يبيت النشاري من أمية نوماً و بالطف قتلي ماينام حميمها

و ماضيع الإسلام إلا قبيلة تأمر نوكاها و دام نعيمها [ص 796] 

و أضحت قناة الدين في كف ظالم إذا اعوج منها جانب لايقيمها

فأقسمت لاتنفك نفسي حزينة و عيني تبكي لايجف سجومها

حياتي أو تلقي أمية خزية يذل لها ( بها خ‌ل ) حتي الممات قرومها

و كان مع الناس عبداللّه بن عوف الأحمر علي فرس كميت يتأكل تأكلاً و هو يقول :

خرجن يلمعن بنا ارسالا عوابساً قد تحمل الأبطالا

نريد أن نلقي بها الأقيالا الفاسقين الغدر الضلالا

و قد رفضنا الاهل و الأموالا و الخفرات البيض و الحجالا

نرجو به التحفة و النوالا لنرضي المهيمن المفضالا

فساروا حتي أتوا هيت ثم خرجوا حتي انتهوا إلي قرقيسيا و بلغهم أن أهل الشام في عدد كثير فساروا سيراً مغذاً حتي وردوا عين الوردة عن يوم و ليلة ثم قام سليمان بن صرد فوعظهم و ذكرهم الدار الآخرة و قال إن قتلت فأميركم المسيب بن نجبة فان أصيب المسيب فالأمير عبداللّه بن سعد بن نفيل فإن أصيب فأخوه خالد بن سعد فإن قتل خالد فالأمير عبداللّه بن وال فإن قتل ابن وال فأميركم رفاعة بن شداد ثم بعث سليمان المسيب بن نجبة في أربعة آلاف فارس رائداً و أن يشن عليهم الغارة قال حميد بن مسلم كنت معهم فسرنا يومنا كله و ليلتنا حتي (ظ) إذا كان السحر نزلنا و هومنا ثم ركبنا و قد صلينا الصبح ففرق العسكر و بقي معه مائة فارس فلقي أعرابياً فقال كم بيننا و بين أدني القوم فقال ميل أقول و الميل أربعة آلاف ذراع و كل ثلاثة أميال فرسخ و هذا عسكر شراحيل بن ذي‌الكلاع من قبل عبيداللّه معه أربعة آلاف و من ورائهم الحصين بن نمير السكوني في أربعة آلاف و من ورائهم الصلت بن ناجية الغلابي في أربعة آلاف و جمهور العسكر مع عبيداللّه بن زياد بالرقة فساروا حتي أشرفوا علي عسكر الشام فقال المسيب لأصحابه كروا عليهم فحمل عليهم [ص 797] عسكر العراق فانهزموا فقتل منهم خلق كثير و غنموا منهم غنيمة عظيمة و أمرهم المسيب بالعود فرجعوا إلي سليمان بن صرد و وصل الخبر إلي عبيداللّه فسرح إليهم الحصين بن نمير و أتبعه بالعساكر حتي نزل في عشرين‌الفاً و عسكر العراق يومئذ ثلاثة آلاف و مائة لا غير ثم تهيأت العساكر للحرب فكان علي ميمنة أهل الشام عبداللّه بن الضحاك بن قيس الفهري و علي ميسرتهم مخارق بن ربيعة الغنوي و علي الجناح شراحيل بن ذي‌الكلاع الحميري و في القلب الحصين بن (ظ) نمير السكوني ثم جعل أهل العراق علي ميمنتهم المسيب بن نجبة الفزاري و علي ميسرتهم عبداللّه بن سعد بن نفيل الأزدي و علي الجناح رفاعة بن شداد البجلي و علي القلب الأمير سليمان بن صرد الخزاعي و وقف العسكر فنادي أهل الشام ادخلوا في طاعة عبدالملك بن (ظ) مروان و نادي أهل العراق سلموا إلينا عبيداللّه بن زياد و أن يخرج الناس من طاعة عبدالملك و آل الزبير و يسلم الأمر الي اهل بيت نبينا فأبي الفريقان و حمل بعضهم علي بعض و جعل سليمان بن صرد يحرضهم علي القتال و يبشرهم (ظ) بكرامة اللّه ثم كسر جفن سيفه و تقدم نحو أهل الشام و هو يقول:

إليك ربي تبت من ذنوبي و قد علاني في الوري مشيبي

فارحم عبيداً عرما تكذيب و اغفر ذنوبي سيدي و حوبي

قال حميد بن مسلم حملتْ ميمنتنا علي ميسرتهم و حملت ميسرتنا علي ميمنتهم و حمل سليمان في القلب فهزمناهم و ظفرنا بهم و حجز الليل بيننا و بينهم ثم قاتلناهم في الغد و بعده حتي مضت ثلاثة أيام ثم أمرهم الحصين بن نمير لاهل الشام برمي النبل فأتت السهام كالشرار الطاير ( المتطاير ظ ) فقتل سليمان بن صرد (ره) فلقد بذل في أهل الثار مهجته و اخلص للّه توبته و قد قلت هذين البيتين حيث مات مبرءاً من العيب و الشين :

[ص 798]

قضي سليمان نحبه فغدا إلي جنان و رحمة الباري

مضي حميداً في بذل مهجته و أخذه للحسين بالثار

ثم أخذ الراية المسيب بن نجبة فقاتل قتالاً خرت له الأذقان و أثر في ذلك الجيش الجم الطعان ثلاث مرات و كان من أعظم الشجعان قتالاً و أكرهم علي الأعداء نكالاً و هو يقول :

قد علمت ميالة الذوائب واضحة الخدين و الترائب

اني غداة الروع و التغالب أشجع من ذي لبدة مواثب

قضاع أقران مخوف الجانب

فلم‌يزل يكر عليهم فيفرون بين يديه حتي تكاثروا فقتلوه ثم أخذ الراية عبداللّه بن سعد بن نفيل ثم حمل علي القوم و طعن و هو يقول :

ارحم إلهي عبدك التوابا و لاتؤاخذه فقد انابا

و فارق الأهلين و الاحبابا يرجو بذاك الفوز و الثوابا

فلم‌يزل يقاتل حتي قتل ثم تقدم اخوه خالد بن سعد بالراية و حرضهم علي القتال و رغبهم في حميد المآل فقاتل أشد قتال و نكل بهم اي نكال حتي قتل و تقدم عبداللّه بن وال فأخذ الراية و قاتل حتي قطعت يده اليسري ثم استند إلي أصحابه و يده تشخب دماً ثم كر عليهم و هو يقول :

نفسي فداكم اذكروا الميثاقا و صابروهم و احذروا النفاقا

لا كوفة نبغي و لا عراقا لا بل نريد الموت و العتاقا

و قاتل حتي قتل فبينما هم كذلك إذ جاءتهم النجدة مع المثني بن مخرمة العبدي من البصرة و من المدائن مع كثير بن عمرو الحنفي فاشتدت قلوب أهل العراق بهم و اجتمعوا و كبروا و اشتد القتال فتقدم رفاعة بن الشداد نحو صفوف الشام و هو يرتجز و يقول :

[ص 799]

يا رب إني تائب اليكا قد اتكلت سيدي عليكا

قدماً ارجي الخير من يديكا فاجعل ثوابي أملي اليكا

قال عبداللّه بن عوف الأزدي و اشتد القتال حتي بان في أهل العراق الضعف و القلة و تحدثوا في ترك القتال فبعضهم يوافق و بعضهم يقول إن ولينا ركبنا السيف فلانمشي فرسخاً حتي لايبقي منا واحد و إنما نقاتل حتي يأتي الليل و نمضي ثم تقدم عبداللّه بن عوف إلي الراية فرفعها و اقتتلوا أشد قتال فقتل جماعة من أهل العراق و انفلت الجموع و افترق الناس و عاد العسكر حتي وصلوا قرقيسيا من جانب البر و جاء سعد بن حذيفة إلي هيت فلقيه الأعراب فأخبروه بما لقي الناس ثم عاد أهل المدائن و أهل البصرة و أهل الكوفة إلي بلادهم و المختار محبوس و كان يقول لأصحابه عدوا لغارتكم هذا اكثر من عشر و دون الشهر ثم يجيئكم نبأ هتر من طعن بتر و ضرب هبر و قتل جم و أمر هم فمن لها انا لها و كان المختار يأخذ أفعاله بالرجز و الفراسة و الخدع و حسن السياسة قال المرزباني في كتاب الشعراء كان له غلام اسمه جبرئيل و كان يقول قال لي جبرئيل و قلت لجبرئيل فيتوهم الأعراب و أهل البوادي انه جبرئيل عليه السلام فاستحوذ عليهم بذلك حتي انتظمت له الأمور و قام بإعزاز الدين و نصره و كسر الباطل و قصره و لما قدم أصحاب سليمان بن صرد من الشام كتب إليهم المختار من الحبس أما بعد فإن اللّه أعظم لكم الأجر و حط عنكم الوزر بمفارقة القاسطين و جهاد المحلّين إنكم لن‌تنفقوا نفقة و لم‌تقطعوا عقبة و لم‌تخطوا خطوة إلا رفع اللّه لكم بها درجة و كتب حسنة فابشروا فإني لو خرجت إليكم جردت فيما بين المشرق و المغرب من عدوكم بالسيف بإذن اللّه فجعلتهم ركاماً و قتلتهم فذاً و تواما فرحب اللّه لمن قارب و اهتدي و لايبعد اللّه إلا من عصي [ص 800] و أبي و السلام يا أهل الهدي ، فلما جاء كتابه وقف عليه جماعة من رؤساء القبائل و أعادوا الجواب قرأنا كتابك و نحن حيث يسرك فإن شئت أن نأتيك حتي نخرجك من الحبس فعلنا فأخبره الرسول فسر باجتماع الشيعة له و قال لاتفعلوا هذا فإني أخرج في ايامي هذه و كان المختار قد بعث إلي عبداللّه بن عمر بن الخطاب اما بعد فإني حبست مظلوماً و ظن بي الولاة ظنوناً كاذبة فاكتب في رحمك اللّه إلي هذين الظالمين و هما عبداللّه بن يزيد و ابراهيم بن محمد كتاباً عسي اللّه أن يخلصني من أيديهما بلطفك و منك و السلام عليك ، فكتب إليهما ابن عمر أما بعد فقد علمتما الذي بيني و بين المختار من الصهر و الذي بيني و بينكما من الود فاقسمت عليكما لما خليتما سبيله حين تنظران في كتابي هذا و السلام عليكما و رحمة اللّه و بركاته ، فلما قرءا الكتاب طلبا من المختار كفلاء (ظ) فأتاه جماعة من أشراف الكوفة فاختارا منهم عشرة ضمنوه و حلفاه ان لايخرج عليهما فإن هو خرج فعليه ألف بدنة ينحرها لدي رتاج الكعبة و مماليكه كلهم احرار فخرج و جاء داره قال حميد بن مسلم سمعت المختار يقول قاتلهم اللّه ما أجهلهم و أحمقهم حيث يرون أني أفي لهم بأيمانهم هذه أما حلفي باللّه فإنه ينبغي إذا حلفت يميناً و رأيت ما هو أولي منها ان أتركها و اعمل الأولي و أكفر عن يميني و خروجي خير من كفي عنهم و أما هدي ألف بدنة فهو أهون علي من بصقة و ما يهولني ثمن ألف بدنة و أما عتق مماليكي فواللّه لوددت أنه استتب لي أمري من أخذ الثار ثم لم‌املك مملوكاً أبداً و لما استقر في داره اختلفت الشيعة إليه و اجتمعت عليه و اتفقوا علي الرضا به و كان قد بويع له و هو في السجن و لم‌يزل يكثرون و امرهم يقوي و يشتد حتي عزل عبداللّه [ص 801] بن الزبير الواليين من قبله و هما عبداللّه بن زيد و إبراهيم بن محمد بن طلحة المذكورين و بعث عبداللّه بن مطيع والياً علي الكوفة و الحارث بن عبداللّه بن ابي‌ربيعة علي البصرة فدخل ابن مطيع إليها و بعث المختار إلي أصحابه فجمعهم في الدور حوله و أراد أن يثب علي أهل الكوفة فجاء رجل من أصحابه من شبام عظيم الشرف و هو عبدالرحمن بن شريح فلقي جماعة منهم سعد بن منقذ و سعر بن ابي‌سعر الحنفي و الأسود الكندي و قدامة بن مالك الجشمي و قد اجتمعوا فقالوا له إن المختار يريد الخروج بنا للأخذ بالثار و قد بايعناه و لانعلم أرسله إلينا محمد بن الحنفية أم لا فانهضوا بنا إليه نخبره بما قدم به علينا فإن رخص لنا اتبعناه و إن نهانا تركناه فخرجوا و جاؤا الي ابن الحنفية فسألهم (ظ) عن الناس فخبروه و قالوا لنا إليك حاجة قال سر أم علانية قلنا بل سر قال رويداً إذن ثم مكث قليلاً و تنحي و دعانا فبدأ عبدالرحمن بن شريح بحمد اللّه و الثناء عليه و قال أما بعد فإنكم أهل بيت خصكم اللّه تعالي بالفضيلة و شرفكم بالنبوة و عظم حقكم علي هذه الأمة و قد أصبتم بحسين عليه السلام مصيبة عمت المسلمين و قد قدم المختار يزعم أنه جاء من قبلكم و قد دعانا إلي كتاب اللّه و سنة نبيه و الطلب بدماء أهل البيت فبايعناه علي ذلك فإن أمرتنا باتباعه اتبعناه و إن نهيتنا اجتنبناه فلما سمع كلامه و كلام غيره حمد اللّه و أثني عليه و صلي علي النبي و قال أما ما ذكرتم مما خصنا اللّه فإن الفضل للّه يؤتيه من يشاء و اللّه ذو الفضل العظيم و أما مصيبتنا بالحسين فذلك في الذكر الحكيم و أما الطلب بدمائنا قال جعفر بن نما مصنف هذا الكتاب فقد رويت عن والدي رحمة اللّه عليه انه قال لهم قوموا بنا إلي إمامي و إمامكم علي بن [ص 802] الحسين فلما دخل و دخلوا عليه اخبر خبرهم الذي جاؤا لأجله قال يا عم لو أن عبداً زنجياً تعصب لنا اهل البيت لوجب علي الناس موازرته و قد وليتك هذا الأمر فاصنع ما شئت فخرجوا و قد سمعوا كلامه و هم يقولون اذن لنا زين‌العابدين عليه السلام و محمد بن الحنفية و كان المختار علم بخروجهم إلي محمد بن الحنفية و كان يريد النهوض بجماعة الشيعة قبل قدومهم فلما تهيأ ذلك له و كان يقول إن نفراً منكم تحيروا و ارتابوا فإن هم أصابوا أقبلوا و أنابوا و إن هم كبوا و هابوا و اعترضوا و انجابوا فقد خسروا و خابوا فدخل القادمون من عند محمد بن الحنفية فقال ما وراءكم فقد فتنتم و ارتبتم فقالوا قد أمرنا بنصرتك فقال أنا ابوإسحاق اجمعوا إلي الشيعة فجمع من كان قريباً فقال يا معشر الشيعة إن نفراً أحبوا أن يعلموا مصداق ما جئت به فخرجوا إلي إمام الهدي و النجيب المرتضي و ابن المصطفي المجتبي يعني زين‌العابدين عليه السلام فعرفهم أني ظهيره و رسوله و أمركم باتباعي و طاعتي و قال كلاماً يرغبهم الي الطاعة و الاستنفار معه و ان يعلم الحاضر الغائب و عرفه قوم ان جماعة من اشراف الكوفة مجتمعون علي قتالك مع ابن مطيع و متي جاء معنا ابراهيم بن الاشتر رجونا بإذن اللّه تعالي القوة علي عدونا فله عشيرة فقال القوه و عرفوا الإذن لنا في الطلب بدم الحسين و اهل بيته فعرفوه فقال قد اجبتكم علي ان تولوني الامر فقالوا له انت اهلٌ و لكن ليس اليه سبيل هذا المختار قد جاءنا من قبل امام الهدي و من نائبه محمد بن الحنفية و هو المأذون له في القتال فلم‌يجب فانصرفوا و عرفوه المختار فبقي ثلاثاً ثم إنه دعا جماعة من وجوه أصحابه قال عامر الشعبي و أنا و أبي فيهم فسار المختار و هو أمامنا يقد بنا بيوت الكوفة لايدري أين يريد حتي وقف علي باب إبراهيم فاذن [ص 803] له و ألقيت الوسائد فجلسنا عليها و جلس المختار معه علي فراشه و قال هذا كتاب محمد بن اميرالمؤمنين (ع) يأمرك أن تنصرنا فإن فعلت اغتبطت و إن امتنعت فهذا الكتاب حجة عليك و سيغني اللّه محمداً و أهل بيته عنك و كان المختار قد سلم الكتاب إلي الشعبي فلما تم كلامه قال ارفع الكتاب إليه ففض ختمه و هو كتاب طويل فيه (ظ) : بسم اللّه الرحمن الرحيم من محمد المهدي إلي إبراهيم بن الأشتر سلام عليك قد بعثت إليك المختار و من ارتضيته لنفسي و قد أمرته بقتال عدوي و الطلب بدماء أهل بيتي فامض معه بنفسك و عشيرتك و تمام الكتاب بما يرغب إبراهيم في ذلك فلما قرأ الكتاب قال مازال يكتب الي اسمه و اسم أبيه فما باله و يقول في هذا الكتاب المهدي قال المختار ذاك زمان قال إبراهيم من يعلم أن هذا كتاب ابن الحنفية إلي قال يزيد بن أنس و أحمد بن سقيط و عبداللّه بن كامل و غيرهم نحن نعلم و نشهد أنه كتاب محمد إليك قال الشعبي إلا أنا و أبي لانعلم فعند ذلك تأخر إبراهيم عن صدر الفراش و أجلس المختار عليه و قال ابسط يدك فبسط يده فبايعه و دعا بفاكهة و شراب من عسل فأصبنا منه فأخرجنا معنا إبراهيم إلي أن دخل المختار داره فلما رجع أخذ بيدي و قال يا شعبي علمت أنك لاتشهد و لا أبوك أفتري هؤلاء شهدوا علي حق قلت شهدوا علي ما رأيت و فيهم سادة القراء و مشيخة المصر و فرسان العرب و مايقول مثل هؤلاء إلا حقاً و كان إبراهيم (ره) ظاهر الشجاعة واري زناد الشهامة نافذ حد الصرامة مشمراً في محبة أهل البيت عن ساقيه متلقياً راية النصح لهم بكلتا يديه فجمع عشيرته و إخوانه و أهل مودته و اعوانه و كان يتردد بهم إلي المختار عامة الليل و معه حميد بن مسلم الأزدي حتي تصوب النجوم و تنقض الرجوم و [ص 804] اجمع رأيهم أن يخرجوا يوم الخميس لأربع‌عشر ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة ست و ستين و كان إياس بن مضارب صاحب شرطة عبداللّه بن مطيع أمير الكوفة فقال له إن المختار خارج عليك لا محالة فخذ حذرك منه ثم خرج إياس مع الحرس و بعث ولده راشداً الي الكناسة و جاء هو إلي السوق و أنفذ ابن مطيع إلي الجبانات من شحنها بالرجال يحرسها من اهل الريبة و خرج إبراهيم بعد المغرب إلي المختار و معه جماعة عليهم الدروع و فوقها الأقبية و قد أحاط الشرطة بالسوق و القصر لقي إياس بن مضارب اصحاب إبراهيم و هم متسلحون فقال ما هذا الجمع إن أمرك لمريب و لاأتركك حتي آتي بك إلي الأمير فامتنع إبراهيم و وقع التشاجر بينهم و مع إياس رجل من همدان اسمه اباقطن قال له إبراهيم ادن مني لأنه صديقه فظن أنه يريد أن يجعله شفيعه في تخلية القوم و بيد ابي‌قطنٍ رمح طويل فأخذه إبراهيم منه و طعن ابن اياس ( إياس بن مضارب ظ ) في نحره فصرعه و أمرهم فاجتزوا رأسه و انهزم أصحابه و أقبل إبراهيم إلي المختار و عرفه ذلك فاستبشر و تفأل بالنصر و الظفر ثم أمر باشعال النار في هرادي القصب و بالنداء يا آل ثارات الحسين و لبس درعه و سلاحه و هو يقول :

قد علمت بيضاء حسناء الطلل واضحة الخدين عجزاء الكفل

إني غداة الروع مقدام بطل لا عاجز فيها و لا وغد فشل [ص 805] 

فأقبل الناس من كل ناحية و جاء عبداللّه بن الحر الجعفي في قومه و تقاتلوا قتالاً عظيماً و شرد الناس و من كان في الطرق و الجبانات من أصحاب السلاح و استشعروا الحدود ( الحذر ظ ) و تفرقوا في الأزقة خوفاً من إبراهيم و أشار شبث بن ربعي علي الأمير ابن مطيع بالقتال فعلم المختار فخرج في أصحابه حتي نزل دير هند مما يلي بستان زائدة (ظ) في السبخة ثم جاء ابوعثمان النهدي في جماعة أصحابه إلي الكوفة و نادوا يا آل ثارات الحسين يا منصور أمت و هذه علامة بينهم يا أيها الحي المهتدون ألا إن أمين آل‌محمد قد خرج فنزل دير هند و بعثني إليكم داعياً و مبشراً فاخرجوا إليه رحمكم اللّه فخرجوا من الدور يتداعون و في هذا المعني قلت هذه الأبيات متأسفاً علي ما فات كيف لم‌اكن من أصحاب الحسين (ع) في نصرته و لا من أصحاب المختار و جماعته :

و لما دعا المختار للثار أقبلت كتائب من أشياع آل‌محمد

و قد لبسوا فوق الدروع قلوبهم و خاضوا بحار الموت في كل مشهد

هم نصروا سبط النبي و رهطه و دانوا بأخذ الثار من كل ملحد

ففازوا بجنات النعيم و طيبها و ذلك خير من لجين و عسجد

و لو أنني يوم الهياج لدي الوغي لأعملت حد المشرفي المهند

فوا أسفا إذ لم‌اكن من حماته فأقتل فيهم كل باغ و معتد

المرتبة الثالثة في وصف الوقعة مع ابن المطيع

[ص 806] قال الوالبي و حميد بن مسلم و النعمان بن ابي‌الجعد خرجنا مع المختار فواللّه ماانفجر الفجر حتي فرغ من تعبية عسكره فلما أصبح تقدم و صلي بنا الغداة فقرأ و النازعات و عبس فواللّه ماسمعنا إماماً أفصح لهجة منه و نادي ابن مطيع في أصحابه فلما جاؤا بعث شبث بن ربعي في ثلاثة آلاف و راشد بن إياس في أربعة آلاف و حجار بن أبحر العجلي في ثلاثة آلاف و عكرمة بن ربعي و شداد بن أبحر و عبدالرحمن بن سويد في ثلاثة آلاف و تتابعت العساكر نحواً من عشرين‌الفاً فسمع المختار اصواتاً مرتفعة و ضجة ما بين بني‌سليم و سكة البريد فأمر باستعلام ذلك فإذا هو شبث بن ربعي و معه خيل عظيمة و أتاه في الحال سعر بن ابي‌سعر الحنفي و هو ممن بايع المختار يركض من قبل مراد فلقي راشد بن إياس فأخبر المختار فأرسل إبراهيم بن الأشتر في تسعمائة فارس و ستمائة راجل و نعيم بن هبيرة في ثلاثمائة فارس و ستمائة راجل و قدم المختار يزيد بن أنس في موضع مسجد شبث في تسعمائة فقاتلوهم حتي أدخلوهم البيوت و قتل من الفريقين جمع و قتل نعيم بن هبيرة و جاء ابراهيم فلقي راشد بن إياس و معه أربعة آلاف فارس فقال إبراهيم لاصحابه لايهولنكم كثرتهم فلرب فئة قليلة غلبت فئة كثيرة و اللّه مع الصابرين فاشتد قتالهم و بصر خزيمة بن نصر العبسي براشد و حمل عليه فطعنه فقتله ثم نادي خزيمة قتلت راشداً و رب الكعبة فانهزم القوم و انكسروا و أجفلوا إجفال النعام و أظلموا ( أطلوا ظ ) عليهم كقطع الغمام و استبشر أصحاب المختار و حملوا علي خيل الكوفة فجعلوا صفو حياتهم كدراً و ساقوهم حتي أوصلوهم إلي الموت زمراً حتي اوصلوهم السكك و ادخلوهم الجامع و حصروا الامير ابن مطيع ثلاثاً في القصر و نزل المختار بعد هذه الوقعة جانب السوق و ولي حصار القصر ابراهيم بن الاشتر فلما ضاق عليه [ص 807] و علي اصحابه الحصار و علموا انه لا تعويل لهم علي مكر و لا سبيل إلي مفر اشاروا عليه ان يخرج ليلاً في زي امرأة و يستتر في بعض دور الكوفة ففعل و خرج حتي صار إلي دار ابي‌موسي الأشعري فالي ( فآووه ظ ) و أما هم فإنهم طلبوا الامان فآمنهم و خرجوا و بايعوه و صار يمنيهم و يستجر مودتهم و يحسن السيرة فيهم و لما خرج اصحاب ابن مطيع من القصر سكنه المختار ثم خرج إلي الجامع و امر بالنداء الصلاة جامعة ( جماعة خ‌ل ) فاجتمع الناس و رقي المنبر ثم قال الحمد للّه الذي وعد وليه النصر و عدوه الخسر وعداً مأتياً و امراً مفعولاً و قد خاب من افتري أيها الناس مدت لنا غاية و رفعت لنا راية فقيل في الراية ارفعوها و لاتضيعوها و في الغاية خذوها و لاتدعوها فسمعنا دعوة الداعي و قبلنا قول الراعي فكم من باغ و باغية و قتلي في الراعية ألا فبعداً لمن طغي و بغي و جحد و بغي ( لغي ظ ) و كذب و تولي الا فهلموا عباد اللّه إلي بيعة الهدي و مجاهدة الأعداء و الذب عن الضعفاء من آل‌محمد المصطفي و أنا المسلط علي المحلين المطالب بدم ابن نبي رب العالمين أما و منشئ السحاب الشديد العقاب لأنبشن قبر ابن شهاب المفتري الكذاب المجرم المرتاب و لأنفين الأحزاب إلي بلاد الاعراب ثم و رب العالمين لاقتلن اعوان الظالمين و بقايا القاسطين ثم قعد علي المنبر و وثب قائماً و قال أما و الذي جعلني بصيراً و نور قلبي تنويراً لأحرقن بالمصر دوراً و لأنبشن بها قبوراً و لأشفين بها صدوراً و لأقتلن بها جباراً كفوراً ملعوناً غدوراً و عن قليل و رب الحرم و البيت المحرم و حق النون و القلم ليرفعن لي علم من الكوفة إلي أضم إلي أكناف ذي سلم من العرب و العجم ثم لأتخذن من بني‌تميم اكثر الخدم ثم نزل [ص 808] و دخل قصر الامارة و انعكف عليه الناس للبيعة فلم‌يزل باسطاً يده حتي بايعه خلق من العرب و السادات و الموالي و وجد في بيت المال بالكوفة تسعة آلاف ألف فأعطي كل واحد من أصحابه الذين قاتل بهم في حصر ابن مطيع و هم ثلاثة آلاف و ثمانمائة رجل كل واحد منهم خمسمائة درهم و ستة آلاف رجل من الذين اتوه من بعد حصار القصر مائتين مائتين و لما علم أن ابن مطيع في دار ابي‌موسي الأشعري دعا عبداللّه بن كامل الشاكري و دفع إليه عشرة آلاف درهم و أمره بحملها إليه و ان يقول له استعن بها علي سفرك فإني أعلم أنه مامنعك إلا ضيق يدك فاخذها و مضي إلي البصرة و لم‌يمش إلي عبداللّه بن الزبير حياءً مما جري عليه من المختار و استعمل علي شرطته عبداللّه بن كامل و علي حرسه كيسان اباعمرة مولي عربية و عقد لعبداللّه بن الحارث أخي الأشتر لأمه علي أرمينية و لمحمد بن عطارد علي آذربيجان و لعبدالرحمن بن سعد بن قيس علي الموصل و لسعد بن حذيفة اليماني علي حلوان و لعمر بن السائب علي الري و همدان و فرق العمال بالجبال و البلاد و كان يحكم بين الخصوم حتي اذا اشغلته أموره فولي شريحاً قاضياً فلما سمع المختار أن علياً عليه السلام عزله أراد عزله فتمارض هو فعزله و ولاه عبداللّه بن عتبة بن مسعود فمرض فجعل مكانه عبداللّه بن مالك الطائي قاضياً و كان مروان بن الحكم لما استقامت له الشام بالطاعة بعث جيشين أحدهما إلي المختار و الآخر إلي العراق مع عبيداللّه بن زياد لينهب الكوفة إذا ظفر بها ثلاثة أيام فاجتاز بالجزيرة عرض له أمر منعه من السير و عاملها من قبل ابن الزبير قيس عيلان فلم‌يزل عبيداللّه مشغولاً بذلك من العراق ثم قدم الموصل و عامل المختار عليها عبدالرحمن بن سعد بن قيس فوجه عبيداللّه إليه خيله و رجله فانحاز عبدالرحمن إلي تكريت و كتب إلي المختار [ص 809] يعرفه ذلك فكتب الجواب يصوب رأيه و يحمد مشورته و ان لايفارق مكانه حتي يأتيه أمره إن شاء اللّه ثم دعا المختار يزيد بن أنس و عرفه جلية الحال و رغبه في النهوض بالخيل و الرجال و حكمه في تخيير من شاء من الأبطال فتخير ثلاثة آلاف فارس ثم خرج من الكوفة و شيعه المختار إلي دير ابي‌موسي و أوصاه بشيء من ادوات الحرب و إن احتاج إلي مدد عرفه فقال أريد لاتمدني إلا بدعائك كفي به مدداً ثم كتب المختار إلي عبدالرحمن بن سعد بن قيس اما بعد فخل بين يزيد و بين البلاد إن شاء اللّه و السلام عليك فسار حتي بلغ أرض الموصل فنزل بموضع يقال له باتلي و بلغ خبره إلي عبيداللّه بن زياد و عرف عدتهم فقال أرسل الي كل ألف ألفين و بعث ستة آلاف فارس فجاؤا و يزيد بن انس مريض مدنف فأركبوه حماراً مصرياً و الرجالة يمسكونه يميناً و شمالاً فيقف علي الأرباع و يحثهم علي القتال و يرغبهم في حميد المآل و قال ان هلكت فاميركم ورقاء بن عازب الأسدي فإن هلك فأميركم عبداللّه بن ضمرة العذري فإن هلك فأميركم سعر بن سعر الحنفي و وقع القتال بينهم في ذي‌الحجة يوم عرفة سنة ست و ستين قبل شروق الشمس فلايرتفع الضحي حتي هزمهم عسكر العراق و أزالهم عن مآزق الحرب زوال السراب و قشعوهم انقشاع الضباب و أتوا يزيد بثلاثمائة أسير و قد أشفي علي الموت فأشار بيده أن اضربوا رقابهم فقتلوا جميعاً ثم مات يزيد بن أنس فصلي عليه ورقاء بن عازب الأسدي و دفنه و اغتم عسكر العراق لموته فعزاهم ورقاء فيه و عرفهم أن عبيداللّه بن زياد في جمع كثير و لا طاقة لكم به فقالوا الرأي أن ننصرف (ظ) في جوف الليل قال محمد بن جرير الطبري في تاريخه كان مع عبيداللّه ثمانون‌الفاً من أهل الشام ثم اتصل بالمختار و اهل الكوفة إرجاف الناس بيزيد بن أنس فظنوا [ص 810] أنه قتل و لم‌يعلموا كيف هلك و استطلع المختار ذلك من عامله علي المدائن فأخبره بموته و أن العسكر انصرف من غير هزيمة و لا كسرة فطاب قلب المختار ثم ندب الناس قال المرزباني و أمر إبراهيم بن الاشتر بالمسير إلي عبيداللّه فخرج في ألفين من مذحج و أسد و ألفين من تميم و همدان و ألف و خمسمائة من قبائل المدينة و ألف و أربعمائة من كندة و ربيعة و ألفين من الحمراء و قيل خرج في اثني‌عشرألفاً اربعة آلاف من القبائل و ثمانية آلاف من الحمراء و شيع إبراهيم ماشياً فقال اركب رحمك اللّه فقال المختار إني لأحتسب الأجر في خطاي معك و أحب أن تتغير قدماي في نصر آل‌محمد و الطلب بدم الحسين عليه السلام ثم ودعه و انصرف و بات إبراهيم بموضع يقال له حمام أعين ثم رحل حتي وافي ساباط المدائن فحينئذ توسم أهل الكوفة في المختار القلة و الضعف فخرج أهل الكوفة عليه و جاهروه بالعداوة و لم‌يبق أحد ممن شرك في قتل الحسين و كان مختفياً إلا و ظهر و نقضوا بيعته و سلوا عليه سيفاً واحداً و اجتمعت القبائل عليه من بجيلة و الأزد و كندة و شمر بن ذي‌الجوشن فبعث المختار من ساعته رسولاً إلي إبراهيم و هو بساباط لاتضع كتابي حتي تعود بجميع من معك إلي فلما جاءهم كتابه نادي بالرجوع فوصلوا السير بالسري (ظ) و أرخوا الأعنة و جذبوا البري و المختار يشغل أهل الكوفة بالتسويف و الملاطفة حتي يرجع إبراهيم بعسكره فيكفّ عاديتهم و يقمع شرتهم و يحصد شوكتهم و كان مع المختار أربعة آلاف فبغي عليه أهل الكوفة و بدؤوه بالحرب فحاربه يومهم أجمع و باتوا علي ذلك فوافاهم إبراهيم في اليوم الثاني بخيله و رجله و معه اهل النجدة و القوة فلما علموا قدومه افترقوا فرقتين ربيعة و مضر علي حدة و اليمن علي حدة فخير المختار إبراهيم إلي اي الفريقين تسير فقال إلي أيهما أحببت و [ص 811] كان المختار ذا عقل وافر و رأي حاضر فأمره بالسير إلي مضر بالكناسة و سار هو إلي اليمن إلي جبانة السبيع فبدء بالقتال رفاعة بن شداد فقاتل قتال الشديد البأس القوي المراس حتي قتل و قاتل حميد بن مسلم و هو يقول :

لأضربن عن ابي‌حكيم مفارق الاعبد و الحميم

ثم انكسروا كسرة هائلة و جاء البشير إلي المختار أنهم ولوا مدبرين فمنهم من اختفي في بيته و منهم من لحق بمصعب بن الزبير و منهم من خرج إلي البادية ثم وضعت الحرب أوزارها و حلت ازرارها و محص القتل شرارها فأحصوا القتلي منهم فكانوا ستمائة و أربعين رجلاً ثم استخرج من دور الوادعيين خمسمائة اسير كما ذكر الطبري و غيره فجاؤا بهم الي المختار فعرضوهم عليه فقال كل من حضر منهم قتل الحسين فأعلموني به فلايؤتي بمن حضر قتله إلا قيل هذا فيضرب عنقه حتي قتل منهم مائتين و ثمانية و أربعين رجلاً و قتل أصحاب المختار جمعاً كثيراً بغير علمه و أطلق الباقين ثم علم المختار أن شمر بن ذي‌الجوشن خرج هارباً و معه نفر ممن شرك في قتل الحسين (ع) فأمر عبداً له أسود يقال له رزين و قيل زربي و معه عشرة و كان شجاعاً يتبعه فيأتيه برأسه قال مسلم بن عبداللّه الضبابي كنت مع شمر حين هزمنا المختار فدنا منا العبد قال شمر اركضوا و تباعدوا لعل العبد يطمع في فأمعنا في التباعد عنه حتي لحقه العبد فحمل عليه فقتله و مشي فنزل (ظ) في جانب قرية اسمها الكلبانية ( الكلتانية ظ ) علي شاطئ نهر إلي جانب تل ثم أخذ من القرية علجاً فضربه و دفع إليه كتاباً و قال عجل به إلي مصعب بن الزبير و كان عنوانه للأمير المصعب بن الزبير من شمر بن ذي‌الجوشن فمشي العلج حتي دخل قرية فيها ابوعمرة بعثه المختار إليها في أمر و معه خمسمائة فارس قرء الكتاب رجل من أصحابه و قرأ عنوانه فسأل عن [ص 812] شمر و أين هو فأخبره أن بينهم و بينه ثلاثة فراسخ قال مسلم بن عبداللّه قلت لشمر لو ارتحلت من هذا المكان فإنا نتخوف عليك فقال ويلكم أكل هذا الجزع من الكذاب واللّه لابرحت فيه ثلاثة أيام فبينما نحن في أول النوم أشرفت علينا الخيل من التل و احاطوا بنا و هو عريان مؤتزراً بمنديل فانهزمنا و تركناه فأخذ سيفه و دنا منهم و هو يقول :

نبهتموا ليثاً هزبراً باسلاً جهماً محياه يدق الكاهلا

لم يك يوماً عن عدو ناكلاً إلا كذا مقاتلاً أو قاتلا

فلم‌يك بأسرع أن سمعنا قتل الخبيث قتله ابوعمرة و قتل أصحابه ثم جيء بالرؤس إلي المختار خر ساجداً و نصبت الرؤس في رحبة الحذائين حذاء الجامع .

و انا الآن اذكر من قتله المختار من قتلة الحسين

ذكر الطبري في تاريخه أن المختار (ره) تجرد لقتلة الحسين و أهل بيته و قال اطلبوهم فإنه لايسوغ لي الطعام و الشراب حتي اطهر الأرض منهم قال موسي بن عامر فأول من بدء به الذين وطئوا الحسين بخيلهم و أنامهم علي ظهورهم و ضرب سكك الحديد في أيديهم و أرجلهم و أجري الخيل عليهم حتي قطعتهم و حرقهم بالنار ثم أخذ رجلين اشتركا في دم عبدالرحمن بن عقيل بن ابي‌طالب و في سلبه كانا في الجبانة فضرب أعناقهما ثم أحرقهما بالنار ثم أحضر مالك بن بشير فقتله في السوق و بعث اباعمرة فأحاط بدار خولي بن يزيد الأصبحي و هو حامل رأس الحسين عليه السلام إلي عبيداللّه فخرجت امرأته إليهم و هي النور ( النوار ظ ) ابنة مالك كما ذكر الطبري في تاريخه و قيل اسمها العيوق ( العيوف ظ ) و كانت محبة لأهل البيت قالت لاأدري أين هو و أشارت بيدها إلي بيت الخلاء فوجدوه و علي رأسه قوصرة فأخذوه و قتلوه ثم أمر بحرقه و بعث عبداللّه بن كامل إلي حكيم بن الطفيل السنبسي و كان قد أخذ سلب العباس [ص 813] و رماه بسهم فأخذوه قبل وصوله الي المختار و نصبوه هدفاً و رموه بالسهام و بعث إلي قاتل علي بن الحسين و هو مرة بن منقذ العبدي و كان شيخاً فأحاطوا بداره فخرج و بيده الرمح و هو علي فرس جواد فطعن عبيداللّه بن ناجية الشبامي فصرعه و لم‌تضره الطعنة و ضربه ابن كامل بالسيف فاتقاها بيده اليسري فأسرع فيها السيف و تمطرت به الفرس فأفلت و لحق بمصعب و شلت يده بعد ذلك و أحضر زيد بن ورقاء فرماه بالنبل و الحجارة و أحرقه و هرب سنان بن أنس إلي البصرة فهدم داره ثم خرج من البصرة نحو القادسية و كان عليه عيون فأخبروا المختار فأخذه بين العذيب و القادسية فقطع أنامله ثم يديه و رجليه و أغلي زيتاً في قدر و رماه فيها و هرب عبداللّه بن عقبة الغنوي إلي الجزيرة فهدم داره و فيه و في حرملة بن الكاهل قتل واحداً من أصحاب الحسين عليه السلام قال الشاعر :

و عند غني قطرة من دمائنا و في أسد أخري تعد و تذكر

حدث المنهال بن عمرو قال دخلت علي زين‌العابدين عليه السلام أودعه و أنا أريد الانصراف من مكة فقال يا منهال ما فعل حرملة بن كاهل و كان معي بشر بن غالب الأسدي فقال ذلك من بني‌الجريش أحد بني موقد النار و هو حي بالكوفة فرفع يديه و قال اللّهم أذقه حر النار اللّهم أذقه حر الحديد قال المنهال و قدمت الكوفة و المختار بها (ظ) فركبت إليه فلقيته خارجاً من داره فقال يا منهال لم‌تشركنا في ولايتنا هذه فعرفته أني كنت بمكة فمشي حتي أتي الكناس و وقف كأنه ينتظر شيئاً فلم‌يلبث أن جاء قوم قالوا أبشر أيها الأمير فقد اخذ حرملة فجيء به فقال لعنك اللّه الحمد للّه الذي امكنني منك الجزار الجزار فأتي بجزار فأمره بقطع يديه و رجليه ثم قال النار النار فأتي بنار و قصب فأحرق فقلت سبحان اللّه سبحان [ص 814] اللّه فقال إن التسبيح لحسن لم سبحت فأخبرته دعاء زين‌العابدين عليه السلام فنزل عن دابته و صلي ركعتين و أطال السجود و ركب و سار فحاذي داري فعزمت عليه بالنزول و التحرم بطعامي فقال إن علي بن الحسين دعا بدعوات فأجابها اللّه علي يدي ثم تدعوني إلي الطعام هذا يوم صوم شكراً للّه تعالي فقلت أحسن اللّه توفيقك ، و انهزم عبداللّه بن عروة الخثعمي إلي مصعب فهدم داره و طلب عمرو بن صبيح الصيداوي (ظ) فأتوه و هو علي سطحه بعد ما هدأت العيون و سيفه تحت رأسه فأخذوه و سيفه فقال قبحك اللّه من سيف ما أبعدك علي قربك فجيء به إلي المختار فلما كان من الغداة طعنوه بالرماح حتي مات و أنفذ إلي محمد بن الأشعث بن قيس و قد انهزم إلي قصر له في قرية إلي جنب القادسية فقال انطلق فإنك تجده لاهياً متصدياً أو قائماً متبلداً أو خائفاً متلدداً أو كامناً متعمداً فأتني برأسه فأحاطوا بالقصر و له بابان فخرج و مشي الي مصعب فهدم القصر و داره و أخذ ما كان فيهما قال المرزباني و أتوه بعبداللّه بن اسيد الجهني و مالك بن الهشم البدائي و حمل بن مالك المحاربي من القادسية فقال يا اعداء اللّه اين الحسين بن علي قالوا اكرهنا علي الخروج قال فألّامننتم عليه و سقيتموه من الماء و قال للبدائي انت آخذ برنسه قال لا قال بلي و امر بقطع يديه و رجليه و الآخران ضرب اعناقهما و اتوه ببجدل بن سليم الكلبي و عرفوا انه اخذ خاتمه و قطع اصبعه فامر بقطع يديه و رجليه فلم‌يزل ينزف حتي مات و اتوه برقاد بن مالك و عمر بن خالد و عبدالرحمن البجلي و عبداللّه بن قيس الخولاني فقال يا قتلة الحسين ( الصالحين خ‌ل ) لقد اخذتم الورس في يوم نحس و كان في رحل الحسين ورس فاقتسموه وقت نهب رحله فاخرجهم إلي السوق و كان أسماء بن خارجة الفزاري ممن [ص 815] سعي في قتل مسلم بن عقيل رحمه اللّه فقال المختار أما و رب السماء و رب الضياء و الظلماء لتنزلن نار (ظ) من السماء دهماء حمراء سحماء تحرق دار أسماء فبلع كلامه في سمعه فقال ( فبلغ كلامه اليه فقال ظ ) سجع ابوإسحاق و ليس ههنا مقام بعد هذا و خرج من داره هارباً إلي البادية فهدم داره و دور بني عمه و كان الشمر بن ذي‌الجوشن قد أخذ من الابل التي كانت تحت رحل الحسين عليه السلام فنحرها و قسم لحمها علي قوم من أهل الكوفة فأمر المختار فأحصوا كل دار دخلها ذلك اللحم فقتل أهلها و هدمها و لم‌يزل المختار يتبع قتلة الحسين عليه السلام حتي قتل خلقاً كثيراً و هزم الباقين فهدم دورهم و أنزلهم من المعاقل و الحصون إلي المفاوز و الصحون قال و قتلت العبيد مواليها و جاؤا إلي المختار فعتقهم و كان العبد يسعي بمولاه فيقتله المختار حتي ان العبد يقول لسيده احملني علي عنقك فيحمله و يدلي رجليه علي صدره إهانة له و لخوفه من سعايته به إلي المختار فيا لها منقبة حازها و مثوبة أحرزها فقد سر النبي بفعله و إدخاله الفرح علي عترته و أهله و قد قلت هذه الأبيات مع كلال الخاطر و قذي الناظر :

سر النبي بأخذ الثار من عصب باؤوا بقتل الحسين الطاهر الشيم

قوم غذوا بلبان البغض ويحهم للمرتضي و بنيه سادة الأمم

حاز الفخار الفتي المختار إذ قعدت عن نصره سائر الأعراب و العجم [ص 816] 

جادته من رحمة الجبار سارية تهمي علي قبره منهلة الديم

المرتبة الرابعة في ذكر مقتل عمر بن سعد و عبيداللّه بن زياد و من تابعه و كيفية قتالهم و النصر عليهم

فلما خلا خاطره و انجلي ناظره اهتم بعمر بن سعد و ابنه حفص حدث عمر بن الهيثم قال كنت جالساً عن يمين المختار و الهيثم بن الأسود عن يساره فقال واللّه لأقتلن رجلاً عظيم القدمين عابر (ظ) العينين مشرف الحاجبين يهمز الأرض برجله يرضي قتله أهل السماء و الأرض فسمع الهيثم قوله و وقع في نفسه أنه أراد عمر بن سعد فبعث ولده العريان فعرفه قول المختار و كان عبداللّه بن جعدة بن هبيرة أعز الناس علي المختار قد أخذ ( لعمر ظ ) أماناً حيث اختفي فيه بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا أمان المختار بن ابي‌عبيد الثقفي لعمر بن سعد بن ابي‌وقاص إنك آمن بأمان اللّه علي نفسك و أهلك و مالك و ولدك لاتؤاخذ بحدث كان منك قديماً ما سمعت و أطعت و لزمت منزلك إلا أن تحدث حدثاً فمن لقي عمر بن سعد من شرطة اللّه و شيعة آل‌محمد عليهم السلام فلايعرض له إلا بسبيل خير و السلام ، ثم شهد فيه جماعة قال الباقر (ع) إنما قصد المختار ان يحدث حدثاً هو أن يدخل بيت الخلاء و يحدث فظهر عمر إلي المختار فكان يدنيه و يكرمه و يجلسه معه علي سريره و علم أن قول المختار عنه فعزم علي الخروج من الكوفة فأحضر رجلاً من بني تيم اللات اسمه مالك و كان شجاعاً و أعطاه أربعمائة دينار و قال هذه معك لحوائجنا و خرجا فلما كان عند حمام عمر أو نهر عبدالرحمن وقف و قال أتدري لم خرجت قال لا قال خفت المختار فقال ابن دومة يعني المختار أضيق استاً من أن يقتلك و إن هربت هدم دارك و انتهب عيالك و مالك و خرب ضياعك ( و أنت [ص 817] ظ ) أعز العرب فاغتر بكلامه فرجعا علي الروحاء فدخلا الكوفة مع الغداة هذا قول المرزباني و قال غيره إن المختار علم خروجه من الكوفة فقال وفينا له و غدر و في عنقه سلسلة لو جهد أن ينطلق مااستطاع فنام عمر علي الناقة فرجعت و هو لايدري حتي ردته إلي الكوفة فأرسل عمر ابنه إلي المختار قال له أين أبوك قال في المنزل و لم‌يكونا يجتمعان عند المختار و إذا حضر أحدهما غاب الآخر خوفاً أن يجتمعا فيقتلهما فقال حفص أبي يقول أتفي لنا بالأمان قال اجلس و طلب المختار اباعمرة و هو كيسان التمار فأسر إليه أن اقتل عمر بن سعد و إذا دخلت و رأيته يقول يا غلام علي بطيلساني فإنه يريد السيف فبادره و اقتله فلم‌يلبث أن جاء و معه رأسه فقال حفص إنا للّه و إنا إليه راجعون فقال له أتعرف هذا الرأس قال نعم و لا خير في العيش بعده فقال إنك لاتعيش بعده فقال و أمر بقتله و قال المختار عمر بالحسين و حفص بعلي بن الحسين و لا سواء واللّه لأقتلن سبعين‌الفاً كما قتل بيحيي بن زكريا و قيل إنه قال لو قتلت ثلاثة أرباع قريش لماوفوا بأنملة من أنامل الحسين عليه السلام و كان محمد بن الحنفية يعتب علي المختار لمجالسة عمر بن سعد و تأخير (ظ) قتله فحمل الرأسين إلي مكة مع مسافر بن سعد الهمداني و ظبيان بن عمارة التميمي فبينا محمد بن الحنفية جالساً في نفر من الشيعة و هو يعتب علي المختار فماتم كلامه إلا و الرأسان عنده فخر ساجداً و بسط كفيه و قال اللّهم لاتنس هذا اليوم للمختار و اجزه عن أهل بيت نبيك محمد خير الجزاء فواللّه ما علي المختار بعد هذا من عتب فلما قضي المختار من أعداء اللّه وطره و حاجته و بلغ فيهم أمنيته قال لم‌يبق علي أعظم من عبيداللّه بن زياد فأحضر إبراهيم بن الأشتر و أمره بالمسير إلي عبيداللّه فقال إني [ص 818] خارج و لكن أكره خروج عبيداللّه بن الحر معي و أخاف أن يغدر بي وقت الحاجة فقال له أحسن إليه و املأ عينه بالمال و أخاف إن أمرته بالقعود عنك فلايطيب له فخرج إبراهيم من الكوفة و معه عشرة آلاف فارس و خرج المختار في تشييعه و قال اللّهم انصر من صبر و اخذل من كفر و من عصي و فجر و بايع و غدر و علا و تجبر فصار إلي سقر لاتبقي و لاتذر ليذوق العذاب الأكبر ثم رجع و مضي إبراهيم و هو يرتجز و يقول :

أنا و حق المرسلات عرفاً حقاً و حق العاصفات عصفاً

لنعسفن من بغانا عسفاً حتي يسوم القوم منا خسفاً

زحفاً إليهم لانمل الرجفا حتي نلاقي بعد صف صفاً

و بعد ألف قاسطين ألفاً نكشفهم لدي الهياج كشفا

فسار إلي المدائن فأقام بها ثلاثاً و سار إلي تكريت فنزلها و أمر بجباية خراجها ففرقه و بعث إلي عبيداللّه بن الحر بخمسة آلاف درهم فغضب فقال أنت أخذت لنفسك عشرة آلاف درهم و ماكان الحر دون مالك فحلف إبراهيم إني ماأخذت زيادة عليك ثم حمل إليه ما أخذه لنفسه فلم‌يرض و خرج علي المختار و نقض عهده و أغار علي سواد الكوفة فنهب القري و قتل العمال و أخذ الأموال و مضي إلي البصرة إلي مصعب بن الزبير فلما علم المختار أرسل عبداللّه بن كامل إلي داره فهدمها و إلي زوجته سلمي بنت خالد الجعفية حبسها ثم ورد كتاب المختار إلي إبراهيم يحثه علي تعجيل القتال فطوي المراحل حتي نزل علي نهر الخازر علي أربعة فراسخ من الموصل و عبيداللّه بن زياد بها قال عبداللّه بن ابي‌عقب الديلمي حدثني خليلي أنا نلقي أهل الشام علي نهر يقال له الخازر فيكشفونا حتي نقول هي هي ثم نكر عليهم فنقتل أميرهم فابشروا و اصبروا فانكم لهم قاهرون فعلم عبيداللّه بقدوم إبراهيم فرحل في ثلاثة و ثمانين‌الفاً حتي نزل [ص 819] قريباً من عسكر العراق و طلبهم أشد طلب و جاءهم في جحفل لجب و كان مع ابن الأشتر أقل من عشرين‌الفاً و كان في عسكر الشام من أشراف بني‌سليم عمير (ظ) بن الحباب فراسله إبراهيم و وعده بالحباء و الإكرام فجاء و معه ألف فارس من بني عمه و أقاربه فصار مع عسكر العراق فأشار عليهم بتعجيل القتال و ترك المطاولة فلما كان في السحر صلوا بغلس و عبأ إبراهيم اصحابه فجعل علي ميمنته سفيان بن يزيد الأزدي و علي ميسرته علي بن مالك الجشمي (ظ) و علي الخيل الطفيل بن لقيط النخعي و علي الرجالة مزاحم بن مالك السكوني ثم زحفوا حتي أشرفوا علي أهل الشام و لم‌يظنوا أنهم يقدمون عليهم لكثرتهم فبادروا إلي تعبئة عسكرهم فجعل عبيداللّه علي ميمنته شراحيل بن ذي‌الكلاع و علي ميسرته ربيعة بن مخارق الغنوي و علي جناح ميسرته جميل بن عبداللّه الغنمي و في القلب الحصين بن نمير و وقف العسكران و التقي الجمعان فخرج ابن ضبعان (ظ) الكلبي و نادي يا شيعة المختار الكذاب يا شيعة ابن الاشتر المرتاب

انا ابن ضبعان الكريم المفضل من عصبة يبرون من دين علي

كذاك كانوا في الزمان الأول

فخرج إليه الأحوص بن شداد الهمداني و هو يقول :

أنا ابن شداد علي دين علي لست لعثمان بن أروي بولي

لأصلين القوم فيمن يصطلي بحر نار الحرب حتي تنجلي

فقال للشامي ما اسمك قال منازل الأبطال قال له الأحوص و أنا مقرب الآجال ثم حمل عليه و ضربه فسقط قتيلا ثم نادي هل من مبارز فخرج إليه داود الدمشقي و هو يقول :

[ص 820]

أنا ابن من قاتل في صفينا قتال قرن لم‌يكن غبينا

بل كان فيها بطلاً جرونا مجربا لدي الوغي كمينا

فأجابه الأحوص يقول :

يا ابن الذي قاتل في صفينا و لم‌يكن في دينه غبينا

كذبت قد كان بها مغبوناً مذبذبا في أمره مفتونا

لا يعرف الحق و لا اليقينا بؤساً له لقد مضي ملعوناً

ثم التقيا فضربه الأحوص فقتله ثم عاد إلي صفه و خرج الحصين بن نمير السكوني و هو يقول :

يا قادة الكوفة أهل المنكر و شيعة المختار و ابن الأشتر

هل فيكم قوم كريم العنصر مهذب في قومه بمفخر

يبرز نحوي قاصداً لايمتري

فخرج إليه شريك بن خزيم التغلبي و هو يقول :

يا قاتل الشيخ الكريم الأزهر بكربلا يوم التقاء العسكر

اعني حسيناً ذا الثنا و المفخر و ابن النبي الطاهر المطهر

و ابن علي البطل المظفر هذا فخذها من هزبر قسور

ضربة قوم ربعي مضري

فجدله التغلبي صريعاً فدخل علي أهل الشام من أهل العراق مدخل عظيم ثم تقدم إبراهيم و نادي يا شرطة اللّه ألا يا شيعة الحق ألا يا أنصار الدين قاتلوا المحلين و أولاد القاسطين لاتطلبوا أثراً بعد عين هذا عبيداللّه بن زياد قاتل الحسين ثم حمل علي أهل الشام و ضرب فيهم بسيفه و هو يقول :

قد علمت مذحج علماً لا خطل اني اذا القرن لقيني لا وكل [ص 821] 

و لا جزوع عندها و لا نكل اروع مقداماً اذا النكس فشل

أضرب في القوم إذا جاء الأجل و أعتلي رأس الطرماح البطل

بالذكر البتار حتي ينجدل

و حمل أهل العراق معه و اختلطوا و تقدمت رايتهم و شبت فيهم نار الحرب و دهمهم العسكر بجناحيه و القلب إلي أن صلوا بالإيماء و التكبير صلاة الظهر و اشتغلوا بالقتال إلي (ظ) أن تجلي صدر الدجي بالأنجم الأزهر و زحف عليهم العسكر ( عسكر العراق ظ ) فرحاً بالمصاع و حرصاً علي القراع و وثوقاً بما وعدهم اللّه به من النصر و حسن الدفاع و انقضوا عليهم انقضاض العقبان علي الرخم و جالوا فيهم جولان السرحان علي الغنم و عركوهم عرك الاديم و دحوا بهم إلي عذاب الجحيم و أذاقوهم أسنة الرماح النازعة للمهج و الأرواح و لم‌تزل الحرب قائمة و السيوف لأجسادهم منتهبة فولي عسكر الشام مكسوراً عليه ذلة الخائب الخجل و ارتياع الخائف الوجل و عسكر العراق منصوراً و علي وجههم مسحة المسرور الثمل و تبعوهم إلي متون النجاد و بطون الوهاد و النبل ينزل عليهم كصب العهاد ثم انجلت الحرب و قد قتل أعيان أهل الشام مثل الحصين بن نمير و شراحبيل بن ذي‌الكلاع و ابن حوشب و غالب الباهلي و ابي‌أشرس بن عبداللّه الذي كان علي خراسان و حاز إبراهيم رحمه اللّه فضيلة هذا الفتح و عاقبة هذا المنح الذي انتشر في الأقطار و دام دوام الأعصار و لقد أحسن عبداللّه بن الزبير الأسدي يمدح إبراهيم الأشتر فقال :

[ص 822]

اللّه أعطاك المهابة و التقي و أحل بيتك في العديد الأكثر

و أقر عينك يوم وقعة خازر و الخيل تعثر في القنا المتكسر

من ظالمين كفتهم أيامهم تركوا لحاجلة و طير أعثر

ما كان أجرأهم جزاهم ربهم يوم الحساب علي ارتكاب المنكر

قال الرواة رأينا إبراهيم بعد ما انكسر العسكر و انكشف العثير قوماً منهم ثبتوا و صبروا و قاتلوا فلقطهم من صهوات الخيل و قذفهم في لهوات الليل حتي صبغت الأرض من دمائهم ثياباً حمراً و ملأ الفجاج ببأسه ذعراً و تساقطت النسور علي النسور و أهوت العقبان علي أجسادهم و هي كالعقيق (ظ) المنثور و اصطلح علي أكل لحمهم الذئب و السبع و السيد و الضبع قال إبراهيم و أقبل رجل أحمر في كبكبة يغري الناس كأنه بغل أقمر لايدنو منه فارس إلا صرعه و لا كمي إلا قطعه فدنا مني فضربت يده فأبنتها و سقط علي شاطئ الخازر فشرقت يداه و غربت رجلاه فقتلته و وجدت رائحة المسك تفوح منه و جاء رجل نزع خفيه و ظنوا أنه ابن زياد من غير تحقيق فطلبوه فإذا هو علي ما وصف ابراهيم فاجتزوا رأسه و احتفظوا طول الليل بجسده فلما أصبحوا عرفه مهران مولي زياد فلما رآه ابراهيم قال الحمد للّه الذي أجري قتله علي يدي و قتل في صفر و قال قوم من أصحاب الحديث يوم عاشورا و عمره دون الأربعين و قيل تسعة و ثلاثون سنة و اصبح الناس فحووا ما كان و غنموا غنيمة عظيمة و لقد أجاد ابوالسفاح الزبيدي بمدحته إبراهيم و هجائه ابن زياد فقال :

[ص 823]

اتاكم غلام من عرانين (ظ) مذحج جريء علي الأعداء غير نكول

أتاه عبيداللّه في شر عصبة من الشام لما أرضيوا بقليل

فلما التقي الجمعان في حومة الوغي و للموت فيهم ثم جر ذيول

فأصبحت قد ودعت هندا و أصبحت مولهة ما وجدها بقليل

و اخلق بهند ان تساق سبية لها من ابي‌إسحاق سر حليل

تولي عبيداللّه خوفاً من الردي و خشية ماضي الشفرتين صقيل

جزي اللّه خيراً شرطة اللّه انهم شفوا بعبيداللّه كل غليل