فإن كنت لاتدرين ما الموت فانظري إلي هانئ في السّوق و ابن عقيل
إلي بطل قد هشّم السيف وجهه و آخر يهوي من طمار ( جدار خل ) قتيل
أصابهما أمر اللّعين فأصبحا أحاديث من يسري بكلّ سبيل
تري جسداً قد غيّر الموت لونه و نضح دم قد سال كلّ مسيل [ص 315]
فتي كان أحيا من فتاة حييّة و أقطع من ذي شفرتين صقيل
أيركب أسماء الهماليج آمناً و قد طالبته ( طلبته خل ) مذحج بذحول
تطيف حواليه مراد و كلّهم علي رقبة من سائل و مسول
فإن أنتمُ لمتثاروا بأخيكم فكونوا بغايا أرضيت بقليل
و لمّا قتل مسلم بن عقيل و هاني بن عروة رحمة اللّه عليهما بعث ابن زياد برأسهما مع هاني بن ابيحيّة الوادعي و الزّبير بن الأروح التميميّ إلي يزيد بن معاوية و أمر كاتبه أن يكتب إلي يزيد بما كان من أمر مسلم و هاني فكتب الكاتب و هو عمرو بن نافع فأطال فيه و كان أوّل من أطال في الكتب فلمّا نظر فيه عبيداللّه كرهه و قال ما هذا التطويل و هذه الفضول اكتب أمّا بعد فالحمد للّه الذي أخذ لامير المؤمنين بحقّه و كفاه مؤنه عدوّه أخبر امير المؤمنين أنّ مسلم بن عقيل لجأ إلي دار هاني بن عروة المراديّ و إنّي جعلت عليهما المراصد و العيون و دسست إليهما الرّجال و كدتهما حتّي أخرجتهما و أمكن اللّه منهما فقدّمتهما و ضربت أعناقهما و قد بعثت إليك برأسيهما مع هاني بن ابيحيّة الوادعيّ و الزّبير بن الأروح التميميّ و هما من أهل السمع و الطاعة و النصيحة فليسألهما امير المؤمنين عمّا أحبّ من أمرهما فإنّ عندهما علماً و ورعاً و صدقاً و السلام ، فكتب إليه يزيد أمّا بعد فإنّك لمتعد أن كنت كما أحبّ عملت عمل الحازم و صلت صولة الشجاع الرابط الجأش و قد أغنيت و كفيت و صدّقت ظنّي بك و رأيي فيك و قد دعوت رسوليك و سألتهما و ناجيتهما فوجدتهما في رأيهما و فضلهما كما ذكرت فاستوص بهما خيراً و إنَّه قد بلغني أنَّ حسيناً قد توجّه نحو العراق فضع المناظر و المسالح و احترس و احبس علي الظنّة و اقتل علي التّهمة و اكتب إليّ في كلّ يوم ما يحدث من [ص 316] خبر ان شاء اللّه و قال ابن نما كتب يزيد إلي ابن زياد قد بلغني أنّ حسيناً قد سار إلي الكوفة و قد ابتلي به زمانك من بين الأزمان و بلدك من بين البلدان و ابتليت به من بين العمّال و عندها تعتق أو تعود عبداً كما تعبد العبيد مقتل ابيمخنف و كان محمد بن الأشعث قد اخذ سيف مسلم بن عقيل و درعه و في ذلك انشد عبداللّه و هو يقول :
اتركت مسلم لاتقاتل دونه حذر المنية ان تكون صريعا
و قتلت وافد آل بيت محمد و سلبت اسيافاً له و دروعاً
لو كنت من اسد عرفت مكانه و رجوت احمد في المعاد شفيعاً
قال ابومخنف لما قتل مسلم بن عقيل و هاني بن عروة انقطع خبرهما عن الحسين فقلق قلقا عظيما فجمع اهله و اخبرهم بما حدثته به نفسه و امرهم بالرحيل الي المدينة فشدوا علي الجمال و خرجوا سائرين بين يديه الي المدينة حتي دخلوها فأتي قبر جده رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و التزمه و بكي بكاء شديداً فهومت عيناه بالنوم فرأي جده رسول اللّه يقول يا ولدي العجل العجل الوحا الوحا فبادر الينا فنحن مشتاقون اليك فانتبه الحسين قلقاً مشوقاً الي جده صلي اللّه عليه و آله فدخل علي اخيه محمد بن الحنفية ( و سلم عليه و قال يا اخي ما تريد تصنع قال خل ) و اخبره بما نفسه (كذا) و قال يا اخي اريد الرحيل الي العراق فاني قلق علي ابن عمي مسلم بن عقيل فقال له محمد بن الحنفية ناشدتك اللّه يا أخي ان لاتسير الي قوم قتلوا اباك و غدروا بأخيك و ابقوا عدوكم فأقم في حرم جدك رسول اللّه و الا فارجع الي حرم اللّه تعالي فان لك فيه اعواناً كثيرة فقال له لا بد من المسير الي العراق فقال له اخوه اني ليفجعني ذلك ثم بكي و قال واللّه يا اخي لااقدر [ص 317] اقبض قائم سيفي و لا كعب رمحي ثم لافرحت بعدك ابداً ثم ودعه و قال استودعك اللّه من شهيد مظلوم ( قال هاشم المخزومي اتيت الي الحسين و قد تأهب للمسير الي الكوفة فدخلت عليه فقلت له يا سيدي الي اين تريد ان تمضي فقد بلغني انك تريد العراق و انني مشفق عليك في مسيرك هذا و انك تقدم علي بلاد و امارة عمالها فراعنة و بيوت المال بايديهم و الناس عبيد الدراهم و الدنانير و لاآمن عليك من الذين اوعدوك بالنصر ان يكونوا اعوانا عليك فقال الحسين جزاك اللّه يا عم خيرا لقد نصحت و اشفقت و لكن لا بد من المسير الي العراق قال هاشم ثم انصرفت عنه فدخلت علي الحارث بن خلف فسألني هل دخلت علي الحسين فقلت نعم قال ماذا قال لك و ماذا قلت له قال قلت له كذا و كذا و قال لي كذا و كذا فقال قد نصحته في الرأي الذي اشرت به عليه فقال اتركه ام قبله قال قلت قد عزم علي الرحيل الي العراق . نسخة ) قال و دخل علي الحسين هشام و عبداللّه بن العباس فقال له ابن العباس يا ابن العم قد بلغني انك تريد العراق فقال له الحسين قد جمع رأيي علي المسير في هذين اليومين فقال يا بن العم تسير الي قوم قتلوا اباك و غدروا بأخيك و لست آمن عليك ان يغروك فانشدتك اللّه ان لاتخرج فأبي الا الخروج و من عنده خرج و دخل عليه عبداللّه بن الزبير فحدثه ساعة ثم قال لست ادري لأي حال تركنا هذا الأمر يتولاه غيرنا فقال الحسين عليه السلام قد كتبت الي شيعتي و اشراف اهل الكوفة بالقدوم ثم خرج ابن الزبير فلما كان من الغد عاد اليه عبداللّه بن العباس و قال سألتك باللّه إن كان لا بد من المسير فسر الي اليمن و الحجاز فإن فيه حصوناً و شعاباً فأبي الحسين عليه السلام فقال له ابن عباس [ص 318] واللّه لو اعلم انك تطيعني لأخذت بناصيتك حتي يجمع الناس علينا فقال جزاك اللّه خيراً فانك لنا ناصح أمين ثم خرج من عنده و جاوز ابن الزبير فقال قد قرت عينك يا ابن الزبير بخروج سيدك الحسين عليه السلام الي العراق ليخلو لك الحجاز ثم انشأ بهذه الأبيات يقول :
يا لك من قنبرة بمعمري خلا لك الجو فبيضي و اصفري
و نقري ما شئت ان تنقري قد رحل الصياد عنك فابشري
هذا الحسين خارج ( خارجاً خل ) فانتشري الي العراق راجياً للظفر
علي يزيد اذ اتي بمنكر قد رفع الفخ فماذا تحذري
اقول هذا الكلام يدل علي انه رجع الحسين عليه السلام من مكة الي المدينة و كان محمد بن الحنفية في المدينة و هو ينافي ساير الاخبار و كذلك ينافي ساير الاخبار سماعه عليه السلام بمقتل مسلم في مكة و يأتي في الباب الآتي كلام صاحب كشف الغمة موافقا له ايضا .
باب وقت خروجه عن مكة و علل خروجه عن مكة
بحار من الكافي باسناده عن ابراهيم بن عمر اليماني عن ابيعبداللّه عليه السلام قال ان الحسين بن علي خرج قبل التروية بيوم الي العراق و قد كان دخل معتمرا و باسناده عن معوية بن عمار عن ابيعبداللّه عليه السلام قال ان المتمتع مرتبط بالحج و المعتمر اذا فرغ منها ذهب حيث شاء و قد اعتمر الحسين في ذيالحجة ثم راح يوم التروية الي العراق و الناس يروحون الي مني و لا بأس بالعمرة في ذيالحجة لمن لايريد الحج و من كامل الزيارة باسناده عن ابيسعيد عقيصا قال سمعت الحسين بن علي عليه السلام و خلا به عبداللّه بن الزبير فناجاه طويلا قال ثم اقبل الحسين بوجهه اليهم و قال ان هذا يقول لي كن حماما من حمام الحرم و لان اقتل و بيني و بين الحرم باع احب الي من ان اقتل و بيني و بينه شبر و [ص 319] لان اقتل بالطف احب الي من ان اقتل بالحرم و منه باسناده عن داود بن فرقد عن ابيعبداللّه عليه السلام قال قال عبداللّه بن الزبير للحسين بن علي عليه السلام لو جئت الي مكة فكنت بالحرم فقال الحسين بن علي (ع) لانستحلها و لاتستحل بنا و لان اقتل علي تل اعفر ● احب الي من ان اقتل بها و منه باسناده عن ابيالجارود عن ابيجعفر عليه السلام قال ان الحسين عليه السلام خرج من مكة قبل التروية بيوم فشيعه عبداللّه بن الزبير فقال يا اباعبداللّه قد حضر الحج و تدعه و تأتي العراق فقال يا ابن الزبير لان ادفن بشاطئ الفرات احب الي من ان ادفن بفناء الكعبة كتاب تظلم الزهراء لرضي بن نبي القزويني من المنتخب يزيد أنفذ عمر بن سعيد بن العاص في عسكر عظيم و ولّاه أمر المسلم (كذا) و أمّره علي الحاجّ كلّه و كان قد أوصاه بقبض الحسين (ع) سرّاً و إن لميتمكّن منه يقتله غيلة ثمّ إنه لعنه اللّه دسّ مع الحاجّ في تلك السّنة ثلاثين رجلاً من شياطين بنيأمية و امرهم بقتل الحسين (ع) علي كل حال فلمّا علم (ع) بذلك حلّ من إحرام الحجّ و جعلها عمرة مفردة ينابيع المودة للشيخ سليمان من اعيان علماء العامة ظاهرا و اللّه اعلم بباطنه من جمع الفوائد ابنعباس قال استأذنني حسين في الخروج فقلت لولا ان يزري بي او بك لشبكت بيدي علي رأسك فقال لئن اقتل بمكان كذا و كذا احب الي من ان يستحل بي حرم اللّه و رسوله فذلك الذي سلني بنفسي عنه .
[ص 320] باب ذكر خروجه عن مكة و ما جري في الطريق و ذكر من لقيه و ما جري الي ان لاقي الحر مع عسكره
بحار قال المفيد (ره) و كان خروج مسلم بن عقيل بالكوفة يوم الثلثا لثمان مضين من ذيالحجّة سنة ستّين و قتله يوم الأربعاء لتسع خلون منه يوم عرفة و كان توجّه الحسين عليه السلام من مكة إلي العراق في يوم خروج مسلم بالكوفة و هو يوم التروية بعد مقامه بمكّة بقيّة شعبان و رمضان و شوّال و ذيالقعدة و ثمان ليال خلون من ذيالحجّة سنة ستّين و كان قد اجتمع إلي الحسين عليه السلام مدّة مقامه بمكة نفر من أهل الحجاز و نفر من أهل البصرة انضافوا إلي أهل بيته و مواليه و لمّا أراد الحسين التوجّه إلي العراق طاف بالبيت و سعي بين الصفا و المروة و أحلّ من إحرامه و جعلها عمرة لأنّه لميتمكّن من تمام الحجّ مخافة أن يقبض عليه بمكّة فينفذ إلي يزيد بن معاوية فخرج عليه السلام مبادراً بأهله و ولده و من انضمّ إليه من شيعته و لميكن خبر مسلم بلغه بخروجه يوم خروجه علي ما ذكرناه و قال السيد (رض) روي ابوجعفر الطبري عن الواقدي و زرارة بن صالح قالا لقينا الحسين بن علي عليهما السلام قبل خروجه الي العراق بثلثة ايام فاخبرناه بهوي الناس بالكوفة و ان قلوبهم معه و سيوفهم اليه فاومي بيده نحو السماء ففتحت ابواب السماء و نزلت الملئكة عددا لايحصيهم الا اللّه تعالي فقال عليه السلام لولا تقارب الاشياء و حبوط الاجر لقاتلتهم بهؤلاء و لكن اعلم يقينا ان هناك مصرعي و مصرع اصحابي و لاينجو منهم الا ولدي علي و رويت بالاسناد عن احمد بن ابيعبداللّه القمي عن ابيعبداللّه عليه السلام قال جاء محمد بن الحنفية الي الحسين عليه السلام في الليلة التي اراد الحسين الخروج في صبيحتها عن مكة فقال له يا اخي ان اهل الكوفة قد عرفت غدرهم بأبيك و اخيك و قد [ص 321] خفت ان يكون حالك كحال من مضي فان رأيت ان تقيم فانك اعز من بالحرم و امنعه فقال يا اخي قد خفت ان يغتالني يزيد بن معوية بالحرم فأكون الذي يستباح به حرمة هذا البيت فقال له ابن الحنفية فان خفت ذلك فصر الي اليمن او بعض نواحي البر فانك امنع الناس به و لايقدر عليك احد فقال انظر فيما قلت فلما كان السحر ارتحل الحسين عليه السلام فبلغ ذلك ابن الحنفية فأتاه فأخذ بزمام ناقته و قد ركبها فقال يا اخي المتعدني النظر فيما سألتك قال بلي قال فما جدك علي الخروج عاجلا قال اتاني رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله بعد ما فارقتك فقال يا حسين اخرج فان اللّه قد شاء ان يراك قتيلا فقال محمد بن الحنفية انا للّه و انا اليه راجعون فما معني حملك هؤلاء النساء معك و انت تخرج علي مثل هذا الحال قال فقال ان اللّه قد شاء ان يراهن سبايا فسلم عليه و مضي قال و جاء عبداللّه بن العباس و عبداللّه بن الزبير فاشارا عليه بالامساك فقال لهما ان رسول اللّه قد امرني بامر و انا ماض فيه قال فخرج ابن العباس و هو يقول وا حسيناه ثم جاء عبداللّه بن عمر فاشار عليه بصلح اهل الضلال و حذره عن القتل و القتال فقال يا اباعبدالرحمن اماعلمت ان من هوان الدنيا علي اللّه تعالي ان رأس يحيي بن زكريا اهدي الي بغيّ من بغايا بنياسرائيل اماتعلم ان بنياسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر الي طلوع الشمس سبعين نبيا ثم يجلسون في اسواقهم يبيعون و يشترون كأن لميصنعوا شيئا فلميعجل اللّه عليهم بل اخذهم بعد ذلك اخذ عزيز ذي انتقام اتق اللّه يا اباعبدالرحمن و لاتدع نصرتي ثمّ قال المفيد (ره) و روي عن الفرزدق أنّه قال حججت بأمّي في سنة ستّين فبينما أنا أسوق بعيرها حتّي دخلت الحرم إذ لقيت الحسين عليه السلام خارجاً من مكّة معه أسيافه و تراسه [ص 322] فقلت لمن هذا القطار فقيل للحسين بن عليّ عليه السلام فأتيته و سلّمت عليه و قلت له أعطاك اللّه سؤلك و أملك فيما تحبّ بأبي أنت و أمّي يا ابن رسول اللّه ما أعجلك عن الحجّ قال لو لماعجّل لأخذت ثمّ قال لي من أنت قلت رجل من العرب و لا واللّه مافتّشني عن أكثر من ذلك ثمّ قال لي أخبرني عن الناس خلفك فقلت الخبير سألت قلوب الناس معك و أسيافهم عليك و القضاء ينزل من السماء و اللّه يفعل ما يشاء قال صدقت للّه الأمر من قبل و من بعد و كلّ يوم ربّنا هو في شأن إن نزل القضاء بما نحبّ فنحمد اللّه علي نعمائه و هو المستعان علي أداء الشكر و إن حال القضاء دون الرجاء فلميبعد من كان الحقّ نيّته و التقوي سيرته ( سريرته خل ) فقلت له أجل بلّغك اللّه ما تحبّ و كفاك ما تحذر و سألته عن أشياء من نذور و مناسك فأخبرني بها و حرك راحلته و قال السلام عليك ثمّ افترقناه و كان الحسين بن عليّ (ع) لمّا خرج من مكّة اعترضه يحيي بن سعيد بن العاص و معه جماعة أرسلهم إليه عمرو بن سعيد فقالوا له انصرف أين تذهب فأبي عليهم و مضي و تدافع الفريقان و اضطربوا بالسياط فامتنع الحسين عليه السلام و أصحابه منهم امتناعاً قويّاً و سار حتّي أتي التنعيم فلقي عيراً قد أقبلت من اليمن فاستأجر من أهلها جمالاً لرحله و أصحابه و قال لأصحابها من أحبّ أن ينطلق معنا إلي العراق وفيناه كراه و أحسنا صحبته و من أحبّ أن يفارقنا في بعض الطريق أعطيناه كراه علي قدر ما قطع من الطريق فمضي معه قوم و امتنع آخرون و الحقه عبداللّه بن جعفر بابنيه عون و محمّد و كتب علي أيديهما كتاباً يقول فيه أمّا بعد فإنّي أسألك باللّه لما انصرفت حين تنظر في كتابي هذا فإنّي مشفق عليك من هذا الوجه الذي توجّهت [ص 323] له أن يكون فيه هلاكك و استئصال أهل بيتك و إن هلكت اليوم طفئ نور الأرض فإنك علم المهتدين و رجاء المؤمنين و لاتعجل بالسير فإنّي في أثر كتابي و السلام ، و صار عبداللّه إلي عمرو بن سعيد فسأله أن يكتب إلي الحسين عليه السلام أماناً و يمنّيه ليرجع عن وجهه و كتب اليه عمرو بن سعيد كتاباً يمنّيه فيه الصّلة و يؤمنه علي نفسه و أنفذه مع يحيي بن سعيد فلحقه يحيي و عبداللّه بن جعفر بعد نفوذ ابنيه و دفعا إليه الكتاب و جهدا به في الرجوع فقال اني رأيت رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله في المنام و امرني بما انا ماض له فقالوا له ما تلك الرؤيا فقال ماحدّثت احداً بها و لا انا محدِّث بها احداً حتي القي ربي عزّ و جلّ فلمّا يئس منه عبداللّه بن جعفر أمر ابنيه عوناً و محمّداً بلزومه و المسير معه و الجهاد دونه و رجع مع يحيي بن سعيد إلي مكّة و توجّه الحسين عليه السلام إلي العراق مغذّاً (ظ) لايلوي إلي شيء حتّي نزل ذات عرق و قال السيّد (ره) توجّه الحسين عليه السلام من مكّة لثلاث مضين من ذيالحجّة سنة ستّين قبل أن يعلم بقتل مسلم لأنّه عليه السلام خرج من مكّة في اليوم الذي قتل فيه مسلم و روي أنّه صلوات اللّه عليه لمّا عزم علي الخروج إلي العراق قام خطيباً فقال الحمد للّه و ما شاء اللّه و لا حول و لا قوة إلا باللّه و صلّي اللّه علي رسوله و سلّم خطّ الموت علي ولد آدم مخطّ القلادة علي جيد الفتاة و ما أولهني إلي أسلافي اشتياق يعقوب إلي يوسف و خيّر لي مصرع أنا لاقيه كأنّي بأوصالي يتقطّعها عسلان ( غيلان خل ) الفلوات بين النواويس و كربلا فيملأن منّي أكراشاً جوفاً و أجربة سغباً لا محيص عن يوم خطّ بالقلم رضي اللّه و رضانا أهل البيت نصبر علي بلائه و [ص 324] يوفّينا أجور الصابرين لنيشذّ عن رسول اللّه لحمته و هي مجموعة له في حظيرة القدس تقرّ بهم عينه و تنجز لهم وعده من كان فينا باذلاً مهجته موطّناً علي لقاء اللّه نفسه فليرحل معنا فإنّي راحل مصبحاً ان شاء اللّه ، و روي هذه الخطبة في كشف الغمّة عن كمالالدّين بن طلحة قال السيّد و ابن نما (ره) ثمّ سار حتّي مرّ بالتنعيم فلقي هناك عيراً تحمل هديّة قد بعث بها بحير بن ريسان الحميريّ عامل اليمن إلي يزيد بن معاوية و كان عامله علي اليمن و عليها الورس و الحلل فأخذها عليه السلام لأنّ حكم أمور المسلمين إليه و قال لأصحاب الإبل من أحبّ منكم أن ينطلق معنا إلي العراق وفيناه كراه و أحسنّا صحبته و من أحبّ أن يفارقنا من مكاننا هذا أعطيناه من الكري بقدر ما قطع من الطريق فمضي قوم و امتنع آخرون ثمّ سار عليه السلام حتّي بلغ ذات عرق فلقي بشر بن غالب وارداً من العراق فسأله عن أهلها فقال خلّفت القلوب معك و السيوف مع بنيأمية فقال صدق أخو بنيأسد إنّ اللّه يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد قال ثمّ سار صلوات اللّه عليه حتّي نزل الثعلبيّة وقت الظهيرة فوضع رأسه فرقد ثمّ استيقظ فقال قد رأيت هاتفاً يقول أنتم تسرعون و المنايا تسرع بكم إلي الجنّة فقال له ابنه عليّ يا أبه أفلسنا علي الحقّ فقال بلي يا بنيّ و الذي إليه مرجع العباد فقال يا أبه إذن لانبالي بالموت فقال له الحسين عليه السلام جزاك اللّه يا بنيّ خير ما جزي ولداً عن والد ثمّ بات عليه السلام في الموضع فلمّا أصبح إذا برجل من أهل الكوفة يكنّي اباهرّة الأزدي قد أتاه فسلّم عليه ثمّ قال يا ابن رسول اللّه ما الذي أخرجك عن حرم اللّه و حرم جدِّك محمّد صلي اللّه عليه و آله فقال الحسين عليه السلام ويحك اباهرّة إنّ بنيأمية أخذوا مالي فصبرت و شتموا عرضي فصبرت و [ص 325] طلبوا دمي فهربت و أيم اللّه لتقتلني الفئة الباغية و ليلبسنّهم اللّه ذلاً شاملاً و سيفاً قاطعاً و ليسلّطنّ عليهم من يذلّهم حتّي يكونوا أذلّ قوم من سبأ إذ ملكتهم امرأة منهم فحكمت في أموالهم و دمائهم و قال محمد بن ابيطالب و اتّصل الخبر بالوليد بن عتبة أمير المدينة بأنّ الحسين عليه السلام توجّه إلي العراق فكتب إلي ابن زياد أمّا بعد فإنّ الحسين قد توجّه إلي العراق و هو ابن فاطمة و فاطمة بنت رسول اللّه فاحذر يا ابن زياد أن تأتي عليه بسوء فتهيّج علي نفسك و قومك أمراً في هذه الدّنيا لايصدّه شيء و لاتنساه الخاصّة و العامّة أبداً ما دامت الدّنيا قال فلميلتفت ابن زياد إلي كتاب الوليد و في كتاب تاريخ عن الريّاشيّ بإسناده عن راوي حديثه قال حججت فتركت أصحابي و انطلقت أتعسّف الطريق وحدي فبينما أنا أسير إذ رفعت طرفي إلي أخبية و فساطيط فانطلقت نحوها حتي أتيت أدناها فقلت لمن هذه الأبنية فقالوا للحسين عليه السلام قلت ابن عليّ و ابن فاطمة عليهما السلام قالوا نعم قلت في أيّها هو قالوا في ذلك الفسطاط فانطلقت نحوه فإذا الحسين عليه السلام متّك علي باب الفسطاط يقرأ كتاباً بين يديه فسلّمت فردّ عليّ فقلت يا ابن رسول اللّه بأبي أنت و أمّي ما أنزلك في هذه الأرض القفراء التي ليس فيها ريف و لا منعة قال إنّ هؤلاء أخافوني و هذه كتب أهل الكوفة و هم قاتلي فإذا فعلوا ذلك و لميدعوا للّه محرّماً إلا انتهكوه بعث اللّه إليهم من يقتلهم حتّي يكونوا أذلّ من قوم الأمة و قال ابن نما حدّث عقبة بن سمعان قال خرج الحسين عليه السلام من مكّة فاعترضه رسل عمرو بن سعيد بن العاص عليهم يحيي بن سعيد ليردّوه فأبي عليهم و تضاربوا بالسياط و مضي عليه السلام علي وجهه فبادروه و قالوا يا حسين ألاتتّقي اللّه تخرج من الجماعة و تفرّق بين هذه الأمّة فقال لي عملي و [ص 326] لكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل و أنا بريء مما تعملون و رويت ان الطرماح بن حكم قال لقيت حسيناً و قد امترت لاهلي ميرة فقلت اذكّرك في نفسك لايغرّنّك أهل الكوفة فواللّه لئن دخلتها لتقتلنّ و إنّي لأخاف أن لاتصل إليها فإن كنت مجمعاً علي الحرب فانزل أجأ فانه جبل منيع واللّه مانالنا فيه ذلّ قطّ و عشيرتي يرون جميعاً نصرك فهم يمنعونك ما أقمت فيهم فقال إن بيني و بين القوم موعداً أكره أن أخلفهم فإن يدفع اللّه عنّا فقديماً ما أنعم علينا و كفي و إن يكن ما لا بدّ منه ففوز و شهادة ثم حملت الميرة إلي أهلي و أوصيتهم بأمورهم و خرجت أريد الحسين عليه السلام فلقيني سماعة بن زيد النبهاني فاخبرني بقتله فرجعت و قال المفيد (ره) و لما بلغ عبيداللّه بن زياد اقبال الحسين (ع) من مكة الي الكوفة بعث الحصين بن نمير صاحب شرطه حتي نزل القادسية و نظم الخيل ما بين القادسية الي خفّان و ما بين القادسية إلي القطقطانية و قال للناس هذا الحسين يريد العراق و لمّا بلغ الحسين عليه السلام الحاجز من بطن الرّمّة بعث قيس بن مسهر الصيداويّ و يقال إنه بعث أخاه من الرضاعة عبداللّه بن يقطر إلي اهل الكوفة و لميكن عليه السلام علم بخبر مسلم بن عقيل (ره) و كتب معه إليهم بسم اللّه الرّحمن الرّحيم من الحسين بن عليّ إلي وجوه إخوانه المؤمنين و المسلمين سلام عليكم فإنّي أحمد إليكم اللّه الذي لا إله إلا هو أمّا بعد فإنّ كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم و اجتماع ملائكم علي نصرنا و الطلب بحقّنا فسألت اللّه أن يحسن لنا الصنيع و أن يثيبكم علي ذلك أعظم الأجر و قد شخصت إليكم من مكّة يوم الثلثاء لثمان مضين من ذيالحجّة يوم التروية فإذا قدم عليكم رسولي فانكمشوا في أمركم و جدّوا فإنّي قادم عليكم في أيّامي هذه و السلام عليكم و رحمة اللّه [ص 327] و بركاته ، و كان مسلم كتب إليه قبل أن يقتل بسبع و عشرين ليلة و كتب إليه أهل الكوفة أنّ لك ههنا مائةالف سيف و لاتتأخّر فأقبل قيس بن مسهر بكتاب الحسين عليه السلام حتّي إذا انتهي الي القادسيّة أخذه الحصين بن نمير فبعث به إلي عبيداللّه بن زياد إلي الكوفة فقال له عبيداللّه بن زياد اصعد فسبّ الكذّاب الحسين بن عليّ و قال السيّد (ره) فلمّا قارب دخول الكوفة اعترضه الحصين بن نمير ليفتّشه فأخرج الكتاب و مزّقه فحمله الحصين إلي ابن زياد فلمّا مثل بين يديه قال له من أنت قال أنا رجل من شيعة اميرالمؤمنين عليّ بن ابيطالب و ابنه عليهما السلام قال فلماذا خرقت الكتاب قال لئلاتعلم ما فيه قال و ممّن الكتاب و الي من قال من الحسين بن عليّ إلي جماعة من أهل الكوفة لاأعرف أسماءهم فغضب ابن زياد فقال واللّه لاتفارقني حتّي تخبرني بأسماء هؤلاء القوم أو تصعد المنبر و تلعن الحسين بن عليّ و أباه و أخاه و إلا قطعتك إرباً إرباً فقال قيس أمّا القوم فلاأخبرك بأسمائهم و أمّا لعنة الحسين و أبيه و أخيه فأفعل فصعد المنبر و حمد اللّه و صلّي علي النبيّ و أكثر من الترحّم علي عليّ و ولده صلوات اللّه عليهم ثمّ لعن عبيداللّه بن زياد و أباه و لعن عتاة بنيأمية عن آخرهم ثمّ قال أنا رسول الحسين عليه السلام إليكم و قد خلّفته بموضع كذا فأجيبوه ثمّ قال المفيد (ره) فأمر به عبيداللّه بن زياد أن يرمي من فوق القصر فرمي به فتقطّع و روي أنّه وقع إلي الأرض مكتوفاً فتكسّرت عظامه و بقي به رمق فأتاه رجل يقال له عبدالملك بن عمير اللّحميّ فذبحه فقيل له في ذلك و عيب عليه فقال أردت أن أريحه ثم أقبل الحسين عليه السلام من الحاجز يسير نحو الكوفة فانتهي إلي ماء من مياه العرب فإذا عليه عبداللّه بن مطيع العدوي و هو نازل به فلمّا رآه [ص 328] الحسين قام إليه فقال بأبي أنت و أمّي يا ابن رسول اللّه ما أقدمك و احتمله و أنزله فقال له الحسين عليه السلام كان من موت معاوية ما قد بلغك و كتب إليّ أهل العراق يدعوني إلي أنفسهم فقال له عبداللّه بن مطيع أذكّرك اللّه يا ابن رسول اللّه و حرمة الاسلام أن تنهتك أنشدك اللّه في حرمة قريش انشدك اللّه في حرمة العرب فواللّه لئن طلبت ما في ايدي بنيأمية ليقتلنّك و لئن قتلوك لايهابوا بعدك احداً ابداً واللّه انها لحرمة الاسلام تنهتك و حرمة قريش و حرمة العرب فلاتفعل و لاتأت الكوفة و لاتعرض نفسك لبنيأمية فأبي الحسين (ع) إلا أن يمضي و كان عبيداللّه بن زياد أمر فأخذ ما بين واقصة إلي طريق الشام و إلي طريق البصرة فلايدعون أحداً يلج و لا أحداً يخرج فأقبل الحسين عليه السلام لايشعر بشيء حتّي لقي الأعراب فسألهم فقالوا لا واللّه لاندري غير أنّا لانستطيع أن نلج و لانخرج فسار تلقاء وجهه و حدّث جماعة من فزارة و من بجيلة قالوا كنّا مع زهير بن القين البجليّ حين أقبلنا من مكّة و كنّا نساير الحسين عليه السلام فلميكن شيء أبغض علينا من أن ننازله في منزل فإذا سار الحسين عليه السلام فنزل في منزل لمنجد بدّاً من أن ننازله فنزل الحسين في جانب و ننزل في جانب فبينا نحن جلوس نتغذّي من طعام لنا إذ أقبل رسول الحسين (ع) حتّي سلّم ثمّ دخل فقال يا زهير بن القين إنّ اباعبداللّه الحسين بعثني إليك لتأتيه فطرح كل إنسان ما في يده حتّي كأنّما علي رؤوسنا الطير فقالت له امرأته قال السيّد و هي ديلم بنت عمرو : سبحان اللّه أيبعث إليك ابن رسول اللّه ثمّ لاتأتيه لو أتيته فسمعت كلامه ثمّ انصرفت فأتاه زهير بن القين فمالبث أن جاء مستبشراً قد أشرق وجهه فأمر بفسطاطه و ثقله و متاعه فقوّض و حمل إلي الحسين (ع) ثمّ قال لامرأته أنت طالق الحقي بأهلك [ص 329] فإنّي لاأحبّ أن يصيبك بسببي إلا خير و زاد السيّد و قد عزمت علي صحبة الحسين (ع) لأفديه بروحي و أقيه بنفسي ثمّ أعطاها مالها و سلّمها إلي بعض بني عمّها ليوصلها إلي أهلها فقامت إليه و بكت و ودّعته و قالت خار اللّه لك أسألك أن تذكرني في القيامة عند جدّ الحسين و قال المفيد ثمّ قال لأصحابه من أحبّ منكم أن يتبعني و إلا فهو آخر العهد إنّي سأحدّثكم حديثاً إنّا غزونا البحر ففتح اللّه علينا و أصبنا غنائم فقال لنا سلمان أفرحتم بما فتح اللّه عليكم و أصبتم من الغنائم فقلنا نعم فقال إذا أدركتم سيّد شباب آلمحمد فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكم معهم ( معه خل ) ممّا أصبتم اليوم من الغنائم فأمّا أنا فأستودعكم اللّه قالوا ثمّ واللّه مازال في القوم مع الحسين حتّي قتل و في المناقب و لمّا نزل عليه السلام الخُزيميّة أقام بها يوماً و ليلة فلمّا أصبح أقبلت إليه أخته زينب فقالت يا أخي ألاأخبرك بشيء سمعته البارحة فقال الحسين عليه السلام و ما ذاك فقالت خرجت في بعض الليل لقضاء حاجة فسمعت هاتفاً يهتف و هو يقول :
ألا يا عين فاحتفلي بجهد و من يبكي علي الشهداء بعدي
علي قوم تسوقهم المنايا بمقدار إلي إنجاز وعد
فقال لها الحسين عليه السلام يا أُختاه كلّ الذي قضي فهو كائن و قال المفيد (ره) و روي عبداللّه بن سليمان و المنذر بن المشمعلّ الأسديّان قالا لمّا قضينا حجّتنا لمتكن لنا همّة إلا الالحاق ( اللحاق خل ) بالحسين في الطريق لننظر ما يكون من أمره فأقبلنا ترقل بنا ناقاتنا مسرعين حتّي لحقناه بزرود فلمّا دنونا منه إذا نحن برجل من اهل الكوفة قد عدل عن الطريق حتّي رأي الحسين (ع) فوقف الحسين عليه السلام كأنّه يريده ثمّ تركه و مضي و مضينا نحوه فقال احدنا لصاحبه اذهب بنا إلي هذا لنسأله فإنّ عنده خبر الكوفة فمضينا حتّي انتهينا إليه [ص 330] فقلنا السلام عليك فقال و عليكما السلام قلنا ممّن الرجل قال أسديّ قلنا له و نحن أسديّان فمن أنت قال أنا بكر بن فلان فانتسبنا له ثمّ قلنا له أخبرنا عن الناس وراءك قال نعم لماخرج من الكوفة حتّي قتل مسلم بن عقيل و هاني بن عروة و رأيتهما يجرّان بأرجلهما في السوق فأقبلنا حتّي لحقنا بالحسين فسايرناه حتّي نزل الثعلبيّة ممسياً فجئناه حين نزل فسلّمنا عليه فرّد علينا السلام فقلنا له يرحمك اللّه إنّ عندنا خبراً إن شئت حدّثناك به علانية و إن شئت سرّاً فنظر إلينا و إلي أصحابه ثمّ قال ما دون هؤلاء سرّ فقلنا له رأيت الراكب الذي استقبلته عشيّ أمس فقال نعم قد أردت مسألته فقلنا قد واللّه استبرءنا لك خبره و كفيناك مسألته و هو امرء منّا ذو رأي و صدق و عقل و إنّه حدّثنا أنّه لميخرج من الكوفة حتّي قتل مسلم و هاني و رآهما يجرّان في السوق بأرجلهما فقال إنّا للّه و إنّا إليه راجعون رحمة اللّه عليهما يردّد ذلك مراراً فقلنا له ننشدك اللّه في نفسك و أهل بيتك إلا انصرفت من مكانك هذا و إنّه ليس لك بالكوفة ناصر و لا شيعة بل نتخوّف أن يكونوا عليك فنظر إلي بني عقيل فقال ما ترون فقد قتل مسلم فقالوا واللّه ما نرجع حتّي نصيب ثأرنا أو نذوق ما ذاق فأقبل علينا الحسين (ع) فقال لا خير في العيش بعد هؤلاء فعلمنا أنّه قد عزم رأيه علي المسير فقلنا له خار اللّه لك فقال يرحمكم اللّه فقال له أصحابه إنّك واللّه ما أنت مثل مسلم بن عقيل و لو قدمت الكوفة لكان أسرع الناس إليك فسكت و قال السيّد أتاه خبر مسلم في زبالة ثمّ إنّه سار فلقيه الفرزدق فسلّم عليه ثمّ قال يا ابن رسول اللّه كيف تركن إلي أهل الكوفة و هم الذين قتلوا ابن عمّك مسلم بن عقيل و شيعته قال فاستعبر الحسين (ع) باكياً ثمّ قال رحم اللّه مسلماً لقد صار إلي روح اللّه و ريحانه و تحيّته و رضوانه أما إنّه قد قضي ما عليه و بقي ما علينا ثمّ أنشأ يقول :
[ص 331]فإن تكن الدّنيا تعدّ نفيسة فدار ثواب اللّه أعلي و أنبل
و إن تكن الأبدان للموت أنشئت فقتل امرء بالسيف في اللّه أفضل
و إن تكن الأرزاق قسماً مقدَّراً فقلّة حرص المرء في الرزق أجمل
و إن تكن الأموال للترك جمعها فما بال متروك به الحرّ يبخل
و قال المفيد (ره) ثمّ انتظر حتّي إذا كان السحر فقال لفتيانه و غلمانه أكثروا من الماء فاستسقوا و أكثروا ثمّ ارتحلوا فسار حتّي انتهي إلي زبالة فأتاه خبر عبداللّه بن يقطر و قال السيّد فاستعبر باكياً ثمّ قال اللّهمّ اجعل لنا و لشيعتنا منزلاً كريماً و اجمع بيننا و بينهم في مستقرّ من رحمتك إنّك علي كل شيء قدير و قال المفيد (ره) فأخرج للناس كتاباً فقرأ عليهم فإذا فيه بسم اللّه الرّحمن الرحيم امّا بعد فانه قد أتاه ( أتانا ظ ) خبر فظيع قتل مسلم بن عقيل و هاني بن عروة و عبداللّه بن يقطر و قد خذلنا شيعتنا فمن احبّ منكم الانصراف فلينصرف في غير حرج و ليس عليه ذمام فتفرّق الناس عنه و اخذوا يميناً و شمالاً حتي بقي في اصحابه الذين جاؤا معه من المدينة نفر يسير ممّن انضمّوا إليه و إنّما فعل ذلك لأنّه عليه السلام علم أنّ الأعراب الذين اتّبعوه إنما اتّبعوه و هم يظنّون أنه يأتي بلداً قد استقامت له طاعة أهلها فكره أن يسيروا معه إلا و هم يعلمون علي ما يقدمون فلما كان السحر أمر اصحابه فاستقوا ماء ( من الماء خل ) و اكثروا ثم سار حتّي مرّ ببطن العقبة فنزل عليها فلقيه شيخ من بنيعكرمة يقال له عمر بن يوذان ( اوذان خل ) قال له اين تريد قال له الحسين الكوفة فقال له الشيخ انشدك اللّه لما انصرفت فواللّه ماتقدم الا علي الاسنّة و حدّ السيوف و ان هؤلاء الذين بعثوا اليك لو كانوا كفوك مؤنة القتال و وطّأوا لك الاشياء فقدمت [ص 332] عليهم كان ذلك رأياً فاما علي هذه الحال التي تذكر فاني لاأري لك ان تفعل فقال له يا عبد اللّه ليس يخفي علي الرأي و لكن اللّه تعالي لايغلب علي امره ثم قال عليه السلام واللّه لايدعونني حتّي يستخرجوا هذه العلقة من جوفي فإذا فعلوا سلّط اللّه عليهم من يذلّهم حتي يكونوا أذلّ فرق الأمم و من كامل الزيارة باسناده عن ابنعبدربه عن ابيعبداللّه عليه السلام انه قال لما صعد الحسين بن علي عليه السلام عقبة البطن قال لاصحابه مااراني الا مقتولا قالوا و ما ذاك يا اباعبداللّه قال رؤيا رأيتها في المنام قالوا و ما هي قال رأيت كلابا تنهشني اشدها علي كلب ابقع اقول في مقتل ابيمخنف و سار الحسين عليه السلام و نزل ذات عرق و بعث ابن زياد الحصين بن نمير في اربعةآلاف فارس فنزل القادسية قريبا من القطقطانية و سار الحسين عليه السلام حتي بلغ الجناية من بطن الرملة و ارسل قيس بن مسهر الصيداوي بكتابه الي الكوفة و هي اما بعد فان كتاب مسلم بن عقيل قد ورد يخبرني بحسن رأيكم و اجتماعكم علي نصرتنا فاسأل اللّه ان يحسن لنا و لكم العاقبة و قد جئتكم بأهلي و صحبتي فاذا قدم اليكم رسولي هذا فاكتبوا معه بما تحتاجون و السلام ، قال و سار قيس بن مسهر طالباً للكوفة فلما بلغ القادسية اخذه الحصين بن نمير لعنه اللّه و اوثقه كتافاً و بعث به الي ابن زياد فلما وصل اليه قال له اصعد يا فتي المنبر و سب الكذاب بن الكذاب يعي الحسين عليه السلام فصعد القيس المنبر فحمد اللّه و اثني عليه و ذكر النبي صلي اللّه عليه و آله ثم قال ايها الناس هذا الحسين بن علي قد فارقته من الجناية من بطن الرملة و انا رسوله اليكم فأجيبوه ثم سب يزيد و ابن زياد و صلي علي الحسين عليه السلام و علي أبيه و جده فأمر ابن زياد ان يرمي به من [ص 333] اعلي القصر فرمي فتقطع قطعا رضوان اللّه عليه قال عدي بن حرملة بن عبدربه كنا بمكة و قد حججنا و لميكن لنا همة الا اللحوق بالحسين عليه السلام فاقبلنا نسايره فلما دنونا منه اذا نحن برجلين مقلبين نحو الكوفة فمضينا اليهما و قلنا له اخبرنا عن الناس بالكوفة فقالا ماخرجنا من الكوفة حتي قتل مسلم بن عقيل و هاني بن عروة و رأينا رؤسهما في الاسواق يلعب بهما الصبيان قال فاقبلنا علي الحسين عليه السلام حتي لاقيناه فسلمنا عليه فرد علينا السلام فقلنا يا باعبداللّه هل رأيت الراكبين فقال اجل فقلنا يزعمان انهما لميخرجا من الكوفة حتي قتل مسلم بن عقيل و هاني بن عروة و داروا برؤسهما في الشوارع فقال الحسين عليه السلام انا للّه و انا اليه راجعون فرحمة اللّه و رضوانه عليهما فقلنا ناشدناك باللّه تعالي يا اباعبداللّه الا ما رجعت من موضعك هذا فما لك في الكوفة ناصر و لا معين قال فوثب اليه اولاد مسلم بن عقيل و قالوا مانرجع حتي نأخذ بثار ابينا او نذوق الموت غصة بعد غصة فاستعبر الحسين و بكي و قال لا خير في الحياة بعد هؤلاء الفتية فعلمنا انه قد عزم علي المسير و بات ليلته فلما اصبح الصباح قال لفتيانه اكثروا من الماء و اسقوا خيولكم ففعلوا ذلك و جعل لايمر ببادية الا و يتبعه منها خلق كثير حتي انتهي الي زبالة فنزل بها ثم قام فيها خطيباً فحمد اللّه و اثني عليه و ذكر النبي فصلي عليه ثم نادي بأعلي صوته ايها الناس انما جمعتكم علي ان العراق في قبضتي و قد جاءني خبر صحيح ان مسلم بن عقيل و هاني بن عروة رضوان اللّه عليهما قتلا و قد خذلتنا شيعتنا فمن كان منكم يصبر علي ضرب السيوف و طعن الرماح و الا فلينصرف من موضعه هذا فليس عليه من ذمامي شيء فسكتوا جميعاً و جعلوا يتفرقون يميناً و شمالاً حتي لميبق عنده الا اهل بيته و مواليه [ص 334] نيف و سبعون رجلا و هم الذين خرجوا معه من مكة و انما فعل ذلك لأنه علم ان الناس لايتبعونه الا انهم يظنون ان العراق له و في قبضته فكره ان يسيرون (كذا) معه الا و هم يعلمون علي ما يقدمون اقول و يظهر من صاحب كشف الغمة ان خبر قتل مسلم وصل الي الحسين عليه السلام و هو في مكة و قال (ره) و بلغ الحسين عليه السلام قتل مسلم و ما اعتمده عبيداللّه لعنه اللّه و هو متجهز للخروج الي الكوفة فاجتمع به ذووا النصح له و التجربة للامور و اهل الديانة و المعرفة كعبداللّه بن عباس و عمر بن عبدالرحمن بن الحارث المخزومي و غيرهما و وردت عليه كتب اهل المدينة من عبداللّه بن جعفر و سعيد بن العاص و جماعة كثيرين كلهم يشيرون عليه ان لايتوجه الي العراق و ان يقيم بمكة هذا كله و القضاء غالب علي امره و القدر اخذ بزمامه فلميكترث بما قيل له و لا بما كتب اليه و تجهز و خرج من مكة يوم الثلثا و هو يوم التروية الثامن من ذيالحجة و معه اثنان و ثمانون رجلا من اهله و شيعته و مواليه ، و قد مر كلام ابيمخنف و هو يشير الي انه وصل خبر قتل مسلم اليه في مكة و رجع الي المدينة و منها الي الكوفة تظلم الزهراء لرضي بن نبي القزويني من مسند فاطمة للطبري (ره) باسناده عن راشد بن مزيد قال شهدت الحسين بن علي عليهما السلام و صحبته من مكة حتي اتيت القطقطانية ثم استأذنت في الرجوع فأذن لي فرأيته و قد استقبله سبع عقور فكلمه فوقف له فقال ما حال الناس بالكوفة قال قلوبهم معك و سيوفهم عليك قال و من خلفت بها قال ابن زياد و قتل ابن عقيل ، الحديث .
[ص 335] باب شهادة قيس بن مسهر او عبداللّه بن يقطر علي رواية رسول الحسين (ع) بالكوفة و قد بعثه في اثناء الطريق
ارشاد المفيد و لما بلغ عبيداللّه بن زياد اقبال الحسين (ع) من مكة الي الكوفة بعث الحصين بن النمير صاحب شرطه حتي نزل القادسية و نظم الخيل ما بين القادسية الي خفّان و ما بين القادسية إلي القطقطانية و قال الناس هذا الحسين يريد العراق و لمّا بلغ الحسين الحاجز من بطن الرمّة بعث قيس بن مسهر الصيداويّ و يقال بل ( إنه خ ) بعث أخاه من الرضاعة عبداللّه بن يقطر إلي ( اهل خ ) الكوفة و لميكن (ع) علم بخبر ابن عقيل و كتب معه إليهم : بسم اللّه الرّحمن الرّحيم من الحسين بن عليّ إلي وجوه إخوانه من المؤمنين و المسلمين سلام عليكم فإنّي أحمد إليكم اللّه الذي لا إله إلا هو أمّا بعد فإنّ كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبر فيه بحسن رأيكم و اجتماع ملتكم علي نصرنا و الطلب بحقّنا فسألت اللّه أن يحسن لنا الصنيع و أن يثيبكم علي ذلك أعظم الأجر و قد شخصت إليكم من مكّة يوم الثلثاء لثمان مضين من ذيالحجّة يوم التروية فإذا قدم عليكم رسولي فانكمشوا في أمركم و جدّوا فإنّي قادم عليكم في أيّامي هذه و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته ، و كان مسلم كتب إليه قبل أن يقتل بسبع و عشرين ليلة و كتب إليه أهل الكوفة أنّ لك هنا مائةالف سيف و لاتتأخّر فأقبل قيس بن مسهر الي الكوفة بكتاب الحسين (ع) حتّي إذا انتهي الي القادسيّة أخذه الحصين بن نمير فبعث به إلي عبيداللّه بن زياد فقال له عبيداللّه بن زياد اصعد فسبّ الكذّاب الحسين بن عليّ فصعد قيس فحمد اللّه و اثني عليه ثم قال ايها الناس ان هذا الحسين بن علي خير خلق اللّه ابن فاطمة بنت رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و انا رسوله اليكم فاجيبوه [ص 336] ثم لعن عبيداللّه بن زياد و اباه و استغفر لعلي بن ابيطالب و صلي عليه فأمر عبيداللّه ان يرمي به من فوق القصر فرموا به ( فرمي خل ) فتقطع و روي انه وقع الي الارض مكتوفا فتكسرت عظامه و بقي به رمق فجاء ( فأتاه خل ) رجل يقال له عبدالملك بن عمير اللحمي فذبحه فقيل في ذلك و عيب عليه فقال اردت ان اريحه ، اقول و قد مر في الباب السابق قصة ذلك فراجع .
باب ملاقاته عليه السلام للحر و ما جري و ما احتج به عليهم الي ان نزل ارض كربلاء علي مقتضي ما في البحار و اما علي ما ذكره ابومخنف (ره) في مقتله فقد ذكرته في باب آخر لتنافيه معه في كثير
بحار عن المفيد (ره) بعد ما مر في الباب السابق ، ثمّ سار عليه السلام من بطن العقبة حتّي نزل شراف فلما كان السحر امر فتيانه فاستقوا من الماء و اكثروا ثم سار حتي انتصف النهار فبينما هو يسير إذ كبّر رجل من اصحابه فقال له الحسين (ع) اللّه اكبر لم كبّرت فقال رأيت النخل قال جماعة ممّن صحبه واللّه إنّ هذا المكان مارأينا فيه نخلة قطّ فقال الحسين عليه السلام فما ترونه قالوا واللّه نراه أسنّة الرّماح و آذان الخيل فقال و أنا واللّه أري ذلك ثمّ قال عليه السلام ما لنا ملجأ نلجأ إليه و نجعله في ظهورنا و نستقبل القوم بوجه واحد فقلنا له بلي هذا ذو جشم ( جشب خل ) إلي جنبك فمل إليه عن يسارك فإن سبقت إليه فهو كما تريد فأخذ إليه ذات اليسار و ملنا معه فما كان باسرع من ان طلعت علينا هوادي الخيل فتبيّنّا و عدلنا فلما رأونا عدلنا عن الطريق عدلوا الينا كأنّ اسنّتهم اليعاسيب و كأنَّ راياتهم أجنحة الطير فاستبقنا إلي ذي جشم ( جشب [ص 337] خل ) فسبقناهم إليه و أمر الحسين عليه السلام بابنيته فضربت و جاء القوم زهاء ألف فارس مع الحرّ بن يزيد التميميّ حتّي وقف هو و خيله مقابل الحسين في حرّ الظهيرة و الحسين و اصحابه معتمّون متقلّدوا اسيافهم فقال الحسين عليه السلام لفتيانه اسقوا القوم و ارووهم من الماء و رشفوا الخيل ترشيفاً ففعلوا و اقبلوا يملأون القصاع و الطساس من الماء ثم يدنونها من الفرس فاذا عبّ فيها ثلاثاً أو اربعاً أو خمساً عزلت عنه و سقي آخر حتي سقوها عن آخرها فقال عليّ بن الطّعان المحاربيّ كنت مع الحرّ يومئذ فجئت في آخر من جاء من أصحابه فلمّا رأي الحسين عليه السلام ما بي و بفرسي من العطش قال أنخ الراوية و الراوية عندي السّقا ثمّ قال يا ابن الأخ أنخ الجمل فأنخته فقال اشرب فجعلت كلّما شربت سال الماء من السّقاء فقال الحسين اخنث السّقاء أي اعطفه فلمأدر كيف أفعل فقام فخنثه فشربت و سقيت فرسي و كان مجيء الحرّ بن يزيد من القادسيّة و كان عبيداللّه بن زياد بعث الحصين بن نمير و أمره أن ينزل القادسيّة و تقدم الحرّ بين يديه في ألف فارس يستقبل بهم الحسين عليه السلام فلميزل الحرّ موافقاً للحسين عليه السلام حتّي حضرت صلاة الظهر فأمر الحسين الحجّاج بن مسروق أن يؤذّن فلمّا حضرت الاقامة خرج الحسين عليه السلام في إزار و رداء و نعلين فحمد اللّه و أثني عليه ثمّ قال أيّها النّاس إنّي لمآتكم حتّي أتتني كتبكم و قدمت عليّ رسلكم أن اقدم علينا فليس لنا إمام لعلّ اللّه أن يجمعنا و اياكم علي الهدي و الحقّ فإن كنتم علي ذلك فقد جئتكم فأعطوني ما أطمئنّ إليه من عهودكم و مواثيقكم فان لمتفعلوا و كنتم لمقدمي كارهين انصرفت عنكم إلي المكان الذي جئت منه إليكم فسكتوا عنه و لميتكلّموا كلمة فقال للمؤذّن أقم فأقام الصّلاة فقال للحرّ أتريد أن تصلّي بأصحابك فقال الحرّ لا بل تصلّي أنت و نصلّي [ص 338] بصلاتك فصلّي بهم الحسين عليه السلام ثمّ دخل فاجتمع عليه أصحابه و انصرف الحرّ إلي مكانه الذي كان فيه فدخل خيمة قد ضربت له فاجتمع إليه خمسمائة من أصحابه و عاد الباقون إلي صفّهم الذي كانوا فيه فأعادوه (خ) ثم أخذ كل رجل منهم بعنان فرسه و جلس في ظلّها فلمّا كان وقت العصر أمر الحسين عليه السلام أن يتهيّأوا للرّحيل ففعلوا ثمّ أمر مناديه فنادي بالعصر و أقام فاستقدم الحسين و قام فصلّي بالقوم ثمّ سلّم و انصرف إليهم بوجهه فحمد اللّه و اثني عليه ثم قال أمّا بعد أيّها النّاس فإنّكم إن تتّقوا اللّه و تعرفوا الحقّ لأهله يكن أرضي للّه عنكم و نحن أهل بيت محمّد أولي بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم و السائرين فيكم بالجور و العدوان فإن أبيتم إلا الكراهة لنا و الجهل بحقّنا و كان رأيكم الآن غير ما أتتني به كتبكم و قدمت عليّ به رسلكم انصرفت عنكم فقال الحرّ أنا واللّه ماأدري ما هذه الكتب و الرّسل التي تذكر فقال الحسين (ع) لبعض أصحابه يا عقبة بن سمعان أخرج الخرجين اللّذين فيهما كتبهم إليّ فأخرج خرجين مملوءين صحفاً فنثرت بين يديه فقال له الحرّ لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك و قد أمرنا أنّا إذا لقيناك لانفارقك حتّي نقدمك الكوفة علي عبيداللّه بن زياد فقال الحسين عليه السلام الموت ادني إليك من ذلك ثمّ قال لأصحابه فقوموا فاركبوا فركبوا و انتظر حتّي ركبت نساؤه فقال لأصحابه انصرفوا فلمّا ذهبوا لينصرفوا حال القوم بينهم و بين الانصراف فقال الحسين عليه السلام للحرّ ثكلتك أمّك ما تريد فقال له الحرّ أمّا لو غيرك من العرب يقولها لي و هو علي مثل الحال التي أنت عليها ماتركت ذكر أمّه بالثكل كائناً من كان و لكن واللّه ما لي من ذكر أمّك من سبيل إلا بأحسن ما نقدر عليه فقال له الحسين فما تريد قال أريد أن أنطلق بك إلي الأمير عبيداللّه [ص 339] بن زياد فقال إذاً واللّه لاأتّبعك فقال إذاً واللّه لاأدعك فترادّا القول ثلاث مرّات فلمّا كثر الكلام بينهما قال له الحرّ إنّي لماومر بقتالك إنّما أمرت أن لاأفارقك حتّي أقدمك الكوفة فإذا ابيت فخذ طريقاً لايدخلك الكوفة و لايردّك إلي المدينة يكون بيني و بينك نصَفاً حتّي أكتب إلي الأمير عبيداللّه بن زياد فلعلّ اللّه أن يرزقني العافية من أن أبتلي بشيء من أمرك فخذ ههنا فتياسر عن طريق العذيب و القادسيّة و سار الحسين عليه السلام و سار الحرّ في أصحابه يسايره و هو يقول له يا حسين إنّي أذكر اللّه في نفسك فإنّي أشهد لئن قاتلت لتقتلنّ فقال له الحسين أفبالموت تخوّفني و هل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني و سأقول كما قال أخو الأوس لابن عمّه و هو يريد نصرة رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله فخوّفه ابن عمّه و قال أين تذهب فإنّك مقتول فقال :
سأمضي و ما بالموت عار علي الفتي إذا ما نوي حقّاً و جاهد مسلما
و واسي الرِّجال الصالحين بنفسه و فارق مثبوراً و ودّع مجرما
فإن عشت لماندم و إن متّ لمالم كفي بك ذلّاً أن تعيش و ترغما
قال المجلسي (ره) و زاد محمّد بن ابيطالب قبل البيت الأخير هذا البيت :
أُقدِّم نفسي لاأريد بقاءها لتلقي خميسا في الوغي و عرمرما
ثمّ قال ثمّ اقبل الحسين علي أصحابه و قال هل فيكم أحد يعرف الطريق علي غير الجادّة فقال الطّرمّاح نعم يا ابن رسول اللّه أنا أخبر الطريق فقال الحسين عليه السلام سر بين ايدينا فسار الطّرمّاح و اتّبعه الحسين و أصحابه و جعل الطّرمّاح يرتجز و يقول :
[ص 340]يا ناقتي لاتذعري من زجري و امضي بنا قبل طلوع الفجر
بخير فتيان و خير سفر آل رسول اللّه آل الفخر
السّادة البيض الوجوه الزهر الطّاعنين بالرّماح السّمر
الضّاربين بالسيوف البتر حتّي تحلّي بكريم الفخر
الماجد الجدّ رحيب الصدر أثابه اللّه لخير أمر
عمّره اللّه بقاء الدّهر
يا مالك النفع معاً و النصر أيّد حسيناً سيّدي بالنصر
علي الطّغاة من بقايا الكفر علي اللعينين سليلي صخر
يزيد لازال حليف الخمر و ابن زياد عهر بن العهر
و قال المفيد (ره) فلمّا سمع الحرّ ذلك تنحّي عنه و كان يسير بأصحابه ناحية و الحسين عليه السلام في ناحية حتّي انتهوا إلي عذيب الهجانات ثمّ مضي الحسين عليه السلام حتي انتهي إلي قصر بنيمقاتل فنزل به و إذا هو بفسطاط مضروب فقال لمن هذا فقيل لعبيداللّه بن الحرّ الجعفيّ قال ادعوه إليّ فلمّا أتاه الرسول قال له هذا الحسين بن عليّ يدعوك فقال عبيداللّه إنّا للّه و انا إليه راجعون واللّه ماخرجت من الكوفة إلا كراهة أن يدخلها الحسين و أنا فيها واللّه ماأريد أن أراه و لايراني فأتاه الرّسول فأخبره فقام اليه الحسين فجاء حتّي دخل عليه و سلّم و جلس ثمّ دعاه إلي الخروج معه فأعاد عليه عبيداللّه بن الحرّ تلك المقالة و استقاله ممّا دعاه فقال له الحسين عليه السلام فإن لمتكن تنصرنا فاتّق اللّه لاتكون ممّن يقاتلنا فواللّه لايسمع واعيتنا ثمّ لاينصرنا ( لمينصرنا خل ) إلا هلك فقال له أمّا هذا فلايكون أبداً إن شاء اللّه ثمّ قام الحسين عليه السلام من عنده حتّي دخل رحله و لمّا كان في آخر اللّيلة أمر فتيانه بالاستقاء من الماء ثمّ أمر بالرّحيل فارتحل من قصر بنيمقاتل فقال عقبة بن سمعان فسرنا معه ساعة فخفق عليه السلام و هو علي ظهر فرسه خفقة ثمّ انتبه و هو يقول انا للّه و انا إليه راجعون و [ص 341] الحمد للّه ربّ العالمين ففعل ذلك مرّتين أو ثلاثاً فأقبل إليه ابنه عليّ بن الحسين عليه السلام فقال ممّ حمدت اللّه و استرجعت قال يا بنيّ إنّي خفقت خفقة فعنّ لي فارس علي فرس و هو يقول القوم يسيرون و المنايا تسير إليهم فعلمت أنّها أنفسنا نعيت إلينا فقال له يا أبت لاأراك اللّه سوءاً ألسنا علي الحقّ قال بلي واللّه الذي مرجع العباد إليه فقال اما إذاً مانبالي أن نموت محقّين فقال له الحسين عليه السلام جزاك اللّه من ولد خير ما جزي ولداً عن والده فلمّا أصبح نزل و صلّي بهم الغداة ثمّ عجّل الركوب و أخذ يتياسر بأصحابه يريد أن يفرّقهم فيأتيه الحر بن يزيد فيردّه و أصحابه فجعل إذا ردّهم نحو الكوفة ردّاً شديداً امتنعوا عليه فارتفعوا فلميزالوا يتسايرون كذلك حتّي انتهي إلي نينوي بالمكان الذي نزل به الحسين فإذا راكب علي نجيب له عليه سلاح متنكّباً قوساً مقبلاً من الكوفة فوقفوا جميعاً ينتظرونه فلمّا انتهي إليهم سلّم علي الحرّ و أصحابه و لميسلّم الي ( علي خل ) الحسين و أصحابه و دفع إلي الحرّ كتاباً من عبيداللّه بن زياد فإذا فيه أمّا بعد فجعجع بالحسين حين بلغك كتابي هذا و يقدم عليك رسولي و لاتنزله إلا بالعراء في غير خضر و علي غير ماء و قد أمرت رسولي أن يلزمك و لايفارقك حتّي يأتيني بانفاذ أمري و السلام ، فلمّا قرأ الكتاب قال لهم الحرّ هذا كتاب الأمير عبيداللّه يأمرني أن أجعجع بكم في المكان الذي يأتيني كتابه و هذا رسوله و قد أمره أن لايفارقني حتّي انفذ أمره فيكم فنظر يزيد بن المهاجر الكنديّ و كان مع الحسين عليه السلام إلي رسول ابن زياد فعرفه فقال له ثكلتك أمّك ماذا جئت فيه قال أطعت إمامي و وفيت ببيعتي فقال له ابن المهاجر بل عصيت ربّك و أطعت إمامك في هلاك نفسك و كسيت ( كسبت [ص 342] خل ) العار و النّار و بئس الامام إمامك قال اللّه عزّ و جلّ و جعلناهم أئمّة يدعون إلي النار و يوم القيامة لاينصرون فإمامك منهم و أخذهم الحرّ بالنزول في ذلك المكان علي غير ماء و لا ( في خ ) قرية فقال له الحسين عليه السلام دعنا ويحك ننزل هذه القرية أو هذه يعني نينوي و الغاضرية أو هذه يعني شفيّة قال لا واللّه ماأستطيع ذلك هذا رجل قد بعث إليّ عيناً عليّ فقال له زهير بن القين إنّي واللّه لاأري أن يكون بعد الذي ترون إلا أشدّ ممّا ترون يا ابن رسول اللّه إنّ قتال هؤلاء القوم السّاعة أهون علينا من قتال من يأتينا من بعدهم فلعمري لتأتينا من بعدهم ما لا قبل لنا به فقال الحسين عليه السلام ماكنت لأبدأهم بالقتال ثمّ نزل و ذلك اليوم يوم الخميس و هو اليوم الثاني من المحرّم سنة إحدي و ستّين و قال السيّد (ره) فقام الحسين عليه السلام خطيباً في أصحابه فحمد اللّه و أثني عليه ثمّ قال إنّه قد نزل من الأمر ما قد ترون و إنّ الدّنيا تغيّرت و تنكّرت و أدبر معروفها و لميبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء و خسيس عيش كالمرعي الوبيل ألاترون إلي الحقّ لايعمل به و إلي الباطل لايتناهي عنه ليرغب المؤمن في لقاء ربّه محقّاً محقّاً فإنّي لاأري الموت إلا سعادة و الحياة مع الظالمين إلا برما ، فقام زهير بن القين فقال قد سمعنا هداك اللّه يا ابن رسول اللّه مقالتك و لو كانت الدّنيا باقية و كنّا فيها خالدين لآثرنا النهوض معك علي الإقامة فيها قال و وثب هلال بن نافع البجليّ فقال واللّه ماكرهنا لقاء ربّنا و انا علي نيّاتنا و بصائرنا نوالي من والاك و نعادي من عاداك قال و قام برير بن خضير فقال واللّه يا ابن رسول اللّه لقد منّ اللّه بك علينا أن نقاتل بين يديك فيقطّع فيك أعضاؤنا ثمّ يكون جدّك شفيعنا يوم [ص 343] القيامة قال ثمّ إنّ الحسين (ع) ركب و سار كلّما أراد المسير يمنعونه تارة و يسايرونه أخري حتّي بلغ كربلا و كان ذلك في اليوم الثامن ( الثاني خل ) من المحرّم و في المناقب فقال له زهير فسر بنا حتّي ننزل بكربلاء فإنّها علي شاطئ الفرات فنكون هنالك فإن قاتلونا قاتلناهم و استعنّا اللّه عليهم قال فدمعت عينا الحسين (ع) ثمّ قال اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الكرب و البلاء و نزل الحسين في موضعه ذلك و نزل الحرّ بن يزيد حذاءه في ألف فارس و دعا الحسين عليه السلام بدواة و بيضاء و كتب إلي أشراف الكوفة ممّن كان يظنّ أنّه علي رأيه بسم اللّه الرّحمن الرّحيم من الحسين بن عليّ إلي سليمان بن صرد و المسيّب بن نجبة و رفاعة بن شدّاد و عبداللّه بن وال و جماعة المؤمنين أمّا بعد فقد علمتم أنَّ رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله قد قال في حياته من رأي سلطاناً جائراً مستحلّاً لحرم اللّه ناكثاً لعهد اللّه مخالفاً لسنّة رسول اللّه يعمل في عباد اللّه بالإثم و العدوان ثمّ لميغيّر بقول و لا فعل كان حقيقاً علي اللّه أن يدخله مدخله و قد علمتم أنّ هؤلاء القوم قد الزموا طاعة الشيّطان و تولّوا عن طاعة الرّحمن و أظهروا الفساد و عطّلوا الحدود و استأثروا بالفيء و أحلّوا حرام اللّه و حرّموا حلاله و اني أحقّ بهذا الأمر لقرابتي من رسول اللّه و قد أتتني كتبكم و قدمت عليّ رسلكم ببيعتكم أنّكم لاتسلموني و لاتخذلوني فإن وفيتم لي ببيعتكم فقد أصبتم حظّكم و رشدكم و نفسي مع أنفسكم و أهلي و ولدي مع أهاليكم و أولادكم فلكم بي أُسوة و إن لمتفعلوا و نقضتم عهودكم و خلعتم بيعتكم فلعمري ما هي منكم بنكر لقد فعلتموها بأبي و أخي و ابن عمّي و المغرور من اغترّ بكم فحظّكم أخطأتم و نصيبكم ضيّعتم و من نكث فإنّما ينكث علي نفسه و سيغني اللّه [ص 344] عنكم و السّلام ثمّ طوي الكتاب و دفعه إلي قيس بن مسهر الصّيداوي و ساق الحديث كما مرّ ثمّ قال و لمّا بلغ الحسين عليه السلام قتل قيس استعبر باكياً ثمّ قال اللّهمّ اجعل لنا و لشيعتنا عندك منزلاً كريماً و اجمع بيننا و بينهم في مستقرّ من رحمتك إنّك علي كلّ شيء قدير قال فوثب إلي الحسين عليه السلام رجل من شيعته يقال له هلال بن نافع البجليّ فقال يا ابن رسول اللّه أنت تعلم أنّ جدّك رسول اللّه لميقدر أن يشرب الناس محبّته و لا أن يرجعوا إلي أمره ما أحبّ و قد كان منهم منافقون يعدونه بالنصر و يضمرون له الغدر يلقونه بأحلي من العسل و يخلفونه بأمرّ من الحنظل حتّي قبضه اللّه إليه و إنّ أباك عليّاً رحمة اللّه عليه قد كان في مثل ذلك فقوم قد أجمعوا علي نصره و قاتلوا معه النّاكثين و القاسطين و المارقين حتّي أتاه أجله فمضي إلي رحمة اللّه و رضوانه و أنت اليوم عندنا في مثل تلك الحالة فمن نكث عهده و خلع بيعته فلنيضرّ إلا نفسه و اللّه مغن عنه فسر بنا راشداً و معافاً مشرّقاً إن شئت و إن شئت مغرّباً فواللّه ماأشفقنا من قدر اللّه و لاكرهنا لقاء ربّنا و إنّا علي نيّاتنا و بصائرنا نوالي من والاك و نعادي من عاداك ثمّ وثب إليه برير بن خضير الهمدانيّ فقال واللّه يا ابن رسول اللّه لقد منّ اللّه بك علينا أن نقاتل بين يديك تقطّع فيه أعضاؤنا ثمّ يكون جدّك شفيعنا يوم القيامة بين أيدينا لاأفلح قوم ضيّعوا ابن بنت نبيّهم أنّ لهم غداً ماذا يلاقون ينادون بالويل و الثبور في نار جهنّم قال فجمع الحسين عليه السلام ولده و إخوته و أهل بيته ثمّ نظر إليهم فبكي ساعة ثمّ قال إنّا عترة نبيّك محمّد صلي اللّه عليه و آله و قد أخرجنا و طردنا و أزعجنا عن حرم جدّنا و تعدّت بنوأمية علينا اللّهمّ فخذ لنا بحقّنا و انصرنا علي القوم الظالمين .