي برجوعهم من المدينة فدعي بعبد له يقال له سطيح و قال له انطلق الي القادسية و استعلم بخبر اهل المدينة فان كانوا جاؤا بولايتي فأنت حر لوجه اللّه تعالي و ان كان غير ذلك فلاترجع الي فانت ميشوم علي نفسك فتوجه العبد الي القادسية فوجدهم قد جمعوا اهل القادسية يأخذون منهم البيعة للمختار رضي اللّه تعالي عنه فرجع العبد الي المختار فاخبره بذلك ففرح المختار بذلك فرحا شديدا فاعتق العبد ثم وردت المشايخ الي المختار و سلموه الخاتم و نادي مناديهم اهل الكوفة بالطاعة له فاطاعوه جميعهم قال ابومخنف رضي اللّه عنه ثم ان المختار عقد لابراهيم بن مالك الاشتر راية و ضم اليه اربعة و عشرينالف فارس و امرهم بالمسير الي اعمال الشام و ملاقات عدو اللّه و عدو رسوله عبيداللّه بن زياد الملعون الفاسق الفاجر لعنه اللّه فارتحل ابراهيم رحمه اللّه ابن مالك الاشتر من الكوفة و جد في السير حتي نزل بالانبار فعبر الجيش عليها فخرج اهل الانبار و قالوا ما هذا الجيش قالوا اصحاب الحسين (ع) قال فاخرجوا اليهم الزاد و العلوفة فابي اصحاب ابراهيم ان يأخذوا منه شيئا الا بالثمن الوافر و رحل منها و نزل النخل الاسود و هو الكثيب الاحمر علي يمين الطريق فأقام هناك يومين و رحل و نزل علي دير اللطيف الذي عند وانا و الدجيل فأقام ساعة من النهار و رحل و نزل علي حصون بنيجعفر ثم سار الي التكريت و هي يومئذ قلعة منيعة فغلق اهل التكريت عليهم الابواب و قالوا لمن هذا الجيش فقالوا لهم نحن اصحاب الحسين فعند ذلك اعلنوا بالبكاء و النحيب و نادوا باجمعهم وا محمداه [ص 856] وا علياه وا حسناه وا حسيناه ثم انهم اخرجوا لهم الزاد و العلوفة فلميقبلوا منهم شيئا الا بوافر الثمن قال و اجتمع مشايخ البلد و توجهوا الي ابراهيم بن مالك الاشتر رحمهما اللّه تعالي و قالوا له ايها الامير نحن نحب ان يكون لنا نصيب و حظ في هذا الامر و نشارككم في الثواب في ثار الحسين صلوات اللّه و سلامه عليه و نجمع لكم اموالنا عشرة آلاف دينار و نسألك ان تقبلها منا و تنفقها (ظ) علي العسكر فأبي ابراهيم ان يقبل منهم شيئا ثم انه ارتحل و سار ثلثين فرسخا في ثلثة ايام حتي اتي موصل فخرج اليهم من موصل الف فارس ضارب بالسيف و اشهروا سيوفهم في وجوههم و قالوا لمن هذا الجيش فقالوا نحن اصحاب الحسين عليه السلام فلما سمعوا ذلك اعلنوا بالبكاء و النحيب مزقوا ثيابهم و حثوا التراب علي وجوههم و صاحوا جميعا وا حسيناه و اقاموا مأتما عظيما قدر عشرة ايام و اخرجوا الي ابرهيم الزاد و العلوفة فأبي ان يأخذ منهم شيئا الا بوافر الثمن و كان قد نزل بقرب دير يقال له دير الاعلاء بمقدار ميلين عن موصل فبينما ابرهيم جالس في خيمته و اذ قد اقبلت اليه عجوز تجر اذيالها و هي رثة الاطمار و يهن تنادي بباب الخيمة انا مستغيثة باللّه تعالي و بالامير و باصحاب الحسين عليه السلام ليسمع كلامي و يرد جوابي فانا منتظرة لقدومه من يوم خرج من الكوفة فظن ابرهيم انها تطلب شيئا فقال لعبده واللّه مااملك شيئا غير الف درهم قد بقيت من نفقتي فاقسمها نصفين فاعط العجوز نصفا و خل نصفا فأخذها العبد و خرج الي العجوز فقالت العجوز ما هذا فقال هذه عطية الامير قالت العجوز ما انا محتاجة الي هذه بل اريد أكلم الامير كلمة واحدة فيها وافر الحظ فرجع العبد الي ابرهيم و اعلمه بذلك فقال ابرهيم ادفع اليها بقية الدراهم لاتكون مستقلة للعطية فخرج العبد اليها ببقية النفقة و قال [ص 857] لها أيها العجوز خذي هذه الدراهم و اعذري الامير فقالت مااريد شيئا اريد أكلم الامير بحاجة له فيها حظ عظيم فرجع العبد الي الامير و قال ايها الامير هذه المرأة ماتطلب شيئا بل لها عندك حاجة فقال ادخلها فدخلت عليه فجلست بين يديه فسلمت عليه و اذا هي امرأة طايعة للدين عليها ثياب من الصوف و عليها سيماء اهل الخير فقال لها قولي يرحمك اللّه فقالت (ظ) كنت انا و بعلي ذات يوم جالسين في دويرة لنا في صحن الدار و بلدنا هذا كثير السيل و الامطار و بعلي حطاب يحطب كل يوم بدرهم ينفق علينا بعضه و يتصدق بعضه علي فقراء المسلمين فبينا نحن جلوس و قد وقع المطر فتعوق زوجي من الخروج الي الحطب فانكشف لنا في دارنا بلاطة بيضاء كأنها كافورة طولها ذراع و عرضها ذراع فقلت لزوجي خذ هذه و بعها و اشتر لنا بثمنها قوتا فقلعها فلاح لنا تحتها باب حديد مطبق بقفل عظيم ففتحناه و اذا هو بسرداب مظلم فنزلنا اليه بمصباح و اذاهو مملو (ظ) ذهبا لايعلم عددها الا اللّه فأخذنا منها دينارا واحدا و طبقناه بالبلاطة و غطيناه بالتراب و مضي بعلي الي السوق و صرف الدينار فاخذ بنصفه لحما و خبزا و رد الباقي و جلسنا نتغذي فمد بعلي يده و اخذ لقمة و وضعها في فمه فغص بها و مات من وقته و ساعته قبل ان يبلغ اللقمة فامتنعت من الاكل و تصدقت بباقي الطعام و اليوم لي ثلثة اشهر يهتف بي هاتف و هو يقول يا هذه المرأة ان هذا المال لمن يأخذ بثار الحسين صلوات اللّه عليه و قد اتيتك اخبرك فان شئت تسير معي حتي اوقفك علي الكنز فافعل و ان اردت ان تنفذ معي احدا تثق به فافعل فلما سمع ابراهيم رحمه اللّه كلام العجوز ركب هو في عشرة رجال من خاصته و سار مع العجوز حتي اوقفتهم علي الباب ففتحوا السرداب و نزلوا اليه بمصباح و [ص 858] اذا فيه مال لايكون اكثر منه فاحضر الانطاع و بسط عليها الاموال و كان مع ابراهيم اربعة و عشرونالف فارس فدفع الي كل واحد منهم الف دينار و بقي المال علي حاله كأن لميؤخذ منه شيء ثم انه حمل منه مائة ناقة و وجهها الي المختار في الكوفة و معه خمسمائة فارس يحفظونه و جعل علي الكنز خمسين رجلا يحفظونه و كتب كتابا الي المختار يعلمه بالكنز و سار ابرهيم حتي نزل نصيبين و كان فيها رجل من بنيشيبان يقال له حنظلة بن مغاور الثعلبي و كان له عشرة اولاد فكتب اليه ابراهيم رحمه اللّه تعالي كتابا يقول فيه : بسم اللّه الرحمن الرحيم من ابراهيم بن مالك الاشتر الي الامير حنظلة بن مغاور الثعلبي اما بعد فانك تعلم ما جري علي الحسين صلوات اللّه و سلامه عليه و اولاده و اهل بيته سلام اللّه عليهم و نحن طالبون بثاره ممن ظلمه من اعداء اللّه تعالي و رسوله و نحن نسألك ( و اياكم علي شهادة ان لا اله الا اللّه و ان محمدا رسول اللّه (ص) و هذا كتابي اليك لتساعدني علي الاخذ بثارهم و تقيم لنا المعابر حتي نعبر عليها و تقيم لنا الزاد و العلوفة بأوفر ثمن و السلام خل ) ان تكن تؤمن باللّه و برسوله محمد صلي اللّه عليه و آله و سلم و اليوم الآخر ان تأذن لنا بالعبور الي بلدك نجتاز به من دون اذية و لانظلم (ظ) احدا من الناس و ندخل من باب و نخرج من باب آخر غير قاطنين فتكسب الاجر فيما تفعله ، و وجه الكتاب مع الرسول الي حنظلة فوجه الرسول حتي اتي الي باب حنظلة و كان في ذلك الوقت وجه ابن زياد الملعون قاصدا الي الحنظلة و كتابا يقول فيه نريد ان تقيم الزاد و العلوفة لاربعمائةالف فارس من اصحاب مروان فنفسك مرتهنة بذلك و ها انا واصل اليك فاحذر المخالفة [ص 859] قال ابومخنف رضي اللّه عنه فالتقي الرسولان علي باب حنظلة فاخبر حنظلة غلمانه ان قد ورد رسولان احدهما يزعم انه رسول ابراهيم بن مالك الاشتر و الآخر يزعم انه رسول ابن زياد فقال علي بهما جميعا فاحضروهما جميعا بين يديه و هو في دست مملكته و الغلمان و الحجاب عن يمينه و شماله فلما وقفا بين يديه سلما عليه فرد عليهما السلام و قال ايكما رسول ابراهيم صاحب الحسين عليه السلام فقال رسول ابراهيم انا يا مولاي فقال له ادن مني يرحمك اللّه تعالي فدنا منه فاجلسه علي سريره و اخذ الكتاب منه و قبله و تركه علي عيونه فلما فضه و قرأه بكي بكاء عاليا فلما قرأ باقي الكتاب قال السمع و الطاعة انا اول من يجاهد بين يديه و اطلب بثار الحسين عليه السلام ثم التفت الي رسول ابن زياد الملعون الفاجر و قال له فيما جئت انت به فناوله الكتاب فاذا فيه اللّه اللّه نفسك مرتهنة باقامة الزاد و العلوفة لاربعمائةالف فارس فأخذ الكتاب حنظلة و مزقه و قال لأصحابه علي بالسيف و نطع الدم فاحضروا ذلك فضرب رقبة رسول ابن زياد الملعون ثم خلع علي رسول ابراهيم و طوقه بطوق من ذهب و اركبه سابقا من الخيل و قال له انطلق الي صاحبك و اخبره بما رأيت و ائتني به فقد اقمت له الزاد و العلوفة و ان بلدي موطوء له و اقرأه عني السلام و انا و اولادي و قومي بين يديه و قل له يجد في لقاء عدو اللّه و رسوله فرجع الرسول الي ابراهيم فناوله الكتاب و حدثه بما جري من فعل حنظلة ففرح ابراهيم بذلك و سار حتي نزل علي نصيبين فضربت البوقات و تلقاهم اهل نصيبين الرجال منهم و النساء و المشايخ و نسوانهم ناشرات شعورهن و هم ينادون وا سيداه وا حسيناه و اصحاب ابراهيم ينادون يا آل ثارات الحسين و اطلع لهم حنظلة الهدايا و العلوفة فقال ابراهيم و حق [ص 860] مولاي الحسين ماآخذ شيئا الا بوافر الثمن و كانوا اذ سوي الشيء درهما يأخذونه منهم بدرهمين و الناس يدعون لهم بالنصرة و الظفر فأقاموا في نصيبين يومين ثم رحلوا منها يطلبون قلعة ماردين و خرج معهم حنظلة و اولاده و اصحابه و نزلوا علي قلعة ماردين فنظر اهل القلعة الي جيش عظيم مقبل من اسفل البلد فلما رأوا ذلك بعث المتولي ولده و قال له امض الي هذا العسكر و اخبرني عنه فأتي الغلام فنظر و اذا هو حنظلة و كانت قلعة ماردين لحنظلة و صاحبه فيها و كان ابراهيم الي جانب حنظلة فتقدم الغلام و قبل الارض بين يديه فقال له حنظلة اين ابوك قال هو في القلعة قال ارجع و ادع لنا اباك فرجع الغلام و اخبر اباه بذلك فنزل الرجل من القلعة و أتي الي الحنظلة و سلم عليهم جميعا فحدثه حنظلة بحديث ابراهيم فقال له ايها الامير لو كنت سبقت ساعة سلمت اليك ابن زياد قبضا باليد فقال له و كيف ذلك يا مبارك الطلعة قال له اعلم شيئا ( اعلم ان له عندي شيئا ظ ) و جائني اليوم و معه حرمه و اولاده و معه اربعون بغلا موقرة مالا فأودعها عندي في القلعة قال له حنظلة و ابراهيم بشرك اللّه تعالي بالخير و اين حرمه و اولاده قال عندي فقال له احضرهم فقال سمعا و طاعة ثم مضي الي القلعة و احضر اولاد ابن زياد الملعون و هم اربعة اولاد ذكور و ثلثمائة جارية و اربعون بغلا موقرة مالا و صناديق مملوة من قباطي مصر و خز و ديباج فلما احضروا بين يدي ابراهيم رضي اللّه تعالي عنه قال ابراهيم رضي اللّه تعالي عنه ايها الناس ان ابن زياد زاد اللّه تعالي عذابه قتل علي بن الحسين الاصغر و له من العمر عشر سنين و قتل يحيي بن علي و له ثمان سنين و قتل عون بن علي و له من العمر اربعةعشر سنة و [ص 861] قتل العباس و له من العمر ثلثون سنة و قتل فلانا و فلانا حتي عد ثمانيةعشر من اهل البيت ثم قال و قد هتك حرم الرسول صلي اللّه عليه و آله و سباهم علي الجمال عرايا بغير وطاء فواللّه لابقيت من بنيأمية من اقدر عليه و جرد سيفه و جرد اصحابه سيوفهم و وضعوها في اولاد ابن زياد الملعون و حرمه فقتلوهم عن آخرهم ثم اقبل صاحب القلعة رحمه اللّه علي ابراهيم و قال له ايها الامير انا ادفع اليك ابن زياد بيدك بلا طعنة و لا ضربة فقال له ابراهيم و كيف ذلك ايها المبارك الطلعة قال امضي اليه انا و اولادي و انت معنا و ابعث من اولادي يقول ان حنظلة قد مضي له ابي يقرؤك السلام و يقول ان حنظلة قد مضي و صار من حزب ابراهيم بن مالك الاشتر و قد بايعه و حلف له ان يجاهد بين يديه و انت تعلم ان القلعة له و ملكه و انا من قبله و لاآمن هذا الرجل ينزل علي القلعة و يصل اليه الخبر ان اولادك و حرمك عندي فيريد ذلك مني و لايمكنني ان ادفعه و اريد ان تخرج الي وحدك و لايكون معك احد من اصحابك حتي اشاورك فاني لاآمن ان يكون لهم في عسكرك عين علينا فيعلمه بذلك فاذا سمع ابن زياد الملعون بذلك يأتي الي لأنه يأمنني علي نفسه و اولاده و ماله فاذا جاء الملعون ادخله و اجلسه بيني و بينك و بين اولادك و اقبض انت قائم سيفك و اضرب عنقه و ازحف بعسكرك الي عسكره فانهم لايجتمع منهم اثنان في موضع واحد فقال له ابراهيم نعم ما اشرت به و بيض اللّه وجهك و لكنني اشير عليك برأيي فقال هاته قال قد بلغني ان معهم سفن نحاس علي ظهور الابل لاجل العبر و الرأي و الصواب ان اجيء معك كما ذكرت و تكون اصحابي كامنين عن يمين العبر بخمسةآلاف فارس و عن [ص 862] شمال المعبر بخمسةآلاف فارس و اكون بباقي الجيش فان استوي لي قتله في الخيمة كما ذكرت فالحمد للّه رب العالمين و ان لميستو لي قتله جئت معك الي ان اقف علي المعبر لان السفن الذي معه صغار لايقدر ان يعبر عليها غير فارس بعد فارس و انا اكون الي جنبك فانه يحسبني بعض اولادك فاذا رأيته ارمه عن فرسه و اضرب عنقه فقال افعل ما بدا لك فاني و اولادي تبع لك لكن اوص اصحابك ان يكونوا بالقرب منك حتي يسمعوا صوتك فجمع ابراهيم اصحابه و اوصاهم ان يكونوا حول المعبر و ان لايتباعدوا و يكون لهم طلايع تقف حول المعبر يعرفونهم ما يكون ففعلوا ذلك و سار ابراهيم رحمه اللّه تعالي و صاحب حنظلة و تبعهم العسكر فلما صار بالقرب من عسكر ابن زياد الملعون ضرب خيمته و جلس فيها صاحب حنظلة و ابراهيم و ارسل واحدا من اولاده الي ابن زياد يقول له اقبل الي وحدك و لايعلم بك احد من اصحابك فان جيش ابراهيم قد نزلوا نصيبين و قد اقام حنظلة له الزاد و العلوفة و حلف ان يجاهد بين يديه و انا خايف ان يعلم بحرمك و اولادك عندي فبادر الي وحدك لأخلو انا و انت في مشورة فاني اخاف ان يكون لهم في عسكرك عين فمضي ابنه الي ابن زياد الملعون فابلغه كلام ابيه قال فلما سمع ابن زياد كلامه نهض فزعا مرعوبا و ركب فرسه و سار في وقته و ساعته مع الغلام قاصدا للخيمة و بين يديه عبد و معه شمعة كقامة الرجل و كان بين الخيمة و بين المعبر اقل من ميل فلما رآه صاحب حنظلة قام اليه و قبل يديه و كذلك ابراهيم قبل يديه فجعل ابن زياد الملعون الفاجر يطيل النظر الي ابراهيم رحمه اللّه تعالي و صاحب القلعة يشغله بالحديث عنه قال ابراهيم فاردت ان اقوم اليه فافتكرت في ضيق الخيمة و قلت في نفسي اذا جردت سيفي لميمكني ان [ص 863] افتح باعي لصغر الخيمة و لاادري اتقع الضربة له في مقتل ام لا و هو مع ذلك شجاع و رأيت سيفه علي فخذه مجردا و لا ان يصيح بعسكره فيلزمني بعض اصحابه فيثور عسكره علي و هم اربعمائةآلاف فارس قال فجعل صاحب القلعة يشغله بالحديث حتي يقوم اليه قال و ابراهيم مطرق رأسه الي الارض فقال ابن زياد الملعون لصاحب حنظلة اذا كان الامر كما ذكرت فلأي شيء اقوم اقعد انا ( فلأي شيء اقعد انا ظ ) اقوم هذه الساعة و آمر اصحابي بضرب البوقات للرحيل و الحقه قبل ان يروح و يرحل فقال صاحب القلعة هذا الرأي ايها الامير قال فنهض ابن زياد لعنه اللّه تعالي و قال لصاحب القلعة كنت انت و اولادك علي المعبر لنتحدث انا و انت ثم خرج لعنه اللّه من الخيمة و قدم له العبد فرسه و ركب الي عسكره ثم اقبل صاحب القلعة علي ابراهيم و قال له واللّه ماشبهتك الا مسلم بن عقيل لما تمكن في دار هاني بن عروة و لميقتله و كان ابن زياد لعنه اللّه هو القاتل لمسلم بن عقيل رحمه اللّه تعالي فقال له ابراهيم بن مالك الاشتر يرحمك اللّه اني قد افتكرت في جلوسه و سيفه علي ركبتيه و صغر الخيمة و قرب عسكره منه فخفت ان يصيح فيسمعونه اصحابه و رأيت ان اقتله في غير هذا الموضع اصلح ان شاء اللّه و انا ارجوا من اللّه تعالي ان لايفلت من يدي قال فمضي ابن زياد الملعون الي عسكره سريعا و اقبل صاحب القلعة و اولاده و ابراهيم فوقفوا علي المعبر و الجيش يعبر فوجا فوجا يسرعون في العبر علي تلك السفن النحاس و فوقها الواح الخشب حتي عبر عنه مائةالف فارس ثم اقبل ابن زياد الملعون علي بغل اشهب و علي رأسه قلنسوة من الديباج المدبر محشي بريش النعامة و ريش العصفورالهندي و علي داير القبة ديباج بمنطقة من الذهب مرصعة بالدر و الجوهر بين حمرة [ص 864] الذهب مع بياض الدر مثل مشعل النار و دوره ثلثون شمعة في انوار الذهب بايدي الخدم السقلانية الرومية و عن يمينه شمعتان من العنبر و عن شماله كذلك و عليه برنس من الوشي و قلنسوة من الذهب مرصعة باللؤلؤ الرطب و كان في زي عظيم قال فتمكن ابراهيم من قائم سيفه و هو ملتثم فقال له بعض الخدم تنح عن الطريق حتي يعبر الامير فقال له ابراهيم لي الي الامير حاجة فلما صار ابن زياد قريبا من ابراهيم نادي ابراهيم انا مستجير باللّه و بالامير فاخرج ابن زياد لعنه اللّه رأسه لينظر من يستغيث فمد يده ابراهيم و جذبه و رماه الي الارض فوقع علي وجهه و صاح يا آل ثارات الحسين و جاوبته الكمناء و خرج كمين عن اليمين و كمين عن الشمال و عن القلب و ضربوهم بالسيف و جرد صاحب القلعة و اولاده و اصحابه سيوفهم و وضعوها في اصحاب ابن زياد الملعون و هم يقولون يا آل ثارات الحسين صلوات اللّه عليه و لميزل السيف يعمل فيهم الي طلوع الفجر فلما اصبحوا اعدوا ( عدوا ظ ) القتلي و اذا قتل من اصحاب ابن زياد الملعون ثمانونالف فارس لعنهم اللّه و كان ابراهيم بن مالك الاشتر رحمهما اللّه قد كتف ابن زياد الملعون وثيقا و سلمه الي من يثق به من اصحابه و وكل به مأتي فارس فحملوه و شدوه بالطول و اوثقوه بالحبال القنب و الرجال محدقون به وكل منهم يلعنه و يضربه في وجهه و ينادون يا آل ثارات الحسين قال فلما اسفر الصباح طرح ابرهيم رحمه اللّه تعالي الانطاع الاديم الطائفي و من فوقها ستور الديباج و نزل هو و اصحابه و كان معهم الف اسير و قد اصبغ اصحاب ابراهيم ثيابهم بالدم و صلوا صلوة الصبح ثم امر ابراهيم رحمه اللّه اصحابه (ظ) باحضار الاساري فاحضروا بين يديه فاول من قدم ابن زياد الملعون الفاسق الفاجر و هو مكتوف فشدوا رجليه فقال ابراهيم [ص 865] بن الاشتر رحمة اللّه عليه اضرموا نارا فاضرموا فجذب ابراهيم رضي اللّه عنه خنجره و جعل يشرح من لحم ابن زياد الملعون فيشوي منه علي نصف النضاج و يطعمه و كلما امتنع ابن زياد الملعون من اكل لحمه ينخسه بالخنجر حتي اكل لحم افخاذه فلما علم انه يموت وضع الخنجر علي حلقه فذبحه من الاذن الي الاذن لعنة اللّه عليه و ابراهيم بن مالك الاشتر رحمهما اللّه تعالي ينادي يا آل ثارات الحسين ثم احرق جثته الخبيثة بالنار و بعده قدم الي شبث بن الربعي لعنه اللّه تعالي و خولي بن يزيد الاصبحي لعنه اللّه و عمرو بن الحجاج الملعون و سنان بن الانس النخعي و هم الذين تولوا حرب مولانا الحسين صلوات اللّه و سلامه عليه و سلم و هتك حريمه و نهب ماله فاول ما بدأ بسنان الملعون و قال له يا ويلك اصدقني ما فعلت يوم الطف قال مافعلت شيئا غير اني اخذت تكة الحسين من سرواله فبكي ابراهيم عندذلك فجعل يشرح لحم افخاذه و يشويها علي نصف نضاجها و يطعمه اياه و كلما امتنع من الاكل ينخسه بالخنجر فلما اشرف علي الموت ذبحه و احرق جثته الخبيثة لعنه اللّه تعالي و بعده قدموا اليه شبث بن الربعي فقال له ابراهيم بن مالك الاشتر اصدقني ما فعلت يوم الطفوف قال ضربت وجهه الشريف بالسيف فقال يا ويلك يا ملعون بن ملعون ماخفت من اللّه تعالي و لا من جده رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله ثم جعل يشرح افخاذه حتي مات و عزل رأسه و احرق جثته الخبيثة لعنة اللّه عليه ثم قدموا اليه البحري ( ابحر بن كعب خل ) فقال له ابراهيم رحمة اللّه عليه يا ويلك اصدقني ما فعلت يوم الطفوف قال اخذت قناع زينب من رأسها و قرطيها من اذنيها فجذبت حتي خرمت اذنيها قال له ابراهيم و هو يبكي يا ويلك ما قالت لك قال قالت قطع اللّه يديك و رجليك و [ص 866] احرقك اللّه تعالي بنار الدنيا قبل نار الآخرة فقال له يا ويلك مافزعت من اللّه تعالي و لاراقبت من جدها رسول اللّه (ص) و لاادركتك الرأفة عليها ثم قال له اطلع يدك فاطلع يديه و اذا هما مقطوعتان ثم قطع ابرهيم رجليه و قلع عينيه و عذبه بانواع العذاب قال و كلما قدموا واحدا يسأله ما فعل و يقول اصدقني و يعذبه بانواع العذاب و بعد يقطع رأسه و يحرق جثته و بقية الاساري يقطع انوفهم و آذانهم قال ابومخنف رحمه اللّه فامر ابراهيم باحضار النوق و ابركوها و قروها ( و وقروها ظ ) رؤس القتلي و كان عدد الرؤس عشرينالف رأس و فيها رأس عبيداللّه بن زياد لعنهم اللّه جميعا و انفذ الاموال و الغنايم جميعا الي الكوفة و كتب الي المختار يخبره بما جري من حنظلة و الحيلة التي عملها صاحبه ثم ان ابراهيم رحمه اللّه تعالي بسط بساطا علي رؤس القتلي و اكل فرحا شديدا هو و اصحابه عليه الطعام قال صاحب الحديث فلما وردت الرؤس الي الكوفة خرج المختار خارج الكوفة و اشهرها و فرح الناس عليها ( بها خل ) قال و نادي تحتها يا آل ثارات الحسين فلما صار رأس ابن زياد الملعون بين يدي المختار نظر اليه و بصق في وجهه و قال احرقوه قال ابومخنف و اما الباقي من عسكر ابن زياد الملعون فبعضهم غرق في الماء و بعضهم انهزم في البراري و تفرقوا و قليل منهم بقي و رجع الي دمشق الي مروان لعنه اللّه تعالي قال فعند ذلك رجع ابراهيم الي الكوفة و اصحابه في غاية السرور و الفرح مع الكسب و المال الكثير قال و اما ما كان من مروان لعنه اللّه فانه لما سمع ما جري علي ابن زياد الملعون و عسكره و القتل و النهب و السبي اغتم غما عظيما قال فلما كان من الغد خرج الي المسجد الجامع و خطب الناس خطبة بالغة ثم قال ايها [ص 867] الناس ان الخوارج الذين مع المختار قد افتنوا العباد و افسدوا في البلاد فمن منكم يخرج الي حربهم و يقتل ابطالهم و يبيد رجالهم و لايدع منهم شيخا كبيرا و لا طفلا صغيرا فقام عامر بن ابيربيعة الشيباني الملعون و قال انا ايها الخليفة لذلك فقال مروان لعنه اللّه اريدك ان تحلف يمينا انك لاتدع منهم احدا حتي المرأة الحامل تشق بطنها (ظ) و تقتل جنينها معها فقال سمعا و طاعة انا افعل ذلك و ازيد عليه قال فلما حلف له كذلك جهز معه مأتي الف فارس و سار عامر مع العسكر يطلب الكوفة فوصل الي حوالي الكوفة و اما ابراهيم فانه لما وصل الي المختار ركب معه في يوم الي الصيد و معه جيشه و اصحابه فبينما هم كذلك اذ اقبل اليهم رجل راكب و هو مقبل عليهم من صدر البرية قال فرآه المختار فقال لاصحابه علي بهذا الرجل فأحضر بين يديه فقال له المختار من اين يا اخا العرب و الي اين تريد قال اتيت من عسكر مروان بن الحكم الي عامر بن ربيعة فقد ذكر انه وصل الي مصركم هذا و معه مأتاالف فارس من مروان بن الحكم يطلب المختار فقال له المختار يا ويلك اصدقني و الا ضربت عنقك فقال انا رجل من الازد و لي في عسكر المختار ابن عم و قد خشيت عليه فاقبلت اخرجه من الكوفة فان مروان قد بعث جيشا عظيما و امرهم ان يسبوا حريم اهل الكوفة و لايتركوا منهم احدا فقال المختار لقواده كم في ديواني من الازد فقال رجل واحد فقال علي به فأحضر بين يديه فقال له المختار و قد احتجت اليك بشيء فقال الازدي لا فقال له المختار انت تحكم نفسك فان اردت المقام عندي فانا لك كما تحب و ان اردت ان تذهب مع ابن عمك فمصحوب السلام ثم ان المختار امر ان يخلع علي الازدي و وهبه الف دينار و قال انطلق الي صاحبك عامر بن [ص 868] ابيربيعه لعنه اللّه تعالي فاني اعلم انك عين له علينا فاذا سألك صاحبك عني فما تقول له فقال اقول له ان المختار في ستينالف فارس فقال المختار سألتك باللّه العظيم لاتكذب و لاتقل الا الصحيح و قل قد لقيت عسكر المختار مع اصحاب ابراهيم اربعة و عشرينالف فارس فقال الازدي حبا و كرامة فزاده علي ما وهبه و سار الازدي حتي اتي عامر بن ابيربيعة و حدثه بالحديث من اوله الي آخره فقال له عامر بن ابيربيعة اريد تقضي لي حاجة و لك صلتها عني عشرة آلاف درهم و عشرة آلاف دينار فقال الازدي و ما حاجتك ايها الامير فقال تعود الي المختار و توصل هذه الرقعة الي قوم من اصحابي به ثم سماهم باسمائهم حتي عد اربعةعشر رجلا و قال ان حالفتهم علي قتل المختار و هم اليوم خواصه فقال له الازدي ايها الامير اني اخاف علي نفسي اذا رجعت الي عسكر المختار لان لهم طلايع فيقضوني ( فيقبضوني ظ ) و يضربون عنقي فقال لهم عامر اني اعلمك حيلة تقوم بها و تأخذ جايزتك فقال و ما الحيلة ايها الامير فقال هذه العشرة آلاف دينار و العشرة آلاف درهم فخذ الجميع و ما اعطاك المختار رحمه اللّه تعالي و سلم الجميع الي اهلك و ارم ثيابك و البس ثياب اسمال خلقان و ضم هذه الرقعة التي الي اصحابي بين الخلقان و امض اليهم فاذا قربت منهم فامض حافيا مكشوف الرأس فان الطلايع يأخذونك و يوقفونك بين يديه فاذا رآك علي هذه الحالة يسألك عن حالك فقل له اعلم ان عامر بن ابيربيعة لما رأي ما انعمت به علي ضربني و اخذ جميع ما عندي و امر بقتلي فسأله بنو عمي في امري و اطلقني فأتيتك فاذا سمع منك هذا يرحمك و يخلع عليه و يجعلك من جملة اصحابه فاذا امنت و امن منك سلم الرقعة الي القوم الذين اخبرتك عنهم فقال السمع و الطاعة ثم ان الازدي جمع كلما [ص 869] اعطاه عامر و ما كان من المختار و سلمه الي اهله و لبس ثيابا مقطعة و ركب مطية و سار يطلب الكوفة هذا و المختار علي تلك الحالة خارج قريب بلد الحيرة و اذا راكب مقبل فقال المختار لاصحابه احضروا هذا المقبل فاحضروه عنده فنظر اليه و اذا هو الازدي فعرفه فقال له المختار ما خبرك يا اخا ازد و ما هذه الحالة التي انت فيها فقال الازدي اعلم ايها الامير ان عامر بن ابيربيعة لما رأي ما انعمت به علي قبضني و ضربني و اخذ جميع ما عندي و امر بقتلي فسأله قومي و تشفعوني فصفح عني و طردني و قد اتيتك قال فلما سمع المختار كلامه رحمه و امر له بخمسةآلاف دينار و اخلع عليه و قال له طب نفسا و قر عينا و تلطف به المختار كثيرا قال فلما رأي الازدي الي كثرة احسان المختار اليه افتكر في نفسه و قال يا نفس ان الدنيا فانية و الآخرة باقية و هذا المختار و ابراهيم و عسكرهم قوم مؤمنون لااسمع فيهم صوت ملاهي و لا خمر و لا محرم و لا لهم غير ذكر اللّه تعالي و رسوله صلي اللّه عليه و آله و سلم و تلاوة القرآن و مع ذلك لو عثر احدهم قال لعن اللّه تعالي ظالمي اهل البيت و ان شرب الماء لعن من ظلم الحسين صلوات اللّه عليه و من منعه شرب الماء فواللّه لابعت آخرتي بدنياي ثم انه قرب من المختار و قبل الارض بين يديه و قال ايها الامير ان تعتزل معي ناحية عن اصحابك فان عندي لك نصيحة لك فيها وافر الحظ قال فخرج المختار معه ناحية حتي اختلي (ظ) معه قال فعند ذلك حدثه بحيلة عامر بن ابيربيعة الملعون و ان له في عسكره جواسيس و هم اربعةعشر رجلا و سماهم باسمائهم واحداً بعد واحد و اخرج الكتاب الذي كتبه عامر لعنه اللّه تعالي الي اصحابه الملعونة و سلمه الي المختار [ص 870] قال يا مولاي اني تفكرت في الدنيا و فنائها و الآخرة و بقائها و قد رجعت الي اللّه تعالي يا مولاي و انا تائب الي اللّه تعالي قال فشكره المختار علي فعله و قال له احسنت يا اخا العرب ثم ان المختار رجع الي اصحابه و اخبر ابراهيم بخبر الازدي و بحيلة عامر الملعون بالاربعةعشر الذين في عسكرهم قال فبعد ذلك امر المختار باحضار الاربعةعشر الذين كانوا متفقين علي قتل المختار فاحضروهم قال فعند ذلك رمي المختار عمامته من رأسه و جرد سيفه من غمده و قتل الاربعةعشر الا واحدا منهم فتقدم اليه ابراهيم و قال له ايها الرجل ان الامير ندم علي ما فعل فاصدقني كيف اردتم و كيف كنتم تفعلون فقال واللّه يا ابراهيم ان ندم المختار او لميندم كنا في هذه المدة نتوقع الفرصة و كنا هذه الساعة نريد قتلك و قتل المختار و لكنكم سبقتمونا و اعلم انكم ماظلمتمونا قال فعند ذلك ضربه ابراهيم رحمة اللّه عليه بحربة وزنها ثلثة ارطال في صدره فاخرجها من ظهره ثم التفت المختار الي الازدي و خلع عليه الخلع السنية قال ثم ان المختار قال لاصحابه كل من يحب الحسين عليه السلام منكم يعطي الازدي قال فجعلوا يرمون علي الازدي الدراهم و الدنانير و الملبوس الحسن حتي صار المال مساويا لرأسه قال فقال الازدي ايها الامير واللّه ماآخذ من هذا المال درهما و لا دينارا و اصحاب الحسين احق مني بهذا المال و لو كنت راغبا لرغبت في المال الذي يعطيني اياه عامر بن ابيربيعة لعنه اللّه و لكني اريد رضاء اللّه تعالي و لكن ان اردت ايها الامير انا اسلم اليك عامر بن ابيربيعة لعنه اللّه تعالي قبض اليد فقال له المختار و كيف ذلك فقال له تبعث معي ابراهيم و اسير انا معه حتي نقرب من عسكر عامر بن ابيربيعة و يكمن هو و امضي اليه و اقول له اني اوصلت كتابك الي القوم و قد ارسلوا معي واحدا [ص 871] منهم يستوثق منك بالايمان و العهود و انك لاتقصر عنهم اذا قتلوا المختار و يكون لهم عندك المرتبة العليا و يشاورك في امر المختار فاخرج معي وحدك ناحية عن العسكر فقال ابراهيم نعم الشور و الرأي ما قلت قال ثم ان ابراهيم ركب مع الازدي و سارا حتي اشرفا علي عسكر عامر بن ابيربيعة الملعون قال فنظرتهما الطلايع فاخذوهما الطلايع و عرفوا الازدي و لميعرفوا ابراهيم فقالوا للازدي من هذا الرجل الذي معك فقال احد بني عمي فقال ابراهيم انا للّه و انا اليه راجعون هذا عدو اللّه يعرفني معرفة حقيقية قال فمضت الطلايع الي عامر و قالوا له ايها الامير ان الازدي الذي ارسلته الي المختار قد جاء معه و رجل لانعرفه و هو يزعم انه ابن عمه قال فقال عامر علي بهما فاحضروهما بين يدي عامر قال و كان ابراهيم عنه ملثما فنظر اليه عامر فعرفه فقال عامر اللّه اكبر يا ابرهيم اسفر عن وجهك أظننت انك تخفي علي فواللّه لأقتلنك قتلة شديدة يتحدث بها اهل المشرق و المغرب ثم قال عامر لقواده اقبضوه فاحاطوا بابراهيم و كتفوه و قال علي بالسيف و نطع الدم ثم احضر قواده السيف و النطع قال و كان ذلك الوقت مغيب الشمس قال فقال بعض الحضور ايها الامير تعلم ان ابرهيم هو نصير المختار و هو عمدة عسكره و هذا وقت المساء فاذا كان الغداة امر بضرب البوقات و الطبول و تنادي بالعسكر ليبصر العسكر كله قتل ابراهيم فاذا قتلته فسر الي المختار و اقبضه قبض اليد و العادة جرت عند الحكام يحبسون شهرا او شهرين و اكثر و كيف و هو سواد الليل فقال عامر لعنه اللّه تعالي هذا هو الرأي ثم سلمه الي قواده و وكل به اربعمائة رجل من خواصه و قال لهم ابصروا كيف تكونون في حراسته و جعلوه في الخيمة و ضربوا له في الارض اربعة اوتاد و شدوا يديه الي وتدين و رجليه الي وتدين و فعلوا [ص 872] في الازدي مثل ذلك قال فلما غفت العيون و اطلع الحي القيوم بكي الازدي و انتحب فقال له ابراهيم يا هذا الرجل اراك تبكي فقال الازدي لعلمي اننا مقتولون في غداة غد فقال له ابراهيم ماترضي ان تكون في جوار اللّه و رسوله و جوار اميرالمؤمنين و ولديه الحسن و الحسين و فاطمة الزهراء صلوات اللّه و سلامه عليهم اجمعين فان قتلونا فان اللّه يجمع بيننا و بينهم قال فلما سمع القايد الموكل بهم كلام ابراهيم اقشعر جلده و خشع قلبه و قال في نفسه صدق واللّه ابراهيم ويحك يا نفس و ما تقولين في يوم القيمة اذا اوقفوك بين يدي اللّه و رسوله و ما العذر واللّه لاعاونت ظالما مرق من الدين علي اهل الحق فقام القايد من وقته و ساعته و قال يا ابراهيم هؤلاء الموكلون بكم نيام و اعلم ايها الامير ماكان في العسكر اقسي من قلبي عليكم و قد حصلت لي الرقة عليك من كلامك و اريد ان اطلق سبيلك و هذا الازدي اطلقه فقم قال فاطلق ابراهيم و قال يا مولاي خذ سيفي هذا فانه سيف قاطع و خذ يا ابراهيم لنفسك الحذر قال فخرج ابراهيم من العسكر و اقتحم البرية مع الازدي قال فلما علم القايد ان ابراهيم بعد من العسكر صاح بأعلي صوته هرب الرجلان قال فلما سمع عامر الصياح قام و ركب فرسه و في عينه اثر النوم و تقلد سيفه و صاح في العسكر ويلكم اركبوا في طلب ابراهيم فركب الفرس جميعهم يطلبونهما قال فلما سمع ابراهيم و الازدي حوافر الخيل و صياح الرجال قال الازدي لابراهيم انا اختفي بهذا الرمل فضم الازدي نفسه في الرمل قال فبقيت مفتكرا و ما لي ملجأ الا اللّه تعالي فبينما انا كذلك اذ لاحت لي شجرة عظيمة فقصدتها فلما وصلت اليها صعدت عليها الي رأسها و سترني اللّه تعالي منهم في اغصانها قال فاقبل العسكر من يميني و شمالي و تفرقوا في البرية و بقوا [ص 873] علي هذه الحالة حتي حميت الشمس و اشتد الحر هذا و ابراهيم مكتن في الشجرة و هو آيس من روحه و اللّه عز و جل حجبه عن اعينهم قال ابراهيم و صار الوقت قريبا من الظهر و قد تشتت العسكر في البرية كل فارس بجانب و قد تعدوا عني كلهم قال و اشتد عليهم الحر و التعب و صار كل واحد يستغيث فبينما انا كذلك و اذا بفارس مقبل علي يريد فيء الشجرة التي انا في رأسها قال فقرب الي الشجرة فنظرت اليه الي ما وراه في البرية فلمار احدا غيره فتأملته و اذا هو عدو اللّه و رسوله عامر بن ابيربيعة فقلت في نفسي اللّهم مكنني من عدو اللّه و رسوله و اهل بيته قال فوقف ( فوقف تحت ظ ) الشجرة و عيناه يجولان في البرية يريد احدا من اصحابه فلمير احدا و كظه العطش قال فأدار كفل الي الشجرة فرسه ( فأدار كفل فرسه الي الشجرة ظ ) و وجهه في البرية قال فنزل ابراهيم بن مالك الاشتر رحمه اللّه من رأس الشجرة قال قال ابراهيم فظفرت علي كفل فرسه فقبضت رقبته و رميته عن ظهر جواده و قعدت علي صدره فقبضت لحيته فقال لي ما انت يا ويلك فقلت يا عدو اللّه ما اعجل ما انكرتني انا ابرهيم بن مالك الاشتر الذي كنت بالامس تريد قتلي فمكنني اللّه تعالي منك قال فجعلت السيف علي حلقه فذبحته و انا اقول يا آل ثارات الحسين فاخذت رأسه و اخذت سيفه و رمحه و كلما عنده و استويت علي ظهر الجواد و كان سابقا من الخيل و اعطيته عنانه حتي اتيت الكوفة و كان لي من يوم فارقت الكوفة اربعة ايام و كان المختار قد انفذ في طلبي و هو يظن اني خرجت مع الازدي الي بعض الضياع قال فبينما المختار رحمه اللّه تعالي كذلك و كان خارجا الي الحيرة و اذا ابراهيم مقبل و معه رأس ذلك الملعون فتلقاه [ص 874] المختار رحمه اللّه تعالي و سلم كل واحد منهما علي الآخر فقال المختار اين كنت هذه المدة ايها الامير و ما هذا الرأس الذي معك قال كنت في عسكر عامر بن ابيربيعة الملعون و هذا رأسه و قص عليه القصة من الاول الي الآخر فتعجب المختار منه و العسكر و كيف نصر اللّه ابراهيم علي عامر فقال المختار يا ابراهيم و ما فعل الازدي و ما كان منه فقال ايها الامير عهدي من الازدي لما اندفن في الرمل و ماادري ايش صار عليه قال فقال ابراهيم لمختار ما قعودك ايها الامير قال فامر المختار فجمع عسكره و ركبوا علي ظهور خيولهم اربع و عشرونالف فارس طالبين عسكر عامر بن ابيربيعة قال و ساروا بقية يومهم و ليلتهم حتي اشرفوا علي عسكر عامر فوجدوا عسكر عامر يموج في البرية عرضا و طولا لانهم فقدوا اميرهم و صار كل واحد يطلب الامارة لنفسه فجرد المختار سيفه و ابراهيم و عسكرهم و نادوا يا آل ثارات الحسين صلوات اللّه عليه و حملوا علي القوم فماكان الا ساعة قد تركوهم كل يخوض (ظ) بدمه فتفرق و انهزم عسكر عامر الملعون و اخذهم سيف المختار و غنموا اموالهم و استأسروهم و مااطلق منهم احد فجمعوا رؤس القتلي و اذا هي من كثرتها لاتحصي و لاتعد فحملوا بعضها علي الرماح و بعضها علي الجمال في العدول و الجواليق و الاموال و الخيل و حملوا الجميع الي الكوفة و هم ينادون يا آل ثارات الحسين قال و اقام في الكوفة ما شاء اللّه تعالي و عمل اعمالا عظيمة و لميخل احد ممن حضر قتل الحسين صلوات اللّه عليه و روحي له الفداء الا قتله و في نسخة روي من مقتل ابيمخنف فلما وصلوا جلسوا في قصر الامارة و امر باحضار من كان في الوقعة من الاساري و كان فيهم جماعة ممن كان في طلبهم منهم شرحيل و الحصين و حرملة و جماعة يطول شرحهم فاما الحصين فقال له [ص 875] الحمد للّه الذي امكنني منك ثم قرض بالمقاريض الي ان مات لارحمه اللّه و اما شرحيل فانه كان قد ضرب الحسين (ع) علي عارضه يوم كربلاء من خلفه فقال له الحمد للّه الذي امكنني منك ثم امر به فأحرق بالنار و اما حرملة فلما رآه المختار بكي و قال له يا ويلك اماكفاك ما فعلت حتي قتلت صغيرا ذبحته بسهمك يا عدو اللّه اماعلمت انه ولد النبي فامر به فجعلوه مرمي فرماه بالنشاب حتي مات لارحمه اللّه و لميزل يقتل لايشبه الاخري حتي قتل جميع من كان معه ثم ان المختار جمع الرؤس و شيئا من مال الغنيمة و وجه به الي محمد بن الحنفية و كتب اليه يخبره بما جري ثم فرق اصحابه و عماله في جميع البلاد و عدل و انصف قال ابومخنف و ان المختار بلغه ان الشمر اخذ من النهب ناقة و فرق لحمها بالكوفة فعمد المختار الي كل دار دخلها من ذلك اللحم شيء فنقضها و لميبق ممن شهد كربلاء الا عمر بن سعد و الاشعث بن قيس و اخوه محمد فجعل يطلبهم و كان عمر بن سعد قد اختفي بالكوفة فظفر به المختار و احضره بين يديه و قال له يا ابن سعد انت ( انت قتلت ظ ) رضيع الحسين قبحك اللّه من بين الآخرة ( الاخوة ظ ) و لا ذمة النبي (ص) حفظت و لا حق الآخرة ( الاخوة ظ ) رعيت واللّه العظيم لان لمتنشدني ابياتك النونية لأعذبنك بأشد العذاب فأنشد عمر بن سعد لعنه اللّه يقول :
[ص 876]