اصبحت جمّ بلابل الصّدر و ابيت منطويا علي الجمر

ان بحت يوماً حلّ فيه دمي و لئن سكت يضق به صدري

قل لي ما يحلّ (ظ) دمك و يضيق صدرك فقال لي الامان قال قل لك الامان فقال :

ممّا جناه علي ابي‌حسن عُمَرٌ و صاحبه ابوبكر

جعلوك رابعهم اباحسن منعوك حق الارثِ و الصِّهر

و الي الخلافة سابقوك و ما سبقوك في اُحْدٍ و لا بدر

و قتلت في بدر مشايخهم فلاجل ذا طلبوك بالوتر

فعلي الّذي يرضي بفعلهم اضعاف ما حملوا من الوزر

فقال المتوكّل قاتلك اللّه يا كركدان تشتمني في وجهي فقال حاشا للّه بل لااقول الّا الحق و شيمتك العدل و الانصاف فقال يجوز في مذهبك و اعتقادك انّ يزيد بن معوية كان كافرا قال نعم و رأسك العزيز قال فيم ذا قال قتل الحسين عليه السّلام و حمل اليه سبايا الحسين و الرّأس معهم حطّ الرّأس في طشت من الذهب قدامه و بقي ينظر الي الاوصاف الهاشمية و البهجة الفاطميّة و يقرع ثناياه بقضيب كان عنده فنعق غراب من اعلي حيطان داره فاستوحش من كان في مجلسه من بني‌اميّة فانشد يقول :

يا غراب البين ما شئت فقل انما تندب امرا قد فعل

ليت اشياخي ببدر شهدوا وقعة الخزرج مع وقع الاسل

لأهلّوا و استهلّوا فرحا ثم قالوا يا يزيد لاتشل

قد قتلنا القوم ( القرم ظ ) من ساداتهم فعدلناه ببدرٍ فاعتدل [ص 260] 

لست من خِنْدِفَ اِن لم‌انتقم من بني‌احمد ما كان فعل

لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء و لا وحي نزل

قال هذا شعر يزيد قال نعم و رأسك العزيز فقال قاتله اللّه ما كان اجرأه علي الكفر لكن يا حسن من اين اخذ هذا و الي من استند و علي رأي من اعتمد قال علي رأي مُعاوية قال يجوز في مذهبك و اعتقادك ان معاوية كاتب الوحي كان كافرا قال نعم قال بماذا قال لانّه لمّا مرض مرض الموت عادته زوجته فقالت و حقك لاانكح بعدك بعلاً فقال شعرا :

اذا مت يا ام الحميرة فانكحي فليس لنا بعد الممات تلاقيا

فان كنت قد اخبرت عن مبعث لنا اساطير لهو تجعل القلب ساهيا

فقال المتوكل هذا شعر مُعاوية قال نعم و رأسك العزيز فقال يا حسن من اين اخذ هذا و الي من استند و علي رأي من اعتمد قال علي رأي ابن الحبشية صهاك قال ايجوز في مذهبك و اعتقادك انه كان كافرا قال نعم قال بماذا قال لانه دخل عليه يوم في رمضان و هو محموم فقال لزوجته اِنبذي لنا تمرا و ماۤءا لِنشرب منه فقالت اماتستحيي من اللّه تشرب النبيذ في شهر رمضان فانشد يقول :

اَءُوعَدُ في المعاد بشرب خمر و انهي الآن عن ماۤء و تمر

ابَعْثٌ ثم حشر ثم نشر حديث خرافةٍ يا امَّ‌عمروِ

قال المتوكل هذا شعره قال نعم و رأسك العزيز قال قاتله اللّه ما اجرأه علي الكفر لكن يا حسن من اين اخذ هذا و علي رأي من اعتمد فقال اعتمد علي رأي الاوّل فقال المتوكل مابقي بعد عبّادان قرية لكن يا حسن يجوز في مذهبك و اعتقادك ان الاوّل كان كافرا قال نعم قال بماذا قال نادي زوجته في شهر رمضان فانشأ يقول :

[ص 261]

دعينا نصطبح يا ام‌بكر فان الموت نقّبَ عن هشام

و نقّب عن ابيك و كان قرما شديد البأس شِرّيبَ المدام

يخبرنا ابن‌كبشة ان سنحيٰي و كيف حيوةُ اشلاۤءٍ و هامِ

و لكن باطل قد قال هذا و افك من زخاريف الكلام

و لايكفيه جمع المال حتي امرنا بالصلوة و بالصيام

و يعجز ان يكف الموت عني و يحييني اذا بليت عظامي

فقل للّه يمنعني شرابي و قل للّه يمنعني طعامي

الا هل مخبر الرحمن عني باني تارك شهر الصّيام

و تارك كلما يوحي اللّه ( اليه ظ ) حديث من اساطير الكلام

و لكن الحكيم رأي حميرا فألجمها فتاهت في اللجام

فقال المتوكل ويلك يا كركدان لقد رفعت ... ( الخباع ظ ) و ازلت الخداع لكن يا حسن اريد منك ان تخبرني ممن يكون يستحق ان يكون اميرالمؤمنين و يسمي خليفة رب العالمين و قال في نفسه ان قال عني سلم و ان عني غيري قتلته فقال يا امير المؤمنين لايستحق ذلك الامر الا من لمس العرق الناس ( اليابس ظ ) فأورقه و مسك ... ( الحمل ظ ) و العنكبوت فسحقه و قبض خالد ابن الوليد فطوّقه و تفضل علي ابن ابي‌سفيان فاعتقه و ملك نعيم الدنيا فطلقه و هزم جيش المشركين و مزقه زين الدين و قرة العين و المصلي الي القبلتين الضارب بالسيفين و الطاعن بالرّمحين فارس احد و بدر و حنين امام الحرمين ابو الحسن و الحسين صفر اليد من البيضاء و اللجين المنزه من كل شين عالي النسبتين و امام الثقلين ليث بني‌غالب مظهر العجائب مفرق الكتائب اعني به علي ابن ابيطالب قال فلما سمع المتوكّل ذلك قال و انه ... ( لقد ظ ) كان ابن عمي افضل مما قلت ثم انه ملأ فم الحسن الكركدان من اللؤلؤ و الجوهر و رده الي [ص 262] عياله معافا اقول و اخبار كفر خلفاء الجور و امثالهم من المنافقين من مبدأ امر النبي الي موتهم و كفر يزيد و معوية و تواطئهم علي ابادة اهل البيت و تخريب الدين كثيرة بحيث ان اراد احد ان يكتب فيها كتابا مستقلا يكون كتابا حجيما (ظ) كبيرا و ليس مقصودي في هذا الكتاب ذكرها و ذكرت هذه القصة لمناسبة الباب محض تمامية عنوان الباب لما ذكرت في اوله صحيفة عمر الي معوية في انا علي حالنا (كذا) في الجاهلية فان تريد اخبار كفرهم من اول الامر فراجع كتب الاصحاب .

باب جمل مختصرة من الوقايع الحادثة بعد معوية بل عند ما صالح الحسن عليه السلام معوية الي وفات معوية الي ورود الحسين عليه السلام مكة

من جوامع اخبار اهل السير مقتل ابي‌مخنف حدثنا ابوالمنذر هشام عن محمد بن سايب الكلبي قال حدثنا عبدالرحمن بن جندب الازدي عن ابيه قال دخلت انا و سليمان بن صرد الخزاعي و المسيب بن نجبة و سعيد بن عبداللّه الحنفي علي الحسن بن علي بن ابيطالب صلي اللّه عليهما و سلمنا عليه فرد علينا السلام و ذلك حين صالح معوية بن ابي‌سفيان لعنة اللّه عليهما و هو يومئذ بالكوفة فتقدم سليمان الي الامام عليه السلام و قال يا ابن بنت رسول اللّه انا متعجبين من بيعتك لمعاوية و معك أربعون‌الف مقاتل من اهل الكو فة كلهم يأخذون العطايا و مثلهم من ابنائهم سوي انصارك من اهل البصرة و اهل الحجاز و لم‌تأخذ لنفسك ثقة في العهد و لا حظاً في العطية فلو كنت انا لمافعلت ذلك و كنت كتبت كتاباً عليه و اشهدت شهوداً من اهل المشرق و المغرب بأن هذا الأمر لك من بعده و لكنك رضيت بذلك اعطاك القليل و اخذ الكثير قال الامام عليه السلام ماكنت بالذي اشرط شرطاً فأنقضه و لاأعاهد عهداً فارجع فيه ( عنه [ص 263] خ‌ل ) مذموماً و اما اذا جمع اللّه كلمتنا و اعطانا امنيتنا فماأنفذ امرا الا و انتم شيعتنا و انصارنا و اهل مودتنا و من يعرف بالنصيحة لنا و الاشفاق علينا و الاستقامة و الصحة و لو كنت ممن يعمل الأمر للدنيا و طلب (خ) سلطانها ماكان معاوية اشد مني بأساً و لا أصعب مني مراساً و لكن رأيت ما لم‌ترون و اشهد اللّه اني لم‌ارد بذلك الا حقن دمائكم و اصلاح شانكم فارضوا بقضاء اللّه و سلموا اليه الأمر و الزموا بيوتكم و لعمري انكم انصارنا و شيعتنا و محبونا و لقد سمعت ابي اميرالمؤمنين عليه السلام يقول قال رسول اللّه (ص) من احب قوماً بعثه اللّه معهم يوم القيامة و انتم معنا و في زمرتنا لاتفارقونا و لانفارقكم قال فخرجنا من عنده و دخلنا علي اخيه الحسين عليه السلام و هو يأمر غلمانه بالخروج الي المدينة ثم جاءنا و جلس معنا و سلم علينا فرددنا عليه السلام فرأي في وجوهنا الكآبة و الحزن فسبقنا بالكلام فقال الحمد للّه كما هو اهله ان امر اللّه كان مفعولا ان امر اللّه كان قدرا مقدوراً انه كان امرا مقضياً واللّه لو اجتمعت الانس و الجن علي الذي كان ان لايكون ( ان لايكون الذي كان خ‌ل ) لمااستطاعوا واللّه لقد كنت طيب النفس بالموت حتي عزم علي اخي الحسن عليه السلام و ناشدني اللّه ان لاأنفذ أمراً و لاأحَرك ساكناً فأطعته و كأنما يجدع جادع انفي بالسكاكين او يشرح لحمي بالمناشير فأطعته كرهاً و قد قال اللّه تعالي و عسي ان تكرهوا شيئا و هو خير لكم و عسي ان تحبوا شيئا و هو شر لكم و اللّه يعلم و انتم لاتعلمون الآن كان صلحاً و كانت بيعة ( و الآن فقد كان صلحا ميشوما و بيعة كنت لها كارها فان هلك [ص 264] خ‌ل ) و لتنظروا ما دام هذا الرجل حيا فاذا مات نظرنا و نظرتم فقلنا واللّه يا اباعبداللّه سلام اللّه عليه مانحزن لانفسنا و لكن مانحزن الا لكم ان تضاموا في حقكم و نحن انصاركم و محبوكم فمتي دعوتمونا اجبناكم و متي امرتمونا اطعناكم ثم سار الحسن و الحسين سلام اللّه عليهما فخرجنا معهما مودعين لهما و مشيعين فلما جاوزنا دار الهند نظر الحسين عليه السلام الي الكوفة و تنفس الصعداء و تمثل بهذه الأبيات :

و لا عن قلي فارقت دار معاشري هم منعوا عن ذمتي و ذماري

و لكن قضا الرحمن في الخلق واقع و ما هذه الدنيا بدار قرار

قال و كان اول من لاقي الحسين عليه السلام و ندبه الي القتال حجر بن عدي رحمه اللّه و ذلك انه حضر عند الحسين عليه السلام ذات يوم و انشأ :

اتاني رسول القوم من آل مسكن يقول امام الحق اضحي مسالما

فراجعت نفسي ثم قلت لها اصبري فان امامي كان باللّه عالما

فبلغه عني انني كنت ناصرا له و علي اعدائه كنت ناقما

اطاعنهم و الرمح في وهج الوغي و اعلو بسيفي هامهم و الجماجما

و نحن لمن سالمت سلم و من يكن عدوك نورده الغداة المراغما

قال حجر واللّه رأيت الأمام عليه السلام قد اشرق نوره ( وجهه قد اشرق بالنور خ‌ل ) ثم قال ان الناس ليس مثلك و لايحبون ما تحب ( و لايتمنون ما تتمني خ‌ل ) قال و خرج حجر من عند الحسين عليه السلام فاجتمع نفر من اهل الكوفة و وجوه الشيعة و كتبوا الي الحسين عليه السلام يعزونه علي مصابه بأخيه فذلك انهم اجتمعوا في دار سليمان بن صرد الخزاعي رحمه اللّه و كتبوا اليه كتابا اوله بسم اللّه الرحمن الرحيم الي الحسين بن علي بن ابي‌طالب سلام اللّه عليهما من شيعته و شيعة ابيه عليه السلام اما بعد فانا [ص 265] نحمد اللّه الذي لا اله الا هو و نسأله ان يصلي علي محمد و آل‌محمد و قد بلغنا وفاة اخيك الحسن صلي اللّه عليه فرحمة اللّه عليه يوم ولد و يوم يموت و يوم يبعث حيا و غفر اللّه له و ضاعف حسناته و عظم اللّه له الأجر و الحقه بدرجة جده و ابيه صلي اللّه عليه و آله و ضاعف لك الأجر بالمصاب و جبر مصيبتك من بعده فعند اللّه نحتسبه فانا للّه و انا اليه راجعون مما أصيبت هذه الأمة عاماً و ما رزيت به انت خاصة و لقد رزئت بالرزء العظيم و اصبت بالمصاب الجليل فاصبر يا اباعبداللّه علي ما أصابك ان ذلك لمن عزم الأمور و انك و الحمد للّه خلف لمن كان قبلك و اللّه تعالي يعطي رشده لمن سلك سبيلك و يهتدي بهدايتك و نحن شيعتك المصاب بمصيبتك المحزون بحزنك المسرور بسرورك المنتظرون لأمرك شرح اللّه صدرك و اعلا شأنك و رفع قدرك و رد عليك حقك و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته ثم صار الناس يقولون ان هلك معاوية لعنه اللّه لم‌يعدلوا بالحسين شيئاً و صاروا يختلفون اليه و لم‌ينقطعوا عنه فبلغ ذلك معاوية لعنه اللّه فكتب اليه كتاباً يقول فيه بسم اللّه الرحمن الرحيم من معوية بن ابي‌سفيان اما بعد فقد بلغني عنك امورا و اسبابا قد انتهت الي و اظنها باطلة و لعمري انه ان كان ما بلغني عنك كما ظننت فأنت بذلك اسعد و بعهد اللّه اوفي فلاتحملني علي ان اقطعك فانك متي تكيدني اكيدك و متي تكرمني اكرمك و لاتشق عصي هذه الأمة فقد خبرتهم و بلوتهم فانظر لنفسك و لدينك و لايستخفنك السفهاء الذين لايعلمون و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته ، قال و كتب اليه الحسين عليه السلام كتاباً يقول فيه بسم اللّه الرحمن الرحيم اما بعد فقد بلغني كتابك و فهمت ما ذكرت و معاذ اللّه ان انقض عهدا عهد اليك اخي الحسن [ص 266] و اما ما ذكرت من الكلام فانما اوصله اليك الوشاة الملقون بالنمائم المفرقون بين الجماعات فانهم واللّه يكذبون فلما وصل الكتاب الي معاوية لعنه اللّه أمسك عنه و لم‌يجبه و اوصله و لم‌يقطع صلته و كان يبعث اليه في كل سنة الف الف دينار سوي العروض و الهدايا من كل صنف روي الكلبي في حديث ان معاوية لما حضرته الوفاة مرض مرضاً شديداً وكان يزيد لعنه اللّه غائباً عنه و ذكر انه كان والياً علي حمص دعا بدواة و بياض وكتب اليه كتاباً يقول فيه بسم اللّه الرحمن الرحيم اما بعد فان اللّه تعالي خلق كل شيء لميقات يوم معلوم و اجل محتوم و لو خلد في هذه الدنيا احد لكان سيد الاولين و الآخرين محمد بن عبداللّه أولي بالبقاء يا بني اوصيك وصية فانت بخير ما دمت علي حفظها اوصيك باهل الشام فانهم منك و انت منهم فمن قدم عليك منهم فاكرمه و من غاب فاطلع (ظ) علي خبره فاذا دهمك عدو فسر بهم فإذا ظفرت فردهم الي بلدهم فاذا اقاموا في غير أوطانهم تخلقوا بغير اخلاقهم و من قدم عليك من الحجاز فاستوص بهم خيرا فانظر يا بني الي اهل العراق في امورهم فان سألوك ان تعزل عنهم في كل يوم عاملاً فافعل فان ذلك اهون من شق العصا علي السلطان و اعلم يا بني اني وطأت لك البلاد و ذللت لك العباد و لست اخشي عليك الا من اربعة نفر فانهم لايبايعونك و ينازعونك في هذا الامر اولهم عبدالرحمن بن ابي‌بكر فانه صاحب دنيا فمده بدنياه و دعه و ما يريد فانه يصير لا لك و لا عليك و الثاني عبداللّه بن عمر فانه صاحب قرآن و محراب و قد تخلي عن الدنيا و رغب في الآخرة و لااظن ينازعك في هذا الأمر و لايريده و الثالث عبداللّه بن زبير سيراوغك مراوغة الثعلب و يجثوا لك جثوة الأسد فان حاربك فحاربه و ان سالمك فسالمه و ان اشار [ص 267] (ظ) عليك فاقبل منه مشورته و الرابع الحسين بن علي بن ابي‌طالب فان الناس يدعونه حتي يخرج اليك فان ظفرت به فاحفظ قرابته من رسول اللّه (ص) و اعلم يا بني ان اباه خير من ابيك و امه خير من امك و جده خير من جدك و للمرء ما بقلبه و هذه وصيتي اليك و السلام و طوي الكتاب و سلّمه الضحاك بن قيس الفهري و امره ان يسلمه الي ولده لعنهما اللّه تعالي ثم انه لم‌يلبث حتي قضي نحبه و دخل في اسفل درك من الجحيم فحركوه فاذا هو ميت لعنه اللّه فذلك في ليلة النصف من رجب سنة ستين من الهجرة و ضجت دمشق لموته لعنه اللّه و خرج الضحاك بن قيس و كان صاحب جيشه بدمشق و معه اكفانه فصعد المنبر خطيباً فحمد اللّه و اثني عليه و ذكر النبي (ص) و صلي عليه ثم قال ايها الناس ان معاوية كان عبد اللّه فنصره علي عدوه و فتح به بلاده و قد دعاه اليه فأجابه فمات و هذه اكفانه و ها انا نحن مدرجوه فيها و مدخلوه قبره ثم ننصرف عنه و نخليه بينه و بين ربه فمن احب ان يشاهده فليحضر وقت الظهر ثم ارسل رسولا الي يزيد لعنه اللّه يخبره بموت ابيه الملعون و كان يزيد لعنه اللّه لاينام الليل و لايقر النهار من وجله علي ابيه و كان علي سطح داره اذ سمع النجيب (كذا) فوثب قائما و قال للرسول يا ويلك مات معوية قال اجل فأنشأ يزيد لعنه اللّه عند ذلك يقول :

[ص 268]

جاء البريد بقرطاس يحث به فاوجس القلب من قرطاسه فزعا

قلنا لك الويل ماذا في صحائفكم قال الخليفة اضحي مدنفا وجعا

فمادت الأرض او كادت تميد بنا حتي كأان قوي اركانها فلعا

قال و دخل يزيد (عة) داره و لم‌يخرج الي الناس الا بعد ثلاثة ايام فلما كان اليوم الرابع خرج اشعث أغبر فجلس فلم‌يدرون يعزونه او يهنؤنه فتقدم اليه عبداللّه بن همام السلوي و قال آجرك اللّه يا أمير علي الرزية و بارك لك في العطية و اعانك علي الرعية فلقد رزيت عظيما كثيرا و ملكا جسيما فاشكر اللّه علي عطيته و اصبر علي عظيم رزيته ثم انشأ بهذه الابيات :

اصبر يزيد لقد لاقيت معضلة و اشكر ايادي الذي للملك اعطاكا

لا رزء اعظم و الأقوام قد علموا بمارزيت و لا عقبي كعقباكا

اصبحت والي جميع الناس كلهم فانت ترعاهم واللّه يرعاكا

و في معاوية الماضي لنا خلف اذا بقيت و لانسمع بمنعاكا

قال ثم دخل عليه الضحاك بن قيس و قال السلام عليك يا خليفة المسلمين اصبحت خليفة و رزيت خليفة هنيت بالعطية و آجرك اللّه علي الرزية ثم دفع الوصية و كان قد ختمها ففضها و قرأها فلما اتي الي آخرها بكي حتي غشي عليه فلما افاق خرج و الناس من حوله حتي دخل المسجد فرقا المنبر و هو اول قام مقام ابيه ( و هو اول مقام قام بعد ابيه ظ ) لعنهما اللّه فحمد اللّه و اثني عليه و ذكر النبي (ص) فصلي عليه ثم قال ايها الناس ان معاوية كان عبد اللّه فاستخلفه في الارض فعاش بعمل و مات باجل و لقد كان محمود الحياة مفقود الوفاة و الآن قد صار الي ربه فانه يعذبه فبذنبه و ان يغفر له فهو ارحم الراحمين و قد وليت هذا الأمر من بعده و قد اوصاني بالاحسان اليكم و التجاوز عن مسيئكم و لست واللّه معتذراً اليكم ثم [ص 269] نزل عن المنبر و كتب لعنه اللّه الي الوليد بن عتبة بن ابي‌سفيان لعنهم اللّه كتاباً يقول فيه و ينعي له معاوية و كان والياً علي المدينة يأمره ان يأخذ له البيعة عليهم و ولي سعيد بن العاص مكة و كتب اليه بأخذ البيعة و كتب سائر الأمصار ان يبايعوه ثم كتب لعنه اللّه الي الوليد بن عتبة كتاباً أوله أما بعد يا ابامحمد اذا قرأت كتابي هذا خذ لي البيعة عليهم من قبلك عامة و علي هؤلاء الأربعة النفر خاصة اولهم عبدالرحمن بن ابي‌بكر و الثاني عبداللّه بن عمر و الثالث عبداللّه بن زبير و الرابع حسين بن علي و انفذ كتابي اليهم فمن لم‌يبايعك فانفذ الي برأسه مع جواب كتابي هذا و السلام قال و انفذ الكتاب مع رجل من اصحابه الي الوليد بن عتبة و كان قدومه الي المدينة لعشرة ايام قد خلون من ذي‌الحجة قال فلما قرأ الكتاب بعث الي مروان الحكم فدعا اليه و كان قد عزله من الامارة فانه كان واليا قبل ابيه علي المدينة فعزله عنها فلما ادخل علي الوليد قربه و ادناه و قرأ عليه الكتاب فقال مروان الرأي عندي ان ترسل الي هؤلاء الاربعة و تدعوهم الي البيعة و الدخول في الطاعة فان فعلوا اقبل منهم و ان ابوا فاضرب اعناقهم فانهم متي علموا بموت هذا الرجل طلب كل واحد منهم الرياسة لنفسه قال ابومخنف رحمه اللّه فأنفذ في طلبهم فقيل للرسول انهم مجتمعون عند قبر رسول اللّه (ص) فاقبل عليهم الرسول في وقت لم‌يكن الوليد يجلس فيه فقال لهم اجيبوا الوليد فانه يدعوكم فقالوا انصرف فنحن نأتي فلما انصرف اقبل عبداللّه بن زبير علي الحسين عليه السلام و قال يا ابن بنت رسول اللّه اتدري ما يريد منا الوليد قال نعم ان معاوية (عة) قد مات و قد ولّي ولده الأمر و قد وجه الوليد في طلبكم ليأخذ البيعة ليزيد فما انتم قائلون قال عبداللّه بن ابي‌بكر اما انا فادخل داري [ص 270] و اغلق بابي و لاابايعه و قال عبداللّه بن عمر اما انا فعلي بقراءة القرآن و لزوم المحراب و النظر في العلم و قال عبداللّه بن زبير اما انا فلاابايع يزيد و لاآثم نفسي و قال الامام الحسين بن علي بن ابيطالب اميرالمؤمنين عليهما السلام اما انا فاجمع فتياني و اتركهم بفناء الدار و ادخل علي الوليد فأناظره و يناظرني و اطلب حقي فقال له عبداللّه بن الزبير اني لست آمنه عليك قال اني لاآتيه الا و انا قادر علي الامتناع منه ان شاء اللّه تعالي ثم ان الحسين عليه السلام نهض الي منزله فارسل الي بنيه و اهل بيته و مواليه فاقبلوا اليه فخرج بهم حتي أتي دار الوليد بن عتبة فقال لهم اني داخل علي هذا الرجل فان سمعتموا صوتي قد علا فاهجموا و الا لاتبرحوا حتي اخرج اليكم ثم دخل صلي اللّه عليه علي الوليد فسلم عليه باسم الامارة فرد عليه السلام و مروان بن الحكم جالس الي جنبه فقال الحسين صلوات اللّه عليه اصلح اللّه تعالي حالكما فلم‌يجاوبوه بشيء فلما استقر به الجلوس أقرئه كتاب يزيد لعنه اللّه و نعي اليه بموت معاوية الملعون و دعاه الي بيعة يزيد فقال الحسين عليه السلام انا للّه و انا اليه راجعون عظم اللّه لنا و لكم الاجر انها لمصيبة عظيمة و لنا فيها شغل عن البيعة فقال الوليد لا بد من ذلك يا اباعبداللّه فقال الحسين عليه السلام ان مثلي لايبايع سرا و لااظنكم ترضون عني في السر بلي ( لكن خ‌ل ) اذا خرجت ايها الامير الي الناس و دعوتهم الي البيعة كنت اول مبايع او كان الامر واحدا قال ابومخنف و كان الوليد رجل يحب ( يجتنب خ‌ل ) العواقب في الامور فقال له انصرف يا اباعبداللّه و ائتنا غدا مع الناس فقال مروان بن الحكم لعنه اللّه ان فاتك الثعلب لم‌تر الا غباره فاحذر ان يخرج حتي يقف يبايع او تضرب عنقه فلما سمع الحسين صلوات [ص 271] اللّه عليه كلامه وثب قائما علي قدميه و قال يا بن الزرقاء انت تقتلني كذبت يا بن اللخناء و بيت اللّه لقد اهجت ( هيجت خ‌ل ) عليك و علي صاحبك مني حرباً طويلا ثم قام من عندهما و اهله قياما معه و انطلق الي منزله فقال مروان (عة) للوليد عصيتني و خالفت امري واللّه لاقدرت علي مثلها ابداً قال له الوليد ويحك انت اخترت لي ما فيه هلاكي و هلاك ذريتي واللّه مااحب ان يكون لي ملك الدنيا و انا مطالب بدم الحسين عليه السلام يوم القيمة فقال له مروان لعنه اللّه اذا كان هذا رأيك فقد احسنت و نعم الأمير انت و لكن مثلك ان يكون ينبغي سائحاً في البراري و الجبال و لايلي امور الخلائق و الخلفاء و السلاطين و قام مروان لعنه اللّه مغضباً علي الوليد لمخالفته اياه ثم ان الوليد بعث الي عبداللّه بن الزبير فوجده متحرزاً عنه في اصحابه فلج عليه و علي الحسين (ع) في الرسل فاما الحسين (ع) فأرسل اليه يقول له اياك و العجلة حتي ننظر و تنظرون و اما عبداللّه بن الزبير فارسل اليه يقول لاتعجل فان امهلتني اتيتك و ان اعجلتني عصيتك فأبي الا لجاجاً عليه و علي الحسين صلوات اللّه عليه فانفذ الي عبداللّه بن الزبير فصاحوا به لتأتين الأمير و الا قتلناك فقال لهم ما تريدون مني يا ويلكم اذهبوا فاني آتيه فانصرفوا عنه فلبث نهاره حتي جن عليه الليل و خرج هو و اخوه جعفر و اخذوا الطريق الأقرع خيفة من الطلب فلما اصبح الوليد ارسل في طلبهما فلم‌ير لهما اثر فقال واللّه مااخطيا مكة فارسل في طلبهما قوم من بني‌أمية فسلكوا الجادة فلم‌يروا لهما اثرا فكروا راجعين قال و تشاغلوا عن طلب الحسين عليه السلام في طلب عبداللّه بن الزبير يومهم الي ان ادركهم المساء فارسل الوليد في طلب الحسين (ع) رسلا في آخر الليل و قال لاترجعوا الا به فساروا مستعدين للقتال و الهجوم عليه [ص 272] فاذا هو قد خرج من الليل سايرا يريد مكة و معه بنيه و مواليه و بنوا اخيه و جميع اهل بيته الا محمد بن الحنفية رضي اللّه عنه فانه قال يا اخي انت اعز الناس علي و احبهم و اكرمهم لدي و لست انصح احدا احب الي منك و لا احق بالنصيحة فبحقي عليك الا ما ابعدت شخصك عن يزيد و اياك و التعرض له دون أن تبعث رسلك و دعاتك في الامصار تدعو الناس الي بيعتك فان فعل الناس ذلك حمدت اللّه و ان اجتمعوا الي غيرك فلم‌ينقص اللّه بذلك فضلك و اني خائف عليك ان تأتي مصراً من هذه الأمصار في جماعة من الناس فيختلفون عليك فتكون بينهم صريعاً فيذهب دمك هدراً و تنتهك حرمتك فقال عليه السلام يا اخي فاني اجتهد انزل مكة فان اطمأنت بي الدار اقمت بها و ان كانت الاخري لحقت بالرمال و سكنت في الجبال و خرجت من جبل الي جبل و انظر ما يكون من الناس و استقبل الأمور و لااستدبرها ثم قال لأخيه محمد بن الحنفية احسن اللّه جزاك يا اخي لقد نصحت و احسنت و ذكر عمار في حديثه ان الحسين (ع) لما خرج من المدينة اتي قبر رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله فالتزمه و بكي بكاء شديداً و سلم عليه و قال بأبي انت و امي يا رسول اللّه لقد خرجت من جوارك كرهاً و فرق بيني و بينك و اخذت بالعنف قهراً ان ابايع يزيد بن معوية (عة) شارب الخمور و راكب الفجور و ان فعلت كفرت و ان ابيت قتلت فها أنا خارج من جوارك علي الكره مني فعليك مني السلام يا رسول اللّه ثم عن عليه الكري ساعة فاخبر عنه انه رأي رسول اللّه (ص) في منامه و قد وقف به و سلم عليه و قال يا بني لقد لحق لي ابوك و امك و اخوك و هم مجتمعون في دار الحيوان و لكنا مشتاقون [ص 273] اليك فعجل بالقدوم الينا و اعلم يا بني ان لك في الجنة درجة مغشاة بنور اللّه فلست تنالها الا بالشهادة و ما اقرب قدومك علينا قال و خرج الحسين عليه السلام كما خرج موسي بن عمران (ع) خائفاً يترقب يقول رب نجني من القوم الظالمين و قال عمار ذكر ان سكينة بنت الحسين صلي اللّه عليه و عليها قالت حين خرجنا من المدينة ماكان من اهل بيت اشد خوفاً منا ( من خ‌ل ) اهل بيت رسول اللّه (ص) قال و ركب الحسين عليه السلام الجادة العظمي فقال له مواليه و اهل بيته لو سلكت الطريق الأقرع لكان اصلح قال صلوات اللّه عليه اتخافون الطلب قالوا اجل قال اخاف ان احيد عن الطريق حذر الموت و انشأ يقول :

اذا المرء لايحمي بنيه و عرسه و عترته كان اللئيم المسببا

و من دون ما يبغي يزيد بنا غداً نخوض بحار الموت شرقاً و مغرباً

و نضرب ضرباً كالحريق مقدماً اذا ما رآه ضيغم فر مهرباً

قال ثم انه توجه سائراً حتي جاوز السريعة فاستقبله عبداللّه بن مطيع القرشي و قال له جعلت فداك اني انصحك اذا دخلت ( جعلت فداك يا ابن رسول اللّه الي اين تريد قال اريد مكة فقال له كان اللّه لك واليا و ناصرا و حافظا انظر يا بنيّ (كذا) اذا دخلت خ‌ل ) مكة فلاتبرحنّ منها فهو حرم اللّه و الأمان للناس فقم فيها و تألف اهلها و خذ البيعة علي كل من دخلها من الناس و عدهم العدل و رفع الجور عنهم و اقم فيها خطيبا يخطب و تذكر علي المنابر شرفك و يشرحون فضلك و يخبرونهم بأن جدك رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و ان اباك علي بن ابي‌طالب و انك اولي بهذا الأمر من غيرك و اياك ان تذكر مدينة الكوفة فانها بلد ميشوم قتل فيها ابوك و اخوك و لاتبرح من حرم اللّه تعالي فان معك اهل [ص 274] الحجاز و اليمن كلها و سيقدم اليك الناس من الآفاق و ينصرفون الي امصارهم و ادعوهم الي بيعتك فاقبل نصيحتي و سر مسددا فواللّه ان قبلت لترشدن فقال الحسين (ع) جزاك اللّه عني كل خير فاني قابل نصيحتك و مضي حتي اتي مكة فلما اشرف عليها قال اللّهم خذ لي بحقي و قر عيني رب اهدني سواء السبيل و دخل مكة و نزل بها و جعل الناس يختلفون اليه و يأتونه من كل مكان و قد كان عبداللّه بن زبير سبقه علي ( الي خ‌ل ) مكة و لزم الكعبة يصلي بالناس و يطوف بالبيت و كان يأتي الي الحسين صلي اللّه عليه و يجلس معه جلسة خفيفة و كان الحسين عليه السلام أثقل الناس علي عبداللّه بن زبير لأنه علم ان اهل الحجاز لايعدلون به و لايبايعونه ما دام الحسين عليه السلام معهم لأنه اعظم منزلة و اجل قدراً من ابن الزبير فصاروا يختلفون الي الحسين و يكثرون التردد اليه في كل وقت فلما بلغ اهل الكوفة وفاة معاوية امتنعوا من البيعة ليزيد الملعون و قالوا لقد امتنع الحسين من البيعة ليزيد و قد لحق بمكة و لسنا نبايع يزيد لعنه اللّه . مقتل مولانا الكريم اعلي اللّه مقامه من العوالم من رجال الكشي روي ان مروان بن الحكم كتب الي معوية و هو عامله علي المدينة اما بعد فان عمرو بن عثمن ذكر ان رجالا من اهل العراق و وجوه اهل الحجاز يختلفون الي الحسين بن علي و ذكر انه لايؤمن وثوبه قد بحثت عن ذلك فبلغني انه ( انه لمن خ ) لايريد الخلاف يومه هذا و لست آمن ان يكون هذا ايضا لما بعده فاكتب الي برأيك في هذا و السلام فكتب اليه معوية فقد بلغني و فهمت ما ذكرت فيه من امر الحسين (ع) فاياك ان تعرض للحسين في شيء و اترك حسينا ما تركك فانا لانريد ان نعرض له في شيء ما وفي ببيعتنا و [ص 275] لم‌ينازعنا سلطاننا فاكمن عنه ما لايبدو لك صفحته و السلام و كتب معوية الي الحسين بن علي عليهما السلام اما بعد فقد انتهت اليّ امور عنك فان كان حقا فقد اظنك تركتها رغبة فدعها و لعمرو اللّه ان من اعطي اللّه عهده و ميثاقه لجدير بالوفاء و ان كان الذي بلغني عنك باطلا فانك انت اعزل الناس لذلك و عظ نفسك فاذكر و بعهد اللّه اوف فانك متي انكرك تنكرني (كذا) و متي ما تكد اكدك فاتق شق عصي هذه الامة و ان يردهم اللّه علي يديك في فتنة فقد عرفت الناس و بلوتهم فانظر لنفسك و لدينك و لأمة محمد و لايستخفنك السفهاء الذين لايعلمون ، فلما وصل الكتاب الي الحسين عليه السلام كتب اليه اما بعد فقد بلغني كتابك تذكر انه قد بلغك عني امور انت لي عنها راغب و انا بغيرها عندك جدير فان الحسنات لايهدي لها و لايسدد اليها الا اللّه و اما ما ذكرت انه انتهي اليك عني فانه انما رقاه اليك الملّاقون المشاؤن بالنميمة و مااريد لك حربا و لا عليك خلافا و ايم اللّه اني لخائف من اللّه في ترك ذلك و مااظن اللّه راضيا بترك ذلك و لا عاذرا بدون الاعذار فيه اليك و في اولئك القاسطين الملحدين حزب الظلمة و اولياء الشياطين ألست القاتل حجرا اخا كندة و المصلين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم و يستعظمون البدع و لايخافون في اللّه لومة لائم ثم قتلتهم ظلما و عدوانا من بعد ما كنت اعطيتهم الايمان المغلظة و المواثيق المؤكدة لاتأخذهم بحدث كان بينك و بينهم و لا باحنة تجدها في نفسك أولست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله العبد الصالح الذي ابلته العبادة فنحل جسمه و صفرت لونه بعد ما آمنته و اعطيته من عهود اللّه و مواثيقه ما لو اعطيته طائرا لنزل اليك من رأس الجبل ثم قتلته جرأة علي ربك و استخفافا بذلك العهد أولست [ص 276] المدعي زياد بن سمية المولود علي فراش عبيد ثقيف فزعمت انه ابن ابيك و قد قال رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله الولد للفراش و للعاهر الحجر فتركت سنة رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله تعمدا و اتبعت هواك بغير هدي من اللّه ثم سلطته علي العراقين يقطع ايدي المسلمين و ارجلهم و يثمل اعينهم و يصلبهم علي جذوع النخل كأنك لست من هذه الامة و ليسوا منك أولست صاحب الحضرميين الذين كتب فيهم ابن‌سمية انهم كانوا علي دين علي عليه السلام فكتبت اليه ان اقتل كل من كان علي دينه فقتلهم و مثل بهم بامرك و دين علي عليه السلام هو دين اللّه الذي كان يضرب عليه اباك و يضربك و به جلست مجلسك الذي جلست و لولا ذلك لكان شرفك و شرف ابيك الرحلتين و قلت فيما قلت انظر لنفسك و لدينك و لأمة محمد صلي اللّه عليه و آله و اتق شق عصا هذه الامة و ان تردهم الي فتنة و اني لااعلم فتنة اعظم علي هذه الامة من ولايتك عليها و لا اعظم نظرا لنفسي و لديني و لأمة محمد صلي اللّه عليه و آله و علينا افضل من ان اجاحدك (كذا) فان فعلت فانه قربة الي اللّه و ان تركته فاني استغفر اللّه لذنبي و اسئله توفيقه لارشاد امري و قلت فيما قلت ان انكرتك تنكرني و ان اكدتك تكدني فكدني ما بدا لك فاني ارجو ان لايضرني كيدك و ان لايكون علي احد اضر عنه علي نفسك لانك قد ركبت جهلك و تكرمت علي نقض عهدك و لعمري ماوفيت بشرط و لقد نقضت عهدك بقتلك هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح و الايمان و العهود و المواثيق فقتلتهم من غير ان يكونوا قاتلوا و قتلوا و لم‌تفعل ذلك بهم الا لذكرهم فضلنا و تعظيمهم حقنا فقتلتهم مخافة امر لعلك لو لم‌تقتلهم مت قبل ان يفعلوا و ماتوا قبل ان يدركوا فابشر يا معوية [ص 277] بالقصاص و استيقن بالحساب و اعلم ان للّه تعالي كتابا لايغادر صغيرة و لا كبيرة الا احصاها و ليس اللّه بناس لأخذك بالظنة و قتلك اولياءه علي التهم و نفيك اولياءه من دورهم الي دار الغربة و اخذك الناس ببيعة ابنك غلام حدث يشرب الخمر و يلعب بالكلاب لااعلمك الا و قد خسرت نفسك و بترت دينك و غششت رعيتك و خنت امانتك و سمعت مقالة السفيه الجاهل و اخفت الورع التقي الحليم لاجلهم و السلام فلما قرأ معوية الكتاب قال لقد كان في نفسه ضبّ مااشعر به فقال يزيد يا امير المؤمنين اجبه جوابا يصغر اليه نفسه و تذكر فيه اباه بشر فعله قال دخل عبداللّه بن عمرو بن العاص فقال معوية امارأيت ما كتب به الحسين عليه السلام قال و ما هو قال فاقرء الكتاب فقال و ما يمنعك ان تجيبه بما يصغر اليه نفسه و انما قال ذلك في هوي معوية فقال يزيد كيف رأيت يا امير المؤمنين رأيي فضحك معوية فقال اما يزيد فقد اشار الي بمثل رأيك قال عبداللّه فقد اصاب يزيد فقال معوية اخطأتما ارأيتما لو اني ذهبت لعيب علي محقا ما عسيت ان اقول فيه و مثلي لايحسن ان يعيب بالباطل و ما لايعرف و متي ما عبت رجلا بما لايعرفه الناس لم‌يحفل به بصاحبه و لم‌يره الناس شيئا و كذبوه و ما عسيت ان اعيب حسينا و واللّه ماادري (كذا) للعيب فيه موضعا و قد رأيت ان اكتب اليه اتوعّده و اتهدده ثم رأيت ان لاافعل و لاامحكه و من الاحتجاج فماكتب اليه بشيء يسوءه و لاقطع عنه شيئا يصله به و كان يبعث اليه في كل سنة الف‌الف درهم سوي عروض و هدايا من كل ضرب بحار قال المفيد في الإرشاد روي الكلبيّ و المدائنيّ و غيرهما من أصحاب السيرة قالوا لمّا مات الحسن عليه السلام تحرّكت الشيعة بالعراق و كتبوا إلي الحسين عليه السلام في خلع معاوية و البيعة له فامتنع [ص 278] عليهم و ذكر أنّ بينه و بين معاوية عهداً و عقداً لايجوز له نقضه حتّي تمضي المدّة فإذا مات معاوية نظر في ذلك فلمّا مات معاوية و ذلك للنصف من شهر رجب سنة ستّين من الهجرة كتب يزيد إلي الوليد بن عتبة بن ابي‌سفيان و كان علي المدينة من قبل معاوية أن يأخذ الحسين عليه السلام بالبيعة له و لايرخّص له في التأخير عن ذلك فأنفذ الوليد إلي الحسين في اللّيل فاستدعاه فعرف الحسين عليه السلام الذي أراد فدعا جماعة من مواليه و أمرهم بحمل السلاح و قال لهم إنّ الوليد قد استدعاني في هذا الوقت و لست آمن أن يكلّفني فيه أمراً لاأُجيبه إليه و هو غير مأمون فكونوا معي فإذا دخلت إليه ( عليه خ‌ل ) فاجلسوا علي الباب فإن سمعتم صوتي قد علا فادخلوا عليه لتمنعوه عنّي فصار الحسين عليه السلام إلي الوليد بن عتبة فوجد عنده مروان بن الحكم فنعي إليه الوليد معاوية فاسترجع الحسين عليه السلام ثمّ قرأ عليه كتاب يزيد و ما أمره فيه من أخذ البيعة منه له فقال الحسين عليه السلام إنّي لاأراك تقنع ببيعتي ليزيد سرّاً حتّي أبايعه جهراً فيعرف ذلك الناس فقال له الوليد اجل فقال الحسين فتصبح فتري رأيك في ذلك فقال له الوليد انصرف علي اسم اللّه تعالي حتّي تأتينا مع جماعة الناس فقال له مروان واللّه لئن فارقك الحسين الساعة و لم‌يبايع ماقدرت منه علي مثلها أبداً حتّي تكثر القتل بينكم و بينه احبس الرّجل و لايخرج من عندك حتّي يبايع أو تضرب عنقه فوثب الحسين عليه السلام عند ذلك و قال أنت يا ابن الزرقاء تقتلني أم هو كذبت واللّه و أثمت و خرج يمشي و معه مواليه حتّي أتي منزله قال السيّد كتب يزيد إلي الوليد يأمره بأخذ البيعة علي أهلها و خاصّة علي الحسين و يقول إن أبي عليك فاضرب عنقه و ابعث إليّ برأسه فأحضر الوليد مروان و استشاره في أمر الحسين فقال إنّه [ص 279] لايقبل و لو كنت مكانك ضربت عنقه فقال الوليد ليتني لم‌اك شيئاً مذكوراً ثمّ بعث إلي الحسين عليه السلام فجاءه في ثلاثين من اهل بيته و مواليه و ساق الكلام إلي أن قال فغضب الحسين عليه السلام ثمّ قال ويلي عليك يا ابن الزرقاء أنت تأمر بضرب عنقي كذبت واللّه و أثمت ثمّ أقبل علي الوليد فقال أيّها الأمير إنّا أهل بيت النبوَّة و معدن الرسالة و مختلف الملائكة و بنا فتح اللّه و بنا ختم اللّه و يزيد رجل فاسق شارب الخمر قاتل النفس المحرّمة معلن بالفسق و مثلي لايبايع مثله و لكن نصبح و تصبحون و ننظر و تنظرون أيّنا أحقّ بالبيعة و الخلافة ثمّ خرج عليه السلام و قال ابن شهرآشوب كتب إلي الوليد بأخذ البيعة من الحسين عليه السلام و عبداللّه بن عمر و عبداللّه بن الزّبير و عبدالرحمن بن ابي‌بكر أخذاً عنيفاً ليست فيه رخصة فمن يأبي عليك منهم فاضرب عنقه و ابعث إليَّ برأسه فشاور في ذلك مروان فقال الرأي أن تحضرهم و تأخذ منهم البيعة قبل أن يعلموا فوجّه في طلبهم و كانوا عند التربة فقال عبدالرحمن و عبداللّه ندخل دورنا و نغلق أبوابنا و قال ابن الزّبير واللّه ماأبايع يزيدا أبداً و قال الحسين أنا لا بدّ لي من الدّخول علي الوليد و ذكر قريباً ممّا مرّ قال المفيد فقال مروان للوليد عصيتني لا واللّه لايمكنك مثلها من نفسه أبداً فقال الوليد ويح غيرك يا مروان إنّك اخترت لي التي فيها هلاك ديني و دنياي واللّه ماأحبّ أنّ لي ما طلعت عليه الشمس و غربت عنه من مال الدنيا و ملكها و إنّي قتلت حسيناً سبحان اللّه أقتل حسيناً إن قال لاأبايع واللّه إني لأظنّ أنّ امرءاً يحاسب بدم الحسين خفيف الميزان عند اللّه يوم القيامة فقال له مروان فإذا كان هذا رأيك فقد أصبت فيما صنعت يقول هذا و هو غير الحامد له علي رأيه [ص 280] و عن ابن شهراشوب كما في التظلم ان مروان جرد سيفه و قال مر سيافك ان يضرب عنقه قبل ان يخرج من الدار و دمه في عنقي و ارتفعت الضجة فهجم تسعةعشر رجلا من اهل بيته و قد انتضوا خناجرهم فخرج الحسين عليه السلام معهم و وصل الخبر الي يزيد فعزل الوليد و ولي مروان و قال السيّد فلمّا أصبح الحسين عليه السلام خرج من منزله يستمع الأخبار فلقيه مروان بن الحكم فقال له يا اباعبداللّه إنّي لك ناصح فأطعني ترشد فقال الحسين (ع) و ما ذاك قل حتي أسمع فقال مروان آمرك ببيعة يزيد امير المؤمنين فإنّه خير لك في دينك و دنياك فقال الحسين عليه السلام إنا للّه و إنا إليه راجعون و علي الاسلام السلام إذ قد بليت الأمّة براع مثل يزيد و لقد سمعت جدّي رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله يقول الخلافة محرمة علي آل ابي‌سفيان و طال الحديث بينه و بين مروان حتّي انصرف مروان و هو غضبان فلمّا كان الغداة توجّه الحسين عليه السلام إلي مكّة لثلاث مضين من شعبان سنة ستّين فأقام بها باقي شعبان و شهر رمضان و شوّالاً و ذاالقعدة قال المفيد (ره) فقام الحسين في منزله تلك الليلة و هي ليلة السبت لثلاث بقين من رجب سنة ستّين من الهجرة و اشتغل الوليد بن عتبة بمراسلة ابن الزّبير في البيعة ليزيد و امتناعه عليهم و خرج ابن الزبير من ليلته عن المدينة متوجّهاً إلي مكّة فلمّا أصبح الوليد سرّح في أثره الرّجال فبعث راكباً من موالي بني‌أمية في ثمانين راكباً فطلبوه فلم‌يدركوه فرجعوا فلمّا كان آخر نهار السبت بعث الرّجال إلي الحسين عليه السلام ليحضره فيبايع الوليد ليزيد بن معاوية فقال لهم الحسين اصبحوا ثمّ ترون و نري فكفّوا تلك الليلة عنه و لم‌يلحّوا عليه فخرج عليه السلام من تحت ليلة الأحد ليومين بقيا من رجب متوجّهاً نحو مكّة ، الخ كلام المفيد (ره) ليس هذا الباب موضع نقله .

[ص 281] باب ان قوله الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق في الحسين عليه السلام

بحار من الكنز باسناده عن محمد بن زيد مولي ابي‌جعفر عليه السلام عن ابيه قال سألت اباجعفر عليه السلام قلت قوله الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق الا ان يقولوا ربنا اللّه قال نزلت في علي و حمزة و جعفر عليهم السلام ثم جرت في الحسين عليه السلام و عن ضريس عن ابي‌جعفر عليه السلام قال سمعته يقول اذن للذين يقاتلون بانهم ظلموا و ان اللّه علي نصرهم لقدير قال الحسن و الحسين اقول و قد روي اخبار انها في آل‌محمد و ذريته و روي انها في ما ارتكب في امر فاطمة عليها السلام و ذريتها و روي انها في القايم و اصحابه .

باب ما جري للحسين عليه السلام حين خرج الي قبر جده في المدينة قبل خروجه الي مكة

بحار قال محمد بن ابيطالب الموسوي خرج الحسين عليه السلام من منزله ذات ليلة و أقبل إلي قبر جدّه صلي اللّه عليه و آله فقال السلام عليك يا رسول اللّه أنا الحسين بن فاطمة فرخك و ابن فرختك و سبطك الذي خلّفتني في أمّتك فاشهد عليهم يا نبيّ اللّه أنّهم قد خذلوني و ضيّعوني و لم‌يحفظوني و هذه شكواي إليك حتّي ألقاك قال ثمّ قام فصفّ قدميه فلم‌يزل راكعاً ساجداً قال و أرسل الوليد إلي منزل الحسين عليه السلام لينظر أخرج من المدينة أم لا فلم‌يصبه في منزله فقال الحمد للّه الذي خرج و لم‌يبتلني بدمه قال و رجع الحسين إلي منزله عند الصبح فلمّا كانت الليلة الثانية خرج إلي القبر أيضاً و صلّي ركعات فلمّا فرغ من صلاته جعل يقول اللّهمّ هذا قبر نبيّك محمّد و أنا ابن بنت نبيّك و قد حضرني من الأمر ما قد علمت اللّهمّ إنّي أحبّ المعروف و أنكر المنكر و أنا أسألك يا ذا الجلال و الإكرام بحقّ القبر و من فيه إلا اخترت لي ما هو لك رضي و [ص 282] لرسولك رضي قال ثمّ جعل يبكي عند القبر حتّي إذا كان قريباً من الصبح وضع رأسه علي القبر فأغفي فإذا هو برسول اللّه قد أقبل في كتيبة من الملائكة عن يمينه و عن شماله و بين يديه حتّي ضمّ الحسين إلي صدره و قبّل بين عينيه و قال يا حبيبي يا حسين كأنّي أراك عن قريب مرمّلاً بدمائك مذبوحاً بأرض كرب و بلاء من عصابة من أمّتي و أنت مع ذلك عطشان لاتسقي و ظمآن لاتروي و هم مع ذلك يرجون شفاعتي لاأنالهم اللّه شفاعتي يوم القيامة حبيبي يا حسين إنّ أباك و أمّك و أخاك قدموا عليّ و هم مشتاقون إليك و ان لك في الجنات ( الجنان خ‌ل ) لدرجات لن‌تنالها إلا بالشهادة قال فجعل الحسين في منامه ينظر إلي جدِّه و يقول يا جدّاه لا حاجة لي في الرّجوع إلي الدّنيا فخذني إليك و أدخلني معك في قبرك فقال له رسول اللّه لا بدّ لك من الرّجوع إلي الدّنيا حتّي ترزق الشهادة و ما قد كتب اللّه لك فيها من الثواب العظيم فإنّك و أباك و أخاك و عمّك و عمّ أبيك يحشرون يوم القيامة في زمرة واحدة حتّي تدخلوا الجنّة قال فانتبه الحسين عليه السلام من نومه فزعاً مرعوباً فقصّ رؤياه علي أهل بيته و بني‌عبدالمطّلب فلم‌يكن في ذلك اليوم في مشرق و لا مغرب قوم أشدّ غمّاً من أهل بيت رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله و لا أكثر باك و لا باكية منهم اقول في كتاب التظلم في حديث من امالي الصدوق عن رسول اللّه (ص) في الحسين (ع) كأنّي به و قد استجار بحرمي و قربي فلايجار فأضمّه في منامه إلي صدري و آمره بالرحلة عن دار هجرتي و أُبشّره بالشهادة فيرتحل عنها إلي أرض مقتله و موضع مصرعه أرض كرب و بلاء و قتل و فناء تنصره عصابة من المسلمين اولئك من سادة شهداء أمّتي يوم القيامة ، الخبر .

[ص 283] باب وداعه في جوف الليل لأمه و اخيه و ما جري بينه و بين ابن الحنفية عند خروجه (ع) و وداعه له و مجيء الملائكة و الجن لنصرته عند خروجه و استدعائهم بانهم يكفون اعداءه في مكانه و ما كتب لابن الحنفية و بني‌هاشم و سر عدم خروج ابن الحنفية

بحار عن المفيد (ره) فخرج الحسين عليه السلام من تحت ليلة و هي ليلة الأحد ليومين بقيا من رجب متوجّهاً نحو مكّة معه بنوه و بنو أخيه و اخوته و جلّ أهل بيته إلا محمّد بن الحنفية فإنّه لمّا علم عزمه علي الخروج عن المدينة لم‌يدر أين يتوجّه فقال له يا أخي أنت أحبّ الناس إليّ و أعزّهم عليّ و لست أدّخر النصيحة لأحد من الخلق إلا لك و أنت أحقّ بها تنحّ ببيعتك عن يزيد بن معاوية و عن الأمصار ما استطعت ثمّ ابعث رسلك إلي الناس ثمّ ادعهم إلي نفسك فإن بايعك الناس و بايعوا لك حمدت اللّه علي ذلك و إن اجتمع الناس علي غيرك لم‌ينقص اللّه بذلك دينك و لا عقلك و لاتذهب به مروتك و لا فضلك اني أخاف عليك أن تدخل مصراً من هذه الأمصار فيختلف الناس بينهم فمنهم طائفة معك و أخري عليك فيقتتلون فتكون إذاً لأوّل الأسنّة غرضاً فإذا خير هذه الأمّة كلّها نفساً و اباً و أمّاً أضيعها دماً و أذلّها أهلاً فقال له الحسين فأين أنزل يا أخي قال انزل مكّة فإن اطمأنّت بك الدار بها فذاك و إن نبت بك لحقت بالرّمال و شعف الجبال و خرجت من بلد إلي بلد حتي تنظر إلي ما يصير أمر الناس فإنّك أصوب ما تكون رأياً حين ( حتي خ‌ل ) تستقبل الأمر استقبالاً فقال يا اخي قد نصحت و اشفقت و ارجو ان يكون رأيك سديدا موفقا و قال محمد بن ابيطالب الموسوي تهيّأ الحسين عليه السلام للخروج من المدينة و مضي في جوف الليل إلي قبر أمّه فودّعها ثمّ مضي [ص 284] إلي قبر أخيه الحسن ففعل كذلك ثمّ رجع إلي منزله وقت الصبح فأقبل إليه اخوه محمّد بن الحنفية و قال يا أخي أنت أحبّ الخلق إليّ و أعزّهم عليّ و لست واللّه أدّخر النصيحة لأحد من الخلق و ليس أحد أحقّ بها منك لأنّك مزاج مائي و نفسي و روحي و بصري و كبير أهل بيتي و من وجب طاعته في عنقي لأنّ اللّه قد شرّفك عليّ و جعلك من سادات أهل الجنّة و ساق الحديث كما مرّ إلي أن قال تخرج إلي مكّة فإن اطمأنّت بك الدّار بها فذاك و إن تكن الأخري خرجت إلي بلاد اليمن فإنّهم أنصار جدّك و أبيك و هم أرأف الناس و أرقّهم قلوباً و أوسع الناس بلاداً فإن اطمأنّت بك الدّار و إلا لحقت بالرّمال و شعوب الجبال و جزت من بلد إلي بلد حتّي تنظر ما يؤل إليه امر الناس و يحكم اللّه بينا و بين القوم الفاسقين قال فقال الحسين عليه السلام يا أخي واللّه لو لم‌يكن في الدنيا ملجأ و لا مأوي لمابايعت يزيد بن معاوية فقطع محمّد بن الحنفيّة الكلام و بكي فبكي الحسين عليه السلام معه ساعة ثم قال يا أخي جزاك اللّه خيراً فقد نصحت و أشرت بالصواب و أنا عازم علي الخروج إلي مكّة و قد تهيّأت لذلك أنا و إخوتي و بنو أخي و شيعتي و امرهم أمري و رأيهم رأيي و أمّا أنت يا أخي فلا عليك أن تقيم بالمدينة فتكون لي عيناً عليهم لاتخفي عنّي شيئاً من أُمورهم ثمّ دعا الحسين عليه السلام بدواة و بياض و كتب هذه الوصيّة لأخيه محمّد بسم اللّه الرّحمن الرّحيم هذا ما أوصي به الحسين بن عليّ بن ابي‌طالب إلي أخيه محمّد المعروف بابن الحنفيّة أنّ الحسين يشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له (ظ) و أنّ محمّداً عبده و رسوله جاء بالحقّ من عند اللّه الحقّ و أنّ الجنّة و النار حقّ و أنّ [ص 285] الساعة آتية لا ريب فيها و أنّ اللّه يبعث من في القبور و أنّي لم‌اخرج أشراً و لا بطراً و لا مفسداً و لا ظالماً و إنّما خرجت لطلب الاصلاح في أمّة جدّي صلي اللّه عليه و آله أريد أن آمر بالمعروف و أنهي عن المنكر و أسير بسيرة جدّي و أبي عليّ بن ابي‌طالب فمن قبلني بقبول الحقّ فاللّه أولي بالحقّ و من ردّ عليّ هذا أصبر حتّي يقضي اللّه بيني و بين القوم بالحقّ و هو خير الحاكمين و هذه وصيّتي يا أخي إليك و ما توفيقي إلا باللّه عليه توكّلت و اليه أنيب قال ثمّ طوي الحسين الكتاب و ختمه بخاتمه و دفعه إلي أخيه محمّد ثمّ ودّعه و خرج في جوف اللّيل قال محمد بن ابي‌طالب روي محمّد بن يعقوب الكلينيّ في كتاب الرسائل (ظ) عن محمّد بن يحيي عن محمّد بن الحسين عن أيّوب بن نوح عن صفوان عن مروان بن إسماعيل عن حمزة بن حمران عن ابي‌عبداللّه عليه السلام قال ذكرنا خروج الحسين عليه السلام و تخلّف ابن الحنفيّة فقال ابوعبداللّه عليه السلام يا حمزة إنّي سأخبرك بحديث لاتسأل عنه بعد مجلسك هذا إنّ الحسين لمّا فصل متوجّهاً دعا بقرطاس و كتب فيه بسم اللّه الرّحمن الرّحيم من الحسين بن عليّ بن ابي‌طالب إلي بني‌هاشم أمّا بعد فإنّه من لحق بي منكم استشهد و من تخلّف لم‌يبلغ الفتح و السلام كتاب تظلم الزهراء لرضي بن نبي القزويني (ره) من كامل الزيارات باسناده عن عمرو بن جابر عن محمد بن علي عليهما السلام قال لما هم الحسين عليه السلام بالشخوص من المدينة اقبلت نساء بني‌عبدالمطلب فاجتمعن للنياحة حتي مشي فيهن الحسين عليه السلام فقال انشدكن اللّه ان تبدين هذا الامر معصية للّه و لرسوله قالت له نساء بني‌عبدالمطلب فلمن نستبقي النياحة و البكاء فهو عندنا كيوم مات رسول اللّه و علي و فاطمة و رقية و زينب و ام‌كلثوم فننشدك اللّه جعلنا اللّه فداك من الموت يا حبيب الابرار من اهل القبور و اقبلت بعض عماته تبكي و تقول اشهد يا حسين لقد سمعت الجن ناحت بنوحك و هم يقولون :

[ص 286]

وان قتيل الطف من آل هاشم اذل رقابا من قريش فذلت

حبيب رسول اللّه لم‌يك فاحشا ابانت مصيبتك الانوف و جلّت

و قلن ايضا :

ابكوا حسينا سيدا و لقتله شاب الشعر و لقتله زلزلتم و لقتله انكسف القمر

و احمرت آفاق السماء من العشية و السحر و تغيرت شمس البلاد بهم و اظلمت الكور

ذاك ابن فاطمة المصاب به الخلايق و البشر اورثتنا ذلّا به جدع الانوف مع الغرر