الرسالة الطاهرية في جواب الملّا محمدطاهر
من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد المرحوم
الشيخ احمد بن زينالدين الاحسائي اعلي اللّه مقامه
الحمد للّه ربّ العالمين و صلي اللّه علي محمد و آله الطاهرين .
اما بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زينالدين ان العالم الفاخر و العلم الزاهر الٰاخوند الطاهر الملا محمدطاهر اصلح اللّه احواله و بلغه آماله في مبدئه و مأله قد ارسل الي محبّه و داعيه مسائل يريد جوابها و انا مع ما انا عليه من الامراض و الشواغل الّتي اشار عليه السلام الي نوع دواعيها بقوله عليه السلام انت لنفسك ما لمتعرف فاذا عُرِفتَ كنتَ لغيرك ، و لكن لمّا كان اهلاً للجواب و تكفيه الاشارة و لايحتاج الي التفصيل و التطويل و تقديم مقدّماتٍ سهل جوابه و اتيتُ به مختصراً مقتصِراً علي ادني ما يكفي لضيق وقتي و ضعف بدني و انهدام بُنْيَتٖي و اللّه سبحانه المستعان و عليه التكلان .
قال ايده اللّه تعالي : ما المراد من سهو النبي صلي اللّه عليه و آله في الاخبار الواردة فيه .
اقول السهو يستعمل بالمعني المتعارف و يستعمل بمعني الترك و ربّما ميّز بعضهم احد المعنيين عن الٰاخر فقال سها في الشيء تركه عن غير علم و سها عن الشيء تركه عن علم و لذا قال انس في قوله تعالي فويل للمصلّين الذين هم عن صلاتهم ساهون قال الحمد للّه الذي قال عن صلاتهم و لميقل في صلاتهم [ص 3] و الحاصل سهو النبي و الائمة صلي اللّه عليه و عليهم من المعني الثاني فاذا سمعتَ انّ النبي صلي اللّه عليه و آله و الائمة عليهم السلام يسهون فهو بمعني تركهم الشيء و المراد انهم يعرضون عن الشيءِ و يقبلون علي شيءٍ آخر و ما رُوي ممّا معناهُ اَنَّ الكاظم عليه السلام كان يعلم السم الذي وضع له في العنب فقال عليه السلام نعم قيل و حين وضع بين يديه كان يعلم قال نعم قيل و حين تناوَل كان يعلم قال اُنسِيَهُ ليجرِيَ عليه القضاۤءُ فمعناه انّه حين امر بالاكلِ تَوجّهَ الَي اللّه سبحانه في تفويض الامر اليه تعالي و الي اَسلافه محمد و اهل بيته صلّي اللّه عليه و آله حين حضروا عنده و قالوا عجّل الينا فكلّنا مشتاقون اليك فحين توجّه الَي اللّه تعالي و الي اسلافه غَفَل عن كل شيء و لميلتفت الي السّم و لا الي غيره و مثاله اذا اخذتَ تتكلّم في بيان مسئلةٍ في الفقهِ لاتذكر علم النَّحو و مع ذلك لستَ بغافلٍ عنه لانّك لستَ بصددِه لا انّك ساهٍ عنه فالاعراض عنه هو الترك المعبّر عنه بالسَّهْو و لذا تراهم عليهم السلام يعبّرون عنه بالسهو تارةً و بالترك اخري و تارة يقولون اُنْسِيَهُ و مرّةً اللّه اَنْساهُ وَ مرّةً غاب عنه الملك المحدث و ما اشبهَ ذلك و كلّ ذلك يراد منه ما ذكرنا و نحوه و امّا السهو بالمعني المعروف فلايصح منهم عليهم السلام لانّه منافٍ للعصمة فلايجتمع مَعَها في محلٍّ فافهم .
قال سلمه اللّه تعالي : و ما المراد من العلماۤء في قولهم عليهم السلام العلماۤء ورثة الاَنْبياۤءِ و قوله صلّي اللّٰهُ عليه و آله علماۤءُ امّتي كانبياۤءِ بنياسراۤئيل او خير منهم فلو كان المراد من العلماۤء في امثال هذه الاخبار غير المعصوم عليه السلام فما المراد من كونهم مثلهم اوْ خير منهم .
اقول المراد من الحديث الاوّل ظاهر اذ معناه ان العلماۤء العاملين الذين قصروا علومهم علي آثار الوحي سُمُّوا ورثة للانبياۤء عليهم السلام لان الانبياۤء [ص 4] ادّوا جميع ما امروا بتبليغه الي اُمَمهِمْ و تصدّي العلماۤء لجمعه و العمل به و حفظه علي امم الانبياۤء فصارت تلك العلوم الّتي اتي بها الوحي لتعليم الامم و ارشادهم مخزونة محفوظة عند اولۤئك العلماۤء الاعلام عاملين بها و مبلّغين لها اولۤئك العواۤمّ و الاَنْبياۤء عليهم السلام ماتركوا شيئا يعتدّون به غير تلك العلوم الّتي سقطت الي اولۤئك العلماۤء و انّما تركوها لهم فلذا كانوا ورثةً و اَيُّما علمٍ لميكن من آثار الانبياۤء و الاوصياۤء عليهم السلام لميكن العالم به وارِثاً للانبياۤء عليهم السلام نعم يدخل في ذلك الميراث الشريف ما كان من العلوم يؤُل الي تلك الٰاثارِ و ان كان بالتفريع علي الاصول النازلة بالوحي و المراد بالعلماۤء هنا بالاصالة اوصياۤؤهم علي الخصوص و بالتبعيّة ساۤئر العلماۤء العَاملين بالشرط المذكور .
و قوله عليه السلام علماۤء امّتي يراد منهم الائمة عليهم السلام و التشبيه لجهة وجوب طاعتهم علي ساۤئر الرّعية و انّ اللّه سبحانه قد ابتلاهم بالرّعية و ابتلي الرّعية بهم كما قال تعالي و جعلنا بعضكم لبعضٍ فتنةً ، و لان من سواهم لايسَعُهُ الّا الاخذُ عنهم و الرَّدُّ اليهم و انّهم اولي بهم من انفسهم و يجوز ان يراد بالعلماۤء علماۤء الشيعة اذا كان علمهم مستفاداً من الكتاب و السّنّة و لو بالتفريع علي اصول الكتاب و السّنة و كانوا عاملين بعلومهم فان هؤلاۤء في وجوب طاعتهم علي عواۤمّهم كوجوب طاعة انبياۤء بنياسراۤئيل علي اُمَمهِمْ في كل ما يتعلّق باحكام الحلال و الحرام و المستفاد من اخبار اهل البيت عليهم السلام يدلّ علي الوجهين و المراد من كونهم مثل الانبياۤء عليهم السلام في وجوب الطاعة فيما جعلهم اللّه سبحانه وساۤئط فيه و المراد من كونهم خيراً منهم ان اريد بالعلماۤء ائمة الهدي عليهم السلام فظاهر لانّ الائمة عليهم السلام افضل من الانبياۤء بما لايكاد يحصر و ان اريد بهم علماۤء الشيعة [ص 5] فمعني كونهم خيراً من الانبياۤء عليهم السلام ليس علي معني التفضيل بل المراد اَنَّ علماۤء الشيعة خيرٌ كثير و بركة وَاسعة من اثر الاَنْبيَاۤء عليهم السلام يَعْني انّ الانبياۤء عليهم السلام تركوا في اُمَمِهِمْ خيراً كثيراً و هو علماۤء الشّيعة يحفظون دينهم وَ يُبَلّغُونَ ما سَقَطَ اليهم من آثارهم الي العواۤمّ فالعلماۤء خير كثيرٌ لمَنْ اخذ عنهم امور دينه لانهم سبب نجاتهم في الدنيا و الٰاخرة .
قال ايّده اللّه سبحانه : و ما معني لو علم سلمن ما في قلب ابيذر لقتله او لكفّره كما سمع علي عكس ما في الخبر و هل يجوز اَلّايعلم سلمن ما في قلب ابيذرّ و هل ذلك مخصوص بالسلسلة العرضية ام يمكن في السلسلة الطوليّة ايضاً .
اقول لاادري هذا حديث صحيح امْ لا و ان كنتُ سمعته لان المعروف لو يعلم ابوذر ما في قلب سلمٰن لقتله او لكفره و ورد ايضاً يا سلمٰن لو عمل عملك مقداد لكفر يا مقداد لو عمل عملك سلمٰن لكفر و امّا ما ذكرتم من انّه سمع من هذا القول لو علم سلمٰن ما في قلب ابيذرّ لقتله اوْ لكفره و علي ايّ فرضٍ فالمعني فيه مثل المعني في قوله صلّي اللّه عليه و اله يا سلمٰن لو عمل عملك مقداد لكفر يا مقداد لو عمل عملك سلمٰن لكفر و المراد انّ سلمٰن يعتقد شيئاً يكون اعتقاده عند مقداد كفراً و يعتقد مقداد شيئاً يكونُ اعتقاده عند سلمٰن كفراً مثاله الذّرَّة و هي النملة الصغيرة تعتقد انّ لِلّهِ قرنَيْن لانّ كمالَها انّما هو بالقرنَيْن و انّ الخالي منهما ناقص فلاتصف ربها بالنَّقْصِ و وصف اللّه سبحانه بهما عندك كفر فلَوْ عَمِلَتِ النَّمْلَةُ عملَك كفرَتْ و لو عملتَ عَملَها كَفرْتَ و هذا المعني جارٍ بين كلّ عالمٍ و جاهل فالعالم لو اطّلع عَلي اعتقاد الجاهل قتله او كفّره و كذا لو عمل عمله و بالعكس و هذا معني لو علم [ص 6] ابوذرّ ما في قلب سلمن لقتله او لكفّره و امّا قولكم و هل ذاك مخصوص بالسلسلة العرضيّة ام يمكن في السلسلة الطولية فالذي يليق بالعبارة ان يقال و هل ذاك مخصوص بالسّلسلةِ الطوليّة ام يمكن في السلسلة العرضيّة لانّ هذه المسئلة ماتعقل الّا في السّلسلة الطوليّة و امّا في السلسلة العرضيّة فربّما لايمكن ذلك لانّ الاعمال لا اختلاف فيها و الاختلاف فيها لايوجب التكفير .
قال ايّده اللّه : و ما المراد من الانبياۤء في كونهم من فاضل طينة ائمّتِنا عليهم السلام و كون ساۤئر الناس من فاضل طينة الانبياۤء فهل ذلك يشملهم اجمعين اولي عزمهم و مرسليهم و غيرهما ممّن بعث علي اهله او علي نفسه علي ان يكون سَلمان مثلاً من فاضل طٖينةِ ادانيهم عليهم السلام او المقام يقتضي التفصيل و عليه فما التفصيل فيه و هل يمكن وصول احدٍ من غير الانبياۤء كسلمٰن مثلاً الي رتبة احدٍ منهم و لو من ادانيهم او لٰا .
اقول المراد من كون الانبياۤء عليهم السلام من فاضِل طينتهم عليهم السلام ان اللّهَ سبحانه خلق نور محمد صلي اللّه عليه و آله قبل كل شيء ثم خلق من ذلك النور انوار اهل بيته عليهم السلام كما خلق السراج من سراجٍ آخر و ذلك اذا كان عندك سراج ثم اشعلتَ منه سراجاً آخر فان اللّه سبحانه خلق السراج الثاني من السراج الاول كما قال علي عليه السلام انا من محمدٍ كالضّوءِ من الضّوء ه ، اي كالسراج من السراج ثم مكث الاربعةعشر معصوماً صلي اللّه علي محمد و آله يعبدون اللّه و يسبّحونه و يمجِّدونه الفَ دهرٍ كل دهرٍ علي ما ظهر لي مائة الفِ سنةٍ ليس في الكون خلق سواهم ثم نظر الي تلك الانوار بعين الهيبة فعرقَتْ فكان عنها اربعة و عشرون و مائة الف ● قطرة فخلق من كل قطرة رُوحَ نبيّ فبقوا يعني اولۤئك الانبياۤء يسبّحون اللّه [ص 7] و يحمدونه الف دهرٍ ليس في الكون بعد محمدٍ و اهل بيته الطاهرين صلي اللّه عليه و آله و عليهم اجمعين سواهم ثم خلق من اشعّة انوار الانبياۤء عليهم السلام ارواح المؤمنين هذا ترتيب مراتب اكوان الموجودات في نفس الامر علي جهة الاجمال و اذا سمعت شيئاً من قولهم عليهم السلام هذا من فاضل كذا فالمراد بالفاضل و بالعرَق ايضاً شعاع ذلك الشيء فان نور الشمس الواقع علي الجدار و فاضل السراج نوره المشرق علي الجدار و فاضل الفراۤئض النوافل و فاضل الحسنات كما في دعاۤء الحجة عليه السلام عجل اللّه فرجه في دعاۤئه للشيعة حيث يقول و ان خفّت موازينهم فثقِّلها بفاضلِ حسَنَاتِنا ه ، يراد منها اجْر الٰاداب و النوافل .
و قوله سلمه اللّه تعالي : فهل ذلك يشملهم اجمعين اولي عزمهم و مرسليهم الخ ، نعم يشمل ذلك الحكم جميع الانبياۤء عليهم السلام و انّما تفاضلوا مع كونهم من حقيقة واحدة لان تلك الحقيقة حقيقة تابعيّة لا متبوعية لان التابعيّة صفة تختلف باختلاف مراتبها في القرب من المتبوع و البعد منه مثل نور السراج كلّما قرب من السراج كان اشدّ نوراً و اقوي اظهاراً و ظهوراً و كلّما بعد عن المنير ضعف فانوارهم عليهم السلام حقيقة واحدة كنور السراج كلّما قرب من نور محمدٍ و انوار آله صلي اللّه عليه و آله كان قوياً كنوح و ابراهيم و موسي و عيسي و كلما بعد كمن كان نبيا علي نفسه و امّا سلمٰن صلي اللّه علي سلمٰن فليس من نوع التابع بل هو بالنسبة الي غير محمد و آله صلي اللّه عليه و آله من نوع المتبوع ففي الكافي بسنده عن مسعدة بن صدقة عن ابيعبداللّه عليه السلام قال ذكرت التقية عند علي بن الحسين عليهما السلام فقال واللّه لو علم ابوذر ما في قلب سلمٰن لقتله و لقد آخا رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله بينهما فما ظنكم بساۤئر الخلق ان علم العلماۤء صعب مستصعب [ص 8] لايحتمله الّا نبي مرسل او ملك مقرّب او عبد مؤمن امتحن اللّه قلبه للايمان فقال و انما صار سلمٰن من العلماۤء لانه امرءٌ منّا اهل البيت فلذلك نسبته الي العلماۤء ه ، و اراد عليه السلام بقوله و انما صار سلمٰن من العلماۤء الخ ، التنبيه علي قوله عليه السلام نحن العلماۤء و شيعتنا المتعلّمون ، بمعني ان سلمٰن من العلماۤء لا من المتعلمين فاذا عرفتَ هذا و عرفتَ انّ رُوحَ القدس يَلْقاه و يحدِّثه و سمعتَ ما رُوي عن النبي صلي اللّه عليه و آله ان سلمٰنَ افضل من جبرئل عليه السلام و ما روي عن الصادق عليه السلام انّ سلمٰن افضل من لقمن ظهر لكَ انّ سلمٰن ليس من نوع ساۤئر النّاس من المؤمنين بل الذي يتلجلج في قلبي انه امّا ان يكون من نوع الانبياۤء عليهم السلام الذين هم الشيعة الخصيصون اوْ من البرازخ التي بين الانبياۤء عليهم السلام و بين المؤمنين الذين هم الشيعة الخواۤصّ و هذه الرتبة هي رتبة الابدال الّذين يسمّون بالنقباۤء كما في حديث زينالعابدين عليه السلام فان فرض انّه من نوع الانبياۤء عليهم السلام فحقيقته من شعاع الْائمةِ عليهم السلام و انت قد سمعتَ التّفاوت العظيم بين اجزاۤء شعاع السراج و ان فرض انّه من البرازخ كان من نوع اشعّة الانبياۤء عليهم السلام و كلّ من فرض انه من الشعاع لايمكن ان يكون من المنير الّا ان تغيّر حقيقته و اللّه سبحانه علي كل شيء قدير كما قال تعالي و لو نشاۤءُ لجعلنا منكم ملاۤئكة في الارض يخلفون .
قال سلمه اللّه : و ما معني كون جسدهم عليهم السلام الطف من ارواح الانبياۤء و منهم نوح و ابراهيم مع انكم تقولون ان روحهم علة للارواح و نفسهم علة للنفوس و طبيعتهم علة للطباۤئع و جسمهم علة للاجسام و جسدهم علة للاجساد و هل المراد من المعلولات في هذه المراتب معلولاتهم الجزئيّة ام لا .
[ص 9] اقول نعم نقول اجسامهم الطف من ارواح الانبياۤء عليهم السلام بسبعين رتبة و نريد ان ارواح الانبياۤء خلقت من شعاع اجسامهم فارواح الانبياۤء تقومت باشعة اجسام الائمة عليهم السلام تقوُّماً ركنيّاً بمعني انّ مادّة ارواحهم حِصَص من اشعة اجسام الائمة عليهم السلام و تقوّمت بارواح الائمة عليهم السلام تقوُّمَ صدورٍ لان تلك الارواح حاملة لفعل الصانع سبحانه كما تحمل الحديدة فعل النار فاذا حرقت الحديدة فانّما حرقت النار بفعلها علي حدّ و مارميتَ اذ رميتَ و لكن اللّه رمَي فلا منافاة بين قولنا ان ارواح الانبياۤء عليهم السلام من اشعة اجسامهم و قولنا ان ارواحهم صلي اللّه عليهم علة لارواح الانبياۤء لان القول الاول بيان للعلّة المادّية و الثّاني بيان للعلّةِ الصُّوريّة و قوله ايده اللّه و منهم نوح و ابراهيم ، يشير به الي نوع مبالغة و قد بيّنّا ان الانبياۤء عليهم السلام كلهم طينتهم واحدة و هي شعاع انوار الائمة عليهم السلام و ان تفاوتوا من حيث القرب و البعد و قوله سلمه اللّه و ما معني كون اجسادهم عليهم السلام الي آخره ، نحن لانقول ان ارواحهم شعاع اجساد الائمة عليهم السلام و انما نقول شعاع اجسامهم لا اجسادهم و المراد بهذه المعلولات المعلولات الكليّة و الجزئيّة لانهم صلي اللّه عليهم العلل الاربع الفاعلية و المادّية و الصّورية و الغاۤئية اما الفاعلية فلانهم حاملوا فعل اللّه تعالي فهم محاۤلّ مشيّته و السن ارادته و امّا المادّيّة فلان جميع من سواهم من خلق اللّه من الجواهر و الاعراض الاعيان و المعاني الاجسام و الهيئات مواۤدّهم من اشعة انوارهم و في المؤمنين ظاهر و غير المؤمنين من اظلّة اشعّتهم و امّا الصوريّة فلان صور جميع من سواهم كذلك من هيئات اعمالهم في المؤمنين بالتبع و في غيرهم بالعكس .
[ص 10] قال ايده اللّه تعالي : و هل فضلاتهم عليهم السلام من الدم و البول و الغاۤئط نجسة لهم لا لغيرهم او لغيرهم ايْضاً و عليه فما المراد من نجاستها اَوْ لا لهم و لا لغيرهم .
اقول المشهور بين اصحابنا الحكم بالنجاسة لهم عليهم السلام و لغيرهم بناۤء علي ان الحكم تابع لصدق الاسم و لانّهم معلِّمون لغيرهم فيجب مشاركتهم لهم في الحكم لِيُقْتَدَي بهم و قيل بِالطهارة لما روي عنه صلي اللّه عليه و آله ان الحجام لمّا حجمه شرب ما في المحجمة من دمه الشريف فقال صلي اللّه عليه و آله له ما معناه اما جسدك فقد حرمه اللّه علي النار و لاتعد ه ، و لمّا بال صلي اللّه عليه و آله في القارورة شربَتْه امسلمة و رأها و لميَنْهَهَا عن ذلك و الاعتبار شاهدٌ بالطهارة لان النجاسة الخبيثة اثر المعاصي و الذنوب و هم صلي اللّه عليهم مطهّرون من جميع الذنوب الكباۤئر و الصغاۤئر قد اذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيراً و بهذا قال بعض اصحابنا و به قال الشافعي و يمكن ان يقال انه لا منافاة بين القولين فان الاولين قاۤئلون بوجوب الغسل من فضلاتهم و وجوب الغسل لايستلزم النجاسة كما ورد في اغتسال اميرالمؤمنين عليه السلام حين غسل رسول اللّه صلي اللّه عليه و اله و هو (ص) طاهر مطهّر و انّما فعل ذلك لتجري السنة بذلك فكذلك هنا و يكون الغسل من فضلاتهم تعبّداً لا للنجاسة فافهم .
قال سلمه اللّه : و اذا لميعرف اللّه سبحانه الّا بهم عليهم السلام لانّهم اركان توحيده و صفات تعَرُّفهِ و تعريفه و الاعراف الذين لايعرف اللّه الا بسبيل معرفتهم فلا بدّ اَلّايكونوا والداً و لا مولوداً كما انه سبحانه لميلد و لميولد مع ان حقاۤئقهم متولّدة من المشية و الاشياۤء متولّدة منها بالتناكح و التناسُل كما في الفواۤئد و ان كان المراد من كونهم محلّ معرفة اللّه اي نفس معرفته [ص 11] هو اعلي مقامهم اي مرتبة نفس المشيّة لا محلّها مع انّهم محلّ المشية لا نفسها فهو و ان كان مخلوقاً بنفسه و ليس مولوداً الّا انه والِدٌ للاشياۤء .
اقول تعليل حصر معرفته تعالي فيهم بكونهم اركاناً لتوحيده صحيح جارٍ علي الحقيقة و امّا قوله و صفات تعرّفه و تعريفه فليس بصحيح بل الصحيح اَن يقال و تعرّفه و تعريفه بلا اتيان صِفات او يقال و اعْضَاد تعرّفه و تعريفه يعني انّ تعرّفه لعبادِهٖ متوقّف علي المبلِّغِ الي المعرَّف بفتح الراۤء و الواسطة و المقوِّي و ما اشبه ذلك و هم عليهم السلام المبلِّغُون ما انزل اللّه سبحانه الي عباده من تعريفهِ تعالي ما تعرّفَ به لهم و المعرِّفون بكسرِ الراۤء و المقوّون لضعف المكلَّفٖين و الوسَاۤئط في جميع انحاۤءِ الاداۤء لان تعرّفه تعالي لزيدٍ هو حقيقة زيدٍ فكيف يكون الامام عليه السلام صفةً لحقيقةِ زيدٍ و انما هو عليه السلام عضد زيد و المقوّي له في قبول الايجاد و قبول التعريف و المبلِّغ اليه و الواسطة بينه و بين ربّه و معني قولهم نحن الاعراف الذين لايعرف اللّه الا بسبيل معرفتِنا ، يقع علي وجوه الاوّل لايعرف اللّه الّا بوصفهم للّٰه بصفاته التي يصح ان يوصف تعالي بها الثاني لايعرف اللّه الّا بنحو معرفتنا له و عبادَتِنا ايّاه و ما اثنَيْنا عليه و مجّدناه به الثالث لايعرف اللّه سبحانَه احد الّا اذَا عرَفَنا و نزّلنا منزلتَنا الّتي وضعَنا اللّهُ فيها لانهم عليهم السلام اثر فعله فاذا كان الفاعل لايري و لايُدرك و لايعرف الا بما تعرّف به و لميتعرّف الّا بصنعه و كانوا صلّي اللّه عليهم اكملَ مصنوعاته و اَشْمَلَهَا كانت معرفته علي اكمل وجهٍ في الامكان منحصرةً في معرفتهم فكل معني خرج عن حيطة محاسن معرفتهم اذا اريد به معرفة اللّه باطل لايجوز ان يوصف اللّه به و لايعرف به لانه خلاف ما يجوز علي اللّه سبحانه الرابع لايعرف اللّه الا بما يكون قِوامه معرفتهم و هذا المعني الاخير شامل لكل شيء بل لايكاد [ص 12] يسع تفاصيل اَمْثَاله وَ تِبْياناته الدّفاتر او تبقي لامدادِ بيانِه المحابر .
و قوله سلمه اللّه تعالي فلا بُدَّ ان لايكونوا والداً و لا مولوداً كما انه سبحانه لميلد و لميولد فاعلم ان العنوان الذي يعرف اللّه به الذي هو الدليل و الٰاية لا بدّ ان يكون شيئا ليس كمثله شيء ليصحّ ان يعرف اللّه بِه لانه تعالي ليس كمثله شيء فيكون الدليل عليه كذلك فقول اميرالمؤمنين عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف ربّه ، يريد به معرفة النفس مجردة عن كل شيء غيرها فلو نظرتَ الي الرمح مثلا و اردتَ ان تعرف به اللّه سبحانه فان نظرتَ اليه بانه شيء طويل لماصحّ ان تعرف اللّهَ به و الّا كنتَ وصفتَ اللّه تعالي بالطول و لكن تقطع النظر عن الطول لان الطول ليس هو حقيقة الرمح و الّا لكانت المنارة رمحاً و النخلة رمحاً و لكن تجرده عن كل صفةٍ غير الشيئية فيبقي شيء فبذلك يعرف اللّه سبحانه انه شيء فان اردت بقولك شيء تعني حادثاً اوْ قديماً لمتعرف به اللّه تعالي لانّ اللّه تعالي لايعرف بشيءٍ موصوفٍ بحدوثٍ او قدمٍ لان الحدوث و القدم صفة للشيء مغايرة لذاته فيكون متعدّداً و هو عز و جل غير متعدّد فانّك اذا وصفته تعالي بصفةٍ ان كانت غيره في الوجوب او في المفهوم لميجز اَن يوصف بها لذاته بل ان كانت تليق به كانت صفة فعله اذ صفة الذات لاتقع في العبارة مغايرة للذات بل مهما ذكرت كانت صفة فعلٍ فاذا كانت صفاته هكذا حالها فكيف يعرف بشيء موصوفٍ بل لا بد ان تكون الٰاية ليس كمثلها شيء فاذا اعتبرتَ الرمح مثلا من غير لحاظِ صفةٍ كان لك ان تقول انه يعرف به و ليس لك حينئذ ان يقول ان الرمح له مثل و هو الرمح الٰاخر فان قلتَ ذلك قلتُ لك المشابهة للٰاخر هي جزء ماهيّة الاوّل فان قلتَ لا قلتُ لَك فلاتلحظها و اِنْ قلتَ بلي قلتُ لك فاللّٰهُ يعرف بالمشابهةِ اذاً تعالي اللّه علوّاً كبيراً فلا ان يكون ما [ص 13] يعرف به اللّه غير موصوف فحين يكون الامام عليه السلام يعرف اللّه تعالي به لاتعتبر فيه صفة ولد و لا مولود فانّما يعرف اللّهُ به عليه السلام من حيث هو لا والد و لا مولود و لا حيثيّة و امّا جهة حيثيّة او صفة او موصوفية او واصفيّة او شيءٍ غير محض تجرّد كنهه فلا بد عن اعتبار محوه و محو محوه في الوجدان و امّا ثبوت الوالديّة و المولوديّة و ما يتوقف علي ذلك و يترتّب عليه في الوجود فغير منافٍ لما ذكرناه و امّا تحقيق التّولّد و التّوالد و التناكح و التناسل من شيء او لشيءٍ فليس مسئُولاً عنْها وَ لَسْنَا بِصَددِ ذٰلِكَ .
قال سلمه اللّه : و ما التوفيق بين قول الطّبيعيّين من ان السّحاب متكوّن من الابخرة المتصاعدة الي كرة الاثير فتراكم ثم ينزل بحرارتها مٰاۤء و بين قول امامنا محمد بن عليٍّ الرضا عليهما السلام بعد سؤال المأمون من ان الغيم حين يأخذ من ماۤء البحر تداخَله سمك صغار فتسقط منه .
اقول اعلم ان البخار المتصاعد من البحار و الانهار و الاراضي الرطبة بحرارة اشعّة الشمس تتصاعد بجذب الاشعة متفرقة فقبل ان تصل الي الطبقة الزمهريريّة هي البحر المكفوف بين السّماۤء و الارض و بحكمة الحكيم تتكوّن فيه حيتان صغار بمقتضي قابلية الماۤء المجتمع بتقدير العزيز العليم و السَّحاب يغترف الماۤء تارة من هذا البحر البخاري و تارة من البحر الاجاج الَّذٖي علي وجه الارض المعلوم فالمطر الذي من البحر المكفوف بين السّماۤء و الارض يكون ملقحاً ينبت به النبات و الكماة و المعادن و اللؤلؤ في الصَّدف و ما اشبه ذلك و المطر الذي من البحر المالح عقيم لاينبت به شيء فالتوفيق بين القَوْلَيْنِ بنحو ما سمعت .
قال سلّمه اللّه : و ما مثال عيسي عليه السلام الذي لميولد من ابٍ في هذه الامة و في الانسان .
[ص 14] اقول قد صح من جميع المسلمين الخاۤصّة و العاۤمّة النقل عن النّبي صلّي اللّٰهُ عليه و آله علي نحو التّواتر المعنوي انه قال ما معناه لتركَبُنَّ سُنَن مَن كان قبلكم حذو النعل بالنَّعْل و القُذَّة بالقذّة حتّي لو سلكوا جُحْرَ ضَبٍّ لسَلكتموه ه ، و قد اتفق الفريقان علي وقوع هذا المعني من ان كلّ ما يكون في الامم الماضيَة يكون في هذه الامّة و الجمع بين مقتضي الحكمة من انه لو كان الامر كما هو مذكور في هذا الحديث المذكور و غيره ما هو بمعناه للزم الالجاۤء في التكليف و لتبيّن الحق من الباطل من غير شبهة و لا احتمال و يقع الاضطرار في التكليف فيكون مقتضي الحكمة الايجاديّة التي اشار عز و جل اليها في كتابه المجيد في عدة مواضع مثل قوله سنة اللّه في الذين خلوا من قبل و لنتجد لسنّة اللّه تبديلا ، و لنتجد لسنة اللّه تحويلاً ، و ان يعودوا فقد مضت سنة الاولين ، و اتّقوا الذي خلقكم و الجبلّة الاوّلين و امثال ذلك كثير مخالفاً لمقتضي الحكمة التشريعيّة و هو عدم صحة الالجاۤء في التكليف ليهلك من هلك عن بيّنةٍ و يحيي مَن حيَّ عن بيّنةٍ و الجمع بين مقتضَي الحِكمتَيْن الذي لايستقيم نظام الدارين الّا به واجب في الحكمة الكليّة لقوام النظَام التّكويني و التكوّني فلمّا ذكر عز و جل هذا المعني المشار اليه من الجمع بين الحكمتين علي نحو الاجمال و الاشارة في قوله ان السَّاعة آتية اَكادُ اخفيها لتجزي كلّ نفسٍ بما تسعي قال صلّي اللّه عليه و آله ما معناه يؤخذ من هذا ضِغث و من هذا ضغث فيمزجانِ اذ لو خلص الحقّ لميخفَ علي ذي حجي فهنالك هلك من هلك و نجا من سبقت له من اللّهِ الحسني ه ، و هذا هو اصل ما سألتَ عنه و فرعه فلو كان ما ذكره صلي اللّه عليه و آله في حديث لتركبنّ سنن مَن كان قبلكم ، ظاهراً غير مستور و لا احتمال فيه مع اتّفاق الامّة علي صحته لزم الالجاۤء في التكليف و وقع خلاف الاصلح فاذا عرفتَ نوعَ ما لوّحْنٰا [ص 15] اليه ظهر لك ان سفينة نوح علي محمد و آله و عليه السلام مثال اهل البيت عليهم السلام و هي من خشب ذات الواح و دُسر و هم صلي اللّه عليهم من سمعتَ ما ذكرهم اللّه تعالي به في مثل و البحر يمدّه من بعده سبعة ابحر مانَفِدت كلمات اللّهِ ، ثم لولا مقام جنابك عندي و اخاف اخرج من هذه الدنيا و اُدفن مع جواب مسألتك في التراب و لاتجد جواب مسألتك ما دام المُفْتَقَدُ مُفْتَقَداً عجل اللّه فرجَه و سهل مخرجه و اعاننا علي طاعته و رضاه لمانطق بها فمي و لاجري بها قلمي و لكن المستعان باللّه علي الجهّال الذين سلكوا بالحق سبيل الضلال اعلم ان خاطري حدّثني علي ان اذكر لك اختها قبلها و هي ان موسي بن عمران اخذ برأس اخيه هرون و لحيته و جرّه بها صلي اللّه عليهما فاين مثاله في هذه الامّة مع ان علياً عليه السلام نبّه علي ذلك فقال في نظير تلك الواقعة حين سحبوه ملبّباً بثوبه يقودونه قود البعير لمّا قرب من قبر رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله قال ما قال هرون بن عمران لما اخذ موسي بلحيته يا ابن امِّ ان القوم استضعفوني و كادوا يقتلونني فاين النبي الذي هو بمنزلة موسي و اين الٰاخذ للحية علي الذي هو بمنزلة هرون و اين اللّحية و لو كان المثال يراد منه المطابقة الظاهرة لخلص الحق و خلص الباطل و لميحصل اشتباه فلايكون للمبطل شيء موهوم يتمسّك به لاقامة ضلالته و لكن الٰان حصل له التمسّك بانّ نظير موسي محمد صلي اللّه عليه و آله و هو الأن ميتٌ و لميكن احدٌ آخِذاً بلحية عليّ ليدلّ المثال علي انه بمنزلة هرون و ان مخالفيه هم العاكفون علي عبادة العجل و الحاصل ان مختصر البيان انّه صلّي اللّه عليه و آله هنا بمنزلة موسي عليه السلام و كان قد نهاه عن قتالهم و قال اصبر علي كلّ ما يفعلون معك فاخذوه يجرّونه ملبّباً بثوبه فقد اهانوه و احتقروه و وضعوا رفيع جاهه و مهابته التي هي بمنزلة اللحية فانها صورتها في عالم المثال و لذا تري [ص 16] المعبّرين للرؤيا اذا رأي الشخص في المنام انّ لحيته طويلة يعبّرونها بامتداد جاهه و بالعكس اذا رأها قصيرةً فلمّا نهاه صلي اللّه عليه و آله عن قتالهم سلّطهم علي جاهه الذي يعبّر به عن اللّحيةِ و يعبّر عنه بها فلمّا اهانوه كان ذلك لتسليطهم عليه بمنعه عن قتالهم فهذه اخت مسألتك .
و امّا مسألتُك فان محمد بن ابيبكر كانت امّه اسماۤء بنت عُمَيْس بمنزلة مريم في هذا التنظير و ابنها محمد لَيْس له اَبٌ من قوله تعالي فمن تبعني فانه منّي و قوله تعالي قال يا نوح انّه ليس من اهلك و انما خلقه من ترابٍ اي من ابيترابٍ كما قال تعالي في عيسي عليه السلام كمثل آدم خلقه من تراب فعيسي بن مريم من روح جبرءيل عليه السلام و نفخه كمحمّدِ بن اسماۤء من روح ابيترابٍ و نفخِهٖ عليه السلام فافهم السر الذي مابذل لغيرك ثبّتك اللّٰهُ بالْقول الثابت في الحيوة الدّنيا التي هي العلم و في الٰاخرة الّتي هي العقل و مثال عيسي عليه السلام في الانسان العلم خلق في النفس الّتي هي اُمّهُ و به حيوة الاموات اومن كان ميتاً فاحييناه الٰاية .