اقول قال في البحار وجدت في بعض الكتب أنّه لمّا عزم علي الخروج من المدينة أتته أمسلمة (ره) فقالت يا بنيّ لاتحزني بخروجك إلي العراق فإنّي سمعت جدّك يقول يقتل ولدي الحسين بأرض العراق في أرض يقال لها كربلا فقال لها يا أمّاه و أنا واللّه أعلم ذلك و إنّي لمقتول لا محالة و ليس لي من هذا بدّ و إنّي واللّه لأعرف اليوم الذي أقتل فيه و أعرف من يقتلني و أعرف البقعة التي أدفن فيها و إنّي لأعرف من يقتل من أهل بيتي و قرابتي و شيعتي و إن أردت يا أمّاه أريك حفرتي و مضجعي ثمّ أشار عليه السلام إلي جهة كربلا فانخفضت الأرض حتّي أراها مضجعه و مدفنه و موضع عسكره و موقفه و مشهده فعند ذلك بكت أمسلمة بكاءً شديداً و سلّمت أمره إلي اللّه فقال لها يا أمّاه قد شاء اللّه عزّ و جلّ أن يراني مقتولاً مذبوحاً ظلماً و عدواناً و قد شاء أن يري حرمي و رهطي و نسائي مشرّدين و أطفالي مذبوحين مظلومين مأسورين مقيّدين و هم يستغيثون فلايجدون ناصراً و لا معيناً و في رواية أخري قالت أمسلمة و عندي تربة دفعها إليّ جدّك في قارورة فقال واللّه إنّي مقتول كذلك و إن لماخرج إلي العراق يقتلونني أيضاً ثمّ أخذ تربة فجعلها في قارورة و أعطاها إيّاها و قال اجعلها مع قارورة جدّي فإذا فاضتا دماً فاعلمي أنّي قد قتلت [ص 287] و قال المفيد (ره) بإسناده إلي ابيعبداللّه عليه السلام قال لمّا سار ابوعبداللّه من المدينة لقيه أفواج من الملائكة المسوّمة في أيديهم الحراب علي نجب من نجب الجنة فسلّموا عليه و قالوا يا حجّة اللّه علي خلقه بعد جدّه و أبيه و أخيه إنّ اللّه سبحانه أمدّ جدّك بنا في مواطن كثيرة و إنّ اللّه أمدّك بنا فقال لهم الموعد حفرتي و بقعتي التي أستشهد فيها و هي كربلا فاذا وردتها فأتوني فقالوا يا حجّة اللّه مرنا نسمع و نطيع فهل تخشي من عدوّ يلقاك فنكون معك فقال لا سبيل لهم عليّ و لايلقوني بكريهة أو أصل إلي بقعتي و أتته أفواج مسلمي الجنّ فقالوا يا سيّدنا نحن شيعتك و أنصارك فمرنا بأمرنا و ما تشاء فلو أمرتنا بقتل كل عدوّ لك و أنت بمكانك لكفيناك ذلك فجزاهم الحسين عليه السلام خيراً و قال لهم أوماقرأتم كتاب اللّه المنزل علي جدّي رسول اللّه (ص) أينما تكونوا يدرككم الموت و لو كنتم في بروج مشيّدة و قال سبحانه لبرز الّذين كتب عليهم القتل إلي مضاجعهم و اذا قمت بمكاني فبماذا يبتلي هذا الخلق المتعوس و بماذا يختبرون و منذا يكون ساكن حفرتي بكربلا و قد اختارها اللّه يوم دحي الأرض و جعلها معقلاً لشيعتنا و يكون لهم أماناً في الدّنيا و الآخرة و لكن تحضرون يوم السبت و هو يوم عاشورا الذي في آخره أقتل و لايبقي بعدي مطلوب من اهلي و نسبي و بني و إخوتي و أهل بيتي و ليسار برأسي إلي يزيد لعنه اللّه فقالت الجنّ نحن واللّه يا حبيب اللّه و ابن حبيبه لولا أنّ أمرك طاعة و أنّه لايجوز لنا مخالفتك قتلنا جميع أعدائك قبل أن يصلوا إليك فقال لهم نحن واللّه أقدر عليهم منكم و لكن ليهلك من هلك عن بيّنة و يحيي من حيّ عن بيّنة [ص 288] زهر الربيع للسيد الجزايري ان ابن الحنفية اشتري درعا طويل الذيل فقبض ذيله بيده و عركه حتي قطع الزائد منه و كان هناك امرأة زرقاء فاصابته عينا فخرج بيده خراج و عطل يده عن المقارعة بالسيوف و فيه ما حاصله ان ابن عباس و ابن الحنفية عوتبا علي ترك المسير الي العراق فقالا انا نعرف اسماء من يخرج مع الحسين عليه السلام و اسماء آبائهم بعهد اميرالمؤمنين و ليس اسمنا في اسمائهم فكيف نخرج .
باب ذكر الوقايع المتأخرة عن خروجه من المدينة من بعث اهل الكوفة بالكتب اليه في مكة و ما جري الي مجيء مسلم اليها و ما جري الي شهادة مسلم و هاني و ما جري
بحار قال المفيد فسار الحسين إلي مكّة و هو يقرأ فخرج منها خائفاً يترقّب قال ربّ نجّني من القوم الظالمين و لزم الطريق الأعظم فقال له أهل بيته لو تنكّبت عن الطريق الأعظم كما فعل ابن الزبير كيلايلحقك الطلب فقال لا واللّه لاأفارقه حتّي يقضي اللّه ما هو قاض و لمّا دخل الحسين عليه السلام مكة كان دخوله إياها يوم الجمعة لثلاث مضين من شعبان دخلها و هو يقرأ و لمّا توجّه تلقاء مدين قال عسي ربّي أن يهديني سواء السبيل ثمّ نزلها و أقبل أهلها يختلفون إليه و من كان بها من المعتمرين و أهل الآفاق و ابن الزّبير بها قد لزم جانب الكعبة و هو قائم يصلّي عندها ( بها خل ) و يطوف و يأتي الحسين عليه السلام فيمن يأتيه فيأتيه اليومين المتواليين و يأتيه بين كل يومين مرّة و هو أثقل خلق اللّه علي ابن الزّبير قد عرف أنّ أهل الحجاز لايبايعونه ما دام الحسين في البلد و أنّ الحسين أطوع في الناس منه و أجلّ و بلغ أهل الكوفة هلاك معاوية فأرجفوا بيزيد و عرفوا خبر الحسين و امتناعه من بيعته و ما كان من أمر ابن الزّبير في ذلك و خروجهما إلي مكّة فاجتمعت الشيعة بالكوفة [ص 289] في منزل سليمان بن صرد الخزاعيّ فذكروا هلاك معاوية فحمدوا اللّه و أثنوا عليه فقال سليمان إنّ معاوية قد هلك و إنّ حسيناً قد نقض علي القوم ببيعته و قد خرج إلي مكّة و أنتم شيعته و شيعة أبيه فإن كنتم تعلمون أنّكم ناصروه و مجاهدوا عدوّه فاكتبوا إليه فإن خفتم الفشل و الوهن فلاتغرّوا الرّجل في نفسه قالوا لا بل نقاتل عدوّه و نقتل أنفسنا دونه فاكتبوا إليه فكتبوا إليه بسم اللّه الرّحمن الرّحيم للحسين بن عليّ عليهما السلام من سليمان بن صرد و المسيّب بن نجبة و رفاعة بن شدّاد البجليّ و حبيب بن مُظاهر و شيعته المؤمنين و المسلمين من أهل الكوفة سلام عليك فإنا نحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو أمّا بعد فالحمد للّه الذي قصم عدوّك الجبّار العنيد الذي انتزي علي هذه الأمة فابتزّها أمرها و غصبها فيئها و تأمّر عليها بغير رضيً منها ثمّ قتل خيارها و استبقي شرارها و جعل مال اللّه دولة بين جبابرتها و أغنيائها فبعداً له كما بعدت ثمود إنّه ليس علينا إمام فأقبل لعلّ اللّه أن يجمعنا بك علي الحقّ و النعمان بن بشير في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة و لانخرج معه إلي عيد و لو قد بلغنا أنك قد أقبلت إلينا أخرجناه حتّي نلحقه بالشام ان شاء اللّه ثمّ سرّحوا بالكتاب مع عبداللّه بن مسمع الهمدانيّ و عبداللّه بن وال و أمروهما بالنجا فخرجا مسرعين حتّي قدما علي الحسين بمكّة لعشر مضين من شهر رمضان ثمّ لبثوا أهل الكوفة يومين بعد تسريحهم بالكتاب و أنفذوا قيس بن مسهر الصيداويّ و عبداللّه بن شداد بن عبداللّه الارحبي و عمارة بن عبداللّه السلوليّ إلي الحسين عليه السلام و معهم نحو مائة و خمسين صحيفة من الرَّجل الواحد و الاثنين و الأربعة و قال السيّد و هو مع ذلك يتأبّي و لايجيبهم فورد عليه في يوم واحد ستّمائة كتاب و تواترت الكتب حتّي اجتمع عنده في نوب [ص 290] متفرّقة اثناعشرألف كتاب و قال المفيد ثمّ لبثوا يومين آخرين و سرّحوا إليه هاني بن هاني السبيعيّ و سعيد بن عبداللّه الحنفيّ و كتبوا إليه بسم اللّه الرّحمن الرحيم إلي الحسين بن عليّ من شيعته من المؤمنين و المسلمين أمّا بعد فحيّ هلا فإنّ الناس ينتظرونك لا رأي لهم غيرك فالعجل العجل ثمّ العجل العجل و السلام ، ثمّ كتب شيث بن ربعيّ و حجّار بن أبحر و يزيد بن الحرث بن رويم و عروة بن قيس و عمر بن حجّاج الزبيديّ و محمّد بن عمرو التيميّ أمّا بعد فقد اخضرّ الجنات و أينعت الثمار و أعشب الأرض و أورقت الأشجار فإذا شئت فأقبل علي جند لك مجنّدة و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته و علي أبيك من قبلك و تلاقت الرّسل كلّها عنده فقرأ الكتب و سأل الرّسل عن الناس ثمّ كتب مع هاني بن هاني و سعيد بن عبداللّه و كانا آخر الرّسل بسم اللّه الرّحمن الرّحيم من الحسين بن عليّ إلي الملأ من المؤمنين و المسلمين أمّا بعد فإنّ هانياً و سعيداً قدما عليّ بكتبكم و كانا آخر من قدم عليّ من رسلكم و قد فهمت كلّ الذي اقتصصتم و ذكرتم و مقالة جلّكم أنّه ليس علينا إمام فأقبل لعلّ اللّه أن يجمعنا بك علي الحقِّ و الهدي و أنا باعث إليكم أخي و ابن عمّي و ثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل فإن كتب إليّ بأنه قد اجتمع رأي ملائكم و ذوي الحجي و الفضل منكم علي مثل ما قدمت به رسلكم و قرأت في كتبكم فإنّي أقدم إليكم وشيكاً ان شاء اللّه فلعمري ما الإمام إلا الحاكم بالكتاب القائم بالقسط الدائن بدين الحق الحابس نفسه علي ذلك للّه ( ذات اللّه خل ) و السلام ، و دعا الحسين (ع) مسلم بن عقيل فسرحه مع قيس بن مسهر الصيداويّ و عمارة بن عبداللّه السلوليّ و عبدالرحمن بن عبداللّه الأزديّ و أمره بالتقوي و [ص 291] كتمان أمره و اللطف فإن رأي الناس مجتمعين مستوسقين عجّل إليه بذلك فأقبل مسلم (ره) حتّي أتي المدينة فصلّي في مسجد رسول اللّه و ودّع من أحبّ من أهله و استأجر دليلين من قيس فأقبلا به يتنكّبان الطريق فضلّا عن الطريق و أصابهما عطش شديد فعجزا عن السير فأوميا له إلي سنن الطريق بعد أن لاح لهم ذلك فسلك مسلم ذلك السنن و مات الدّليلان عطشاً فكتب مسلم بن عقيل (ره) من الموضع المعروف بالمضيق مع قيس بن مسهر اما بعد فإنّي أقبلت من المدينة مع دليلين لي فحارا عن الطريق فضلّا و اشتدّ علينا العطش فلميلبثا أن ماتا و أقبلنا حتّي انتهينا إلي الماء فلمننج إلا بحشاشة أنفسنا و ذلك الماء بمكان يدعي المضيق من بطن الخبت و قد تطيّرت من توجّهي هذا فإن رأيت أعفيتني ( اعفيتنا خل ) عنه و بعثت غيري و السلام ، فكتب إليه الحسين عليه السلام أمّا بعد فقد خشيت أن لايكون حملك علي الكتاب إليّ في الاستعفاء من التوجه الذي وجّهتك له إلا الجبن فامض لوجهك الذي وجّهتك فيه و السلام ، فلمّا قرأ مسلم الكتاب قال أمّا هذا فلست أتخوّفه علي نفسي فأقبل حتّي مرّ بماء لظي فنزل به ثمّ ارتحل عنه فإذا رجل يرمي الصّيد فنظر إليه قد رمي ظبياً حين أشرف له فصرعه فقال مسلم بن عقيل نقتل عدوّنا ان شاء اللّه ثمّ أقبل حتّي دخل الكوفة فنزل في دار المختار بن ابيعبيدة و هي التي تدعي اليوم دار مسلم بن المسيّب و أقبلت الشيعة تختلف إليه فكلّما اجتمع إليه منهم جماعة قرأ عليهم كتاب الحسين عليه السلام و هم يبكون و بايعه الناس حتّي بايعه منهم ثمانيةعشرألفاً فكتب مسلم إلي الحسين عليه السلام يخبره ببيعة ثمانيةعشرألفاً و يأمره بالقدوم و جعلت الشيعة تختلف إلي مسلم بن عقيل (ره) حتّي علم بمكانه فبلغ النعمان بن بشير ذلك و كان والياً علي الكوفة من قبل معاوية فأقرّه يزيد عليها فصعد المنبر [ص 292] فحمد اللّه و أثني عليه ثمّ قال أمّا بعد فاتّقوا اللّه عباد اللّه و لاتسارعوا إلي الفتنة و الفرقة فإنّ فيها تهلك الرّجال و تسفك الدّماء و تغصب الأموال إنّي لاأقاتل من لايقاتلني و لاآتي علي من لميأت عليّ و لاأنبّه نائمكم و لاأتحرّش بكم و لاآخذ بالقرف و لا الظنّة و لا التهمة و لكنّكم إن أبديتم صفحتكم لي و نكثتم بيعتكم و خالفتم إمامكم فواللّه الذي لا إله غيره لأضربنّكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي و لو لميكن لي منكم ناصر أما إنّي أرجو أن يكون من يعرف الحقّ منكم أكثر ممّن يرديه (ظ) الباطل فقام إليه عبداللّه بن مسلم بن ربيعة الحضرميّ حليف بنيأمية فقال له إنّه لايصلح ما تري إلا الغشم و هذا الذي أنت عليه فيما بينك و بين عدوّك رأي المستضعفين فقال له النعمان لأن أكون من المستضعفين في طاعة اللّه أحبّ إليّ من أن أكون من الأعزّين في معصية اللّه ثمّ نزل و خرج عبداللّه بن مسلم و كتب إلي يزيد بن معاوية كتاباً أمّا بعد فإنّ مسلم بن عقيل قد قدم الكوفة و بايعه الشيعة للحسين بن عليّ بن ابيطالب فإن يكن لك في الكوفة حاجة فابعث إليها رجلاً قويّاً ينفذ أمرك و يعمل مثل عملك في عدوّك فإنّ النعمان بن بشير رجل ضعيف أو هو يتضعّف ثمّ كتب إليه عمر بن سعد بن ابيوقّاص مثل ذلك فلمّا وصلت الكتب إلي يزيد دعا سرحون مولي معاوية فقال ما رأيك إنّ الحسين قد نفذ إلي الكوفة مسلم بن عقيل يبايع له و قد بلغني عن النعمان ضعف و قول سيّئ فمن تري أن أستعمل علي الكوفة و كان يزيد عاتباً علي عبيداللّه بن زياد فقال له سرحون أرأيت لو نشر لك معاوية حيّاً ماكنت آخذاً برأيه قال بلي فأخرج سرحون عهد عبيداللّه علي الكوفة و قال هذا رأي معاوية مات و قد أمر بهذا الكتاب فضمّ المصرين إلي عبيداللّه فقال له يزيد أفعل [ص 293] ابعث بعهد عبيداللّه بن زياد إليه ثمّ دعا مسلم بن عمرو الباهليّ و كتب إلي عبيداللّه امّا بعد فإنّه كتب إليّ شيعتي من أهل الكوفة و يخبرونني أنّ ابن عقيل فيها يجمع الجموع ليشقّ عصا المسلمين فسر حين تقرء كتابي هذا حتّي تأتي الكوفة فتطلب ابن عقيل طلب الخرزة حتّي تثقفه فتوثقه أو تقتله أو تنفيه و السّلام و سلّم إليه عهده علي الكوفة فخرج مسلم بن عمرو حتّي قدم علي عبيداللّه البصرة و أوصل إليه العهد و الكتاب فأمر عبيداللّه بالجهاز من وقته و المسير و التهيّئ إلي الكوفة من الغد ثمّ خرج من البصرة فاستخلف أخاه عثمان و قال ابن نما (ره) رويت إلي حصين بن عبدالرّحمن أنّ أهل الكوفة كتبوا إليه أنّا معك مائةالف و عن داود بن ابيهند عن الشعبيّ قال بايع الحسين عليه السلام أربعونالفاً من أهل الكوفة علي أن يحاربوا من حارب و يسالموا من سالم فعند ذلك ردّ جواب كتبهم يمنّيهم بالقبول و يعدهم بسرعة الوصول و بعث مسلم بن عقيل و قال السيّد (ره) بعد ذلك و كان الحسين عليه السلام قد كتب إلي جماعة من أشراف البصرة كتاباً مع مولي له اسمه سليمان و يكنّي ابارزين يدعوهم إلي نصرته و لزوم طاعته منهم يزيد بن مسعود النّهشليّ و المنذر بن الجارود العبديّ فجمع يزيد بن مسعود بنيتميم و بنيحنظلة و بنيسعد فلمّا حضروا قال يا بنيتميم كيف ترون موضعي فيكم و حسبي منكم فقالوا بخّ بخّ أنت واللّه فقرة الظهر و رأس الفخر حللت في الشّرف وسطاً و تقدّمت فيه فرطاً قال فإنّي قد جمعتكم لأمر أريد أن أشاوركم فيه و أستعين بكم عليه فقالوا إنما واللّه نمنحك النصيحة و نحمد لك الرأي فقل نسمع فقال إنّ معاوية مات فأهون به واللّه هالكاً و مفقوداً ألا و إنّه قد انكسر باب الجور و الإثم و تضعضعت أركان الظّلم و قد كان أحدث بيعة عقد بها أمراً ظنّ أنه قد أحكمه و هيهات [ص 294] و الذي أراد اجتهد واللّه ففشل و شاور فخذل و قد قام يزيد شارب الخمور و رأس الفجور يدّعي الخلافة علي المسلمين و يتأمّر عليهم مع قصر حلم و قلّة علم لايعرف من الحقّ موطئ قدمه فأقسم باللّه قسماً مبروراً لجهاده علي الدّين أفضل من جهاد المشركين و هذا الحسين بن عليّ ابن رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله ذو الشرف الأصيل و الرأي الأثيل له فضل لايوصف و علم لاينزف و هو أولي بهذا الأمر لسابقته و سنّه و قدمته و قرابته يعطف علي الصغير و يحنو علي الكبير فأكرم به راعي رعيّة و إمام قوم وجبت للّه به الحجّة و بلغت به الموعظة و لاتعشوا عن نور الحقّ و لاتسكّعوا في وهدة الباطل فقد كان صخر بن قيس انخذل بكم يوم الجمل فاغسلوها بخروجكم إلي ابن رسول اللّه و نصرته واللّه لايقصر أحد عن نصرته إلا أورثه اللّه الذّلّ في ولده و القلّة في عشيرته و ها أنا قد لبست للحرب لامتها و ادّرعت لها بدرعها من لميقتل يمت و من يهرب لميفت فأحسنوا رحمكم اللّه ردّ الجواب فتكلّمت بنوحنظلة فقالوا اباخالد نحن نبل كنانتك و فرسان عشيرتك إن رميت بنا أصبت و إن غزوت بنا فتحت لاتخوض واللّه غمرة إلا خضناها و لاتلقي واللّه شدّة إلا لقيناها ننصرك بأسيافنا و نقيك بابداننا اذا شئت و تكلّمت بنوسعد بن زيد فقالوا اباخالد إنّ أبغض الأشياء إلينا خلافك و الخروج من رأيك و قد كان صخر بن قيس أمرنا بترك القتال فحمدنا أمرنا و بقي عزّنا فينا فأمهلنا نراجع المشورة و يأتيك رأينا و تكلّمت بنو عامر بن تميم فقالوا يا اباخالد نحن بنو أبيك و حلفاؤك لانرضي إن غضبت و لانقطن إن ظعنت و الأمر إليك فادعنا نجبك و مرنا نطعك و الأمر لك إذا شئت فقال واللّه يا بنيسعد لئن فعلتموها لارفع اللّه السّيف عنكم أبداً و لازال سيفكم فيكم ثمّ كتب إلي الحسين صلوات اللّه عليه [ص 295] بسم اللّه الرّحمن الرّحيم أمّا بعد فقد وصل إليّ كتابك فهمت ما ندبتني إليه و دعوتني له من الأخذ بحظّي من طاعتك و الفوز بنصيبي من نصرتك و إنّ اللّه لميخل الأرض قطّ من عامل عليها بخير أو دليل علي سبيل نجاة و أنتم حجّة اللّه علي خلقه و وديعته في أرضه تفرّعتم من زيتونة أحمديّة هو أصلها و أنتم فرعها فاقدم سعدت بأسعد طائر فقد ذلّلت لك أعناق بنيتميم و تركتهم أشدّ تتابعاً في طاعتك من الابل الظماء لورود الماء يوم خميسها ( خمسها خل ) و قد ذلّلت لك رقاب بنيسعد و غسّلت درن صدورها بماء سحابة مزن حين استهلّ برقها فلمع فلمّا قرأ الحسين الكتاب قال ما لك آمنك اللّه يوم الخوف و أعزّك و أرواك يوم العطش ، فلمّا تجهّز المشار إليه للخروج إلي الحسين عليه السلام بلغه قتله قبل أن يسير فجزع من انقطاعه عنه و أمّا المنذر بن جارود فإنّه جاء بالكتاب و الرّسول إلي عبيداللّه بن زياد لأنّ المنذر خاف أن يكون الكتاب دسيساً من عبيداللّه و كانت بحريّة بنت المنذر بن جارود تحت عبيداللّه بن زياد فأخذ عبيداللّه الرَّسول فصلبه ثمّ صعد المنبر فخطب و توعّد أهل البصرة علي الخلاف و إثارة الأرجاف ثمّ بات تلك اللّيلة فلمّا أصبح استناب عليهم أخاه عثمان بن زياد و أسرع هو إلي قصد الكوفة و قال ابن نما (ره) كتب الحسين عليه السلام كتاباً إلي وجوه أهل البصرة منهم الأحنف بن قيس و قيس بن الهيثم و المنذر بن الجارود و يزيد بن مسعود النهشليّ و بعث الكتاب مع زرّاع السدوسيّ و قيل مع سليمان المكنّي بأبيرزين فيه إنّي أدعوكم إلي اللّه و إلي نبيّه و انّ السنّة قد أميتت فإن تجيبوا دعوتي و تطيعوا أمري أهدكم سبيل الرّشاد فكتب الأحنف إليه أمّا بعد فاصبر إنّ وعد اللّه حقّ و لايستخفّنّك الذين لايوقنون ثمّ ذكر أمر الرّجلين مثل ما ذكره السيّد (ره) [ص 296] إلي أن قال فلمّا أشرف علي الكوفة نزل حتّي أمسي ليلاً فظنّ أهلها أنّه الحسين عليه السلام و دخلها ممّا يلي النجف فقالت امرأة اللّه أكبر ابن رسول اللّه و ربّ الكعبة فتصايح النّاس قالوا إنّا معك أكثر من أربعينالفاً و ازدحموا عليه حتّي أخذوا بذنب دابّته و ظنّهم أنّه الحسين فحسر اللثام و قال أنا عبيداللّه فتساقط القوم و وطئ بعضهم بعضاً و دخل دار الإمارة و عليه عمامة سوداء فلمّا أصبح قام خاطباً و عليهم عاتباً و لرؤسائهم مؤنّباً و وعدهم بالإحسان علي لزوم طاعته و بالإساءة علي معصيته و الخروج عن حوزته ثمّ قال يا أهل الكوفة إنّ امير المؤمنين يزيد ولّاني بلدكم و استعملني علي مصركم و أمرني بقسمة فيئكم بينكم و إنصاف مظلومكم من ظالمكم و أخذ الحقّ لضعيفكم من قويّكم و الإحسان للسامع المطيع و التشديد علي المريب فأبلغوا هذا الرّجل الهاشميّ مقالتي ليتّقي غضبي و نزل يعني بالهاشميّ مسلم بن عقيل (رض) و قال المفيد و أقبل ابن زياد إلي الكوفة و معه مسلم بن عمرو الباهليّ و شريك بن الأعور الحارثيّ و حشمه و أهل بيته حتّي دخل الكوفة و عليه عمامة سوداء و هو متلثّم و النّاس قد بلغهم إقبال الحسين عليه السلام إليهم فهم ينتظرون قدومه فظنّوا حين رأوا عبيداللّه (لع) أنّه الحسين عليه السلام فأخذ لايمرّ علي جماعة من الناس إلا سلّموا عليه و قالوا مرحباً بك يا ابن الرسول ( رسول اللّه خل ) قدمت خير مقدم فرأي من تباشرهم بالحسين ما ساءه فقال مسلم بن عمرو لمّا أكثروا : تأخّروا هذا الأمير عبيداللّه بن زياد ، و سار حتّي وافي القصر باللّيل و معه جماعة قد التفّوا به لايشكّون أنّه الحسين عليه السلام فأغلق النعمان بن بشير عليه و علي خاصّته فناداه بعض من كان معه ليفتح لهم الباب فاطّلع عليه النعمان و هو يظنّه الحسين عليه السلام فقال أنشدك اللّه إلا تنحّيت واللّه ما أنا بمسلم إليك [ص 297] أمانتي و ما لي في قتالك من إرب فجعل لايكلّمه ثمّ إنّه دنا و تدلّي النعمان من شرف القصر فجعل لايكلّمه فقال افتح لافتحت فقد طال ليلك و سمعها إنسان خلفه فنكص إلي القوم الذين اتّبعوه من أهل الكوفة علي أنّه الحسين عليه السلام فقال يا قوم ابن مرجانة و الذي لا إله الا هو غيره ففتح له النعمان فدخل و ضربوا الباب في وجوه الناس و انفضوا فأصبح فنادي في الناس الصّلاة جامعة فاجتمع الناس فخرج إليهم فحمد اللّه و أثني عليه ثمّ قال أمّا بعد فإنّ امير المؤمنين يزيد ولّاني مصركم و ثغركم و فيئكم و أمرني بإنصاف مظلومكم و إعطاء محرومكم و الإحسان إلي سامعكم و مطيعكم كالوالد البرّ و سوطي و سيفي علي من ترك أمري و خالف عهدي فليتّق امرء علي نفسه الصّدق ينبي عنك لا الوعيد ثمّ نزل و أخذ العرفاء و الناس أخذاً شديداً فقال اكتبوا إليّ العرفاء و من فيكم من أهل الحروريّة و أهل الرّيب الذين شأنهم الخلاف و النفاق و الشقاق فمن يجيء لنا بهم فبريء ( ثم يجاء بهم لنري رأينا خل ) و من لميكتب لنا أحداً فليضمن لنا من في عرافته أن لايخالفنا منهم مخالف و لايبغي علينا باغ فمن لميفعل برئت منه الذّمّة و حلال لنا دمه و ماله و أيّما عريف وجد في عرافته من بغية امير المؤمنين أحد لميرفعه إلينا صلب علي باب داره و ألغيت تلك العرافة من العطاء و لمّا سمع مسلم بن عقيل (ره) مجيء عبيداللّه إلي الكوفة و مقالته التي قالها و ما أخذ به العرفاء و الناس خرج من دار المختار حتّي انتهي إلي دار هاني ابن عروة فدخلها فأخذت الشيعة تختلف إليه في دار هاني علي تستّر و استخفاء من عبيداللّه و تواصوا بالكتمان فدعا ابن زياد مولي له يقال له معقل فقال خذ ثلاثة آلاف درهم و اطلب مسلم بن عقيل و التمس أصحابه فإذا ظفرت بواحد منهم [ص 298] أو جماعة فأعطهم هذه الثلاثة آلاف درهم و قل استعينوا بها علي حرب عدوّكم و أعلمهم أنّك منهم فإنّك لو قد أعطيتهم إيّاها لقد اطمأنّوا إليك و وثقوا بك و لميكتموك شيئاً من أمورهم و أخبارهم ثمّ اغد عليهم و رح حتّي تعرف مستقرّ مسلم بن عقيل و تدخل عليه ففعل ذلك و جاء حتّي جلس إلي مسلم بن عوسجة الأسديّ في المسجد الأعظم و هو يصلّي فسمع قوماً يقولون هذا يبايع للحسين فجاء و جلس إلي جنبه حتّي فرغ من صلاته ثمّ قال يا عبد اللّه إنّي امرء من أهل الشام أنعم اللّه عليّ بحبّ أهل البيت و حبّ من أحبّهم و تباكي له و قال معي ثلاثة آلاف درهم أردت بها لقاء رجل منهم بلغني أنّه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله فكنت أُريد لقاءه فلمأجد أحداً يدلّني عليه و لاأعرف مكانه فإنّي لجالس في المسجد الآن إذ سمعت نفراً من المؤمنين يقولون هذا رجل له علم بأهل هذا البيت و إنّي أتيتك لتقبض منّي هذا المال و تدخلني علي صاحبك فإنّي أخ من إخوانك و ثقة عليك و إن شئت أخذت بيعتي له قبل لقائه فقال له ابن عوسجة احمد اللّه علي لقائك إيّاي فقد سرّني ذلك لتنال الذي تحبّه و لينصرنّ اللّه بك أهل بيت نبيّه عليه و عليهم السلام و لقد ساءني معرفة الناس إيّاي بهذا الأمر قبل أن يتمّ مخافة هذه الطاغية و سطوته قال له معقل لايكون إلا خيراً خذ البيعة عليّ فأخذ بيعته و أخذ عليه المواثيق المغلّظة ليناصحنّ و ليكتمنّ فأعطاه من ذلك ما رضي به ثمّ قال له اختلف إليّ أياماً في منزلي فإنّي ( فأنا خل ) طالب لك الإذن علي صاحبك و أخذ يختلف مع الناس فطلب له الإذن فأذن له فأخذ مسلم بن عقيل بيعته و أمر اباثمامة الصّائديّ بقبض المال منه و هو الذي كان يقبض أموالهم و ما يعين به [ص 299] بعضهم بعضاً و يشتري لهم به السلاح و كان بصيراً و فارساً من فرسان العرب و وجوه الشيعة و أقبل ذلك الرّجل يختلف إليهم فهو أوّل داخل و آخر خارج حتّي فهم ما احتاج إليه ابن زياد من أمرهم فكان يخبره به وقتاً فوقتاً و قال ابن شهرآشوب لمّا دخل مسلم الكوفة سكن في دار سالم بن المسيّب فبايعه اثناعشرألف رجل فلمّا دخل ابن زياد انتقل من دار سالم إلي دار هاني في جوف الليل و دخل في أمانه و كان يبايعه الناس حتّي بايعه خمسة و عشرونالف رجل فعزم علي الخروج فقال هاني لاتعجل و كان شريك بن الأعور الهمدانيّ جاء من البصرة مع عبيداللّه بن زياد فمرض فنزل دار هاني أيّاماً ثمّ قال لمسلم إنّ عبيداللّه يعودني و إنّي مطاوله الحديث فاخرج إليه بسيفك فاقتله و علامتك أن أقول اسقوني ماء و نهاه هاني عن ذلك فلمّا دخل عبيداللّه علي شريك و سأله عن وجعه و طال سؤاله و رأي أنّ أحداً لايخرج فخشي أن يفوته فأخذ يقول شعر :
ما الانتظار لسلمي أن تحيّيها ( تجيء بها خل ) كأس المنيّة بالتعجيل اسقوها
فتوهّم ابن زياد و خرج فلمّا دخل القصر أتاه مالك بن يربوع التميميّ بكتاب أخذه من يدي عبداللّه بن يقطر فإذا فيه للحسين بن عليّ أمّا بعد فإنّي أخبرك أنّه قد بايعك من أهل الكوفة كذا فإذا أتاك كتابي هذا فالعجل العجل فإنّ الناس كلّهم معك و ليس لهم في يزيد رأي و لا هوي فأمر ابن زياد بقتله و قال ابن نما فلمّا خرج ابن زياد دخل مسلم و السيف في كفّه قال له شريك ما منعك من الأمر قال مسلم هممت بالخروج فتعلّقت بي امرأة و قالت نشدتك اللّه إن قتلت ابن زياد في دارنا و بكت في وجهي فرميت السيف و جلست قال هاني يا ويلها قتلتني و قتلت نفسها و الذي فررت منه وقعت فيه [ص 300] و قال ابوالفرج في المقاتل قال هاني لمسلم إنّي لاأحبّ أن يقتل في داري قال فلمّا خرج مسلم قال له شريك ما منعك من قتله قال خصلتان أمّا إحداهما فكراهية هاني أن يقتل في داره و أمّا الأخري فحديث حدّثنيه الناس عن النّبيّ صلي اللّه عليه و آله أنّ الإيمان قيد الفتك فلايفتك مؤمن ( مسلم خل ) فقال له هاني أما واللّه لو قتلته لقتلت فاسقاً فاجراً كافراً ثمّ قال المفيد و خاف هاني بن عروة عبيداللّه علي نفسه فانقطع عن حضور مجلسه و تمارض فقال ابن زياد لجلسائه ما لي لاأري هانياً فقالوا هو شاك فقال لو علمت بمرضه لعدته و دعا محمّد بن الأشعث و أسماء بن خارجة و عمرو بن الحجّاج الزّبيديّ و كانت رويحة بنت عمرو تحت هاني بن عروة و هي أمّ يحيي بن هاني فقال لهم ما يمنع هاني بن عروة من إتياننا فقالوا ماندري و قد قيل إنّه يشتكي قال قد بلغني أنّه قد برئ و هو يجلس علي باب داره فالقوه و مروه أن لايدع ما عليه من حقّنا فإني لاأحبّ أن يفسد عندي مثله من أشراف العرب فأتوه حتّي وقفوا عليه عشيّة و هو جالس علي بابه و قالوا له ما يمنعك من لقاء الأمير فإنّه قد ذكرك و قال لو أعلم أنّه شاك لعدته فقال لهم الشكوي تمنعني فقالوا قد بلغه أنّك تجلس كلّ عشيّة علي باب دارك و قد استبطأك و الابطاء و الجفاء لايحتمل السلطان أقسمنا عليك لمّا ركبت معنا فدعا بثيابه فلبسها ثمّ دعا ببغلته فركبها حتّي إذا دنا من القصر كأنّ نفسه أحسّت ببعض الذي كان فقال لحسّان بن أسماء بن خارجة يا ابن الأخ إنّي واللّه لهذا الرّجل لخائف فما تري فقال يا عمّ واللّه ماأتخوّف عليك شيئاً و لم تجعل علي نفسك سبيلاً و لميكن حسّان يعلم في شيء بعث إليه عبيداللّه فجاء هاني حتّي دخل علي عبيداللّه بن زياد و عنده القوم فلمّا طلع قال عبيداللّه أتتك بخائن رجلاه فلمّا دنا من ابن زياد و عنده شريح القاضي التفت نحوه فقال :
[ص 301]أُريد حباءه ( حيائه خل ) و يريد قتلي عذيرك من خليلك من مراد
و قد كان أوّل ما قدم مكرماً له ملطّفاً فقال له هاني و ما ذاك أيّها الأمير قال إيه يا هاني بن عروة ما هذه الأمور التي تربّص في دارك لامير المؤمنين و عامّة المسلمين جئت بمسلم بن عقيل فأدخلته دارك و جمعت له الجموع و السلاح و الرجال في الدّور حولك و ظننت أن ذلك يخفي عليّ قال مافعلت ذلك و ما مسلم عندي قال بلي قد فعلت فلمّا كثر ذلك بينهما و أبي هاني إلا مجاحدته و مناكرته دعا ابن زياد معقلاً ذلك العين فجاء حتي وقف بين يديه و قال أتعرف هذا قال نعم و علم هاني عند ذلك أنه كان عيناً عليهم و أنه قد أتاه باخبارهم فأسقط في يده ساعة ثمّ راجعته نفسه فقال اسمع منّي و صدّق مقالتي فواللّه ماكذبت واللّه مادعوته إلي منزلي و لاعلمت بشيء من أمره حتّي جاءني يسألني النزول فاستحييت من ردّه و داخلني من ذلك ذمام فضيّفته و آويته و قد كان من أمره ما بلغك فإن شئت أن أعطيك الآن موثقاً مغلظاً أن لاأبغيك سوءاً و لا غائلة و ان شئت لآتينّك حتي اضع يدي في يدك و إن شئت أعطيتك رهينة تكون في يدك حتّي آتيك و أنطلق إليه فآمره أن يخرج من داري إلي ( إلي حيث ظ ) شاء من الأرض فأخرج من ذمامه و جواره فقال له ابن زياد واللّه لاتفارقني أبداً حتّي تأتيني به قال لا واللّه لاأجيئك بضيفي تقتله قال واللّه لتأتينّي به قال واللّه لاآتيك به فلمّا كثر الكلام بينهما قام مسلم بن عمرو الباهلي و ليس بالكوفة شاميّ و لا بصريّ غيره فقال أصلح اللّه الأمير خلّني و اياه حتي أكلّمه فقام فخلا به ناحية من ابن زياد و هما منه بحيث يراهما فإذا رفعا أصواتهما سمع ما يقولان فقال له مسلم يا هاني أنشدك [ص 302] اللّه أن تقتل نفسك و أن تدخل البلاء في عشيرتك فواللّه إنّي لأنفس بك عن القتل إنّ هذا ابن عمّ القوم و ليسوا قاتليه و لا ضاربيه فادفعه إليهم فإنه ليس عليك بذلك مخزاة و لا منقصة إنّما تدفعه إلي السلطان فقال هاني واللّه إنّ عليّ في ذلك الخزي و العار أن أدفع جاري و ضيفي و أنا حيّ صحيح أسمع و أري شديد الساعد كثير الأعوان واللّه لو لميكن لي إلا واحدا ليس لي ناصر لمادفعه حتّي أموت دونه فأخذ يناشده و هو يقول واللّه لاأدفعه إليه أبداً فسمع ابن زياد لعنه اللّه ذلك فقال ادنوه منّي فأدنوه منه فقال واللّه لتأتينّي به أو لأضربنّ عنقك فقال هاني إذاً واللّه تكثر البارقة حول دارك فقال ابن زياد وا لهفاه عليك أبالبارقة تخوّفني و هو يظنّ أنّ عشيرته سيمنعونه ثمّ قال ادنوه منّي فأدني منه فاستعرض وجهه بالقضيب فلميزل يضرب به أنفه و جبينه و خده حتّي كسر أنفه و سال الدّماء علي ثيابه و وجهه و لحيته و نثر لحم جبينه و خدّه علي لحيته حتّي كسر القضيب و ضرب هاني يده علي قائم سيف شرطيّ و جاذبه الرّجل و منعه فقال عبيداللّه أحروريّ سائر اليوم قد حلّ دمك جرّوه فجرّوه فألقوه في بيت من بيوت الدار و أغلقوا عليه بابه فقال اجعلوا عليه حرساً ففعل ذلك به فقام إليه حسّان بن أسماء بن خارجة فقال أرسل غدر سائر اليوم أمرتنا أن نجيئك بالرّجل حتّي إذا جئناك به هشمت أنفه و وجهه و سيّلت دماءه علي لحيته و زعمت أنّك تقتله فقال له عبيداللّه و إنّك لهاهنا فأمر به فلهز و تعتع و أجلس ناحية فقال محمد بن الأشعث قد رضينا بما رأي الأمير لنا كان أم علينا إنّما الأمير مؤدّب و بلغ عمرو بن الحجّاج أنّ هانياً قد قتل فأقبل في مذحج حتّي أحاط بالقصر و معه جمع عظيم ( ثم نادي [ص 303] خ ) و قال أنا عمرو بن الحجّاج و هذه فرسان مذحج و وجوهها لمنخلع طاعة و لمنفارق جماعة و قد بلغهم أنّ صاحبهم قد قتل فأعظموا ذلك فقيل لعبيداللّه بن زياد و هذه فرسان مذحج بالباب فقال لشريح القاضي ادخل علي صاحبهم فانظر إليه ثمّ اخرج و أعلمهم أنّه حيّ لميقتل فدخل شريح فنظر إليه فقال هاني لمّا رأي شريحاً يا للّه يا للمسلمين أهلكت عشيرتي أين أهل الدّين أين أهل المصر و الدماء تسيل علي لحيته إذ سمع الضجّة علي باب القصر فقال إنّي لاأظنّها ( لأظنّها ظ ) أصوات مذحج و شيعتي من المسلمين إنّه إن دخل عليّ عشرة نفر أنقذوني فلمّا سمع كلامه شريح خرج إليهم فقال لهم إنّ الأمير لمّا بلغه كلامكم و مقالتكم في صاحبكم أمرني بالدّخول إليه فأتيته فنظرت إليه فأمرني أن ألقاكم و أعرّفكم أنّه حيّ و أنّ الذي بلغكم من قتله باطل فقال له عمرو بن الحجّاج و أصحابه أمّا إذ لميقتل فالحمد للّه ثمّ انصرفوا فخرج عبيداللّه بن زياد فصعد المنبر و معه أشراف الناس و شرطه و حشمه فقال أمّا بعد أيّها الناس فاعتصموا بطاعة اللّه و طاعة أئمّتكم و لاتفرّقوا فتهلكوا و تذلّوا و تقتلوا و تجفوا و تحرموا إنّ أخاك من صدقك و قد أعذر من أنذر و السلام ثمّ ذهب لينزل فمانزل عن المنبر حتّي دخلت النظّارة المسجد من قبل باب التمارين يشتدّون و يقولون قد جاء ابن عقيل فدخل عبيداللّه القصر مُسرعاً و أغلق أبوابه فقال عبداللّه بن حازم أنا واللّه رسول ابن عقيل إلي القصر لأنظر ما فعل هاني فلمّا ضرب و حبس ركبت فرسي فكنت أوّل داخلين الدّار علي مسلم بن عقيل بالخبر و إذا نسوة لمراد مجتمعات ينادين يا عبرتاه يا ثكلاه فدخلت علي مسلم فأخبرته الخبر فأمرني أن أنادي في أصحابه و قد ملأ بهم الدّور و حوله كانوا فيها أربعة آلاف رجل فقال لمناديه ناديا منصور أمت فناديت فتنادوا ( فتنادي [ص 304] خل ) أهل الكوفة و اجتمعوا عليه فعقد مسلم (ره) لرؤس الأرباع كندة و مذحج و تميم و أسد و مضر و همدان و تداعي الناس و اجتمعوا فمالبثنا إلا قليلاً حتّي امتلأ المسجد من الناس و السوق و مازالوا يتوثّبون حتّي المساء فضاق بعبيداللّه أمره و كان أكثر عمله أن يمسك باب القصر و ليس معه إلا ثلاثون رجلاً من الشّرط و عشرون رجلاً من أشراف الناس و أهل بيته و خاصّته و أقبل من نأي عنه من أشراف الناس يأتونه من قبل الباب الذي يلي دار الرّوميّين و جعل من في القصر مع ابن زياد يشرفون عليهم فينظرون إليهم و هم يرمونهم بالحجارة و يشتمونهم و يفترون علي عبيداللّه و علي أُمّه فدعا ابن زياد كثير بن شهاب و أمره أن يخرج فيمن أطاعه من كندة و حضرموت فيرفع راية أمان لمن جاءه من الناس و قال مثل ذلك للقعقاع الذّهلي و شبث بن ربعيّ التميميّ و حجّار بن أبحر السلميّ و شمر بن ذيالجوشن العامريّ و جلس باقي وجوه الناس عنده استيحاشاً إليهم لقلّة عدد من معه من الناس فخرج كثير بن شهاب يخذّل الناس عن مسلم و خرج محمّد بن الأشعث حتّي وقف عند دور بنيعمارة فبعث ابن عقيل إلي محمّد بن الأشعث عبدالرحمن بن شريح الشيبانيّ فلمّا رأي ابن الأشعث كثرة من أتاه تأخّر عن مكانه و جعل محمّد بن الأشعث و كثير بن شهاب و القعقاع بن سور الذهلي و شبث بن ربعي يردّون الناس عن اللحوق بمسلم و يخوّفونهم السلطان حتّي اجتمع إليهم عدد كثيرون من قومهم و غيرهم فصاروا إلي ابن زياد من قبل دار الرّوميّين و دخل القوم معهم فقال كثير بن شهاب أصلح اللّه الأمير معك في القصر ناس كثير من أشراف الناس و من شرطك و أهل بيتك و مواليك فاخرج بنا إليهم فأتي عبيداللّه و عقد لشبث بن ربعي لواء و أخرجه و أقام الناس مع ابن عقيل يكثرون [ص 305] حتّي المساء و أمرهم شديد فبعث عبيداللّه إلي الاشراف فجمعهم ثمّ أشرفوا علي الناس فمنّوا أهل الطاعة الزيادة و الكرامة و خوّفوا اهل المعصية الحرمان و العقوبة و اعلموهم وصول الجند من الشام إليهم و تكلّم كثير بن شهاب حتي كادت الشمس أن تجب فقال أيها الناس الحقوا باهاليكم و لاتعجلوا الشرّ و لاتعرضوا أنفسكم للقتل فإن هذه جنود امير المؤمنين يزيد قد أقبلت و قد أعطي اللّه الأمير عهداً لئن تمّمتم علي حربه و لمتنصرفوا من عشيّتكم أن يحرم ذرّيّتكم العطاء و يفرّق مقاتليكم في مفازي الشام و أن يأخذ البريء منكم بالسقيم و الشاهد بالغائب حتّي لايبقي له بقيّة من أهل المعصية إلا أذاقها وبال ما جنت أيديها و تكلّم الأشراف بنحو من ذلك فلمّا سمع النّاس مقالتهم أخذوا يتفرّقون و كانت المرأة تأتي ابنها أو أخاها فتقول انصرف النّاس يكفونك و يجيء الرّجل إلي ابنه أو أخيه و يقول غداً تأتيك أهل الشام فما تصنع بالحرب و الشرّ انصرف فيذهب به فينصرف فمازالوا يتفرَّقون حتي أمسي ابن عقيل و صلّي المغرب و ما معه إلا ثلاثون نفساً في المسجد فلمّا رأي أنّه قد أمسي و ليس معه إلا أولئك النفر خرج متوجّهاً إلي أبواب كندة فلميبلغ الأبواب إلا و معه منهم عشرة ثم خرج من الباب و إذا ليس معه إنسان يدلّه فالتفت فإذا هو لايحس أحداً يدلّه علي الطريق و لايدلّه علي منزله و لايواسيه بنفسه إن عرض له عدوّ فمضي علي وجهه متلدّداً في أزقّة الكوفة لايدري أين يذهب حتي خرج إلي دور بنيجبلة من كندة فمضي حتّي أتي إلي باب امرأة يقال لها طوعة أمّ ولد كانت للأشعث بن قيس و أعتقها و تزوجها أسيد الحضرميّ فولدت له بلالاً و كان بلال قد خرج مع النّاس و أمّه قائمة تنتظره فسلّم عليها ابن عقيل فردّت عليه السلام فقال لها يا أمة اللّه اسقيني ماء فسقته و جلس و دخلت ثمّ خرجت فقالت يا عبد اللّه [ص 306] ألمتشرب قال بلي قالت فاذهب إلي أهلك فسكت ثمّ قالت في الثالثة سبحان اللّه يا عبد اللّه قم عافاك اللّه إلي أهلك فإنّه لايصلح لك الجلوس علي بابي و لاأحلّه لك فقام و قال يا أمة اللّه ما لي في هذا المصر أهل و لا عشيرة فهل لك في أجر و معروف و لعلّي مكافيك بعد هذا اليوم قالت يا عبد اللّه و ما ذاك قال أنا مسلم بن عقيل كذّبني هؤلاء القوم و غرّوني و أخرجوني قالت أنت مسلم قال نعم قالت ادخل فدخل إلي بيت في دارها غير البيت الذي تكون فيه و فرشت له و عرضت عليه العشاء و لميتعشّ و لميكن باسرع من أن جاء ابنها فرآها تكثر الدخول في البيت و الخروج منه فقال لها واللّه إنّه ليريبني كثرة دخولك إلي هذا البيت و خروجك منه منذ الليلة إنّ لك لشأناً قالت له يا بنيّ اله عن هذا قال واللّه لتخبريني قالت له اقبل علي شأنك و لاتسألني عن شيء فألحّ عليها فقالت يا بنيّ لاتخبرنّ أحداً من الناس بشيء ممّا أخبرك به قال نعم فأخذت عليه الأيمان فحلف لها فأخبرته فاضطجع و سكت و لمّا تفرّق الناس عن مسلم بن عقيل (ره) طال علي ابن زياد و جعل لايسمع لأصحاب ابن عقيل صوتاً كما كان يسمع قبل ذلك فقال لأصحابه أشرفوا فانظروا هل ترون منهم أحداً فأشرفوا فلميجدوا أحداً قال فانظروهم لعلّهم تحت الظلال قد كمنوا لكم فنزعوا تخاتج المسجد و جعلوا يخفضون بشعل النار في أيديهم و ينظرون و كانت أحياناً تضيء لهم و تارة لاتضيء كما يريدون فدلّوا القناديل و أطنان القصب تشدّ بالحبال ثمّ يجعل فيها النيران ثم تدلي حتي ينتهي إلي الأرض ففعلوا ذلك في أقصي الظلال و أدناها و أوسطها حتّي فعل ذلك بالظلّة التي فيها المنبر فلمّا لميروا شيئاً أعلموا ابن زياد بتفرّق القوم ففتح باب السّدّة التي في المسجد ثمّ خرج فصعد المنبر و خرج أصحابه معه و [ص 307] أمرهم فجلسوا قبيل العتمة و أمر عمرو بن نافع فنادي ألا برئت الذمّة من رجل من الشّرط أو العرفاء و المناكب أو المقاتلة صلّي العتمة إلا في المسجد فلميكن إلا ساعة حتي امتلأ المسجد من الناس ثمّ أمر مناديه فأقام الحرس خلفه و أمرهم بحراسته من أن يدخل إليه من يقاتله ( يغتاله خل ) و صلّي بالناس ثمّ صعد المنبر فحمد اللّه و أثني عليه ثمّ قال أمّا بعد فإنّ ابن عقيل السّفيه الجاهل قد أتي ما رأيتم من الخلاف و الشقاق فبرئت ذمّة اللّه من رجل وجدناه في داره و من جاء به فله ديته اتّقوا اللّه عباد اللّه و الزموا الطّاعة و بيعتكم و لاتجعلوا علي أنفسكم سبيلاً يا حصين بن نمير ثكلتك أمّك إن ضاع باب سكّة من سكك الكوفة و خرج هذا الرّجل و لمتأتني به و قد سلّطتك علي دور أهل الكوفة فابعث مراصد علي أهل الكوفة و دورهم و أصبح غداً و استبرء الدّور و جسّ خلالها حتّي تأتيني بهذا الرّجل و كان الحصين بن نمير علي شرطه و هو من بنيتميم ثمّ دخل ابن زياد القصر و قد عقد لعمرو بن حريث راية و أمّره علي الناس فلمّا أصبح جلس مجلسه و أذن للنّاس فدخلوا عليه و أقبل محمّد بن الأشعث فقال مرحباً بمن لايستغش و لايتّهم ثمّ أقعده إلي جنبه و أصبح ابن تلك العجوز فغدا إلي عبدالرّحمن بن محمّد بن الأشعث فأخبره بمكان مسلم بن عقيل من أمّه فأقبل عبدالرّحمن حتّي أتي أباه و هو عند ابن زياد فسارّه فعرف ابن زياد سراره فقال له ابن زياد في جنبه بالقضيب قم فأتني به الساعة فقام و بعث معه قومه لأنّه قد علم أنّ كلّ قوم يكرهون أن يصاب فيهم مثل مسلم بن عقيل فبعث معه عبيداللّه بن عبّاس السّلمي في سبعين رجلاً من قيس حتّي أتوا الدّار التي فيها مسلم بن عقيل (ره) فلمّا سمع وقع حوافر الخيل و أصوات الرّجال [ص 308] علم أنّه قد أتي فخرج إليهم بسيفه و اقتحموا عليه الدار فشدّ عليهم يضربهم بسيفه حتّي أخرجهم من الدار ثمّ عادوا إليه فشدّ عليهم كذلك فاختلف هو و بكر بن حمران الأحمريّ ضربتين فضرب بكر فم مسلم فقطع شفته العليا و أسرع السّيف في السّفلي و فصلت له ثنيّتاه ( ثنياه خل ) و ضرب مسلم في رأسه ضربة منكرة و ثنّاه بأخري علي حبل العاتق كادت تطلع إلي جوفه فلمّا رأوا ذلك أشرفوا عليه من فوق البيت و أخذوا يرمونه بالحجارة و يلهبون النار في أطنان القصب ثمّ يرمونها عليه من فوق البيت فلمّا رأي ذلك خرج عليهم مصلتاً بسيفه في السّكّة فقال محمد بن الأشعث لك الأمان لاتقتل نفسك و هو يقاتلهم و يقول :
أقسمت لاأقتل إلا حرّاً و ان رأيت الموت شيئاً نكرا
و يخلط البارد سخناً مرّاً ردّ شعاع الشّمس فاستقرّا
كلّ (ظ) امرئ يوماً ملاق شرّاً أخاف أن أكذب أو أغرّا
فقال له محمّد بن الأشعث إنّك لاتكذب و لاتغرّ و لاتخدع إنّ القوم بنو عمّك و ليسوا بقاتليك و لا ضائريك و كان قد أثخن بالحجارة و عجز عن القتال فانبهر و استند ظهره إلي جنب تلك الدّار فأعاد ابن الأشعث عليه القول لك الأمان فقال آمن أنا قال نعم فقال للقوم الذين معه لي الأمان قال القوم له نعم إلا عبيداللّه بن العباس السّلمي فإنّه قال لا ناقة لي في هذا و لا جمل ثمّ تنحّي فقال مسلم أمّا لو لمتأمنوني ماوضعت يدي في أيديكم فأتي ببغلة فحمل عليها و اجتمعوا حوله و نزعوا سيفه و كأنّه عند ذلك يئس من نفسه فدمعت عيناه ثمّ قال هذا أوّل الغدر فقال له محمّد بن الأشعث أرجو أن لايكون عليك بأس قال و ما هو إلا الرجاء أين أمانكم إنّا للّه و إنّا إليه راجعون و بكي فقال له عبيداللّه بن العبّاس إنّ من يطلب مثل الذي طلبت إذ [ص 309] ينزل به مثل ما نزل بك لميبك قال واللّه إنّي ما لنفسي بكيت و لا لها من القتل أرثي و إن كنت لماحبّ لها طرفة عين تلفاً و لكنّي أبكي لأهلي المقبلين إنّي أبكي للحسين (ع) و آل الحسين (ع) ثمّ أقبل علي محمّد بن الأشعث فقال يا عبد اللّه إنّي أراك واللّه ستعجز عن أماني فهل عندك تستطيع أن تبعث من عندك رجلاً علي لساني أن يبلّغ حسيناً فإنّي لاأراه إلا و قد خرج اليوم أو خارج غداً و أهل بيته و يقول له إنّ ابن عقيل بعثني إليك و هو أسير في يد القوم لايري أنّه يمسي حتّي يقتل و هو يقول لك ارجع فداك أبي و أمّي بأهل بيتك و لايغررك أهل الكوفة فإنّهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنّي فراقهم بالموت أو القتل إنّ أهل الكوفة قد كذبوك و ليس لمكذوب رأي فقال ابن الأشعث واللّه لأفعلنّ و لأعلمنّ ابن زياد أنّي قد آمنتك و قال محمد بن شهرآشوب أنفذ عبيداللّه عمرو بن حريث المخزوميّ و محمّد بن الأشعث في سبعين رجلاً حتّي أطافوا بالدار فحمل مسلم عليهم و هو يقول :
هو الموت فاصنع ويك ما أنت صانع فأنت بكأس الموت لا شكّ جارع
فصبر لأمر اللّه جلّ جلاله فحكم قضاء اللّه في الخلق ذائع
فقتل منهم أحداً و أربعين رجلاً و قال محمد بن ابيطالب لمّا قتل مسلم منهم جماعة كثيرة و بلغ ذلك ابن زياد فأرسل إلي محمّد بن الأشعث يقول بعثناك إلي رجل واحد لتأتينا به فثلم في أصحابك ثلمة عظيمة فكيف إذا أرسلناك إلي غيره فأرسل ابن الأشعث أيّها الأمير أتظنّ أنّك بعثتني إلي بقّال من بقّالي الكوفة أو إلي جرمقانيّ من جرامقة الحيرة أولمتعلم أيّها الأمير أنّك بعثتني إلي أسد ضرغام و سيف حسام في كفّ بطل همام من آل خير الأنام فأرسل إليه ابن زياد أن أعطه الأمان فإنّك لاتقدر عليه إلا به [ص 310] و روي في بعض كتب المناقب عن عليّ بن أحمد العاصميّ عن إسماعيل بن أحمد البيهقيّ عن والده عن أبي الحسين بن بشران عن ابيعمرو بن السّماك عن حنبل بن إسحاق عن الحميديّ عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال أرسل الحسين عليه السلام مسلم بن عقيل إلي الكوفة و كان مثل الأسد قال عمرو و غيره لقد كان من قوّته أنّه يأخذ الرّجل بيده فيرمي به فوق البيت رجعنا إلي كلام المفيد (ره) قال و أقبل ابن الأشعث بابن عقيل إلي باب القصر و استأذن فأذن له فدخل علي عبيداللّه بن زياد فأخبره خبر ابن عقيل و ضرب بكر إيّاه و ما كان من أمانه له فقال له عبيداللّه و ما أنت و الأمان كأنّا أرسلناك لتؤمنه إنّما أرسلناك لتأتينا به فسكت ابن الأشعث و انتهي بابن عقيل إلي باب القصر و قد اشتدّ به العطش و علي باب القصر ناس جلوس ينتظرون الإذن فيهم عمارة بن عقبة بن ابيمعيط و عمرو بن حريث و مسلم بن عمرو و كثير بن شهاب و إذا قلّة باردة موضوعة علي الباب فقال مسلم اسقوني من هذا الماء فقال له مسلم بن عمرو أتراها ما أبردها لا واللّه لاتذوق منها قطرة أبداً حتّي تذوق الحميم في نار جهنّم فقال له ابن عقيل (ره) ويحك من أنت فقال أنا الذي عرف الحقّ إذ أنكرته و نصح لإمامه إذ غششته و أطاعه إذ خالفته أنا مسلم بن عمرو الباهليّ فقال له ابن عقيل لأمّك الثكل ما أجفاك و أقطعك و أقسي قلبك أنت يا بن باهلة أولي بالحميم و الخلود في نار جهنّم منّي ثمّ جلس فتساند إلي حائط و بعث عمرو بن حريث غلاماً له فأتاه بقلّة عليها منديل و قدح فصبّ فيه ماء فقال له اشرب فأخذ كلّما شرب امتلأ القدح دماً من فمه و لايقدر أن يشرب ففعل ذلك مرّتين فلمّا ذهب في الثالثة ليشرب سقطت ثناياه في القدح فقال [ص 311] الحمد للّه لو كان لي من الرّزق المقسوم لشربته و خرج رسول ابن زياد فأمر بإدخاله إليه فلمّا دخل لميسلّم عليه بالامرة فقال له الحرسيّ ألاتسلّم علي الأمير فقال إن كان يريد قتلي فما سلامي عليه و إن كان لايريد قتلي فليكثرنّ سلامي عليه فقال له ابن زياد لعمري لتقتلنّ قال كذلك قال نعم قال فدعني أوصي إلي بعض قومي قال افعل فنظر مسلم إلي جلساء عبيداللّه بن زياد و فيهم عمر بن سعد بن ابيوقّاص فقال يا عمر إنّ بيني و بينك قرابة و لي إليك حاجة و قد يجب لي عليك نجح حاجتي و هي سرّ فامتنع عمر أن يسمع منه فقال له عبيداللّه بن زياد لم تمتنع أن تنظر في حاجة ابن عمّك فقام معه فجلس حيث ينظر إليهما ابن زياد فقال له إنّ عليّ بالكوفة ديناً استدنته منذ قدمت الكوفة سبعمائة درهم فبع سيفي و درعي فاقضها عنّي و إذا قتلت فاستوهبه ( فاستوهب ظ ) جثّتي من ابن زياد فوارها و ابعث إلي الحسين عليه السلام من يردّه فإني قد كتبت إليه أعلمه أنّ الناس معه و لاأراه إلا (ظ) مقبلاً فقال عمر لابن زياد أتدري أيّها الأمير ما قال لي إنّه ذكر كذا و كذا فقال ابن زياد إنّه لايخونك الأمين و لكن قد يؤتمن الخائن أمّا ماله فهو له و لسنا نمنعك أن تصنع به ما أحبّ و أمّا جثّته فإنّا لانبالي إذا قتلناه ما صنع بها و أمّا حسين فإنّه إن لميردنا لمنرده ثمّ قال ابن زياد إيه ابن عقيل أتيت الناس و هم جمع فشتّتّ بينهم و فرّقت كلمتهم و حملت بعضهم علي بعض قال كلّا لست لذلك أتيت و لكن أهل المصر زعموا أنّ أباك قتل خيارهم و سفك دماءهم و عمل فيهم أعمال كسري و قيصر فأتيناهم لنأمر بالعدل و ندعو إلي الكتاب فقال له ابن زياد و ما أنت و ذاك يا فاسق لم لمتعمل فيهم بذلك إذ أنت [ص 312] بالمدينة تشرب الخمر قال مسلم أنا أشرب الخمر أما واللّه إن اللّه ليعلم أنك تعلم أنك غير صادق و أنّك قد قلت بغير علم و أنّي لست كما ذكرت و أنّك أحقّ بشرب الخمر مني و أولي بها من يلغ في دماء المسلمين ولغاً فيقتل النّفس التي حرّم اللّه قتلها و يسفك الدّم الذي حرّم اللّه علي الغصب و العداوة و سوء الظنّ و هو يلهو و يلعب كأن لميصنع شيئاً فقال له ابن زياد يا فاسق إنّ نفسك منّتك ما حال اللّه دونه و لميرك اللّه له أهلاً فقال مسلم فمن أهله إذا لمنكن أهله فقال ابن زياد امير المؤمنين يزيد فقال مسلم الحمد للّه علي كلّ حال رضينا باللّه حكماً بيننا و بينكم فقال له ابن زياد قتلني اللّه إن لماقتلك قتلة لميقتلها ( لميقتل بها خل ) أحد في الإسلام من الناس فقال له مسلم أما إنّك أحقّ من أحدث في الإسلام ما لميكن و إنّك لاتدع سوء القتلة و قبح المثلة و خبث السيرة و لؤم الغلبة لا أحد أولي بها منك فأقبل ابن زياد يشتمه و يشتم الحسين عليه السلام و عليّاً و عقيلاً و أخذ مسلم لايكلّمه ثمّ قال ابن زياد اصعدوا به فوق القصر فاضربوا عنقه ثمّ أتبعوه جسده فقال مسلم واللّه لو كان بيني و بينك قرابة ماقتلتني فقال ابن زياد أين هذا الذي ضرب ابن عقيل رأسه بالسّيف فدعا بكر ( بكير خل ) بن حمران الأحمريّ فقال له اصعد فليكن أنت الذي تضرب عنقه فصعد به و هو يكبّر و يستغفر اللّه و يصلّي علي رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و يقول اللّهمّ احكم بيننا و بين قوم غرّونا و كذبونا و خذلونا و أشرفوا به علي موضع الحذّائين اليوم فضرب عنقه و أتبع رأسه جثّته و قال السيّد و لمّا قتل مسلم منهم جماعة نادي إليه محمّد بن الأشعث يا مسلم لك الأمان فقال مسلم و أيّ أمان [ص 313] للغدرة الفجرة ثمّ أقبل يقاتلهم و يرتجز بأبيات حمران بن مالك الخثعميّ يوم القرن : أقسمت لاأقتل إلا حرّاً ، إلي آخر الأبيات ، فنادي إليه إنّك لاتكذب و لاتغرّ فلميلتفت إلي ذلك و تكاثروا عليه بعد أن أثخن بالجراح فطعنه رجل من خلفه فخرّ إلي الأرض فأخذ أسيراً فلمّا أدخل علي عبيداللّه لميسلّم عليه فقال له الحرسيّ سلّم علي الأمير فقال له اسكت يا ويحك واللّه ما هو لي بأمير فقال ابن زياد لا عليك سلّمت أم لمتسلم فإنك مقتول فقال له مسلم إن قتلتني فلقد قتل من هو شرّ منك من هو خير منّي ثمّ قال ابن زياد يا عاقّ و يا شاقّ خرجت علي إمامك و شققت عصا المسلمين و ألقحت الفتنة فقال مسلم كذبت يا ابن زياد إنّما شقّ عصا المسلمين معاوية و ابنه يزيد و أمّا الفتنة فإنّما ألقحها أنت و أبوك زياد بن عبيد عبد بني علاج من ثقيف و أنا أرجو أن يرزقني اللّه الشّهادة علي يدي شرّ بريّته ثمّ قال السيد بعد ما ذكر ما مرّ فضرب عنقه و نزل مذعوراً فقال له ابن زياد ما شأنك فقال أيّها الأمير رأيت ساعة قتلته رجلاً أسود سيّء الوجه حداني عاضّاً علي إصبعه أو قال شفتيه ففزعت فزعاً لمافزعه قطّ فقال ابن زياد لعلّك دهشت و قال المسعودي دعا ابن زياد بكير بن حمران الذي قتل مسلماً فقال أقتلته قال نعم قال فما كان يقول و أنتم تصعدون به لتقتلوه قال كان يكبّر و يسبّح و يهلّل و يستغفر اللّه فلما أدنيناه لنضرب عنقه قال اللّهمّ احكم بيننا و بين قوم غرّونا و كذبونا ثمّ خذلونا و قتلونا فقلت له الحمد للّه الذي أفادني ( أقادني خل ) منك و ضربته ضربة لمتعمل شيئاً فقال لي أومايكفيك في خدش منّي وفاء بدمك أيّها العبد قال ابن زياد و فخراً عند الموت قال و ضربته الثانية فقتلته [ص 314] و قال المفيد فقام محمّد بن الأشعث إلي عبيداللّه بن زياد فكلّمه في هاني بن عروة فقال إنّك قد عرفت موضع هاني من المصر و بيته في العشيرة و قد علم قومه أنّي و صاحبي سقناه إليك و أنشدك اللّه لمّا وهبته لي فإنّي أكره عداوة المصر و أهله فوعده أن يفعل ثمّ بدا له فأمر بهاني في الحال فقال أخرجوه إلي السّوق فاضربوا عنقه فأخرج هاني حتّي أتي إلي مكان من السّوق كان يباع فيه الغنم و هو مكتوف فجعل يقول وا مذحجاه و لا مذحج لي اليوم يا مذحجاه يا مذحجاه أين مذحج فلمّا رأي أنّ أحداً لاينصره جذب يده فنزعها من الكتاف ثمّ قال أما من عصا أو سكّين أو حجارة أو عظم يحاجز به رجل عن نفسه و وثبوا إليه فشدّوه وثاقاً ثمّ قيل له امدد عنقك فقال ما أنا بها سخيّ و ما أنا بمعينكم علي نفسي فضربه مولي لعبيداللّه بن زياد تركيّ يقال له رشيد بالسيّف فلميصنع شيئاً فقال له هاني إلي اللّه المعاد اللّهمّ إلي رحمتك و رضوانك ثمّ ضربه أخري فقتله و في مسلم بن عقيل و هاني بن عروة رحمهما اللّه يقول عبداللّه بن الزّبير الأسدي :