و ذبح الصبي و قتل الوصي و قتل شبٖيرٍ و سم الشبر

ترقْرق في العين ماء الفؤاد و يجري علي الخد منه الدرر

فيا قلب صبراً علي خزيهم ( حزنهم ظ ) فعند البلايا تكون العبر

و من الخصال باسناده يروي عن ابي‌عبداللّه عليه السلام أنه قال قال النبي صلي اللّه عليه و آله لن‌يعمل ابن آدم عملاً أعظم عند اللّه تبارك و تعالي من رجل قتل نبياً أو إماماً أو هدم الكعبة التي جعلها اللّه عز و جل قبلة لعباده أو أفرغ ماءه في امرأة حراماً .

[ص 768] المقصد الحادي‌عشر

فيما يتعلق بالمختار و صنيعه و ابتلاء من حضر كربلاء و ابتلاء يزيد في الدنيا و فيه ابواب :

باب ما ورد في مدح المختار و ذكر ما يوهم خلاف ذلك

منتخب الطريحي في الخبر عن الصادق عليه السلام قال اذا كان يوم القيامة يمر رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله علي شفير جهنم و معه علي بن ابي‌طالب عليه السلام فيمر بهم المختار و هو يومئذ في النار فينادي بصوت عالي يا شفيع المذنبين أنقذني من النار فلم‌يجبه فينادي يا علي أغثني من النار فلم‌يجبه فينادي يا حسن يا سيد شباب أهل الجنة أدركني فلم‌يجبه فينادي يا حسين يا سيدالشهداء أنا الذي قتلت أعداءك و أخذت بثارك فأنقذني من النار فيقول النبي صلي اللّه عليه و آله يا حسين ان المختار احتج عليك بأخذ الثأر من أعدائك فأنقذه من النار قال فينقض الحسين كالبرق الخاطف و يخرجه من النار و يغمسه في نهر الحيوان و يدخله الجنة مع الأخيار قيل للصادق عليه السلام و لم أدخل المختار النار و هو من الشيعه الأبرار و أفضل الأنصار لأهل بيت النبي المختار فقال الصادق عليه السلام كان المختار يحب السلطنة و كان يحب الدنيا و زينتها و زخرفها و ان حب الدنيا رأس كل خطيئة لأن رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله قال و الذي بعثني بالحق نبيا لو أن جبرائيل و ميكائيل في قلبهما ذرة من حب الدنيا لأكبهما اللّه علي وجوههما في النار بحار من سراير ابن ادريس باسناده عن سماعة قال سمعت اباعبداللّه عليه السلام يقول اذا كان يوم القيمة مر رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله بشفير النار و اميرالمؤمنين و الحسن و الحسين عليهم السلام فيصيح صايح من النار يا رسول اللّه اغثني يا رسول اللّه ثلثا قال فلايجيبه قال فينادي يا اميرالمؤمنين يا اميرالمؤمنين ثلثا اغثني فلايجيبه قال فينادي يا حسين يا حسين يا حسين اغثني انا قاتل اعدائك قال [ص 769] فيقول له رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله قد احتج عليك قال فينقض عليه كأنه عقاب كاسر قال فيخرجه من النار قال فقلت لابي‌عبداللّه عليه السلام و من هذا جعلت فداك قال المختار قلت له و لم عذب بالنار و قد فعل ما فعل قال انه كان في قلبه منهما شيء و الذي بعث محمدا بالحق لو ان جبرئيل و ميكائيل كان في قلبيهما شيء لأكبهما اللّه في النار علي وجوههما و من التهذيب باسناده عن امية بن علي القيسي عن بعض من رواه عن ابي‌عبداللّه عليه السلام قال قال لي يجوز النبي الصراط يتلوه علي و يتلو عليا الحسن و يتلو الحسن الحسين فاذا توسطوه نادي المختار الحسين يا اباعبداللّه اني طلبت بثارك فيقول النبي للحسين عليه السلام اجبه فينقض الحسين في النار كأنه عقاب كاسر فيخرج المختار حممة و لو شق عن قلبه لوجد حبهما في قلبه و قال الشيخ حسن بن سليمان في كتاب المحتضر قيل بعث المختار بن ابي‌عبيدة الي علي بن الحسين (ع) بمائة‌الف درهم فكره ان يقبلها منه و خاف ان يردها فتركها في بيت فلما قتل المختار كتب الي عبدالملك يخبره بها فكتب اليه خذها طيبة هنيئة فكان علي يلعن المختار و يقول كذب علي اللّه و علينا لان المختار كان يزعم انه يوحي اليه اقول هذه التعليل ليس من الامام حتي نعتمد عليه و هذا زعم ممن قال و من رجال الكشي باسناده عن حبيب الخثعمي عن ابي‌عبداللّه عليه السلام قال كان المختار يكذب علي علي بن الحسين (ع) و باسناده عن عبداللّه بن شريك قال دخلنا علي ابي‌جعفر (ع) يوم النحر و هو متكئ و قد ارسل إلي الحلاق فقعدت بين يديه إذ دخل عليه شيخ من أهل الكوفة فتناول يده ليقبلها فمنعه ثم قال من انت قال أنا ابومحمد الحكم بن المختار بن ابي‌عبيد الثقفي و كان متباعداً من ابي‌جعفر عليه السلام فمد يده إليه حتي كاد يقعده في حجره [ص 770] بعد منعه يده ثم قال أصلحك اللّه إن الناس قد أكثروا في أبي و قالوا و القول واللّه قولك قال و اي شيء يقولون قال يقولون كذاب و لاتأمرني بشيء إلا قبلته فقال سبحان اللّه أخبرني أبي واللّه أن مهر امي كان مما بعث به المختار أولم‌يبن دورنا و قتل قاتلينا و طلب بدمائنا فرحمه اللّه و أخبرني واللّه أبي أنه كان ليستمر ( ليسمر . ليستم . ليتم خ‌ل ) عند فاطمة بنت علي يمهد له يمهدها (ظ) الفراش و يثني لها الوسائد و منها أصاب الحديث رحم اللّه أباك رحم اللّه أباك ماترك لنا حقاً عند أحد إلا طلبه قتل قتلتنا و طلب بدمائنا و باسناده عن يونس بن يعقوب عن ابي‌جعفر عليه السلام قال كتب المختار بن ابي‌عبيد إلي علي بن الحسين و بعث إليه بهدايا من العراق فلما وقفوا علي باب علي دخل الآذن يستأذن لهم فخرج إليهم رسوله فقال أميطوا عن بابي فإني لاأقبل هدايا الكذابين و لااقرأ كتبهم فمحوا العنوان و كتبوا للمهدي محمد بن علي فقال ابوجعفر واللّه لقد كتب إليه بكتاب مااعطاه فيه شيئاً إنما كتب إليه يا بن خير من طشي و مشي فقال ابوبصير فقلت لابي‌جعفر عليه السلام أما المشي فأنا اعرفه فأي شيء الطشي فقال ابوجعفر عليه السلام الحياة وباسناده عن الاصبغ قال رأيت المختار علي فخذ اميرالمؤمنين عليه السلام و هو يمسح رأسه و يقول يا كيس يا كيس و باسناده عن عمر بن علي بن الحسين ان علي بن الحسين عليه السلام لما اتي برأس عبيداللّه بن زياد و رأس عمر بن سعد خرّ ساجدا و قال الحمد للّه الذي ادرك لي ثاري من اعدائي و جزي المختار خيرا وباسناده عن سدير عن ابي‌جعفر عليه السلام قال لاتسبوا المختار فانه قد قتل قتلتنا و طلب بثارنا و زوج اراملنا و قسم فينا الاموال علي العسرة (ظ) .

[ص 771] باب جوامع اخبار الائمة عليهم السلام في خروج المختار و صنيعه

بحار و من تفسير الامام عليه السلام قال اميرالمؤمنين عليه السلام كما أن بعض بني‌اسرائيل أطاعوا فأكرموا و بعضهم عصوا فعذبوا فكذلك تكونون أنتم فقالوا فمن العصاة يا اميرالمؤمنين قال الذين امروا بتعظيمنا أهل البيت و تعظيم حقوقنا فخانوا و خالفوا ذلك و جحدوا حقوقنا و استخفوا بها و قتلوا أولاد رسول اللّه الذين امروا باكرامهم و محبتهم قالوا يا اميرالمؤمنين إن ذلك لكائن قال بل خبراً حقاً و أمراً كائناً سيقتلون ولدي هذين الحسن و الحسين ثم قال اميرالمؤمنين عليه السلام و سيصيب الذين ظلموا رجزاً في الدنيا بسيوف من يسلط اللّه تعالي للانتقام بما كانوا يفسقون كما أصاب بني‌اسرائيل الرجز قيل و من هو قال غلام من ثقيف يقال له المختار بن ابي‌عبيدة و قال علي بن الحسين عليهما السلام فكان ذلك بعد قوله هذا بزمان و إن هذا الخبر اتصل بالحجاج بن يوسف لعنه اللّه من قول علي بن الحسين عليه السلام قال اما رسول اللّه ماقال هذا و أما علي بن ابي‌طالب أنا أشك هل حكاه عن رسول اللّه و أما علي بن الحسين فصبي مغرور يقول الاباطيل و يغر بها متبعوه اطلبوا لي المختار فطلب فأخذ فقال قدموه إلي النطع فاضربوا عنقه فأتي بالنطع فبسط و أبرك عليه المختار ثم جعل الغلمان يجيئون و يذهبون لايأتون بالسيف قال الحجاج ما لكم قالوا لسنا نجد مفتاح الخزانة و قد ضاع منا و السيف في الخزانة فقال المختار لن‌تقتلني و لن‌يكذب رسول اللّه و لئن قتلتني ليحييني اللّه حتي أقتل منكم ثلاثمائة و ثلاثة و ثمانين‌الفاً فقال الحجاج لبعض حجابه أعط السياف سيفك يقتله فأخذ السياف سيفه و جاء ليقتله به و الحجاج يحثه و يستعجله فبينا هو في تدبيره إذ عثر و السيف بيده فأصاب السيف بطنه فشقه فمات فجاء بسياف آخر و أعطاه السيف فلما رفع يده ليضرب عنقه لدغته عقرب فسقط فمات فنظروا و [ص 772] إذا العقرب فقتلوه فقال المختار يا حجاج إنك لاتقدر علي قتلي ويحك يا حجاج أماتذكر ما قال نزار بن معد بن عدنان للشابور ذي الاكتاف حين كان يقتل العرب و يصطلمهم فأمر نزار ولده فوضع في زنبيل في طريقه فلما رآه قال من أنت قال أنا رجل من العرب اريد أن أسألك لم تقتل هؤلاء العرب و لا ذنوب لهم إليك و قد قتلت الذين كانوا مذنبين في عملك و المفسدين قال لاني وجدت في الكتاب أنه يخرج منهم رجل يقال له محمد يدعي النبوة فيزيل دولة ملوك الأعاجم و يفنيها فأقتلهم حتي لايكون منهم ذلك الرجل فقال نزار لئن كان ما وجدته في كتب الكذابين فما أولاك أن تقتل البراء غير المذنبين و إن كان ذلك من قول الصادقين فإن اللّه سيحفظ ذلك الأصل الذي يخرج منه هذا الرجل و لن‌تقدر علي إبطاله و يجري قضاءه و ينفذ امره و لو لم‌يبق من جميع العرب إلا واحد فقال شابور صدقت هذا نزار يعني بالفارسية المهزول كفوا عن العرب فكفوا عن العرب و لكن يا حجاج إن اللّه قد قضي أن أقتل منكم ثلاثمائة‌الف و ثلاثة و ثمانين‌الف رجل فإن شئت فتعاط قتلي و إن شئت فلاتعاط فإن اللّه إما أن يمنعك عني و إما أن يحييني بعد قتلك فإن قول رسول اللّه حق لا مرية فيه فقال للسياف اضرب عنقه فقال المختار إن هذا لن‌يقدر علي ذلك و كنت احب أن تكون أنت المتولي لما تأمره فكان يسلط عليك أفعي كما سلط علي هذا الأول عقرباً فلما هم السياف أن يضرب عنقه إذا برجل من خواص عبدالملك بن مروان قد دخل فصاح بالسياف كف عنه و معه كتاب من عبدالملك بن مروان فإذا فيه بسم اللّه الرحمن الرحيم أما بعد يا حجاج بن يوسف فإنه قد سقط إلينا طير عليه رقعة أنك اخذت المختار بن ابي‌عبيد تريد قتله تزعم أنه حكي عن رسول اللّه فيه أنه سيقتل من أنصار بني‌أمية [ص 773] ثلاثمائة و ثلاثة و ثمانين‌الف رجل فإذا أتاك كتابي هذا فخل عنه و لاتعرض له إلا بسبيل خير فإنه زوج ظئر ابني الوليد بن عبد الملك بن مروان و قد كلمني فيه الوليد و إن الذي حكي إن كان باطلاً فلا معني لقتل رجل مسلم بخبر باطل و إن كان حقاً فإنك لاتقدر علي تكذيب قول رسول اللّه فخلي عنه الحجاج فجعل المختار يقول سأفعل كذا و أخرج وقت كذا و أقتل من الناس كذا و هؤلاء صاغرون يعني بني‌أمية فبلغ ذلك الحجاج فأخذ و انزل و أمر بضرب العنق فقال المختار إنك لاتقدر علي ذلك فلاتتعاط رداً علي اللّه و كان في ذلك إذ سقط عليه طائر آخر عليه كتاب من عبدالملك بن مروان بسم اللّه الرحمن الرحيم يا حجاج لاتتعرض للمختار فإنه زوج مرضعة ابني الوليد و لئن كان حقاً فستمنع من قتله كما منع دانيال من قتل بخت‌نصر الذي كان قضي اللّه أن يقتل بني‌اسرائيل فتركه الحجاج و توعده إن عاد لمثل مقالته ( فعاد لمثل مقالته ظ ) و اتصل بالحجاج الخبر فطلبه فاختفي مدة ثم ظفر به فلما هم بضرب عنقه إذ ورد عليه كتاب عبدالملك فاحتبسه الحجاج و كتب إلي عبدالملك كيف تأخذ إليك عدواً مجاهراً يزعم أنه يقتل من أنصار بني‌أمية كذا و كذا ألفاً فبعث إليه إنك رجل جاهل لئن كان الخبر فيه باطلاً فما احقنا برعاية حقه لحق من خدمنا و إن كان الخبر فيه حقاً فإنه سنربيه ليسلط علينا كما ربي فرعون موسي عليه السلام حتي سلط عليه فبعث به الحجاج فكان من المختار ما كان و قتل من قتل و قال علي بن الحسين عليه السلام لاصحابه و قد قالوا له يا بن رسول اللّه ان اميرالمؤمنين عليه السلام ذكر من أمر المختار و لم‌يقل متي يكون قتله لمن يقتل فقال علي بن الحسين أولااخبركم متي يكون قالوا بلي قال يوم كذا إلي ثلاث سنين من قولي هذا و سيؤتي [ص 774] برأس عبيداللّه بن زياد و شمر ذي‌الجوشن في يوم كذا و كذا و سنأكل و هما بين أيدينا ننظر إليهما قال فلما كان اليوم الذي أخبرهم أنه يكون فيه القتل من المختار لأصحاب بني‌أمية كان علي بن الحسين عليه السلام مع أصحابه علي مائدة إذ قال لهم معاشر إخواننا طيبوا انفسكم فإنكم تأكلون و ظلمة بني‌أمية يحصدون قالوا أين قال في موضع كذا يقتلهم المختار و سيؤتي برأسين يوم كذا و كذا فلما كان في ذلك اليوم اتي بالرأسين لما أراد أن يقعد للأكل و قد فرغ من صلاته فلما رآهما سجد و قال الحمد للّه الذي لم‌يمتني حتي أراني فجعل يأكل و ينظر إليهما فلما كان في وقت الحلوا لم‌يأت بالحلوا لانهم كانوا قد اشتغلوا عن عمله بخبر (ظ) الرأسين فقال ندماؤه و لم‌يعمل اليوم الحلوا فقال علي بن الحسين لانريد حلوا أحلي من نظرنا إلي هذين الرأسين ثم عاد إلي قول اميرالمؤمنين عليه السلام قال و ما للكافرين و الفاسقين عند اللّه أعظم و أوفي و من البصائر باسناده حدث ابوجعفر ان علي بن دراج حدثه أن المختار استعمله علي بعض عمله و أن المختار أخذه فحبسه و طلب منه مالاً حتي إذا كان يوماً من الايام دعاه هو و بشر بن غالب فهددهما بالقتل فقال له بشر بن غالب و كان رجلاً متنكراً واللّه ماتقدر علي قتلنا قال لم و مم ذلك ثكلتك امك و أنتما أسيران في يدي قال لانه جاءنا في الحديث انك تقتلنا حين تظهر علي دمشق فتقتلنا علي درجها قال له المختار صدقت قد جاء هذا قال فلما قتل المختار اخرجا من محبسهما ، الخبر .

[ص 775] باب جملة من الاخبار المتفرقة في خروج المختار و صنيعه

مدينة المعاجز من تاريخ الطبري قال إن المختار تجرد لقتلة الحسين عليه السلام فقال اطلبوهم فإنه لايسوغ لي الطعام و الشراب حتي اطهر الارض منهم قال موسي بن عامر فأول ما بدأ به الارض الذين ( ما بدأ به الذين ظ ) وطئوا الحسين بخيلهم فأخذهم و اتي بهم علي ظهورهم و اخذ سكك الحديد في أيديهم و ارجلهم و اجري الخيل عليهم حتي قطعتهم قطعا و احرقهم بالنار و في بعض الروايات انهم كانوا أولاد زنا ثم أخذ المختار رجلين اشتركا في دم عبدالرحمن بن عقيل بن ابي‌طالب و في سلبه كانا في الجبانة (ظ) فضرب عنقهما ثم أحرقهما بالنار و بعث اباعمرة فأحاط بدار خولي بن يزيد الاصبحي و هو حامل رأس الحسين (ع) إلي عبيداللّه بن زياد لعنه اللّه فخرجت امرأته إليهم و هي النورانية كما ذكره الطبري في تاريخه و قيل اسمها العيوق و كانت محبة لاهل البيت عليهم السلام قالت لاأدري أين هو و اشارت بيدها فوجدوا علي رأسه قوصرة ● فأخذوه و قتلوه ثم أمر بحرقه و بعث عبداللّه بن كامل إلي حكيم بن الطفيل التميمي و كان قد أخذ سلب العباس و رمي حسينا (ع) بسهم فأخذوه قبل وصوله إلي المختار فصيروه هدفا و رموه بالسهام و بعث إلي قاتل علي بن الحسين عليهما السلام و هو مرة قنفذ ( مرة بن منقذ ظ ) العبدي و كان شجاعا فأحاطوا بداره فخرج و بيده الرمح و هو علي فرس جواد فطعنه عبداللّه بن جندب الشيباني فصرعه و لم‌تضره الطعنة و ضربه ابن كامل بالسيف فنفرت به الفرس فانفلت و لحق بمصعب و شلت يده بعده ذلك و هرب سنان بن الأنس إلي البصرة و هدم داره ثم انه خرج من البصرة نحو القادسية و كان عليه عيون فأخبروا المختار فأخذوه بين العذيب و القادسية فقطع [ص 776] أنامله ثم يده و رجليه و اقلي له زيتا في قدر و رماه فيها بحار من امالي الطوسي باسناده عن المدائني عن رجاله أن المختار بن ابي‌عبيدة الثقفي رحمه اللّه ظهر بالكوفة ليلة الأربعاء لاربع‌عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر سنة ست و ستين فبايعه الناس علي كتاب اللّه و سنة رسول اللّه و الطلب بدم الحسين بن علي عليه السلام و دماء أهل بيته رحمة اللّه عليهم و الدفع عن الضعفاء فقال الشاعر في ذلك :

و لما دعا المختار جئنا لنصره علي الخيل تردي من كميت و أشقرا

دعا يا آل ثأرات ( يا لثارات ظ ) الحسين فأقبلت تعادي بفرسان الصباح ( الهياج خ‌ل ) لتثأرا

و نهض المختار إلي عبداللّه بن مطيع و كان علي الكوفة من قبل ابن الزبير فأخرجه و أصحابه منها منهزمين و اقام بالكوفة إلي المحرم سنة سبع و ستين ثم عمد الي إنفاذ الجيوش إلي ابن زياد و كان بأرض الجزيرة و صير علي شرطته عبداللّه الجدلي و اباعمارة كيسان مولي عربية و أمر إبراهيم بن الأشتر رحمه اللّه بالتأهب للمسير إلي ابن زياد لعنه اللّه و أمره علي الأجناد فخرج إبراهيم يوم السبت لسبع خلون من المحرم سنة سبع و ستين في ألفين من مذحج و أسد و ألفين من تميم و همدان و ألف و خمسمائة من قبائل المدينة و ألف و خمسمائة من كندة و ربيعة و ألفين من الحمراء و قال بعضهم دعا ابن الاشتر في أربعة آلاف من القبائل و ثمانية آلاف من الحمراء و شيع المختار إبراهيم بن الأشتر (ره) ماشياً فقال له إبراهيم اركب رحمك اللّه فقال إني لاحتسب الأجر في خطاي معك و احب أن تغير قدماي في نصر آل‌محمد عليهم السلام ثم ودعه و انصرف فسار ابن الاشتر حتي أتي المدائن ثم سار يريد ابن زياد فشخص المختار عن الكوفة لما أتاه أن ابن الاشتر قد ارتحل من المدائن [ص 777] و أقبل حتي نزل المدائن فلما نزل ابن الاشتر نهر الخازر بالموصل أقبل ابن زياد في الجموع فنزل علي أربعة فراسخ من عسكر ابن الاشتر ثم التقوا فحض ابن الاشتر اصحابه و قال يا أهل الحق و أنصار الدين هذا ابن زياد قاتل الحسين بن علي و أهل بيته قد أتاكم اللّه به و بحزبه حزب الشيطان فقاتلوهم بنية و صبر لعل اللّه يقتله بأيدكم و يشفي صدوركم و تزاحفوا و نادي أهل العراق يا آل ثارات الحسين فجال أصحاب ابن الاشتر جولة فناداهم يا شرطة اللّه الصبر الصبرفراجعوا ( فتراجعوا خ‌ل ) فقال لهم عبداللّه بن بشار بن ابي‌عقب الدئلي حدثني خليلي أنا نلقي أهل الشام علي نهر يقال له الخازر فيكشفونا حتي نقول هي هي ثم نكر عليهم فنقتل أميرهم فابشروا و اصبروا فإنكم لهم قاهرون ثم حمل ابن الأشتر (ره) يميناً فخالط القلب و كسرهم أهل العراق فركبوهم يقتلونهم فانجلت الغمة و قد قتل عبيداللّه بن زياد و حصين بن نمير و شرحبيل بن ذي الكلاع و ابن حوشب و غالب الباهلي و عبداللّه بن زياد السلمي و ابوالاشرس الذي كان علي خراسان و أعيان أصحابه لعنهم اللّه فقال ابن الاشتر لأصحابه إني رأيت بعد ما انكشف الناس طائفة منهم قد صبرت تقاتل فأقدمت عليهم و أقبل رجل آخر في كبكبة كأنه بغل اقمر يغري الناس لايدنو أحد إلا صرعه فدنا مني فضربت يده فأبنتها و سقط علي شاطئ نهر فشرقت يداه و غربت رجلاه فقتلته و وجدت منه رايحة المسك و أظنه ابن زياد فاطلبوه فجاء رجل فنزع خفيه و تأمله فإذا هو ابن زياد لعنه اللّه علي ما وصف ابن الاشتر فاجتز رأسه و استوقدوا عامة الليل بجسده فنظر إليه مهران مولي زياد و كان يحبه حباً شديداً فحلف ان لايأكل شحماً أبداً فأصبح الناس فحووا ما في العسكر و هرب غلام لعبيداللّه إلي الشام فقال له عبدالملك بن مروان متي عهدك بابن زياد (ظ) فقال [ص 778] جال الناس فتقدم فقاتل و قال ائتني بجرة فيها ماء فأتيته فاحتملها فشرب منها و صب الماء بين درعه و جسده و صب علي ناصية فرسه فصهل ثم اقتحمه فهذا آخر عهدي به ، و بعث ابن الاشتر برأس ابن زياد إلي المختار و أعيان من كان معه فقدم بالرؤس و المختار يتغدا فالقيت بين يديه فقال الحمد للّه رب العالمين وضع رأس الحسين بن علي عليه السلام بين يدي ابن زياد لعنه اللّه و هو يتغذي و اتيت برأس ابن زياد و أنا أتغذي قال و انسابت حية بيضاء تخلل الرؤس حتي دخلت في أنف ابن زياد و خرجت من اذنه و دخلت في اذنه و خرجت من أنفه فلما فرغ المختار من الغذاء قام فوطأ ابن زياد بنعله ثم رمي بها إلي مولي له و قال اغسلها فإني وضعتها علي وجه نجس كافر ، و خرج المختار إلي الكوفة و بعث برأس ابن زياد و رأس حصين بن نمير و رأس شرحبيل بن ذي الكلاع مع عبدالرحمن بن ابي‌عمر الثقفي و عبداللّه بن شداد الجشمي و السائب بن مالك الاشعري إلي محمد بن الحنفية بمكة و علي بن الحسين يومئذ بمكة و كتب إليه معهم أما بعد فإني بعثت أنصارك و شيعتك إلي عدوك يطلبونه بدم أخيك المظلوم الشهيد فخرجوا محتسبين محنقين أسفين فلقوهم دون نصيبين فقتلهم رب العباد و الحمد للّه رب العالمين الذي طلب لكم الثأر و أدرك لكم رؤساء أعدائكم فقتلهم في كل فج و غرتهم ( غرقهم ظ ) في كل بحر فشفي بذلك صدور قوم مؤمنين و أذهب غيظ قلوبهم ، و قدموا بالكتاب و الرؤس عليه فبعث برأس ابن زياد إلي علي بن الحسين عليه السلام فأدخل عليه و هو يتغذي فقال علي بن الحسين عليهما السلام ادخلت علي ابن زياد و هو يتغذي و رأس أبي بين يديه فقلت اللّهم لاتمتني حتي تريني رأس ابن زياد و أنا أتغذي فالحمد للّه الذي [ص 779] أجاب دعوتي ثم أمر فرمي به فحمل إلي ابن الزبير فوضعه ابن الزبير علي قصبة فحركتها الريح فسقط فخرجت حية من تحت الستار فأخذت بأنفه فأعادوا القصبة فحركتها الريح فسقط فخرجت الحية فأزمت بأنفه ففعل ذلك ثلاث مرات فأمر ابن الزبير فألقي في بعض شعاب مكة قال و كان المختار رحمه اللّه قد سئل في أمان عمر بن سعد بن ابي‌وقاص فآمنه علي أن لايخرج من الكوفة فإن خرج منها فدمه هدر قال فأتي عمر بن سعد رجل فقال إني سمعت المختار يحلف ليقتلن رجلاً واللّه ماأحسبه غيرك قال فخرج عمر حتي أتي الحمام فقيل له أتري هذا يخفي علي المختار فرجع ليلا فدخل داره فلما كان الغد غدوت فدخلت علي المختار و جاء الهيثم بن الأسود فقعد فجاء حفص بن عمر بن سعد فقال للمختار يقول لك ابوحفص أين لنا بالذي كان بيننا و بينك قال اجلس فدعا المختار اباعمرة فجاء رجل قصير يخشخش في الحديد فساره و دعا رجلين فقال اذهبا معه فذهب فواللّه ماأحسبه بلغ دار عمر بن سعد حتي جاء برأسه فقال المختار لحفص أتعرف هذا قال إنا للّه و إنا إليه راجعون قال يا اباعمرة ألحقه به فقتله فقال المختار رحمه اللّه عمر بالحسين و حفص بعلي بن الحسين عليه السلام و لا سواء قال و اشتد أمر المختار بعد قتل ابن زياد و أخاف الوجوه و قال لايسوغ لي طعام و لا شراب حتي أقتل قتلة الحسين بن علي و أهل بيته و ما من ديني أترك أحداً منهم حياً و قال أعلموني من شرك في دم الحسين و أهل بيته فلم‌يكن يأتونه برجل فيقولون إن هذا من قتلة الحسين أو ممن أعان عليه إلا قتله و بلغه أن شمر بن ذي‌الجوشن لعنه اللّه أصاب مع الحسين إبلاً فأخذها فلما قدم الكوفة نحرها و قسم لحومها فقال المختار احصوا لي كل دار دخل فيها شيء من ذلك اللحم فأحصوها فأرسل إلي من كان أخذ منها [ص 780] شيئاً فقتلهم و هدم دوراً بالكوفة و اتي المختار بعبداللّه بن اسيد الجهني و مالك بن الهيثم البدائي من كندة و حمل بن مالك المحاربي فقال يا أعداء اللّه أين الحسين بن علي قالوا اكرهنا علي الخروج إليه قال أفلامننتم عليه و سقيتموه من الماء و قال للبدائي أنت صاحب برنسه لعنك اللّه قال لا قال بلي ثم قال اقطعوا يديه و رجليه و دعوه يضطرب حتي يموت فقطعوه و أمر بالآخرين فضربت أعناقهما و اتي بقراد بن مالك و عمرو بن خالد و عبدالرحمن البجلي و عبداللّه بن قيس الخولاني فقال لهم يا قتلة الصالحين ألاترون اللّه برئ منكم لقد جاءكم الورس بيوم نحس فأخرجهم إلي السوق فقتلهم و بعث المختار معاذ بن هانئ الكندي و اباعمرة كيساني إلي دار خولي بن يزيد الاصبحي و هو الذي حمل رأس الحسين إلي ابن زياد فأتوا داره فاستخفي في المخرج فدخلوا عليه فوجدوه قد ركب علي نفسه قوصرة فأخذوه و خرجوا يريدون المختار فتلقاهم في ركب فردوه إلي داره و قتله عندها و أحرقه و طلب المختار شمر بن ذي‌الجوشن فهرب إلي البادية فسعي به إلي ابي‌عمرة فخرج إليه مع نفر من اصحابه فقاتلهم قتالاً (ظ) شديداً فأثخنته الجراحة فأخذه ابوعمرة أسيراً و بعث به إلي المختار فضرب عنقه و أغلي له دهناً في قدر فقذفه فيها فتفسخ و وطئ مولي لآل حارثة بن مضرب وجهه و رأسه و لم‌يزل المختار يتتبع قتلة الحسين و أهله حتي قتل منهم خلقاً كثيراً و هرب الباقون فهدم دورهم و قتلت العبيد مواليهم الذين قاتلوا الحسين عليه السلام فأتوا المختار فأعتقهم و من رجال الكشي باسناده عن جارود بن المنذر عن ابي‌عبداللّه عليه السلام قال ماامتشطت فينا هاشمية و لااختضبت حتي بعث إلينا المختار برؤس الذين قتلوا الحسين عليه السلام و باسناده عن رجاله لقب المختار كيسان و لقب بكيسان لصاحب شرطته المكني اباعمرة و كان اسمه كيسان و قيل إنه سمي كيسان بكيسان مولي [ص 781] علي بن ابي‌طالب عليه السلام و هو الذي حمله علي الطلب بدم الحسين و دله علي قتلته و كان صاحب سره و الغالب علي أمره و كان لايبلغه عن رجل من اعداء الحسين أنه في دار في موضع إلا قصده و هدم الدار بأسرها و قتل كل من فيها من ذي روح و كل دار بالكوفة خراب فهي مما هدمها و اهل الكوفة يضربون بها المثل فإذا افتقر إنسان قالوا دخل ابوعمرة بيته حتي قال فيه الشاعر :

إبليس بما فيه خير من ابي‌عمرة يغويك و يطغيك و لايعطيك كسرة

و من امالي الطوسي باسناده عن المنهال بن عمرو قال دخلت علي علي بن الحسين منصرفي من مكة فقال لي يا منهال ما صنع حرملة بن كاهلة الاسدي فقلت تركته حيا بالكوفة قال فرفع يديه جميعا و قال اللّهم اذقه حر الحديد اللّهم اذقه حر الحديد اللّهم اذقه حر النار قال المنهال فقدمت الكوفة و قد ظهر المختار بن ابي‌عبيدة الثقفي و كان لي صديقا فكنت في منزلي اياما حتي انقطع الناس عني و ركبت اليه فلقيته خارجا من داره فقال يا منهال لم لم‌تأتنا في ولايتنا هذه و لم‌تهنئنا بها (ظ) و لم‌تشركنا فيها فاعلمته اني كنت بمكة و اني قد جئتك الآن و سايرته و نحن نتحدث حتي اتي الكناس فوقف وقوفا كأنه ينتظر شيئا و قد كان اخبر بمكان حرملة بن كاهلة فوجه في طلبه فلم‌يلبث ان جاء قوم يركضون و قوم يشتدون حتي قالوا ايها الامير البشارة قد اخذ حرملة بن كاهلة فمالبثنا ان جيء به فلما نظر اليه المختار قال الحمد للّه الذي امكنني منك ثم قال الجزار الجزار فأتي بجزار فقال له اقطع يديه فقطعتا ثم قال له اقطع رجليه فقطعتا ثم قال النار النار فأتي بنار و قصب فالقي عليه فاشتعل فيه النار فقلت سبحان اللّه فقال لي يا منهال ان التسبيح لحسن ففيم سبحت فقلت ايها الامير دخلت في سفرتي هذه [ص 782] منصرفي من مكة علي علي بن الحسين عليه السلام فقال لي يا منهال ما فعل حرملة بن كاهلة الاسدي فقلت تركته حيا بالكوفة فرفع يديه جميعا فقال اللّهم اذقه حر الحديد اللّهم اذقه حر الحديد اللّهم اذقه حر النار فقال لي المختار اسمعت علي بن الحسين عليه السلام يقول هذا فقلت اللّه سمعته يقول هذا قال فنزل عن دابته و صلي ركعتين فاطال السجود ثم قام فركب و قد احترق حرملة و ركبت معه و سرنا فحاذيت داري فقلت ايها الامير ان رأيت ان تشرفني و تكرمني و تنزل عندي و تحرم بطعامي فقال يا منهال تعلمني ان علي بن الحسين دعا باربع دعوات فاجابه اللّه علي يدي ثم تأمرني ان آكل هذا يوم صوم شكرا للّه عز و جل علي ما فعلته بتوفيقه و حرملة هو الذي حمل رأس الحسين عليه السلام .

باب ذكر قصص مبدأ امر المختار الي آخره علي ما ذكره جعفر بن محمد بن نما رحمه اللّه و نذكر في هذا الباب تمام رسالته في ذلك و هي :

بسم اللّه الرحمن الرحيم أما بعد حمدا للّه الذي جعل الحمد ثمناً لثوابه و نجاة يوم الوعيد من عقابه و الصلاة علي محمد الذي شرفت الأماكن بذكره و عطرت المساكن بريا نشره و علي آله و أصحابه الذين عظم قدرهم بقدره و تابعوه في نهيه و أمره فإني لما صنفت كتاب المقتل الذي سميته مثير الاحزان و منير سبل الاشجان و جمعت فيه من طرائف الاخبار و لطائف الآثار ما يربي علي الجوهر و النضار سألني جماعة من الأصحاب أن اضيف إليه عمل الثار و أشرح قضية المختار فتارة اقدم و اخري أحجم و مرة أجنح جنوح الشامس و آونة أنفر نفور العذراء من يد اللامس و أردهم عن عمله فرقاً من التعرض لذكره و إظهار مخفي سره ثم كشفت قناع المراقبة في إجابة سؤالهم و الانقياد لمرامهم و أظهرت ما كان في ضميري و جعلت نشر [ص 783] فضيلته أنيسي و سميري لانه به خبت نار وجد سيد المرسلين و قرة عين زين‌العابدين و مازال السلف يتباعدون عن زيارته و يتقاعدون عن إظهار فضيلته تباعد الضب عن الماء و الفراقد من الحصباء و نسبوه إلي القول بإمامة محمد بن الحنفية و رفضوا قبره و جعلوا قربهم إلي اللّه عز و جل هجره مع قربه من الجامع و إن قبته لكل من خرج من باب مسلم بن عقيل كالنجم اللامع و عدلوا من العلم إلي التقليد و نسوا ما فعل بأعداء المقتول الشهيد و أنه جاهد في اللّه حق الجهاد و بلغ من رضا زين‌العابدين غاية المراد و رفضوا منقبته التي رقت حواشيها و تفجرت ينابيع السعادة فيها و كان محمد بن الحنفية أكبر من زين‌العابدين سناً و يري تقديمه عليه فرضاً و ديناً و لايتحرك حركة إلا بما يهواه و لاينطق إلا عن رضاه و يتأمر له تأمر الرعية للوالي و يفضله تفضيل السيد علي الخادم و الموالي و تقلد محمد (ره) أخذ الثار إراحة لخاطره الشريف من تحمل الاثقال و الشد و الترحال و يدل علي ذلك ما رويته عن ابي‌بجير عالم الاهواز و كان يقول بإمامة ابن الحنفية قال حججت فلقيت إمامي و كنت يوماً عنده فمر به غلام شاب فسلم عليه فقام فتلقاه و قبل ما بين عينيه و خاطبه بالسيادة و مضي الغلام و عاد محمد إلي مكانه فقلت له عند اللّه أحتسب عناي فقال و كيف ذاك قلت لانا نعتقد أنك الامام المفترض الطاعة تقوم تتلقي هذا الغلام و تقول له يا سيدي فقال نعم هو واللّه إمامي فقلت و من هذا قال علي بن أخي الحسين اعلم أني نازعته الإمامة و نازعني فقال لي أترضي بالحجر المسود ( الاسود ظ ) حكماً بيني و بينك فقلت و كيف نحتكم إلي حجر جماد فقال إن إماماً لايكلمه الجماد فليس بإمام فاستحييت من ذلك فقلت بيني و بينك الحجر الاسود فقصدنا الحجر و صلي و [ص 784] صليت و تقدم إليه و قال أسألك بالذي أودعك مواثيق العباد لتشهد لهم بالموافاة الا أخبرتنا من الإمام منا فنطق واللّه الحجر و قال يا محمد سلم الأمر إلي ابن أخيك فهو أحق به منك و هو إمامك حتي ظننته يسقط فأذعنت بإمامته و دنت له بفرض طاعته قال ابوبجير فانصرفت من عنده و قد دنت بإمامة علي بن الحسين (ع) و تركت القول بالكيسانية و روي عن ابي‌بصير انه قال سمعت اباجعفر الباقر عليه السلام يقول كان ابوخالد الكابلي يخدم محمد بن الحنفية دهراً و لايشك أنه الامام حتي أتاه يوماً فقال له جعلت فداك إن لي حرمة و مودة فأسألك بحرمة اللّه و رسول اللّه و اميرالمؤمنين إلا اخبرتني انت الإمام الذي فرض اللّه طاعته علي خلقه قال يا اباخالد لقد حلفتني بالعظيم الامام علي ابن أخي علي و عليك و علي كل مسلم فلما سمع ابوخالد قول محمد بن الحنفية جاء إلي علي بن الحسين فاستأذن و دخل قال له مرحباً يا كنكر ماكنت لنا بزائر ما بدا لك فينا فخر ابوخالد ساجداً شكراً لما سمع من زين‌العابدين عليه السلام و قال الحمد للّه الذي لم‌يمتني حتي عرفت إمامي قال و كيف عرفت إمامك يا اباخالد قال لأنك دعوتني باسمي الذي لايعرفه سوي امي و كنت في عمياء من أمري و لقد خدمت محمد بن الحنفية عمراً لاأشك أنه إمام حتي أقسمت عليه فأرشدني إليك فقال هو الإمام علي و عليك و علي كل مسلم ثم انصرف و قد قال بإمامة زين‌العابدين عليه السلام و قال قوم من الخوارج لمحمد بن الحنفية لم غرر بك في الحروب و لم‌يغرر بالحسن و الحسين قال لانهما عيناه و أنا يمينه فهو يدفع بيمينه عن عينيه و روي العباس بن بكار قال حدثنا ابوبكر الهذلي عن عكرمة عن ابن عباس قال لما كان يوم من أيام صفين دعا علي عليه السلام ابنه محمداً فقال شد علي الميمنة فحمل مع أصحابه فكشف [ص 785] ميمنة عسكر معاوية ثم (ظ) رجع و قد جرح فقال له العطش فقام إليه عليه السلام فسقاه جرعة من ماء ثم صب الماء بين درعه و جلده فرأيت علق الدم يخرج من حلق الدرع ثم أمهله ساعة ثم قال شد في الميسرة فحمل مع أصحابه علي ميسرة معاوية فكشفهم ثم رجع و به جراحة و هو يقول الماء الماء فقام إليه ففعل مثل الاول ثم قال شد في القلب فكشفهم ثم رجع و قد أثقلته الجراحات و هو يبكي فقام إليه فقبل ما بين عينيه و قال فداك أبوك لقد سررتني واللّه يا بني فما يبكيك أفرح أم جزع فقال كيف لاأبكي و قد عرضتني للموت ثلاث مرات فسلمني اللّه تعالي و كلما رجعت إليك لتمهلني فماأمهلتني و هذان أخواي الحسن و الحسين ماتأمرهما بشيء فقبل عليه السلام رأسه و قال يا بني أنت ابني و هذان ابنا رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله أفلاأصونهما قال بلي يا أباه جعلني اللّه فداك و فداهما ، و إذا كان ذلك رأيه فكيف يخرج عن طاعته و يعدل عن الاسلام بمخالفته مع علم محمد بن الحنفية أن زين‌العابدين ولي الدم و صاحب الثار و المطالب بدماء الابرار فنهض المختار نهوض الملك المطاع و مد إلي أعداء اللّه يداً طويلة الباع فهشم عظاماً تغذت بالفجور و قطع أعضاء نشأت علي الخمور و حاز إلي فضيلة لم‌يرق إلي شعاف شرفها عربي و لا أعجمي و أحرز منقبة لم‌يسبقه إليها هاشمي و كان ابراهيم بن مالك الاشتر مشاركاً له في هذه البلوي و مصدقاً علي الدعوي و لم‌يك ابراهيم شاكاً في دينه و لا ضالاً في اعتقاده و يقينه و الحكم فيهما واحد و انا اشرح بوار الفجار علي يد المختار معتمداً قانون الاختصار و سميته ذوب النضار في شرح الثار و قد وضعته علي اربع مراتب و اللّه الموفق للصواب المكافي يوم الحساب .

[ص 786] المرتبة الاولي في ذكر نسبه و طرف من اخباره

هو المختار بن ابي‌عبيد بن مسعود بن عمير الثقفي و قال المرزباني ابن عمير بن عقدة بن عنزة كنيته ابوإسحاق و كان ابوعبيد والده يتنوق في طلب النساء فذكر له نساء قومه فأبي أن يتزوج منهن فأتاه آت في منامه فقال تتزوج دومة الحسناء الحومة فما تسمع فيها للائم لومة فأخبر أهله فقالوا قد امرت فتزوج دومة بنت وهب بن عمر بن معتب فلما حملت بالمختار قالت رأيت في النوم قائلاً يقول :

أبشري بالولد أشبه شيء بالاسد

إذا الرجال في كبد تقاتلوا علي بلد

كان له الحظ الاشد

فلما وضعت أتاها ذلك الآتي فقال لها إنه قبل أن يترعرع و قبل أن يتشعشع قليل الهلع كثير التبع يدان بما صنع و ولدت لابي‌عبيد المختار و جبرا و اباجبر و اباالحكم و اباامية و كان مولده في عام الهجرة و حضر مع أبيه وقعة قيس الناطف و هو ابن ثلاث‌عشرة سنة و كان يتفلت للقتال فيمنعه سعد بن مسعود عمه فنشأ مقداماً شجاعاً لايتقي شيئاً و تعاطي معالي الامور و كان ذا عقل وافر و جواب حاضر و خلال مأثورة و نفس بالسخاء موفورة و فطرة تدرك الأشياء بفراستها و همة تعلو علي الفراقد بنفاستها و حدس مصيب و كف في الحروب مجيب و مارس التجارب فحنكته و لابس الخطوب فهذبته و روي عن الاصبغ بن نباتة أنه قال رأيت المختار علي فخذ اميرالمؤمنين عليه السلام و هو يمسح رأسه و يقول يا كيس يا كيس فسمي كيسان كما عزي الواقفة إلي موسي بن جعفر و الاسماعيلية إلي أخيه إسماعيل و غيرهم من الفرق و عن ابي‌جعفر الباقر عليه السلام أنه قال لاتسبوا المختار فإنه قتل قتلتنا و طلب ثارنا و زوج أراملنا و قسم فينا المال علي عسرة [ص 787] و روي أنه دخل جماعة علي ابي‌جعفر الباقر عليه السلام و فيهم عبداللّه بن شريك قال فقعدت بين يديه إذ دخل عليهم شيخ من أهل الكوفة فتناول يده ليقبلها فمنعه ثم قال من أنت قال أنا ابوالحكم بن المختار بن ابي‌عبيد الثقفي و كان متباعداً منه عليه السلام فمد يده فأدناه حتي كاد يقعده في حجره بعد منعه يده فقال أصلحك اللّه إن الناس قد أكثروا في أبي و القول واللّه قولك قال و أي شيء يقولون قال يقولون كذابٌ و لاتأمرني بشيء إلا قبلته فقال سبحان اللّه أخبرني أبي أن مهر امي مما بعث به المختار إليه أولم‌يبن دورنا و قتل قاتلنا و طلب بثارنا فرحم اللّه أباك و كررها ثلاثاً ماترك لنا حقاً عند أحد إلا طلبه و عن ابي‌حمزة الثمالي قال كنت أزور علي بن الحسين عليه السلام في كل سنة مرة في وقت الحج فأتيته سنة و إذا علي فخذه صبي فقام الصبي فوقع علي عتبة الباب فانشج فوثب إليه مهرْولاً فجعل ينشف دمه و يقول إني اعيذك أن تكون المصلوب في الكناسة قلت بأبي أنت و امي و أي كناسة قال كناسة الكوفة قلت و يكون ذلك قال إي و الذي بعث محمداً بالحق لئن عشت بعدي لترين هذا الغلام في ناحية من نواحي الكوفة و هو مقتول مدفون منبوش مسحوب مصلوب في الكناسة ثم ينزل فيحرق و يذري في البر فقلت جعلت فداك و ما اسم هذا الغلام فقال ابني زيد ثم دمعت عيناه و قال لاحدثنك بحديث ابني هذا بينما أنا ليلة ساجد و راكع ذهب بي النوم فرأيت كأني في الجنة و كأن رسول اللّه و علياً و فاطمة و الحسن و الحسين قد زوجوني حوراء من حور العين فواقعتها و اغتسلت عند سدرة المنتهي و وليت هتف بي هاتف ليهنئك زيد فاستيقظت و تطهرت و صليت صلاة الفجر فدق الباب رجل فخرجت إليه فإذا معه جارية ملفوف كمها علي يده مخمرة بخمار [ص 788] قلت ما حاجتك قال اريد علي بن الحسين قلت أنا هو قال أنا رسول المختار بن ابي‌عبيد الثقفي يقرئك السلام و يقول وقعت هذه الجارية في ناحيتنا فاشتريتها بستمائة دينار و هذه ستمائة دينار فاستعن بها علي دهرك و دفع إلي كتاباً كتبت جوابه و قلت ما اسمك قالت حوراء فهيأوها لي و بت بها عروساً فعلقت بهذا الغلام فسميته ( فأسميه خ‌ل ) زيداً و ستري ما قلت لك قال ابوحمزة الثمالي فواللّه لقد رأيت كل ما ذكره عليه السلام في زيد و روي عن عمر بن علي عليه السلام أن المختار أرسل إلي علي بن الحسين عشرين‌الف دينار فقبلها و بني منها دار عقيل بن ابي‌طالب و دارهم التي هدمت و كان المختار ذا مقول مشحوذ الغرار (ظ) مأمون العثار إن نثر سجع و ان نطق برع ثابت الجنان مقدم الشجعان ماحدس إلا أصاب ماتفرس قط خاب و لو لم‌يكن كذلك لماقام بأدوات المفاخر و رأس علي الامراء و العساكر و ولي علي عليه السلام عمه علي المدائن عاملاً و المختار معه فلما ولي المغيرة بن شعبة الكوفة من قبل معاوية رحل المختار إلي المدينة و كان يجالس محمد بن الحنفية و يأخذ عنه الأحاديث فلما عاد إلي الكوفة ركب مع المغيرة يوماً فمر بالسوق فقال المغيرة يا لها غارة و يا له جمعاً إني لأعلم كلمة لو نعق لها ناعق و لا ناعق لها لاتبعوه و لا سيما الأعاجم الذين إذا القي إليهم الشيء قبلوه فقال له المختار و ما هي يا عم قال ليستأدون بآل‌محمد فأغضي عليها المختار و لم‌يزل ذلك في نفسه ثم جعل يتكلم بفضل آل‌محمد و ينشر مناقب علي و الحسن و الحسين عليهم السلام و يسيّر ذلك و يقول إنهم أحق بالأمر من كل أحد بعد رسول اللّه و يتوجع لهم مما نزل بهم ففي بعض الايام لقيه معبد بن خالد الجدلي جديلة قيس فقال له يا معبد إن أهل الكتب ذكروا أنهم [ص 789] يجدون رجلاً من ثقيف يقتل الجبارين و ينصر المظلومين و يأخذ بثار المستضعفين و وصفوا صفته فلم‌يذكروا صفة في الرجل إلا و هي في غير خصلتين أنه شاب و قد جاوزت الستين و أنه ردي البصر و أنا أبصر من عقاب فقال معبد أما السن فإن ابن ستين و سبعين عند أهل ذلك الزمان شاب و أما بصرك فماتدري ما يحدث اللّه فيه لعله يكل قال عسي فلم‌يزل علي ذلك حتي مات معاوية و ولي يزيد و وجه الحسين عليه السلام مسلم بن عقيل إلي الكوفة فأسكنه المختار داره و بايعه فلما قتل مسلم (ره) سعي بالمختار إلي عبيداللّه بن زياد فأحضره و قال له يا بن عبيد أنت المبايع لأعدائنا فشهد له عمرو بن حريث أنه لم‌يفعل فقال عبيداللّه لولا شهادة عمرو لقتلتك و شتمه و ضربه بقضيب في يده فشتر عينه و حبسه و حبس أيضاً عبداللّه بن الحارث بن عبدالمطلب و كان في الحبس ميثم التمار (ره) فطلب عبداللّه حديدة يزيل بها شعر بدنه و قال لاآمن ابن زياد يقتلني فأكون قد ألقيت ما علي من الشعر فقال المختار واللّه لايقتلك و لايقتلني و لايأتي عليك إلا قليل حتي تلي البصرة فقال ميثم للمختار و أنت تخرج ثائراً بدم الحسين فتقتل هذا الذي يريد قتلنا و تطأ بقدميك علي وجنتيه و لم‌يزل ذلك يتردد في صدره حتي قتل الحسين عليه السلام كتب المختار إلي اخته صفية بنت ابي‌عبيد و كانت زوجة عبداللّه بن عمر تسأله مكاتبة يزيد بن معاوية فكتب إليه فقال يزيد نشفع اباعبدالرحمن و كلمته هند بنت ابي‌سفيان في عبداللّه بن الحارث و هي خالته فكتب إلي عبيداللّه فأطلقهما بعد أن أجل المختار ثلاثة أيام ليخرج من الكوفة و إن تأخر عنها ضرب عنقه فخرج هارباً نحو الحجاز حتي إذا صار بوقصة لقي الصقعب بن زهير الأزدي فقال يا اباإسحاق ما لي أري عينك علي هذه الحال قال فعل بي ذلك عبيداللّه بن زياد قتلني اللّه [ص 790] إن لم‌اقتله و أقطع أعصابه و لأقتلن بالحسين عدد الذين قتلوا بيحيي بن زكريا و هم سبعون‌الفاً ثم قال و الذي أنزل القرآن و بين الفرقان و شرع الأديان و كره العصيان لأقتلن العصاة من أزد عمان و مذحج و همدان و نهد و خولان و بكر و هران و ثعل و نيهان و عبس و ذبيان و قبائل قيس عيلان غضباً لابن بنت نبي الرحمن نعم يا صقعب و حق السميع العليم العلي العظيم العدل الكريم العزيز الحكيم الرحمن الرحيم لأعركن عرك الأديم بني‌كندة و سليم و الأشراف من تميم ثم سار إلي مكة قال ابن العرق رأيت المختار أشتر العين فسألته فقال شترها ابن زياد يا ابن العرق إن الفتنة أرعدت و أبرقت و كأن قد أينعت و ألقت خطامها و خبطت و شمست و هي رافعة ذيلها و قائلة ويلها بدجلة و حولها فلم‌يزل علي ذلك حتي مات يزيد يوم الخميس لأربع‌عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة ثلاث و ستين و قيل سنة أربع و عمره علي الخلاف فيه ثمان و ثلاثون سنة و كان مدة خلافته سنتين و ثمانية أشهر و خلف أحدعشر ولداً منهم ابوليلي معاوية و بويع له بالشام و خلع نفسه و قد ذكرت حديثه في المقتل و أخوه خالد أمه بنت هاشم بن عتبة بن عبدشمس ( مناف خ‌ل ) تزوجها مروان بن الحكم بعد يزيد و فيها قال الشاعر :

أسلمي أم خالدٍ رب ساع لقاعدٍ

و في تلك السنة بويع لعبداللّه بن الزبير بالحجاز و لمروان بن الحكم بالشام و لعبيداللّه بن زياد بالبصرة و أما أهل العراق فإنهم وقعوا في الحيرة و الأسف و الندم علي تركهم نصرة الحسين عليه السلام و كان عبيداللّه بن الحر بن المجمع بن حزيم الجعفي من أشراف أهل الكوفة و كان قد مشي إلي الحسين و قدمه إلي الخروج معه فلم‌يفعل ثم تداخله الندم حتي كادت نفسه تفيض فقال :

[ص 791]

فيا لك حسرة ما دمت حياً تردد بين حلقي و التراقي

حسين حين يطلب بذل نصري علي أهل الضلالة و النفاق

غداة يقول لي بالقصر قولاً أتتركنا و تزمع بالفراق

و لو أني أواسيه بنفسي لنلت كرامة يوم التلاق

مع ابن المصطفي نفسي فداه تولي ثم ودع بانطلاق

فلو فلق التلهف قلب حي لهم اليوم قلبي بانقلاق

فقد فاز الأولي نصروا حسيناً و خاب الآخرون الي النفاق

و لم‌يكن في العراق من يصلح للقتال و النجدة و البأس إلا قبائل العرب بالكوفة فأول من نهض سليمان بن صرد الخزاعي و كانت له صحبة مع النبي و مع علي عليه السلام و المسيب بن نجبة الفزاري و هو من كبار الشيعة و له صحبة مع علي عليه السلام و عبداللّه بن سعد بن نفيل الأزدي و رفاعة بن شداد البجلي و عبداللّه بن وال التيمي من بني‌تميم اللات بن ثعلبة و اجتمعوا في دار سليمان و معهم أناس من الشيعة فبدأ سليمان بالكلام فحمد اللّه و أثني عليه و قال أما بعد فقد ابتلينا بطول العمر و التعرض للفتن و نرغب إلي ربنا أن لايجعلنا ممن يقول له أولم‌نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر و جاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير و قال علي عليه السلام العمر الذي أعذر اللّه فيه ابن آدم ستون سنة و ليس فينا إلا من قد بلغها و كنا مغرمين بتزكية أنفسنا و مدح شيعتنا حتي بلي اللّه خيارنا فوجدنا كذابين في نصر ابن بنت رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و لا عذر دون أن تقتلوا قاتليه فعسي ربنا أن يعفو عنا قال رفاعة بن شداد قد هداك اللّه لأصوب القول و دعوت إلي أرشد الأمور جهاد الفاسقين و إلي التوبة من الذنب فمسموع منك مستجابٌ لك مقبول قولك فإن رأيتم ولينا هذا الامر شيخ الشيعة صاحب رسول اللّه سليمان بن [ص 792] صرد فقال المسيب بن نجبة أصبتم و وفقتم و أنا أري الذي رأيتم فاستعدوا للحرب و كتب سليمان كتاباً إلي من كان بالمدائن من الشيعة من أهل الكوفة و حمله مع عبداللّه بن مالك الطائي إلي سعد بن حذيفة اليماني يدعوهم إلي أخذ الثأر فلما وقفوا علي الكتاب قالوا رأينا مثل رأيهم و كتب سعد بن حذيفة الجواب بذلك و كتب سليمان إلي المثني بن مخرمة العبدي كتاباً و بعثه مع ظبيان بن عمارة التميمي من بني‌سعد فكتب المثني الجواب اما بعد فقد قرأت كتابك و أقرأته إخوانك فحمدوا رأيك و استجابوا لك فنحن موافوك إن شاء اللّه للأجل الذي ضربت و السلام عليك و كتب في اسفل كتابه :

تبصر كأني قد أتيتك معلما علي أبلغ الهادي أجش هزيم

طويل القرا نهد أشق مقلص ملح علي قاري اللجام رؤوم

بكل فتي لايملأ الدرع نحره محش لنار الحرب غير سؤم

أخي ثقة يبغي الاله بسعيه ضروب بنصل السيف غير أثيم

و ذكر محمد بن جرير الطبري في تاريخه أن أول ما ابتدأ به الشيعة من أمرهم سنة إحدي و ستين و هي السنة التي قتل فيها الحسين فمازالوا في جمع آلة الحرب و الاستعداد للقتال و دعاء الشيعة بعضهم لبعض في السر للطلب بدم الحسين عليه السلام حتي مات يزيد بن معاوية و كان بين مقتل الحسين (ع) و هلاك يزيد ثلاث سنين و شهران و أربعة أيام و كان أمير العراق عبيداللّه و خليفته بالكوفة عمرو بن حريث المخزومي و كان عبداللّه بن الزبير قبل موت يزيد يدعو الناس إلي طلب ثأر الحسين و اصحابه و يغريهم بيزيد و يوثبهم عليه فلما مات يزيد أعرض عن ذلك القول و بان أنه يطلب الملك لنفسه لا للثأر و ذكر المدائني عن رجاله أن المختار لما قدم علي عبداللّه بن الزبير لم‌ير عنده ما يريد فقال :

[ص 793]

ذو مخاريق و ذو مندوحة و ركابي حيث وجهت ذلل

لاتبيتن منزلاً تكرهه و إذا زلت بك النعل فزل

فخرج المختار من مكة متوجهاً إلي الكوفة فلقيه هانئ بن ابي‌حية الوداعي فسأله عن أهلها فقال لو كان لهم رجل يجمعهم علي شيء واحد لأكل الأرض بهم فقال المختار و أنا واللّه أجمعهم علي الحق و ألقي بهم ركبان الباطل و أقتل بهم كل جبار عنيد إن شاء اللّه و لا قوة إلا باللّه ثم سأله المختار عن سليمان بن صرد هل توجه لقتال المحلين قال لا و لكنهم عازمون علي ذلك ثم سار المختار حتي انتهي إلي نهر الحيرة و هو يوم الجمعة فنزل و اغتسل و لبس ثيابه و تقلد سيفه و ركب فرسه و دخل الكوفة نهاراً لايمر علي مسجد القبائل و مجالس القوم و مجتمع المحال إلا وقف و سلم و قال أبشروا بالفرج فقد جئتكم بما تحبون و أنا المسلط علي الفاسقين و الطالب بدم أهل بيت نبي رب العالمين ثم دخل الجامع و صلي فيه فرأي الناس ينظرون إليه و يقول بعضهم لبعض هذا المختار ماقدم إلا لأمر و نرجو به الفرج و خرج من الجامع و نزل داره و يعرف قديماً بسالم بن المسيب ثم بعث إلي وجوه الشيعة و عرفهم أنه جاء من محمد بن الحنفية للطلب بدماء أهل البيت و هذا أمر لكم فيه الشفاء و قتل الأعداء فقالوا انت موضع ذلك و أهله غير أن الناس قد بايعوا سليمان بن صرد الخزاعي فهو شيخ الشيعة اليوم فلاتعجل في أمرك فسكت المختار و أقام ينتظر ما يكون من أمر سليمان و الشيعة حينئذ يريدون أمرهم سراً خوفاً من عبدالملك بن مروان و من عبداللّه بن الزبير و كان خوف الشيعة من أهل الكوفة اكثر لأن أكثرهم قتلة الحسين (ع) و صار المختار يفخذ الناس عن سليمان بن صرد و يدعوهم إلي نفسه فأول من بايعه و ضرب علي يده [ص 794] عبيد بن عمر و إسماعيل بن كثير فقال عمر بن سعد و شبث بن ربعي لأهل الكوفة إن المختار اشد عليكم لان سليمان انما خرج يقاتل عدوكم و المختار إنما يريد أن يثب عليكم فسيروا إليه و أوثقوه بالحديد و خلدوه السجن فماشعر حتي احاطوا بداره و استخرجوه فقال إبراهيم بن محمد بن طلحة لعبداللّه بن يزيد أوثقه كتافاً و مشه حافياً فقال له لم افعل هذا برجل لم‌يظهر لنا عداوة و لا حرباً إنما اخذناه علي الظن فأتي ببغلة له دهماء فركبها و أدخلوه السجن قال يحيي بن ابي‌عيسي دخلت مع حميد بن مسلم الازدي الي المختار فسمعته يقول اما و رب البحار و النخل و الاشجار و المهامه القفار و الملائكة الابرار و المصطفين الاخيار لأقتلن كل جبار بكل لدن خطار و مهند بتار في جموع من الأنصار ليسوا بميل و لا أغمار و لا بعزل أشرار حتي إذا أقمت عمود الدين و رأيت صدع المسلمين و ادركت ثار النبيين لم‌يكبر علي زوال الدنيا و لم‌احفل بالموت اذ اتي .

المرتبة الثانية في ذكر رجال سليمان بن صرد و خروجه و مقتله

لما أراد النهوض بعسكره من النخيلة و هي العباسية مستهل شهر ربيع الآخر سنة خمس و ستين و هي السنة التي أمر مروان بن الحكم أهل الشام بالبيعة من بعده لابنيه عبدالملك و عبدالعزيز و جعلهما وليي (ظ) عهده و فيها مات مروان بدمشق مستهل شهر رمضان المبارك و كان عمره إحدي و ثمانين سنة و كانت خلافته تسعة أشهر و كان عبيداللّه بالعراق فسار حتي نزل الجزيرة فأتاه الخبر بموت مروان و خرج سليمان بن صرد ليرحل فرأي عسكره فاستقله فبعث حكيم بن منقد الكندي و الوليد بن حصين الكناني في جماعة و أمرهما بالنداء في الكوفة يا آل ثارات الحسين (ع) فسمع النداء رجل من كثير من الأزد و هو عبداللّه بن حازم و عنده ابنته و امرأته سهلة بن سبرة و كانت من أجمل النساء [ص 795] و أحبهم إليه و لم‌يكن دخل في القوم فوثب إلي ثيابه فلبسها و إلي سلاحه و فرسه قالت له زوجته ويحك أجننت قال لا و لكني سمعت داعي اللّه عز و جل فأنا (ظ) مجيبه و طالب بدم هذا الرجل حتي اموت فقالت إلي من تودع بيتك هذا قال إلي اللّه اللّهم إني أستودعك ولدي و أهلي اللّهم احفظني فيهم و تب علي مما فرطت في نصرة ابن بنت نبيك ثم نادوا يا آل ثارات الحسين في الجامع و الناس يصلون العشاء الآخرة فخرج جمع كثير إلي سليمان و كان معه ستةعشرألفاً مثبتة في ديوانه فلم‌يصف منهم سوي اربعة آلاف و عزم علي المسير إلي الشام لمحاربة عبيداللّه بن زياد فقال له عبداللّه بن سعد إن قتلة الحسين كلهم بالكوفة منهم عمر بن سعد و رؤس الأرباع و أشراف القبائل و ليس بالشام سوي عبيداللّه زياد فلم‌يوافق إلا علي المسير فخرج عشية الجمعة لخمس مضين من شهر ربيع الآخر كما ذكرنا فباتوا بدير الأعور ثم سار فنزل علي أقساس بني‌مالك علي شاطئ الفرات ثم أصبحوا عند قبر الحسين (ع) فأقاموا يوماً و ليلة يصلون و يستغفرون ثم ضجوا ضجة واحدة بالبكاء و العويل فلم‌يُرَ يوم أكثر بكاء فيه و ازدحموا عند الوداع علي قبره كالزحام علي الحجر الأسود و قام في تلك الحال وهب بن زمعة الجعفي باكياً علي القبر و أنشد أبيات عبيداللّه بن الحر الجعفي :