[ص 345] باب نزوله عليه السلام في كربلا و ما جري الي اول صبح عاشوراء

بحار فرحل من موضعه حتّي نزل في يوم الأربعاء أو يوم الخميس بكربلا و ذلك في الثاني من المحرّم سنة إحدي و ستّين ثمّ أقبل علي أصحابه فقال الناس عبيد الدّنيا و الدّين لعق علي ألسنتهم يحوطونه ما درّت معايشهم فإذا محّصوا بالبلاء قلّ الدّيّانون ثمّ قال أهذه كربلاء فقالوا نعم يا ابن رسول اللّه فقال هذا موضع كرب و بلاء ههنا مناخ ركابنا و محطّ رحالنا و مقتل رجالنا و مسفك دمائنا قال فنزل القوم و أقبل الحرّ حتّي نزل حذاء الحسين (ع) في ألف فارس ثمّ كتب إلي ابن زياد يخبره بنزول الحسين بكربلا و كتب ابن زياد لعنه اللّه إلي الحسين عليه السلام أمّا بعد يا حسين فقد بلغني نزولك بكربلا و قد كتب إليّ امير المؤمنين يزيد أن الااتوسّد الوثير و لاأشبع من الخمير أو ألحقك باللّطيف الخبير أو ترجع إلي حكمي و حكم يزيد بن معاوية و السّلام ، فلمّا ورد كتابه علي الحسين عليه السلام و قرأه رماه من يده ثمّ قال لاأفلح قوم اشتروا مرضاة المخلوق بسخط الخالق فقال له الرّسول جواب الكتاب اباعبداللّه فقال ما له عندي جواب لأنّه قد حقّت عليه كلمة العذاب فرجع الرّسول إليه فخبّره بذلك فغضب عدوّ اللّه من ذلك أشدّ الغضب و التفت إلي عمر بن سعد و أمره بقتال الحسين و قد كان ولّاه الريّ قبل ذلك فاستعفي عمر من ذلك فقال ابن زياد فاردد إلينا عهدنا فاستمهله ثمّ قبل بعد يوم خوفاً عن أن يعزل عن ولاية الرّيّ و قال المفيد (ره) فلمّا كان من الغد قدم عليهم عمر بن سعد بن ابي‌وقّاص من الكوفة في أربعة آلاف فارس فنزل بنينوي فبعث إلي الحسين عروة بن قيس الأحمسيّ فقال له ائته فسله ما الذي جاء بك و ما تريد و كان عروة ممّن كتب إلي الحسين فاستحيي منه أن يأتيه فعرض ذلك [ص 346] علي الرّؤساء الذين كاتبوه و كلهم أبي ذلك و كرهه فقام إليه كثير بن عبداللّه الشّعبيّ و كان فارساً شجاعاً لايردّ وجهه شيء فقال له أنا أذهب إليه و واللّه لئن شئت لأفتكنّ به فقال له عمر بن سعد ماأريد أن تفتك به و لكن ائته فسله ما الذي جاء به فأقبل كثير إليه فلما رآه ابوثمامة الصيداويّ قال للحسين عليه السلام يا اباعبداللّه أصلحك اللّه قد جاءك شرّ أهل الأرض و أجرأه علي دم و أفتكه و قام إليه فقال له ضع سيفك قال لا واللّه و لا كرامة إنّما أنا رسول إن سمعتم كلامي بلغتكم ما أرسلت به إليكم و إن أبيتم انصرفت عنكم قال فإنّي آخذ بقائم سيفك ثمّ تكلّم بحاجتك قال لا واللّه لاتمسّه فقال له أخبرني بما جئت به و أنا أبلّغه عنك و لاأدعك تدنو منه فإنك فاجر فاستبّا و انصرف إلي عمر بن سعد فاخبره الخبر فدعا عمر بن سعد قرّة بن قيس الحنظليّ فقال له ويحك الق حسيناً فسله ما جاء به و ماذا يريد فأتاه قرّة فلمّا رآه الحسين عليه السلام مقبلاً قال أتعرفون هذا فقال حبيب بن مظاهر هذا رجل من حنظلة بن تميم و هو ابن أختنا و قد كنت أعرفه بحسن الرّأي ماكنت أراه يشهد هذا المشهد فجاء حتّي سلّم علي الحسين و أبلغه رسالة عمر بن سعد إليه فقال له الحسين كتب إليّ أهل مصركم هذا أن اقدم فأمّا إذا كرهتموني فأنا أنصرف عنكم فقال حبيب بن مظاهر ويحك يا قرّة أين تذهب إلي القوم الظّالمين انصر هذا الرّجل الذي بآبائه أيّدك اللّه بالكرامة فقال له قرّة أرجع إلي صاحبي بجواب رسالته و أري رأيي فانصرف إلي عمر بن سعد و أخبره الخبر فقال عمر بن سعد أرجو أن يعافيني اللّه من حربه و قتاله و كتب إلي عبيداللّه بن زياد بسم اللّه الرّحمن الرّحيم أمّا بعد فإنّي حيث نزلت بالحسين بعثت إليه رسولي فسألته عمّا أقدمه و [ص 347] ماذا يطلب فقال كتب إليّ أهل هذه البلاد و أتتني رسلهم يسألوني القدوم إليهم ففعلت فأما إذا كرهتموني و بدا لهم غير ما أتتني به رسلهم فأنا منصرف عنهم قال حسّان بن قائد العبسيّ و كنت عند عبيداللّه بن زياد حين أتاه هذا الكتاب فلمّا قرأه قال :

الآن إذ علقت مخالبنا به يرجو النجاة و لات حين مناص

و كتب إلي عمر بن سعد أمّا بعد فقد بلغني كتابك و فهمت ما ذكرت فاعرض علي الحسين أن يبايع ليزيد هو و جميع أصحابه فإذا فعل ذلك رأينا رأينا و السّلام ، فلمّا ورد الجواب علي عمر بن سعد قال قد خشيت أن لايقبل ابن زياد العافية و قال محمد بن ابي‌طالب فلم‌يعرض ابن سعد علي الحسين ما أرسل به ابن زياد لأنّه علم أنّ الحسين لايبايع يزيد أبداً قال ثمّ جمع ابن زياد النّاس في جامع الكوفة ثمّ خرج فصعد المنبر ثمّ قال أيّها النّاس إنّكم بلوتم آل ابي‌سفيان فوجدتموهم كما تحبّون و هذا امير المؤمنين يزيد قد عرفتموه حسن السّيرة محمود الطريقة محسناً إلي الرعيّة يعطي من العطاء في حقّه قد أمنت السّبل علي عهده و كذلك كان أبوه معاوية في عصره و هذا ابنه يزيد من بعده يكرم العباد و يغنيهم بالأموال و يكرمهم و قد زادكم في أرزاقكم مائة مائة و أمرني أن أوفّرها عليكم و أخرجكم إلي حرب عدوّه الحسين فاسمعوا له و أطيعوا ، ثمّ نزل عن المنبر و وفّر الناس العطاء و أمرهم أن يخرجوا إلي حرب الحسين عليه السلام و يكونوا عوناً لابن سعد علي حربه فأوّل من خرج شمر بن ذي‌الجوشن في أربعة آلاف فصار ابن سعد في تسعة آلاف ثمّ أتبعه يزيد بن ركاب الكلبيّ في ألفين و الحصين بن نمير السكونيّ في أربعة آلاف و فلاناً المازنيّ في ثلاثة آلاف و نصر بن فلان في ألفين فذلك عشرون‌الفاً ثمّ أرسل إلي شبث بن ربعي أن أقبل إلينا و [ص 348] انا نريد أن تتوجّه اليك في حرب الحسين فتمارض شبث و أراد أن يعفيه ابن زياد فأرسل إليه ابن زياد أمّا بعد فان رسولي أخبرني بتمارضك و أخاف أن تكون من الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنّا و إذا خلوا الي شياطينهم قالوا إنّا معكم إنّما نحن مستهزؤن إن كنت في طاعتنا فأقبل إلينا مسرعاً فأقبل إليه شبث بعد العشاء لئلاينظر في وجهه فلايري عليه أثر العلّة فلمّا دخل رحّب به و قرّب مجلسه و قال أحبّ أن تشخص إلي قتال هذا الرّجل عوناً لابن سعد عليه فقال أفعل أيّها الأمير فمازال يرسل إليه بالعساكر حتّي تكامل عنده ثلاثون‌الفاً ما بين فارس و راجل ثمّ كتب إليه ابن زياد أنّي لم‌اجعل لك علّة في كثرة الخيل و الرّجال فانظر لاأصبح و لاأمسي إلا و خبرك عندي غدوة و عشيّة و كان ابن زياد يستحثّ عمر بن سعد لستّة أيّام مضين من المحرّم و أقبل حبيب بن مظاهر إلي الحسين فقال يا ابن رسول اللّه ههنا حيّ من بني‌أسد بالقرب منّا أتأذن لي في المصير إليهم فأدعوهم إلي نصرتك فعسي اللّه ان يدفع بهم عنك قال قد أذنت لك فخرج حبيب إليهم في جوف الليل متنكّراً حتّي أتي إليهم فعرفوه أنّه من بني‌أسد فقالوا ما جاء بك فقال إنّي قد أتيتكم بخير ما أتي به وافد إلي قوم أتيتكم أدعوكم إلي نصر ابن بنت نبيّكم فإنّه في عصابة من المؤمنين الرّجل منهم خير من ألف رجل لن‌يخذلوه و لن‌يسلموه أبداً و هذا عمر بن سعد قد أحاط به و أنتم قومي و عشيرتي و قد أتيتكم بهذه النصيحة فأطيعوني اليوم في نصرته تنالوا بها شرف الدّنيا و الآخرة فإنّي أقسم باللّه لايقتل أحد منكم في سبيل اللّه مع ابن بنت رسول اللّه صابراً محتسباً إلا كان رفيقاً لمحمّد صلي اللّه عليه و آله في علّيّين قال فوثب إليه رجل من بني‌أسد يقال له عبداللّه بن بشر فقال أنا أوّل من يجيب إلي هذه الدّعوة ثمّ جعل يرتجز و يقول :

[ص 349]

قد علم القوم إذا تواكلوا و أحجم الفرسان إذا تناقلوا ( تناضلوا خ‌ل )

أنّي شجاع بطل مقاتل كأنّني ليث عرين باسل

ثمّ تبادر رجال الحيّ حتّي التأم منهم تسعون رجلاً فأقبلوا يريدون الحسين عليه السلام و خرج رجل في ذلك الوقت من الحيّ حتي صار إلي عمر بن سعد فأخبره بالحال فدعا ابن سعد برجل من أصحابه يقال له (ظ) الأزرق فضمّ إليه أربعمائة فارس و وجّه نحو حيّ بني‌أسد فبينما أولئك القوم قد أقبلوا يريدون عسكر الحسين في جوف الليل إذا استقبلهم خيل ابن سعد علي شاطئ الفرات و بينهم و بين عسكر الحسين اليسير فناوش القوم بعضهم بعضاً و اقتتلوا قتالاً شديداً و صاح حبيب بن مظاهر بالأزرق ويلك ما لك و ما لنا انصرف عنا و دعنا يشقي بنا غيرك فأبي الأزرق أن يرجع و علمت بنوأسد أنّه لا طاقة لهم بالقوم فانهزموا راجعين إلي حيّهم ثمّ إنهم ارتحلوا في جوف اللّيل خوفاً من ابن سعد أن يبيّتهم و رجع حبيب بن مظاهر إلي الحسين فخبّره بذلك فقال عليه السلام لا حول و لا قوَّة إلا باللّه قال و رجعت خيل ابن سعد حتّي نزلوا علي شاطئ الفرات فحالوا بين الحسين و أصحابه و بين الماء و أضرّ العطش بالحسين و أصحابه فأخذ الحسين عليه السلام فأساً و جاء إلي وراء خيمة النساء فخطا في الأرض تسع‌عشر خطوة نحو القبلة ثمّ حفر هناك فنبعت له عين من الماء العذب فشرب الحسين و شرب الناس بأجمعهم و ملأوا أسقيتهم ثمّ غارت العين فلم‌ير لها أثر و بلغ ذلك ابن زياد فأرسل إلي عمر بن سعد بلغني أنّ الحسين يحفر الآبار و يصيب الماء فيشرب هو و أصحابه فانظر إذا ورد عليك كتابي فامنعهم من حفر الآبار ما استطعت و ضيّق عليهم و لاتدعهم يذوقوا الماء فافعل بهم كما فعلوا بالزكيّ عثمان فعندها ضيّق عمر بن سعد عليهم غاية التضييق ، فلمّا اشتدَّ العطش بالحسين [ص 350] دعا بأخيه العبّاس فضمّ إليه ثلاثين فارساً و عشرين راكباً و بعث معه عشرين قربة فأقبلوا في جوف الليل حتّي دنوا من الفرات فقال عمرو بن الحجّاج من أنتم فقال رجل من أصحاب الحسين يقال له هلال بن نافع البجليّ ابن عمّ لك جئت أشرب من هذا الماء فقال عمرو اشرب هنيئاً فقال هلال ويحك كيف تأمرني أن أشرب و الحسين بن عليّ و من معه يموتون عطشاً فقال عمرو صدقت و لكن أمرنا بأمر لا بدّ أن ننتهي إليه فصاح هلال بأصحابه فدخلوا الفرات و صاح عمرو بالناس و اقتتلوا قتالاً شديداً فكان قوم يقاتلون و قوم يملأون حتّي ملأوها و لم‌يقتل من أصحاب الحسين أحد ثمّ رجع القوم إلي معسكرهم فشرب الحسين و من كان معه و لذلك سمّي العبّاس السقّاء ثمّ أرسل الحسين إلي عمر بن سعد أنّي أريد أن أكلّمك فالقني اللّيلة بين عسكري و عسكرك فخرج إليه ابن سعد في عشرين و خرج إليه الحسين عليه السلام في مثل ذلك فلمّا التقيا أمر الحسين أصحابه فتنحّوا عنه و بقي معه أخوه العبّاس و ابنه عليّ الأكبر و أمر عمر بن سعد اصحابه فتنحّوا عنه و بقي معه ابنه حفص و غلام له فقال له الحسين ويلك يا ابن سعد أماتتّقي اللّه الذي إليه معادك أتقاتلني و أنا ابن من علمت ذر هؤلاء القوم و كن معي فإنّه أقرب لك إلي اللّه تعالي فقال عمر بن سعد أخاف أن يهدم داري فقال الحسين أنا أبنيها لك فقال أخاف أن تؤخذ ضيعتي فقال الحسين أنا أخلف عليك خيراً منها من مالي بالحجاز فقال لي عيال و أخاف عليهم ثمّ سكت و لم‌يجبه إلي شيء فانصرف عنه الحسين و هو يقول ما لك ذبحك اللّه علي فراشك عاجلاً و لاغفر لك يوم حشرك فواللّه إنّي لأرجو أن لاتأكل من برّ العراق إلا يسيراً فقال ابن سعد في الشعير كفاية عن البرّ مستهزئاً بذلك القول [ص 351] منتخب الطريحي (ره) روي ان الحسين لما رأي اشتداد الامر عليه و كثرة العساكر عاكفة عليه كل منهم يريد قتله ارسل الي عمر بن سعد لعنه اللّه يستعطفه و يقول اريد ان القاك فأخلو معك ساعة فخرج عمر بن سعد من الخيمة و جلس مع الحسين عليه السلام ناحية من الناس فتناجيا طويلا فقال له الحسين عليه السلام ويحك يا بن سعد اماتتقي اللّه الذي اليه معادك اراك تقاتلني و تريد قتلي و انا ابن من قد علمت دون هؤلاء القوم و اتركهم و كن معي فانه اقرب لك الي اللّه تعالي فقال له يا حسين اني اخاف ان تهدم داري بالكوفة و تنهب اموالي فقال له الحسين (ع) انا ابني لك خيرا من دارك فقال اخشي ان تأخذ ضياعي بالسواد فقال له الحسين عليه السلام انا اعطيك من مالي البغيبغة و هي عين عظيمة بارض الحجاز و كان معاوية اعطاني في ثمنها الف‌الف دينار من الذهب فلم‌ابعه اياها فلم‌يقبل عمر بن سعد لعنه اللّه شيئا من ذلك فانصرف عنه الحسين (ع) و هو غضبان عليه و هو يقول ذبحك اللّه يا بن سعد علي فراشك عاجلا و لاغفر لك يوم حشرك و نشرك فواللّه اني لارجو ان لاتأكل من بر العراق الا يسيرا فقال له عمر بن سعد مستهزئا يا حسين ان في الشعير عوضا عن البر ثم رجع الي عسكره فجاء برير بن خضير الهمداني الزاهد العابد و قال يا بن رسول اللّه أتأذن لي أن أدخل خيمة هذا الفاسق عمر بن سعد فأعظه فلعل يرجع عن غيه فقال له الحسين عليه السلام افعل ما أحببت فأقبل برير حتي دخل علي عمر بن سعد فجلس معه و لم‌يسلم عليه فغضب ابن سعد فقال له يا أخا همدان ما الذي منعك من السلام علي ألست مسلما أعرف اللّه و رسوله فقال له برير لو كنت تعرف اللّه و رسوله ماخرجت الي عترة نبيك محمد تريد قتلهم و سبيهم و بعد [ص 352] فهذا ماء الفرات يلوح بصفائه يتلألأ تشرب منه الكلاب و الخنازير و هذا الحسين بن فاطمة الزهراء و نساءه و عياله و أطفاله يموتون عطشا قد حلت بينهم و بين ماء الفرات أن يشربوا منه و تزعم أنك تعرف اللّه و رسوله قال فأطرق عمر بن سعد رأسه الي الأرض ساعة ثم قال واللّه يا برير اني لأعلم علما يقينا كل من قاتلهم و غصب حقهم مخلد في النار لا محالة و لكن يا برير أتشير علي أن أترك ولاية الري فتصير لغيري واللّه ماأجد نفسي تجيبني الي ذلك أبدا قال فرجع برير الي الحسين عليه السلام و قال له ان عمر بن سعد قد رضي بقتلك بولاية الري فقال الحسين (ع) لايأكل من برها الا قليلا و سيذبح علي فراشه و كان الأمر كما قال الحسين عليه السلام .

رجعنا إلي سياقة حديث المفيد قال و ورد كتاب ابن زياد في الأثر إلي عمر بن سعد أن حل بين الحسين و أصحابه و بين الماء و لايذوقوا منه قطرة كما صنع بالتقيّ الزكيّ عثمان بن عفّان فبعث عمر بن سعد في الوقت عمرو بن الحجّاج في خمسمائة فارس فنزلوا علي الشريعة و حالوا بين الحسين و أصحابه و بين الماء و منعوهم أن يسقوه قطرة و ذلك قبل قتل الحسين بثلاثة أيّام و نادي عبداللّه بن حصين الأزديّ و كان عداده في بجيلة قال بأعلي صوته يا حسين ألاتنظرون إلي الماء كأنّه كبد السماء واللّه لاتذوقون منه قطرة واحدة حتّي تموتوا عطشاً فقال الحسين عليه السلام اللّهمّ اقتله عطشاً و لاتغفر له أبداً قال حميد بن مسلم واللّه لعدته في مرضه بعد ذلك فواللّه الذي لا إله الا هو غيره (كذا) لقد رأيته يشرب الماء حتّي يبغر ثمّ يقيئه و يصيح العطش العطش ثمّ يعود و يشرب ثم يبغر ثمّ يقيئه و يتلظّي عطشاً فمازال ذلك دأبه حتّي لفظ نفسه ، [ص 353] و لمّا رأي الحسين عليه السلام نزول العساكر مع عمر بن سعد بنينوي و مددهم لقتاله أنفذ إلي عمر بن سعد انني أريد أن ألقاك فاجتمعا ليلاً فتناجيا طويلاً ثمّ رجع عمر الي مكانه و كتب إلي عبيداللّه بن زياد اما بعد فإنّ اللّه قد اطفأ النائرة و جمع الكلمة و أصلح أمر الاُمّة هذا حسين قد أعطاني أن يرجع إلي المكان الذي منه أتي أو أن يسير إلي ثغر من الثغور فيكون رجلاً من المسلمين له ما لهم و عليه ما عليهم أو أن يأتي امير المؤمنين يزيد فيضع يده في يده فيري فيما بينه و بينه فيري رأيه و في هذا لك رضي و للأمّة صلاح فلمّا قرأ عبيداللّه الكتاب قال هذا كتاب ناصح مشفق علي قومه فقام إليه شمر بن ذي‌الجوشن فقال أتقبل هذا منه و قد نزل بأرضك و أتي جنبك واللّه لئن رحل من بلادك و لم‌يضع يده في يدك ليكوننّ أولي بالقوّة و لتكوننّ أولي بالضعف و العجز فلاتعطه هذه المنزلة فإنّها من الوهن و لكن لينزل علي حكمك هو و أصحابه فإن عاقبت فأنت أولي بالعقوبة و إن عفوت كان ذلك لك فقال ابن زياد نعم ما رأيت الرأي رأيك اخرج بهذا الكتاب إلي عمر بن سعد فليعرض علي الحسين و أصحابه النزول علي حكمي فإن فعلوا فليبعث بهم إليّ سلماً و إن هم أبوا فليقاتلهم فإن فعل فاسمع له و أطع و إن أبي أن يقاتلهم فأنت أمير الجيش فاضرب عنقه و ابعث إليّ برأسه ، و كتب إلي عمر بن سعد لم‌ابعثك إلي الحسين لتكفّ عنه و لا لتطاوله و لا لتمنّيه السّلامة و البقاء و لا لتعتذر عنه و لا لتكون له عندي شفيعاً انظر فإن نزل حسين و أصحابه علي حكمي و استسلموا فابعث بهم إليّ سلماً و إن أبوا فازحف إليهم حتّي تقتلهم و تمثّل بهم فإنّهم لذلك مستحقّون فإن قتلت حسيناً فأوطئ الخيل صدره و ظهره فإنّه عات [ص 354] ظلوم و لست أري أنّ هذا يضرّ بعد الموت شيئاً و لكن عليّ قول قد قلته لو قد قتلته لفعلت هذا به فإن أنت مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع و إن أبيت فاعتزل عملنا و جندنا و خلّ بين شمر بن ذي‌الجوشن و بين العسكر فإنّا قد أمرناه بأمرنا و السّلام فأقبل شمر بن ذي‌الجوشن بكتاب عبيداللّه بن زياد إلي عمر بن سعد فلمّا قدم عليه و قرأه قال له عمر ما لك ويلك لاقرّب اللّه دارك و قبّح اللّه ما قدمت به عليّ واللّه إنّي لأظنّك نهيته عمّا كتبت به إليه و أفسدت علينا أمراً قد كنّا رجونا أن يصلح لايستسلم واللّه حسين إنّ نفس أبيه لبين جنبيه فقال له شمر أخبرني ما أنت صانع أتمضي لأمر أميرك و تقاتل عدوّه و إلا فخلّ بيني و بينه و بين الجند و العسكر قال لا و لا كرامة لك و لكن أنا أتولّي ذلك فدونك فكن أنت علي الرّجّالة و نهض عمر بن سعد إلي الحسين عشيّة الخميس لتسع مضين من المحرَّم و جاء شمر حتّي وقف علي أصحاب الحسين و قال أين بنو أختنا فخرج إليه جعفر و العبّاس و عبداللّه و عثمان بنو عليّ عليه السلام فقالوا ما تريد فقال أنتم يا بني أختي آمنون فقال له الفتية لعنك اللّه و لعن أمانك أتؤمننا و ابن رسول اللّه لا أمان له ثمّ نادي عمر يا خيل اللّه اركبي و بالجنة أبشري فركب الناس ثمّ زحف نحوهم بعد العصر و الحسين عليه السلام جالس أمام بيته يحتبي بسيفه إذ خفق برأسه علي ركبتيه و سمعت أخته الصّيحة فدنت من أخيها و قالت يا أخي أماتسمع هذه الأصوات قد اقتربت فرفع الحسين عليه السلام رأسه فقال إنّي رأيت رسول اللّه الساعة في المنام و هو يقول لي إنّك تروح إلينا فلطمت أخته وجهها و نادت بالويل فقال لها الحسين ليس لك الويل يا أخته اسكتي رحمك اللّه [ص 355] و في رواية السيّد قال يا أختاه إنّي رأيت السّاعة جدّي محمّداً و أبي عليّاً و أمّي فاطمة و أخي الحسن و هم يقولون يا حسين إنّك رائح إلينا عن قريب و في بعض الروايات غداً قال فلطمت زينب علي وجهها و صاحت فقال لها الحسين مهلاً لاتشمت القوم بنا قال المفيد فقال له العبّاس بن عليّ عليه السلام يا أخي أتاك القوم فنهض ثمّ قال اركب أنت يا أخي حتّي تلقاهم و تقول لهم ما لكم و ما بدا لكم و تسألهم عمّا جاء بهم فأتاهم العباس في نحو من عشرين فارساً فيهم زهير بن القين و حبيب بن مظاهر فقال لهم العبّاس ما بدا لكم و ما تريدون قالوا قد جاء أمر الأمير أن نعرض عليكم أن تنزلوا علي حكمه أو نناجزكم قال فلاتعجلوا حتّي أرجع إلي ابي‌عبداللّه فأعرض عليه ما ذكرتم فوقفوا فقالوا القه و أعلمه ثمّ القنا بما يقول لك فانصرف العبّاس راجعاً يركض إلي الحسين عليه السلام يخبره الخبر فوقف أصحابه يخاطبون القوم و يعظونهم و يكفّونهم عن قتال الحسين فجاء العباس إلي الحسين و أخبره بما قال القوم قال ارجع إليهم فإن استطعت أن تؤخّرهم إلي غد و تدفعهم عنّا العشيّة لعلّنا نصلّي لربّنا اللّيلة و ندعوه و نستغفره فهو يعلم أنّي كنت قد أحبّ الصّلاة له و تلاوة كتابه و كثرة الدّعاء و الاستغفار فمضي العبّاس إلي القوم و رجع من عندهم و معه رسول من قبل عمر بن سعد يقول إنّا قد أجّلناكم إلي غد فإن استسلمتم سرحنا بكم إلي عبيداللّه بن زياد و إن أبيتم فلسنا بتاركيكم فانصرف و جمع الحسين عليه السلام أصحابه عند قرب المساء قال عليّ بن الحسين زين‌العابدين فدنوت منه لأسمع ما يقول لهم و أنا إذ ذاك مريض فسمعت أبي يقول لأصحابه أثني علي اللّه أحسن الثناء و أحمده علي السرّاء و الضرّاء اللّهمّ إنّي أحمدك علي أن أكرمتنا بالنبوّة و علّمتنا القرآن و فهمتنا في الدّين [ص 356] و جعلت لنا أسماعاً و أبصاراً و أفئدة فاجعلنا من الشاكرين أمّا بعد فإنّي لاأعلم أصحاباً أوفي و لا خيراً من أصحابي و لا أهل بيت أبرّ و أوصل من أهل بيتي فجزاكم اللّه عنّي خيراً ألا و إنّي لاأظن يوماً لنا من هؤلاء ألا و إنّي قد أذنت لكم فانطلقوا جميعاً في حلّ ليس عليكم حرج منّي و لا ذمام هذا الليل قد غشاكم فاتّخذوه جملاً فقال له إخوته و أبناؤه و بنو أخيه و ابنا عبداللّه بن جعفر لم نفعل ذلك لنبقي بعدك لاأرانا اللّه ذلك أبداً بدأهم بهذا القول العبّاس بن عليّ و اتبعته الجماعة عليه فتكلّموا بمثله و نحوه فقال الحسين عليه السلام يا بني عقيل حسبكم من القتل بمسلم بن عقيل فاذهبوا أنتم فقد أذنت لكم فقالوا سبحان اللّه ما يقول النّاس نقول إنّا تركنا شيخنا و سيّدنا و بني عمومتنا خير الأعمام و لم‌نرم معهم بسهم و لم‌نطعن معهم برمح و لم‌نضرب معهم بسيف و لاندري ما صنعوا لا واللّه مانفعل ذلك و لكن نفديك بأنفسنا و أموالنا و أهلنا و نقاتل معك حتّي نرد موردك فقبّح اللّه العيش بعدك و قام إليه مسلم بن عوسجة فقال أنحن نخلّي عنك و بما نعتذر إلي اللّه في أداء حقك لا واللّه حتّي أطعن في صدورهم برمحي و أضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي و لو لم‌يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة واللّه لانخلّيك حتي يعلم اللّه أنّا قد حفظنا غيبة رسول اللّه فيك أما واللّه لو علمت أنّي أقتل ثمّ أحيي ثمّ أذري يفعل ذلك بي سبعين مرّة مافارقتك حتّي ألقي حمامي دونك فكيف لاأفعل ذلك و إنّما هي قتلة واحدة ثمّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً و قام زهير بن القين فقال واللّه لوددت أنّي قتلت ثمّ نشرت ثمّ قتلت حتّي أقتل هكذا ألف مرّة و أنّ اللّه يدفع بذلك القتل عن نفسك و عن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك و تكلّم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضاً في وجه واحد فجزّاهم الحسين خيراً و انصرف إلي مضربه .

[ص 357] و قال السيّد و قيل لمحمّد بن بشر الحضرميّ في تلك الحال قد أسر ابنك بثغر الريّ فقال عند اللّه أحتسبه و نفسي ماأحبّ أن يؤسر و أنا أبقي بعده فسمع الحسين عليه السلام قوله فقال رحمك اللّه أنت في حلّ من بيعتي فاعمل في فكاك ابنك فقال أكلتني السّباع حيّاً إن فارقتك قال فأعط ابنك هذه الأثواب البرود يستعين بها في فداء أخيه فأعطاه خمسة أثواب قيمتها ألف دينار قال و بات الحسين و أصحابه تلك الليلة و لهم دويّ كدويّ النحل ما بين راكع و ساجد و قائم و قاعد فعبر إليهم في تلك الليلة من عسكر عمر بن سعد اثنان و ثلاثون رجلاً فلمّا كان الغداة أمر الحسين بفسطاطه فضرب و أمر بجفنة فيها مسك كثير فجعل فيها نورة ثمّ دخل ليطلي فروي أنّ برير بن خضير الهمدانيّ و عبدالرّحمن بن عبدربّه الأنصاريّ وقفا علي باب الفسطاط ليطليا بعده فجعل برير يضاحك عبدالرّحمن فقال له عبدالرّحمن يا برير أتضحك ما هذه ساعة باطل فقال برير لقد علم قومي أنّني ماأحببت الباطل كهلاً و لا شابّاً و إنّما أفعل ذلك استبشاراً بما نصير إليه فواللّه ما هو إلا أن نلقي هؤلاء القوم بأسيافنا نعالجهم ساعة ثمّ نعانق الحور العين .

رجعنا إلي رواية المفيد قال قال عليّ بن الحسين عليه السلام إنّي جالس في تلك الّتي قتل في صبيحتها و عندي عمّتي زينب تمرّضني إذا اعتزل أبي في خباء له و عنده فلان مولي ابي‌ذرّ الغفاريّ و هو يعالج سيفه و يصلحه و أبي يقول :

[ص 358]

يا دهر افّ لك من خليل كم لك بالإشراف ( بالإشراق خ‌ل ) و الأصيل

من صاحب و طالب قتيل و الدّهر لايقنع بالبديل

و إنّما الأمر إلي الجليل و كلّ حيّ سالك سبيلي

فأعادها مرّتين أو ثلاثاً حتّي فهمتها و علمت ( عرفت خ‌ل ) ما أراد فخنقتني العبرة فرددتها و لزمت السكوت و علمت أنّ البلاء قد نزل و أمّا عمّتي فلمّا سمعت ما سمعت و هي امرأة و من شأن النساء الرقة و الجزع فلم‌تملك نفسها أن وثبت تجرّ ثوبها و هي حاسرة حتّي انتهت إليه و قالت وا ثكلاه ليت الموت أعدمني الحياة ماتت امّي فاطمة و أبي عليّ و أخي الحسن يا خليفة الماضي و ثمال الباقي فنظر إليها الحسين عليه السلام و قال لها يا اخته لايذهبنّ حلمك الشيطان و ترقرقت عيناه بالدّموع و قال لو ترك القطا لنام فقالت يا ويلتاه أفتغتصب نفسك اغتصاباً فذلك أقرح لقلبي و أشدّ علي نفسي ثمّ لطمت وجهها و هوت إلي جيبها و شقّته و خرّت مغشيّة عليها فقام إليها الحسين فصبّ علي وجهها الماء و قال لها يا اختاه اتّقي اللّه و تعزّي بعزاء اللّه و اعلمي أنّ أهل الأرض يموتون و أهل السماء لايبقون و أنّ كلّ شيء هالك إلا وجه اللّه تعالي الّذي خلق الخلق بقدرته و يبعث الخلق و يعودون و هو فرد وحده و أبي خير منّي و أخي خير منّي و لي و لكلّ مسلم برسول اللّه اسوة فعزّاها بهذا و نحوه و قال لها يا اختاه إنّي أقسمت عليك فأبرّي قسمي لاتشقّي عليّ جيباً و لاتخمشي عليّ وجهاً و لاتدعي عليّ بالويل و الثبور إذا أنا هلكت ثمّ جاء بها حتّي أجلسها عندي ثمّ خرج إلي أصحابه و أمر أن يقرن بعضهم بيوتهم من بعض و أن يدخلوا الاطناب بعضها في بعض و أن يكونوا بين البيوت فيقبلوا القوم في وجه واحد و البيوت من [ص 359] ورائهم و عن أيمانهم و عن شمائلهم و قد حفّت بهم إلا الوجه الّذي يأتيهم منه عدوّهم و رجع عليه السلام إلي مكانه فقام ليلته كلّها يصلّي و يستغفر و يدعو و يتضرّع و قام أصحابه كذلك يصلّون و يدعون و يستغفرون و قال في المناقب فلمّا كان وقت السحر خفق الحسين برأسه خفقة ثمّ استيقظ فقال أتعلمون ما رأيت في منامي الساعة فقالوا و ما الّذي رأيت يا بن رسول اللّه فقال رأيت كأنّ كلاباً قد شدّت عليّ لتنهشني و فيها كلب أبقع رأيته أشدّها عليّ و أظنّ أنّ الّذي يتولّي قتلي رجل أبرص من بين هؤلاء القوم ثمّ إنّي رأيت بعد ذلك جدّي رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و معه جماعة من أصحابه و هو يقول لي يا بنيّ أنت شهيد آل‌محمد و قد استبشر بك أهل السماوات و أهل الصفيح الاعلي فليكن إفطارك عندي اللّيلة عجّل و لاتؤخّر فهذا ملك قد نزل من السماء ليأخذ دمك في قارورة خضراء فهذا ما رأيت و قد انف الامر و اقترب الرّحيل من هذه الدنيا لا شكّ في ذلك و قال المفيد قال الضحّاك بن عبداللّه و مرّت بنا خيل لابن سعد تحرسنا و إنّ حسيناً عليه السلام ليقرأ و لايحسبن الذين كفروا أنّما نملي لهم خير لانفسهم إنّما نملي لهم ليزدادوا إثماً و لهم عذاب مهين ماكان اللّه ليذر المؤمنين علي ما أنتم عليه حتّي يميز الخبيث من الطيّب فسمعها من تلك الخيل رجل يقال له عبداللّه بن سمير و كان مضحكاً و كان شجاعاً بطلاً شريفاً فاتكاً فقال نحن و ربّ الكعبة الطيّبون ميّزنا بكم فقال له برير بن الخضير يا فاسق أنت يجعلك اللّه من الطيّبين قال له من أنت ويلك قال أنا برير بن الخضير فتسابّا .

[ص 360] باب مبدء مجيء الحر قبال الحسين الي نزوله عليه السلام في كربلاء و ما جري الي اول صباح عاشورا علي ما ذكره ابومخنف (ره) و انما عنونته في باب آخر لتنافيه مع نقل البحار في كثير

مقتل ابي‌مخنف و سار الحسين عليه السلام حتي بلغ الثعلبية و نزل بها فاقبل رجل نصراني و امه و اسلما علي يديه فبينما هو جالس بالثعلبية اذ نظر الي سواد قد ارتفع فقال لأصحابه ما هذا السواد فقالوا لا علم لنا بذلك فقال أنظروا الي ذلك مرة ثانية فقالوا خيل مقبلة فقال اعدلوا بنا عن الطريق قال فلما رأونا عدلنا عدلوا الينا و اذا هم الف فارس يقدمهم الحر بن يزيد الرياحي و وقفوا مقابل الحسين عليه السلام و قالوا يا اباعبداللّه اسقنا الماء فقال عليه السلام رحم اللّه من سقاهم و اسقي خيولهم فاسقوهم جميعاً قال علي بن يقظان جئت آخر العسكر فرآني الحسين عليه السلام فقال يا ابن الأخ انخ الجمل و افتح الراوية و اشرب و اسق راحلتك ففعلت ذلك فلم‌يزل الحر مواقف الحسين عليه السلام حتي حضرت الصلاة فصلي الحسين عليه السلام بالفريقين ثم قام الحسين عليه السلام في ازار و نعلين و رداء فحمد اللّه و اثني عليه و ذكر جده صلي اللّه عليه و آله فصلي عليه ثم قال ايها الناس معذرة الي اللّه تعالي و اليكم اني لم‌آتكم حتي اتتني كتبكم ان اقدم علينا و لك ما لنا و عليك ما علينا فليس لنا امام سواك فان كنتم علي ما ذكرتموه فاعطوني عهودكم و مواثيقكم و ان كنتم كارهين لقدومي رجعت عنكم الي ما شئت من الأرض فقال له الحر انا واللّه لست ممن كتب اليك فقال الحسين عليه السلام لعقبة بن سمعان اخرج الخرجين المملوين فاخرج عقبة خرجين مملوين كتبا و اقرأها عليهم فقال له الحر لست اعرف من كتب اليك و لا من ارسل هذه الكتب و قد امرت ان لاافارقك حتي اقدم بك الي الكوفة [ص 361] فقال له الحسين عليه السلام للحر ( يا ويلك الموت اولي من ذلك خ‌ل ).ثكلتك امك و عدموك قومك فقال له الحر اما واللّه لو قالها غيرك احد من العرب ماتركت امه من الثكل كائنا من كان و لكن لاافارقك ثم امر اصحابه بالركوب و هموا بالرجوع فحال القوم بينهم و بين الطريق فقال الحسين للحر يا ويلك ما تريد فقال لاافارقك الا بالقدوم الي الكوفة ثم كثر بينهما الكلام فقال الحر خذ طريقاً لايدخلك الكوفة و لايردك الي المدينة حتي اكتب الي ابن زياد لعنه اللّه يعفيني عن ذلك قال و سار الحسين عليه السلام و الحر يسايره و يقول يا اباعبداللّه سألتك إلا ما حفظت نفسك و دمك فواللّه ان قاتلت لتقتلن فقال له الحسين عليه السلام أتخوفني بالموت ثم انه انشأ يقول :

سأمضي و ما بالموت عار علي الفتي اذا ما نوي حقاً و جاهد مسلما

و واسي الرجال الصالحين بنفسه و فارق مثبوراً و خالف مجرما

فان عشت لم‌اندم و ان مت لم‌الم كفي بك ذلا ان تعيش فترغما

قال فلما سمع الحر كلامه تأخر عنه و سار حتي وصل عذيب الهجانات و اذا باربع نفر قد اقبلوا من ناحية الكوفة و اذ هم نافع بن هلال المرادي و عمر الصيداوي و سعيد بن ابي‌ذر الغفاري و عبيداللّه المذحجي فاقبلوا الي الحسين عليه السلام فلما نظر الطرماح اخذ بزمام ناقة الحسين عليه السلام و انشأ يقول :

يا ناقتي لاتزعري ( لاتجزعي خ‌ل ) من زجري و شمري قبل طلوع الفجر [ص 362] 

بخير ركبان و خير سفر حتي تحلي بكثير الفخر

الماجد الحر رحيب الصدر اثابه اللّه بخير اجر

ابن اميرالمؤمنين الطهر و ابن الشفيع في غداة الحشر

قال فاقبل عليهم الحر فقال لهم الحسين عليه السلام ألم‌تكن قد عاهدتني ان لاتتعرض لأحد من اصحابي حتي يأتيك كتاب ابن زياد عليه اللعنة فان كنت علي ما بيني و بينكم و الا نازلتك في ميدان الحرب فكف عنهم الحر ثم ان الحسين عليه السلام استقبلهم و قال اخبروني ما وراءكم بالكوفة ؟ فقالوا يا بن رسول اللّه اما اشراف الناس فقد طمت رؤسهم بالمال و اما سائر الناس فقلوبهم معك و اسيافهم عليك فقال هل لكم علم برسولي قيس بن مسهر قالوا اخذه الحصين بن نمير و بعثه مكتوفاً الي ابن زياد فقتله قال فلما سمع الحسين عليه السلام ذلك تغرغرت عيناه بالدموع ثم تلا قوله تعالي فمنهم من قضي نحبه و منهم من ينتظر و مابدلوا تبديلا ثم قال اللّهم اجعل الجنة لنا و لهم و اجمع بيننا و بينهم في مستقر رحمتك يا ارحم الراحمين قال و اقبل الطرماح الي الحسين عليه السلام و قال يا ابن رسول اللّه لو لم‌يقاتلك الا هؤلاء لكفي فكيف و قد رأيت حين خرجت من الكوفة جم غفير لم‌ار مثلهم فسألت عنهم فقيل انهم اجتمعوا علي حرب الحسين فان قدرت فلاتخرج اليهم .

قال ابومخنف ثم سار الحسين و الحر يسايره حتي اتوا الي قصر بني‌مقاتل و اذا بفسطاط مضروب فقال لمن هذا الفسطاط فقيل لرجل يقطع الطريق و يخيف السبيل اسمه عبداللّه الجعفي فارسل اليه الامام صلوات اللّه عليه فلما حضر بين يدي الحسين قال له يا هذا انك قد جمعت علي نفسك ذنوبا كثيرة فهل لك من توبة تمحص عنك الذنوب قال و ما هي يا ابن رسول اللّه قال تنصرنا اهل البيت فقال ماخرجت من الكوفة الا مخافة ان اقاتلك بين يدي ابن زياد و لكن خذ فرسي فإني [ص 363] ماطلبت عليها الا و لحقت و ماهربت الا و نجوت و سيفي هذا القاطع و رمحي و اعف عني فقال له الامام عليه السلام اذا بخلت علينا بنفسك فلا حاجة لنا بمالك ثم تلا و ماكنت متخذ المضلين عضداً و لقد سمعت جدي رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله يقول من سمع داعي اهل البيت و لم‌يجبه كبه اللّه علي منخريه في النار يوم القيامة قال ثم سار الحسين و ندم عبداللّه الجعفي علي قعوده عن نصرة الحسين و جعل يضرب يده علي الاخري و هو يقول ما فعلت بنفسي و انشأ يقول :

فيا لك حسرة ما دمت حياً تردد بين صدري و التراقي

حسين حيث يطلب نصر مثلي علي أهل العداوة و الشقاق

مع ابن المصطفي روحي فداه فويل يوم توديع الفراق

فلو اني اواسيه بنفسي لنلت الفوز في يوم التلاق

لقد فاز الذي نصروا حسيناً و خاب الآخرون ذوي النفاق

قال و سار الحسين و هومت عيناه ساعة و انتبه و هو يقول إنا للّه و انا اليه راجعون فاقبل اليه علي عليه السلام و قال له يا ابت لم استرجعت لااراك اللّه سوء فقال صلوات اللّه عليه يا ولدي خفقت خفقة فرأيت فارساً علي فرس و هو يقول القوم يسيرون و المنايا تسير بهم فقال له يا ابت السنا علي الحق فقال بلي واللّه نحن علي الحق فقال علي (ع) اذا واللّه لانبالي قال فلما اصبح عليه السلام صلي صلاة الفجر ثم عجل بالركوب و اذا بفارس مقبل من الكوفة فوقفوا ينظرون اليه فلما وصل اليهم سلم علي الحر و لم‌يسلم علي الحسين و قال له هذا كتاب ابن زياد يقول فيه اما بعد فحين تقرأ كتابي هذا فجعجع بالحسين من الموضع الذي يأتيك فيه كتابي و قد امرت رسولي ان لايفارقك حتي تنفذ امري و السلام ، فلما قرأ الحر الكتاب اقرأه الحسين و ساروا جميعا [ص 364] الي ان اتوا أرض كربلاء و ذلك يوم الأربعاء فوقفت فرس الحسين عليه السلام من تحته فنزل عنها و ركب اخري فلم‌تنبعث من تحته خطوة واحدة و لم‌يزل يركب فرسا بعد فرس حتي ركب سبعة ( ثمانية خ‌ل ) افراس و هن علي هذا الحال فلما رأي الامام ذلك الامر الغريب قال يا قوم ما يقال لهذه الأرض قالوا ارض الغاضرية قال فهل لها اسم غير هذا قالوا تسمي نينوي قال هل لها اسم غير هذا قالوا تسمي بشاطئ الفرات قال هل اسم لها غير هذا قالوا تسمي كربلاء قال فعند ذلك تنفس الصعداء و قال ارض كرب و بلاء ثم قال قفوا و لاترحلوا فهاهنا واللّه مناخ ركابنا و هاهنا واللّه سفك دمائنا و هاهنا واللّه هتك حريمنا و هاهنا واللّه قتل رجالنا و هاهنا واللّه ذبح اطفالنا و هاهنا واللّه تزار قبورنا و بهذه التربة وعدني جدي رسول اللّه (ص) و لا خلف لقوله صلي اللّه عليه و آله ثم انه نزل عن فرسه و انشأ يقول :

يا دهر اف لك من خليل كم لك بالاشراق و الأصيل

من طالب بحقه قتيل و الدهر لايقنع بالبديل

و كل حي سالك سبيلي ما اقرب الوعد من الرحيل

و انما الأمر الي الجليل سبحان ربي ما له مثيل

قال علي بن الحسين عليه السلام و جعل يردد هذه الأبيات فحفظتها منه و خنقتني العبرة و لزمت السكوت حسب طاقتي و اما عمتي زينب فلما سمعت بذلك خنقتها العبرة و كانت ضعيفة القلب فاظهرت الحزن و الجزع و اقبلت تجر اذيالها الي الحسين و قالت يا اخي و قرة عيني ليت الموت اعدمني الحياة يا خليفة الماضين و جمال الباقين فنظر اليها الحسين عليه السلام و قال يا اختاه لايذهبن بحلمك الشيطان فان اهل السماء يموتون و اهل الارض لايبقون كل شيء هالك الا وجهه له الحكم و اليه ترجعون فأين ابي و جدي [ص 365] اللذان هما خير مني و لي بهما و بكل مسلم اسوة حسنة ثم عزاها و قال لها بحقي عليك يا اختاه اذا ما قتلت فلاتشقي علي جيباً و لاتخمشي علي وجهاً ثم ردها الي خدرها و خرج الي اصحابه و امرهم ان يقربوا البيوت فقربوها ، قال ابومخنف ثم ان ابن زياد نادي بعسكره و قال من يأتيني برأس الحسين عليه السلام و له ملك الري عشر سنين فقام اليه عمر بن سعد و قال انا ايها الامير فقال امض اليه و خذه بكظمه و امنعه من شرب الماء فقال له ايها الامير امهلني شهرا فقال لاافعل فقال له عشرة ايام فقال لاافعل ثم نهض من وقته و دخل منزله فدخل عليه اولاد المهاجرين و الانصار و قالوا يا ابن سعد تخرج الي حرب الحسين عليه السلام و ابوك سادس الإسلام و بيعة الرضوان فقال لست ارجع عن ذلك و جعل يفكر في ولاية الري و قتل الحسين عليه السلام فاختار حرب الحسين عليه السلام و انشأ يقول :

فواللّه ماادري و اني لحائر افكر في امري علي خطرين

اأترك ملك الري و الري منيتي أم اصبح ( ارجع خ‌ل ) مأثوماً بقتل حسين

حسين ابن عمي و الحوادث جمة لعمري و لي في الري قرة عيني

و ان اله العرش يغفر زلتي و لو كنت فيها اظلم الثقلين

الا انما الدنيا بخير معجل و ما عاقل باع الوجود بدين

يقولون ان اللّه خالق جنة و نار و تعذيب و غل يدين [ص 366] 

فان صدقوا فيما يقولون انني أتوب الي الرحمن من سببين

و ان كذبوا فزنا بدنيا عظيمة و ملك عقيم دائم الحجلين

لعنه اللّه تعالي قال و اجابه هاتف لايرون شخصه يقول :

الا ايها النغل الذي خاب سعيه و راح من الدنيا ببخسة عين

ستصلي جحيما ليس يطفي لهيبها و سعيك من دون الرجال بشين

اذا كنت قاتلت الحسين بن فاطم و انت تراه اشرف الثقلين

فلاتحسبن الري يا اخسر الوري تفوز به من بعد قتل حسين

قال ابومخنف و اول راية سارت الي حرب الحسين عليه السلام راية عمر بن سعد لعنه اللّه و تحتها ستةآلاف فارس ثم دعا بشبث بن ربعي لعنه اللّه و عقد له راية و ضم اليه اربعةآلاف فارس و دعا بعروة بن قيس لعنه اللّه و عقد له راية علي اربعةآلاف فارس ثم دعا بسنان بن انس النخعي عليه اللعنة و عقد له راية علي اربعةآلاف فارس قال فتكامل العسكر ثمانون‌الف فارس من اهل الكوفة ليس فيهم شامي و لا حجازي و ساروا حتي نزلوا قريبا من عسكر الحسين عليه السلام فدعا ابن سعد لعنه اللّه بكثير بن شهاب و قال له انطلق الي الحسين و قل له ما الذي جاء بك الينا و اقدمك علينا فاقبل كثير بن شهاب لعنه اللّه حتي وقف بازاء الحسين و نادي يا حسين ما الذي جاء بك الينا و اقدمك علينا فقال عليه السلام تعرفون هذا الرجل فقال له ابوتمامة الصيداوي و هذا من اشر اهل الأرض فقال اسألوه ما يريد فقال اريد الدخول علي الحسين فقال له زهير بن القين الق سلاحك و ادخل فقال لست افعل فقال انصرف من حيث اتيت فانصرف الي عمر بن سعد و اخبره بذلك فانفذ برجل آخر من خزيمة فقال له امض الي الحسين و قل له ما الذي اتي بك الينا و اقدمك علينا فاقبل حتي وقف بازاء الامام عليه [ص 367] السلام فنادي فقال الحسين عليه السلام اتعرفون هذا الرجل فقالوا هذا رجل فيه الخير الا انه شهد هذا الموضع الفظيع فقال اسألوه ما يريد فقال اريد الدخول علي الحسين فقال له زهير الق سلاحك و ادخل فقال حباً و كرامة ثم القي سلاحه و دخل علي الحسين سلام اللّه عليه يقبل يديه و رجليه و قال يا مولاي ما الذي جاء بك الينا و اقدمك علينا فقال عليه السلام كتبكم فقال لعن اللّه الذين كاتبوك فهم اليوم من خواص ابن زياد فقال ارجع الي صاحبك و اخبره بذلك فقال يا مولاي من الذي يختار النار علي الجنة فواللّه ماافارقك حتي القي حمامي بين يديك فقال له الحسين عليه السلام واصلك اللّه كما واصلتنا بنفسك ثم قام عند الحسين عليه السلام حتي قتل . قال ابومخنف ثم ان عمر بن سعد عبر الفرات و صار يخرج كل ليلة و يبسط بساطا و يدعو الحسين عليه السلام و يتحدثان حتي يمضي من الليل شطره و كان خولي بن يزيد لعنه اللّه من اقسي الناس قلباً علي الحسين عليه السلام فلما رأي ذلك كتب الي ابن زياد يقول فيه اما بعد ايها الأمير ان عمر بن سعد يخرج كل ليلة و يبسط بساطا و يدعو الحسين و يتحدثان حتي يمضي من الليل شطره و قد ادركته علي الحسين الرحمة و الرأفة فأمره ان ينزل عن حكمك و يصير الحكم لي و انا اكفيك امره قال فلما قرأ ابن زياد كتاب خولي كتب الي ابن سعد يقول أما بعد يا بن سعد قد بلغني انك تخرج في كل ليلة و تبسط بساطاً و تدعو الحسين و تتحدث معه حتي يمضي من الليل شطره فإذا قرأت كتابي فأمره ان ينزل علي حكمي فان اطاع و الا امنعه من شرب الماء فاني حللته علي اليهود و النصاري و حرمته عليه و علي اهل بيته فلما قرأ ابن سعد الكتاب دعا بحجر بن الحر لعنهما اللّه و عقد [ص 368] له راية علي اربعةآلاف فارس و امره ان ينزل مشرعة الغاضرية و يمنع الحسين من شرب الماء ثم دعا بشبث بن ربعي و عقد له راية علي اربعةآلاف فارس و امره ان ينزل مشرعة الغاضرية و يمنع الحسين من شرب الماء فنزلا جميعاً علي المشرعة فبات الإمام عليه السلام تلك الليلة فلما اصبح نظر الي القوم و اذا هم قد زحفوا اليه فدعا عليه السلام براحلته فوطئها و ركبها و اقبل الي القوم باعلي صوته ايها الناس انصتوا فنصتوا فحمد اللّه و اثني عليه و ذكر النبي صلي اللّه عليه و آله فصلي عليه ثم قال ايها الناس انسبوني من انا ثم راجعوا انفسكم هل يحل لكم قتلي و انا ابن بنت نبيكم و ابن صفيه و اول المؤمنين و المصدق باللّه و برسوله و بما جاء به من عند اللّه اليس حمزة سيد الشهداء عمي و جعفر الطيار في الجنة عمي و قد بلغكم قول جدي لي و لأخي الحسن هذان ولداي سيدا شباب اهل الجنة و قال صلي اللّه عليه و آله اني مخلف فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي اهل بيتي فان صدقتموني فهو الحق و ان كذبتموني فاسألوا جابر بن عبداللّه الأنصاري و اباسعيد الخدري و سهل بن سعد الساعدي و زيد بن ارقم و انس بن مالك فإنهم سمعوا ذلك عن جدي رسول اللّه فقال له الشمر لعنه اللّه انت تعبد اللّه تعالي علي حرف واحد فقال له حبيب بن مظاهر اني اراك تعبد اللّه علي سبعين حرفاً و اشهد انك بهيمة ماتدري ما تقول قد طبع اللّه علي قلبك ثم نادي الحسين عليه السلام ويلك يا شبث بن ربعي و يا كثير بن شهاب و يا فلان و يا فلان ألم‌تكتبوا الي ان اقدم علينا و لك ما لنا و عليك ما علينا فقالوا لم‌نفعل شيئاً من ذلك فقال الحسين (ع) اذا كرهتموني دعوني انصرف الي ما شئت من الأرض فقال قيس بن اشعث لعنه [ص 369] اللّه انزل علي حكم الأمير ابن زياد فماتري الا ما تحب فقال له الحسين عليه السلام يا ويلك اما واللّه لااعطي يدي اعطاء الذليل و لاافر فرار العبيد ثم تلا اني عذت بربي و ربكم من كل متكبر لايؤمن بيوم الحساب ثم اناخ راحلته و امر عقبة بن سمعان بأن يعقلها فعقلها بفاضل زمامها و جلس ثم ان القوم زحفوا نحوه فخرج اليهم زهير بن القين و نادي باعلي صوته ايها الناس ان حق المسلم علي المسلم النصيحة و نحن و انتم علي دين واحد و قد ابتلانا اللّه بذرية نبيكم لينظر الي ما نحن و انتم صانعون و انا ادعوكم الي نصرته و خذلان الطغاة فلما سمعوا كلام زهير قالوا لن‌نبرح حتي نقتل صاحبكم و من يتابعه او يبايعه ليزيد بن معوية فقال له زهير عباد اللّه ان الدنيا دار فناء و زوال متصرف بأهلها من حال الي حال فالمغرور من غرت ( اغتر ظ ) بها و ركن اليها و ان الحسين احق بالنصرة و المودة من ابن سمية فان انتم لم‌تنصروه فلاتقاتلوه خلوا بينه و بين يزيد بن معوية فانه يرضي منكم بدون قتل الحسين قال فرماه الشمر لعنه اللّه سهما و قال له امسك عنا فقد ابرمتنا بكثرة كلامك فقال له زهير بن القين يا ابن البوال علي عقبيه انما انت بهيمة فابشر بالنار يوم القيمة و العذاب الأليم فقال له الشمر اني قاتلك و قاتل صاحبك فقال له زهير يا ويلك تخوفني بالقتل مع الحسين عليه السلام و هو احب الي من الحيوة معكم ثم اقبل علي اصحابه و قال معاشر المهاجرين و الأنصار لايغركم كلام هذا الكلب الملعون و اشباهه فإنه لاينال شفاعة محمد صلي اللّه عليه و آله ان قوماً قتلوا ذريته و قتلوا من نصرهم فانهم في جهنم خالدون ابداً و قال فأتي رجل من اصحاب الحسين الي زهير و قال يا زهير ان الحسين عليه السلام يقول لك اقبل فلعمري لقد نصحت [ص 370] و تكلمت فرجع زهير الي الحسين عليه السلام قال ابومخنف و اشتد العطش بالحسين و اصحابه و انصاره و اولاده فشكوا ذلك الي الحسين فدعا بأخيه العباس يا اخي امض الي الفرات و ائتنا شربة من الماء فقال له العباس سمعا و طاعة قال فضم اليه رجالاً فسار العباس سلام اللّه عليه و الرجال عن يمينه و شماله و انشأ يقول :

أقاتل القوم بقلب مهتد اذب عن سبط النبي احمدي

اضربكم بالصارم المهند حتي تحيدوا عن قتال سيدي

اني انا العباس ذو التودد نجل علي المرتضي المؤيد

قال فلما فرغ من شعره حمل علي القوم ففرقهم يمينا و شمالا و قتل رجالا ابطالا قال و سار هو اصحابه حتي اشرفوا علي الفرات فرآهم اصحاب ابن زياد لعنه اللّه فقالوا من انتم فقالوا نحن اصحاب الحسين روحي لهم الفداء فقالوا ما تصنعون هاهنا فقالوا كظنا العطش و اشد الأشياء علينا عطش الحسين عليه السلام فلما سمعوا كلامه حملوا عليه حملة رجل واحد فقاتلهم العباس سلام اللّه عليه و اصحابه فقاتلوهم قتالا شديدا فقتل منهم رجالا و انشأ يقول :

لاارهب الموت اذ الموت وقا حتي اواري ميتا عند اللقا

نفسي لنفس الطاهر الطهر وقا اني صبور شاكر للملتقي

و لااخاف طارقا ان طرقا بل اضرب الهام و افري المرفقا

اني انا العباس صعب باللقا نفسي لنفس الطاهر السبط وقا

قال فلما فرغ من شعره حمل علي القوم و كشفهم عن المشرعة و نزل و معه القربة و ملأها و مد يده ليشرب فذكر عطش الحسين عليه السلام فقال واللّه لاذقت الماء و سيدي الحسين عطشان ثم رمي الماء من يده و خرج و القربة علي ظهره و هو ينشد و يقول :

[ص 371]

يا نفس من بعد الحسين هوني فبعده لاكنت ان تكوني

هذا الحسين شارب المنون و تشربين بارد المعين

هيهات ما هذا فعال ديني و لا فعال صادق اليقين

قال ثم صعد من المشرعة فاخذه النبل من كل مكان و هو يقاتل و القربة علي كتفه حتي صار درعه كالقنفذ فحمل عليه ابرص بن شيبان لعنه اللّه فضربه علي يمينه فطارت مع السيف فاخذ السيف بشماله و حمل علي القوم و انشأ يقول :

واللّه لو قطعتموا يميني لأحمين مجاهدا عن ديني

و عن امام صادق اليقين سبط النبي الطاهر الأمين

نبي صدق جاءنا بالدين مصدقاً بالواحد الأمين

قال فحمل علي القوم و قتل منهم رجالا كثيرا و نكس ابطالا و القربة علي ظهره فلما نظر ابن سعد قال يا ويلكم ارشقوا القربة بالنبل فواللّه ان شرب الحسين الماء افناكم عن آخركم اما هو الفارس بن الفارس و البطل المداعس علي بن ابي‌طالب اميرالمؤمنين قال فحملوا علي العباس حملة منكرة فقتل منهم مائة و ثمانين فارسا فضربه عبداللّه بن يزيد الشيباني علي شماله فطارت مع سيفه فانكب علي السيف بفيه و حمل علي القلب و انشأ يقول :

يا نفس لاتخشي من الكفار و ابشري برحمة الجبار

مع النبي سيد الأبرار مع جملة السادات و الأطهار

قد قطعوا ببغيهم يساري فأصلهم يا رب حر النار

قال ثم حمل علي القوم و يداه ينضحان دماً فحملوا عليه جميعاً فقاتلهم قتالا شديداً فضربه رجل منهم بعمود حديد ففلق هامته و انصرع عفيرا علي الأرض رحمة اللّه عليه يخور بدمه و هو ينادي يا اباعبداللّه عليك مني السلام فلما سمع الحسين عليه السلام قال وا اخاه وا عباساه و وا مهجة قلباه ثم حمل علي القوم فكشفهم عنه و نزل اليه و حمله علي ظهر جواده و اقبل به الي الخيمة و طرحه و بكي عليه بكاء شديداً حتي [ص 372] بكي جميع من كان حاضراً قال صلوات اللّه عليه جزاك اللّه خيرا من اخ لقد جاهدت في اللّه حق جهاده ثم اقبل صلوات اللّه عليه علي اصحابه و قال لهم يا اصحابي ليس طلب القوم غيري فاذا اظلم عليكم الليل فسيروا في ظلمة الليل الي ما شئتم من الأرض فقالوا باجمعهم يا ابن بنت رسول اللّه بأي وجه نلقي اللّه و نلقي جدك رسول اللّه (ص) و اباك علي المرتضي عليه السلام لاكان ذلك ابداً و نقتل انفسنا دونك فشكرهم علي ذلك الحسين عليه السلام و بات تلك الليلة فلما اصبح الصباح اذن و اقام و صلي بأصحابه فلما فرغ استدعي بدرع جده رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و تعمم بعمامة السحاب و تقلد بسيف ذي‌الفقار و نزل الي القوم و قال ايها الناس اعلموا ان الدنيا دار فناء و زوال متغيرة بأهلها من حال الي حال معاشر الناس عرفتم شرائع الإسلام و قرأتم القرآن و علمتم ان محمداً (ص) رسول الملك الديان و وثبتم علي قتل ولده ظلما و عدوانا معاشر الناس أماترون الي ماء الفرات يلوح كأنه بطون الحيات يشربه اليهود و النصاري و الكلاب و الخنازير و آل الرسول صلي اللّه عليه و آله يموتون عطشا فقال له الملاعين اقصر عن هذا الكلام فلن‌تذوق الماء و لا احد من اصحابك بل تذوق الموت غصة بعد غصة قال فلما سمع كلامهم رجع الي اصحابه و قال لهم ان القوم استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر اللّه اولئك حزب الشيطان الا ان حزب الشيطان هم الخاسرون ثم انشأ يقول :

[ص 373]