رسالة في جواب السيد محمد البكاء
من مصنفات الشيخ الاجل الاوحد المرحوم
الشيخ احمد بن زينالدين الاحسائي اعلي اللّه مقامه
الحمد للّه ربّ العالمين و صلي اللّه علي محمد و آله الطاهرين .
اما بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زينالدين الاحساۤئي انه قد ارسل الي السيد الجليل و السند النبيل الاوحد الممجد السيد محمد بمساۤئل طلب مني جوابها علي غير ما يذكر المفسّرون ظاهراً و شدّد في الطلب و اطال و اسهب و كان القلب متشتتاً و العزم متهافتاً ليس لي وجدان من اختلاف احْوال الاخوان و الزمان و لكن لايمكنني غير اجابته و اسعاف طلبته فكتبتُ ما يتيسر و تركتُ ما طال او تعسر اذ لايسقط الميسور بالمعسور و الي اللّه ترجع الامور .
قال سلمه اللّه تعالي : بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه الذي لايردّ ساۤئله و لايخيّب آمله بابه مفتوح لسٰائليه و حجابه مرفوع لٰامليه و صلي اللّه علي مفتاح كنوز اسراره محمّد و آله الطاهرين سادة اهل ارضه و سماۤئه و بعد فيا مفتاح كنوز اسرار اهل العصمة مولٰانا و قبلتنا و قرة عيننا و استاذنٰا و محيي نفوسنا من حيرة الشكوك و الشبهات و شمس سمٰاء الحسن و الكشف و الفضل و المجد و الفيوضات اشرف علمٰاء الاوّلين و الٰاخرين و زبدة قاطبة العرفاء السّابقين و اللاحقين و معدن حقايق الالهية و بحار معٰارف الربّٰانية و صاحب النفس القدسيّة اللّٰاهوتية الرّؤف الرحيم البرّ الحليم الّذي قصرت السن الاقلام عن بلوغ حقيقة جلٰاله و حسن حٰاله كمٰا يليق به مفقود [ص 3] القدر فخر خواص اهل العصمة شيخنا الجليل و مولٰانا الجميل مستجمع الحقٰايق و المعٰارف مشكوة اهل العلم و المعرفة و بٰاب مدينة اسرار اهل العصمة الشيخ احمد بن زينالدين سلمه اللّه من الٰافٰات و البليات و حشره اللّه مع سٰاداته في بحبوحٰات الجنٰات انا عبدكم السّٰائل بباب فيوضاتكم الٰامل بجنابكم ان لٰاترد حقيقة سؤالي و ان تكشف الغطٰاء لحقيقة مسئلتي بحق اللّه العليم الكريم الذي لايردّ سٰائلاً عليك و بحق سادٰاتك الاطهٰار .
قال : بيّن لي حقيقة سورة التوحيد من اولها الي آخرها .
اقول حقيقة سورة التوحيد لبيانها وجوه كثيرة لايدخل حصرها تحت علمنا و انّما نتكلم عليها بما يحضرنا حال الخطّ مما نعرف ممّا اُذِنَ ببيانه فنقول قد قام الاجماع و دلّت النصوص بان بسم اللّه الرحمن الرحيم آية منها فتدخل في المسئول عنها و حيث علم بالنصّ ان هذه السورة تسمي نسبة الربّ كما رواه في التوحيد عن الصادق (ع) قال ان اليهود سئلوا رسول اللّه (ص) فقالوا انسب لنا ربَّك فلبث ثلاثاً لايجيبهم ثم نزلت قل هو اللّه احد الخ ، دلّ ذلك علي ان البسملة مشتملة علي النسبة الّا انّها علي جهة الباطن و التأويل و الاشارة الي ذلك علي سبيل الاقتصار هو انه روي عن الصادق (ع) الباۤء بهاۤء اللّه و السّٖين سناۤء اللّه و الميم مجد اللّه و في رواية ملك اللّه ، فنسب نفسه بانه ذو البهاۤء و هو الضياۤء و المراد به ما ابتدعه من الوجود بمشيّته و هو اشارة الي العقل الكلّي المشار اليه بقوله تعالي مثل نوره كمشكوةٍ فيها مصباح الٰاية ، و ما له من الرؤس و الوجوه العقلية و هي عقول جميع الموجودات و هي اشعة ذاته و اَنه ذو السناۤء و هو نور الضياۤء و المراد به ما سوّاه من العين بارادته و هو اشارة الي النفس الكليّة و هي المشار اليها بقوله و لااعلم ما في نفسك و هي اللوح المحفوظ [ص 4] مع ما لها من الرؤس و الوجوه النفسيّة و هي نفوس جميع الموجودات و هي اشعة ذاتها و انّه ذو المجد و هو الكرم هنا و الملك علي الرواية الاخري يراد به ما يراد بالمجد و المراد به ما حدّده من المفعولات بقدره و هو اشارة الي عالم الملك من الاجسام و الاعراض و النّسب و الاوضاع و غير ذلك فكانت العوالم الثلاثة نسبةً له لانّها اثر فعله و المراد بالنسبة الصفة اي وصف نفسه لهم بصفة فعله و اثرِهِ و ذلك لان الفِعل صفة الفاعل و الاثر صفة المؤثر فالباۤء اشارة الي المفعولات العقلية و السين اشارة الي المفعولات النفسيّة و الميم اشارة الي المفعولات الجسمانيّة و هذه المراتب الثلاث ظواهر النسبة و مراكب بوَاطنها و الاسماۤء الثلاثة التي هي مسمّيات بسم و هي اللّه الرحمن الرحيم مقوِّماتها و بوَاطنها و ذلك لانّ اسم اللّه هو المراد من الباۤء و المشار بها اليه و اسم الرحمن هو المراد من السين و المشار بها اليه و اسم الرحيم هو المراد من الميم و المشار بها اليه و بيانه ان نقول اللّه سبحانه هو المنسوب و الالوهيّة نسبته و الباۤء محلها و صورتها و الرحمن تعالي هو المنسوب و الرحمانية نسبته و هي الرحمة التي وسعت كل شيء و السين محلها و صورتها و الرحيم عز و جل هو المنسوب و الرحيمية نسبته و هي الرحمة المكتوبة و الميم محلها و صورتها فالباۤء صورة للالوهية التي هي صفة اللّه سبحانه و هي الجامعة لصفات القدس كالسبحان و القدوس و العزيز و العلي و ما اشبه ذلك و لصفات الاضافة كالعليم و السميع و البصير و القادر و المدرك و ما اشبه ذلك و لصفات الخلق كالخالق و الرازق و المعطي و ما اشبه ذلك و السين صورة الرحمانية التي هي صفة الرحمن تعالي و هي الجامعة لصفات الاضافة و صفات الخلق و الميم صورة الرحيمية التي هي صفة الرحيم عز و جل [ص 5] و هي الجامعة لصفات الخلق و هو سبحانه وصف نفسه لعباده و تعرّف لهم بنسبته في صفته كما اشرنا اليه فقال بسم اللّه الرحمن الرحيم فالالوهية جبروت في الدهر العلوي و الباۤء صورة لرتبتها و محلها و الالف القاۤئم في اللّه صورة معناها و الرحمانية ملكوت في الدهر السفلي و السين صورة لرتبتها و محلها و الالف المبسوط في الرحمن صورة معناها و الرحيميّة ملك في الزمان و الميم صورة لرتبتها و محلها و الالف الراكد في الرحيم صورة معناها و الظاهر بهذه الصفات الثلاث في السرمد اظهرها في مراتبها فتعرّف بصفاته لجميع مخلوقاته فقد تضمّنَت البسملة نسبته سبحانه لعباده بالتلويح كما اشرنا اليه و بالتصريح كما هو ظاهر الاسماۤء الثلاثة و هي اللّه الرحمن الرحيم و فيها اشارة الي ما تضمنته السورة لانّ سرّها في البسملة و ذلك انه قال بسم اللّه الرحمن الرحيم فوصف نفسه بالشيئيّه و نفاها عن غيره الّا به الاتري كيف جعل العوالم الثلاثة المسماة بالجبروت و الملكوت و الملك المشار اليها بحروف بسم اسماً لصفاته الثلاث و الصفات الثلاث اسماً له في ظهوره بها فكان هو اللّه الاحد الصمد الذي لميلد و لميولد و لميكن له كفؤاً احد .
ثم اعلم ان البسملة اسم اللّه الاعظم و في الدعاۤء اسئلك باسمك بسم اللّه الرحمن الرحيم ، و انما قال الرضا (ع) انّ بسم اللّه الرحمن الرحيم اقرب الي الاسم الاعظم من سواد العين الي بياضها ، لان لفظ البسملة الاسم اللفظي الذي هو سواد العين اقرب الي الاسم المعنوي الذي هو بياض العين و التمثيل مأخوذ من ظاهر الظّاهر فان البياض عبارة عن البساطة و السواد عن التركيب و لو اُخِذ من الباطن لعكس لان النور في السواد لا في البياض و لما كان كلامه (ع) في اللفظ ناسب ان يقول اقرب الي الاسم الاعظم اذ [ص 6] الاسم هو المعنوي الذي هو الصفة المشتملة علي التجريد و التفريد و التوحيد و التمجيد و التحميد و نحن لما كان كلامنا في اللفظ و المعني بل في المعني ناسب ان نقول هو الاسم الاعظم لانّ الاسم الاعظم له اربعة اركان الاوّل التوحيد الحق و الثاني القاۤئم به و الثالث الحافظ له و الرابع التّابع فيه فالاول اللّه و الثاني الرحمن و الثالث الرحيم و الرابع بسم هذا باعتبار الصفات و باعتبار الذات ما روي عن الكاظم (ع) فالاول لا اله الّا اللّه و الثاني محمد رسول اللّه (ص) و الثالث نحن و الرابع شيعتنا ، و لا اله الا اللّه هو التوحيد الحق و هو توحيد اللّه في ذاته و قال اللّه لاتتخذوا الٰهين اثنين انما هو الهٌ واحد و توحيده في صفاته ليس كمثله شيء و هو السميع البصير و توحيده في افعاله اللّه الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركاۤئكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه و تعالي عما يشركون و توحيده في عبادته فمن كان يرجو لقاۤء ربه فليعمل عملاً صالحاً و لايشرك بعبادة ربّه احداً و البسملة مشتملة علي الاربعة الاركان في الظاهر و الظهور و المظهر الاول الظاهر بالالوهيّة و الثاني الظاهر بالرحمانيّة و الثالث الظاهر بالرحيميّة و الرابع الظاهر بِبِسم و اما الظهور فظهور الظاهر في ظهوره فيما لكل ركنٍ فيه و اما المظهر فظهور الظاهر في المظهَرِ له فهي الاسم الاعظم لانّ سر الكتب في القرءان و سر القرءان في الفاتحة و سرّ الفاتحة في البسملة و لاينافي هذا ان سر البسملة في الباۤء و سر الباۤء في النقطة لدخول ذلك و لمّا كان اشرف الأكوانِ كونَ الاسم الاعظم و الوجود مبْنياً عليه وجب ان يكون اوّل الموجودات لعليّته و الكتاب التدويني طبق الكتاب التكويني كان الاسم الاعظم اول التدويني لعلّيته و هو بسم اللّه الرحمن الرحيم و ذلك مقتضي المطابقة و لمّا تجلّي بجوده و نسب نفسه للمكلّفين [ص 7] و خصوص الساۤئليْن بما يخفي من الاشارة نسب نفسه لهم بما يظهر من العبارة و ذلك لهم بهم فامر نبيّه ان قل يا محمّد هو اي الربّ المسئول عن نسبته الظاهر لهم بهم ليتنبّهوا و يثبتوا الثابتَ المحتجب عن درك الابصار و الحواسّ او قل يا محمد هو اي الذي امرك او هو اللّه احد اي الذي ادعوكم الي عبادته اللّه احد اي التام في واحديته الكامل في احديّته احد يعني اللّه واحد في ذاته واحد في صفاته واحد في افعاله واحد في عبادته فالواحد صفة الاحد فكان الواحد بعدد بسم اللّه الرحمن الرحيم و لايتم الا بالاحد فهو معني بسم اللّه الرحمن الرحيم و اليه الاشارة بقوله تعالي و اذا ذكرت ربّك في القرءان وحده ولّوا علي ادبارهم نفوراً و انما قال احد و لميقل واحد لان الواحد لايستوعب مراتب التوحيد الاربع الّا بتكرّره اذ لايقال للواحد في اكثر من مرتبة من مراتب الاحد لان الواحد صفة الاحد كما تقول زيد قاعد زيد قائم زيد راكب فواحدية الذات غير واحدية الصفات و هي غير واحدية الافعال و هي غير واحدية العبادة فالاحد لايتغيّر في صفاته و الصفة تتغيّر في مراتبها كزيد فانه لايتغيّر في صفاته و كالقائم و القاعد و الراكب فانها تتغيّر في مراتبها بخلاف الاحد و لان الواحد يدخل في العدد و لو بضمّ آخر اليه و لهذا قال اميرالمؤمنين (ع) واحد لا بتأويل عدد ، لان الواحد قد يدخل في العدد في بعض الاحوال فاذا اريد استعماله في حقه تعالي احتيج الي قيد او تتمّةٍ كما فعل عليه السلام بخلاف الاحد و لان الواحد لايستوعب الكثرة في وحدته تقول ما في الدار واحد و يجوز ان يكون فيها اثنان لانه وجه من وجوه الاحد كما هو شأن الصفة بخلاف الاحد فانه يثبت بثبوته القليل و الكثير اذا قلتَ في الدار احد و ينتفي بانتفاۤئه القليل و الكثير اذا قلتَ ما في الدار احد تنبيه و اشارة الي القيوميّة في كل شيء [ص 8] و لهذا قيل ان الواحد تسعةعشر و تمامه الاحد يعني ان الاحد يراد منه معناه لا عدده فيكون عشرين و هي كاف الكون المستديرة علي نفسها التي هي علة الموجودات و قولنا يثبت بثبوته القليل و الكثير لانريد ان ثبوت الكثرة به انّما هو لانبساط معناه علي الافراد المتعددة علي سبيل الشمول او البدليّة ليصدق عليه انه كلّ او كليّ و انما نريد انه فرد بكمال البساطة و انما يتناول الكثير بوجوهٍ لهُ و مظاهر مع وحدته تحدث عنه عند الكثرة و تعدم عند الوحدة و لهذا اختصّ بسورة التوحيد و لذلك سمّيت هذه السورة سورة التوحيد بخلاف واحد فان حصول البساطة المطلقة انما هي بتخصيص ارادة لها غير اصل الوضع لاستعماله في الانواع و الاجناس و المركبات .
و اما قول بعضهم اذا كان لفظ اللّه علماً و جزئيّاً لزم ان يكون لفظة احد في قل هو اللّه احد لغواً فينبغي ان يحمل الاحد علي الواحد و حينئذ يشكل تسميتها بسورة التوحيد الّا ان يقال تسميتها باعتبار آخِرها علي طريقة عموم الاشتراك لانه يراد بلفظ احد احد معنييه اوّلاً و الٰاخر ثانياً انتهي ، ففيه ان جزئيّاً ان اريد به المعني الاصطلاحي لميصح لاستلزامه لكلّيٍّ يدخل هو مع مشاركه من الافراد الموجودة و لو بالفرض تحته اي تحت الكلّي وَ اِنْ اُريد به معني التشخّص لميصحّ لاستلزامه معني التحديد و ان اُرٖيد به معني البساطة و التفرّد الحقيقي لميكن حمل احد عليه لغواً فلا حاجة الي التكلّفات و لمّا امتنع في حقه تعالي ان يكون كلياً او جزئيّاً او كلّاً او جزءاً او عاۤماً او خاۤصّاً او مطلقاً او مقيداً او مبهماً او متعيّناً احتيج في اطلاق واحدٍ عليه الي تخصيص ارادةٍ ليكون موافقاً لمعني اَحد فانّ معني احد البساطة و الوحدة المنزّهة عن الكلي و الجزئي و الكلّ و الجزء و العموم و الخصوص و الاطلاق و التقييد و الابهام و التعيّن و غير ذلك في اصل الوضع [ص 9] و تناوله لشيء من ذلك انّما هو بتخصيص ارادة ما استعمل فيه من عموم و خصوص و حكاية و غير ذلك و لهذا لاتقول في فصيح الكلام زيد احد الّا علي معني الحكاية او ارادة اُخْري و تقول في فصيح الكلام زيد واحد و تقول اللّه احد في فصيح الكلام باصل الوضع و لاتقول اللّهُ واحد الّا بتخصيص ارادة التفريد البحت فافهم و لمّا كانت الوحدة المستفادة من الواحدِ لاتنافي مطلق الاشارة من دلالة اللفظ و لهذا قلنا انّ الاحد هو الواحد في ذاته الواحد في صفاته الواحد في افعاله الواحد في عبادته فلايعمّ المراتب كما يعمّها الاَحدُ لميحسن جعله في سورة التوحيد لما يراد بها من نفي مطلق الاشارة ردّاً عليهم حين قالوا هذه اٰلهتنا نشير اليها فاشر انت الي الٰهِك فاَنزلَ اللّه سُورة التوحيد بالاحد الذي لايجامع مطلق الاشارة و لو عقليّة و لو في بعض المظاهر اذ لايفقد في شيء قال تعالي اولميكف بربّك انه علي كل شيء شهيد يعني في غيبتك و في حضرتك و قال تعالي و ماكنا عن الخلق غافلين و ذلك بعد ان اتي بقوله قل هو اللّه لانّه نبّه بالهاۤء الي ثابت و انه ليس في جهةٍ و الا لكان مقصداً للاشارة بالواوِ الَّتٖي يُشَارُ بِها اِلَي نفي الجهات الستّ و اللّه عَلَمٌ بالتغليب في الاستعمال علي الذات الموصوف بجميع الكمالات المنزّه عن كل ما يستلزم النقصان .
و قال الخليل بن احمد انه مرتجل لقوله تعالي هل تعلم له سميّاً و لانه لو حكمنا باشتقاق كل اسم لزم الدور او التسلسل فلا بد ان تؤل الاسماۤء الي جامد وَ لاَنْ يكون هو الاسم الكريم اولي و الحق انه مشتق و اختلف فيما اشتق منه فقيل انه مشتق من لٰاهَ الشيءُ اذا خفي و قيل من لَاهَ بمعني تحيّر لتحير العقول في عظمته و قيل من لٰاهَ بمعني غابَ لانه لاتدركه الابصار و قيل من لٰاهَ بمعني بَعُد لبُعد كنهه عن الادراك و قيل من اَلِهَ بالمقام اذا اقام به لعدم تغيّره و تنقّلِه [ص 10] و قيل مِنْ لٰاهَ يلُوهُ بمعني ارتفع لارتفاع عز جلاله عن تمييز الوصف و قيل مِنْ وَلِهَ الفصٖيلُ باُمِّهٖ اذا وَلِعَ بها لان العباد موهلون (كذا) اي مولعون بالتضرّع اليه تَعالي و قيل من اَلِهَ بمعني فزع لان الخلق يفزعون اليه و قيل مِن اَلِهَ بمعني سَكن لان الخلق يسكنون الي ذكره و قيل من الاِلٰهيّة و هي القدرةُ علي الاختراع و قيل من اَلَهَ بمعني عبَد و الاله هو المستحق للعبادة او المألوه اي المعبود و الاخير هو المروي عن اهل العصمة (ع) و كل جهات الاشتقاقات المذكورة باعتبار عزته لا بُعْدَ فيها فلمّا وقع محمولاً علي هو او بدلاً منه او حقيقة ما عُنِيَ بالشأن منه و هو اي هو نبّه علي ثابتٍ بكناية هُويّته بالهاۤء غاۤئبٍ عن ادراك العقول و الحواس لايطلب في جهة من الجهات الست الظاهرة و الباطنة لخِفاۤء ظهوره بالواو و محمولاً عليه احد الذي يدل باصل وضعه علي البساطة المعرّاة عن الجزئيّة و الكلّية و الجزء و الكلّ و العموم و الخصوص و الاطلاق و التقييد و غير ذلك و عن مقصد الاشارة مطلقا يعني لا في الوقت و لا في المكان و في الرتبة و لا في الجهة و لا في الكم و لا في الكيف و لا في غير ذلك كان اي اللّهُ مراداً منه مفاد المحموليّة و الموضوعيّة الذي هو مقتضي صحّة التوسّط و مفيداً لهما بالاطلاق التغليبي الاستعمالي بالذاتِ و بالصِّفة الاتّصافَ بصفات القدس و صفات الاضافة و بصفات الخلق و لاجل ذلك ناسب ان تكون هذه السورة سورة التوحيد و حَسُنَ توجيه مَنْ وجّه قوله (ع) ان اللّه علم انه سيكون اقوام متعمّقون فانزل سورة التوحيد و الٰايات من سورة الحديد ، انّ المراد انّه سبحانه اراد اعجازهم بهما بحيث لايبلغون المراد منهما لا ان المراد ليقتصروا عليهما و قال الباقر عليه السلام اللّه معناه المعبود الذي اَلِهَ الخلق عن درك ماۤئيّتِه و الاحاطة بكيفيّته و قال عليه السلام الاحد الفرد المتفرّد و الاحد و الواحد بمعني واحد ، قوله (ع) بمعني واحدٍ فيما يجتمعان فيه بالوصف لا [ص 11] فيما يفترقان فيه و قد مرّت الاشارة الي ذلك و عنه (ع) عن ابيه عن ابيه الحسين بن علي عليهم السلام انه قال الصمد الذي لا جوفَ له و الصمد الذي قد انتهي سودده و الصمد الذي لايأكل و لايشرب و الصمد الذي لاينام و الصمد الداۤئم الذي لميزل و لايزال فالاوّل هو الذي لا مدخل فيه لغيره من مباينٍ او مماثلٍ او مشابهٍ او مشاركٍ من ذات او صفة او فعل او اثرٍ من جميع المداخل و الادراكات و لو بالفرض و الاعتبار او التوهم و التّجويز و الثاني هو الذي يستغني عمن سواه و يحتاج اليه من سواه و لاتمكن فيه المساواة بينه و بين من سواه لان احتياج كل مَنْ سواه اليه صفة كمالٍ و المساواة تستلزم فَواتَها و عدمها نقص لايَجْري علي الوجوب و الغني المطلق و الثالث هُوَ الذي لايحتاج الي مددٍ من غيره من طعام و شرابٍ ظاهرَيْن او باطنين كالتعلّم فانّ العلم طعام و شراب قال تعالي فلينظر الانسان الي طعامه اي الي علمه من اَيْن ياخذهُ انا صببنا الماۤء صبّاً اي العلم و كعبادة الغير و منه قوله (ع) في حقّ الملاۤئكة طعامهم التسبيح و التقديس ، و كالوجود او الايجاد قال العسكري عليه السلام و روحُ القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدَاۤئِقِنا الباكورة ، و كالاستعانة و الاستجارة و امثال ذلك و يجمعها الحاجة الممتنعة من الازل و الرابع هو الذي لاتجري عليه الغفلات و لا البَدَوات كالرضا و الغضب و الغفلة و التوجّه و النوم و اليقظة و الذكر و النّسيان و ما اشبه ذلك من صفات الافعال و الخامس هو الذي لاتتغير ذاته و لاتتبدّل صفاته و لاتختلف حالاته و قال الباقر (ع) كان محمد بن الحنفية رضي اللّه عنه يقول الصمد القاۤئم بنفسه الغني عن غيره يعني الذي اعتماد وجوده و صفاته و قوامه بذاته و قال الصمد السيد المطاع الذي ليس فوقه آمِرٌ و ناهي ، يعني الذي يدخل كل من سواه تحت قهّاريته و لايدخل تحت قهّاريّة احدٍ و سئل علي بن الحسين زينالعابدين (ع) عن الصمد فقال الصّمد الذي لا شريك له و لايؤدهُ حفظ [ص 12] شيء و لايعزب عنه شيء ، يعني الصمد هو الذي تفرّد بالصفة و الفعل و الملك و العبادة و به قِوام كل شيء و لايغفل عن شيء و عن زيد بن علي بن الحسين عليه السلام الصمد هو الذي اذا اراد شيئاً ان يقول له كن فيكون و الصمد الذي ابدع الاشياۤء فخلقها اضداداً و اشكالاً و ازواجاً و تفرّد بالوحدة بلا ضدٍّ و لا شكل و لا مثل و لا ند ، يعني هو العام القدرة فليس عنده ايجاد شيء اسهل من ايجاد اٰخر و هو الذي يخترع اصناف البداۤئع علي ما يطابق الحكمة البالغة من غير ان يحذو فيها حذوَ غيره و هو الفرد الاحد المعني فلا ضدّ له يخالف ذاته و لا شكل له غير علمه الذي هو ذاته و لا مثل له الّا مَا عَرّفَ من صفاتِه و اظهر من آياته و لا ندّ له مشارك في صفاته الذّاتية و عن الصادق (ع) جعفر بن محمد عن ابيه الباقر عن ابيه عليهم السلام ان اهل البصرة كتبوا الي الحسين بن علي عليهما السلام يسئلونه عن الصمد فكتب اليهم بسم اللّه الرحمن الرحيم امّا بعد فلاتخوضوا في القرءان و لاتجادلوا فيه و لاتتكلموا فيه بغير علم فاني سمعتُ جدي رسول اللّه (ص) يقول مَن قال في القرءان بغير علم فليتبوّأ مقعده من النار و ان اللّه سبحانه قد فسّر الصمد فقال اللّه احد اللّه الصمد ثم فسّره فقال لميلد و لميولد و لميكن له كفؤاً احد لميلد لميخرج منه شيء كثيف كالولد و سائر الاشياۤء الكثيفة التي يخرج من المخلوقين و لا شيء لطيف كالنفس و لايتشعّب منه البَداوات كالسِّنة و النوم و الخطرة و الهمّ و الحزن و البهجة و الضحك و البكاۤء و الخوف و الرجاۤء و الرغبة و السأمة و الجوع و الشَبَع تعالي ان يخرج منه شيء و ان يتولّد منه شيء كثيف او لطيف و لميولد لميتولد من شيء و لميخرج من شيء كما تخرج الاشياۤء الكثيفة من عناصرِها كالشيء من الشيء و الدّاۤبّة من الدابة و النبات من الارض و الماۤء من الينابيع و الثّمار من الاشجار و لا كما تخرج الاشياۤء اللطيفة من مراكزها كالبصر من العين و السمع من الاذن [ص 13] و الشم من الانف و الذوق من الفم و الكلام من اللسان و المعرفة و التمييْز من القلب و كالنار من الحجر لا بل هو الصمد الذي لا من شيء و لا في شيء و لا علي شيء مبدع الاشياۤء و خالقها و منشئ الاشياۤء بقدرته يتلاشي ما خلق للفناۤء بمشيّته و يبقي ما خلق للبقاۤء بعلمه فذلكم اللّه الصمد الذي لميلد و لميولد عالم الغيب و الشهادة الكبير المتعال و لميكن له كفؤاً احد و عن جابر بن يزيد قال سألتُ اباجعفر (ع) عن شيء من التوحيد فقال ان اللّه تبارك و تعالي اسماۤؤه التي يُدعي بها و تعالي في علوّ كنهه واحد توحّد في التوحيد في علو توحيده ثم اجراه علي خلقه فهو واحد صمد قدّوس يعبده كلّ شيء و يصمد اليه كل شيء و وسع كل شيء علماً ، فاشار الي ان الصمد هو الذي يعبده من سواه و هو الذي يصمد اليه في الحواۤئج و هو الذي اَحاط بكلّ شيء علماً عن داود بن القٰسم الجعفري قال قلتُ لابيجعفر (ع) جُعِلتُ فداك ما الصمد قال السّيد المصمود اليه في القليل و الكثير ، يعني الذي يحتاج اليه في كلّ شيء من خلقٍ و رِزْقٍ و حيوة و مماتٍ و ما يتشَعّبُ عنها و يترتّب عليها و اشار بقوله لميلد و لميولد الي وصف المعبود المشار اليه بهو المبيّن بقوله اللّه الموصوف باحد الذي هو الصمد الذي لميلد يعني لميخرج منه شيء ذات او صفة او فعل ذاتي او عرضي و ذلك ما اشار اليه الحسين (ع) مُفَصَّلاً فٖيما كتب لاهل البصرة اِذْ من كان كذلك كان مختلِفاً متغيِّراً متهافتاً و لميولد يعني لميخرج من شيء كما مر من ذاتٍ او صفة او فعل ذاتي او عرضي علي نحو ما ذكر في الحديث المذكور اذ لا زيادة علي ما اشار عليه السلام اليه الّا مما هو متفرع عليه فلانعيده و لميكن له كفؤاً احدٌ يعني لميكافيه اي يشاكله و يماثله و يعادله و يساويه او يخالفه او يضاۤدّه او يناۤدّه في ذاته او في صفاته او في فعله او في عبادته او في غناه و فاقة ما سواه اليه او في قيّوميّته او في قيامه علي كل نفس بما كسبت او في احاطته بما سواه او في تدبيره و تقديره او في ملكه [ص 14] او في تصرّفه او في امره او في هويّته او في اِلٰهيّته او في احديّته او في صمديّته او في استقلاله و تفرّده او في ثباته علي حاله او في معرفته او في آياته او في امثاله او في كلامه او في شيء ما او ليس له صاحبة و لا ولد و لو فرضاً او توهّماً او احتمالاً اَوِ اعتباراً في كل جهة من جهاتِ الفروض المحتملة و التوهمات الجاۤئزة في حال من الاحوال لا اله الّا هو الكبير المتعال و قال بعض ارباب البيان وجَدْنا انواع الشرك ثمانية النقص و التقلّب و الكثرة و العدد و كونه علّة او معلولاً و الاشكال و الاضداد فنفي اللّه سبحانه عن صفته نوع الكثرة و العدد بقوله هو اللّه احد و نفي التقلّب و النقص بقوله اللّه الصمد و نفي العلة و المعلول بقوله لميلد و لميولد و نفي الاشكال و الاضداد بقوله و لميكن له كفؤاً احد فحصلت الوحدانية البَحْت انتهي .
ثم اعلم ان احد في اوّل السورة كما اشرنا لك يدل علي محض البساطة و الوحدة العارية عن الكلّية و الجزئيّة و العموم و الخصوص و التشكيك و التواطئ و الترادف و غير ذلك فلايصح معرفته باثبات غيره و لا بنفيه كما مر و انما تصح معرفته به عند نفي غيره فاحديّته احديّة حقيّة بخلاف احد في آخر السورة فَاِنَّ احَديَّتَهُ اَحَدِيَّةٌ حقيقية لغويّة اي علي ما يعرفه اهل اللّغة فصدقه علي القليل و الكثير اثباتاً و نفياً انّما هُوَ بتناوُل لفْظهِ المطلق لغةً بخلاف اَحدٌ في اوَّلِ السورة كما مرّ و روي انّ النبي (ص) بعث سريّة و استعمل عليها عليّا (ع) فلما رجعوا سألهم فقالوا كل خيرٍ غيرَ انه قرأ بنا في كل الصلوة بقل هو اللّه احد فقال يا عليّ لم فعلتَ هذا قال لحُبّي لِقُلْ هو اللّٰهُ اَحَدٌ فقال النبي (ص) مااحببتها حتّي احبَّك اللّٰهُ عز و جل و قال رسول اللّه (ص) من قرأ قل هو اللّه احد حين يأخذ مضجعه غفر اللّه له عزّ و جل ذنوب خمسين سنة و عن جعفر بن محمد عن ابيه عليهما السلام ان النبي (ص) صلي علي سعد بن معاذ فقال لقد وافي [ص 15] من الملاۤئكة للصلوة عليه سبعون الف ملك و فيهم جبرئل (ع) يصلون عليه فقلتُ يا جبرئل بم استحق صلاتكم عليه قال يقرأ قل هو اللّه احد قائماً و قاعداً و راكباً و ماشياً و ذاهباً و جائيا و عن ابيبصير عن ابيعبداللّه (ع) قال من قرأ قل هو اللّه احَدٌ مرةً واحدة فكأنّما قرأ ثُلث القرءان و ثُلث التورية وَ ثلث الانجيل و ثلث الزبور و صلي اللّه علي محمد و آله الطاهرين .
قال سلمه اللّه تعالي : و آية النور من اولها الٰي آخرها .
اقول يريد تفسير آية النور و هي قوله تعالي اللّه نور السموات و الارض مثل نوره كمشكوة فيها مصباح المصباح في زجاجة الي قوله لعلهم يتفكرون بغير ما ذكره المفسّرون و لقد شافهني بذلك مراراً و كان هذا مِنْ اصعب الامور علي النفس التفاتاً الي قول الصّادق (ع) ما كلُّ ما يُعْلَمُ يُقَال و ما كلّ ما يُقَال حان وقته و ما كلّ ما حانَ وقتُه حضر اهله ، و لنهيه (ع) حيث يقول لاتحدِّث بما تسارع العقول الي انكاره ، و لكن الميسور لايسقط بالمَعْسور .
فاقول قال سبحانه اللّه نور السموات و الارض اي هادي من في السموات و الارض و مُنوّرُهم اي موجدهم بالنور من النور و مزيّنُهم بالهادين من الانبياۤء و الاوصياۤء و العلماۤء و المؤمنين و معطيهم ما ينفعهم و المحسن اليهم و المنعم عليهم و راحمهم و دليلهم الي مصالحهم و دالُّهم علي ما فيه نجاتهم و معني انه سبحانه نور السموات و الارض بما ذكر و نحوه انه اوجدهم بمشيته و اقامهم بامره و عرّفهم نفسه بنفسه و انفُسَهُمْ بانفسهم و فتح لهم ابواب رحمته بطاعته و خصّ السموات و الارض بالذكر مع ارادة دخول فلك المحدد و الكرسي و ساۤئر الافلاك الكلية و الجزئيّة لانهما هما المعروفانِ عند عامة الناس و خصّ المذكورات بالذكر دون الملاۤئكة و الانس و الجن و الشياطين و ساۤئر الحيوانات لانّها مطارح الانوار و خزاۤئن الاسباب و علل الاشياۤء و يجوز ان يكون المعني انه [ص 16] سبحانه ينوّر بالسموات و الارض مَن فيهن من الخلاۤئق بما جعل فيها من اسباب ارزاقهم و ما يوعدون و اَن يكون المعني انه سبحانه نوّر السموات و الارض بالصالحين من خليقته امّا بما يدعون اليه او بما يدعونه له او بما يدعون به او بما يدعون فيه فانّ البيوت التي يعبد فيها تزهر لاهل السماۤء كما تزهر النجوم لاهل الارض او المراد سموات العقول بما فيها من انوار معرفته و ارضي النفوس بما فيها من انوار طاعته او تحقيق انوار تلك بهذه او اظهار انوار هذه بتلك او لتلك بانفسها فاللّه عز و جل نور السموات و الارض بكلّ معني و النور هو الظاهر في نفسه المظهر لغيره امّا انه سبحانه المظهر لغيره فكما اشرنا اليه فهو نور و امّا انه الظاهر في نفسه فلان كل ظاهر سواه فانما ظهر بفضل ظهوره و غيّب ما سواه ظهورُهُ فهو اظهر من كلّ ما سوَاهُ قال الحسين عليه السلام اَيكون لغيرك مِنَ الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهِرَ لك متي غبتَ حتّي تحتاج الي دليل يدلّ عليك و متي بعدتَ حتّي تكونَ الاشارة هي التي توصل اليك ، و ذلك لانّ الظاهر بظهورٍ يكون اظهر من ظهوره و ليس شيء من خلقه الّا و هو ظهوره و يجوز ان يكون معني الظاهر في نفسه انه ظاهر بمعناه اي بما يقصد باسماۤئه و صفاته و معرفته .