مثل نوره اي مثل هداه لما سواه او ايجاده او ما اشير اليه سابقاً او انه لايراد بهذا النور ما يراد من الاوّل و المراد بالمثَل بفتح الثاۤء الوصف او الذكر او الاثر او نفس المضاف اليه اي مثل هو نوره او الدليل عَلي نوره اَوْ هيكل نوره و المراد من النور الايجاد او الوجود او الموجود او هداه او ظهوره او نور الايمان به في قلوب اهل السموات و الارض او هو القرءان او نوره في صدور الذين اوتوا العلم او سبحات جلاله الدالة علي توحيده في ذاته و صفاته و افعاله و عبادته و علي عدله او امره الذي قامت به السموات و الارض او وحيه اَوْ وجهه [ص 17] الباقي بعد فناۤء كل شيء او نوره الادلّة الدالة علي توحيده او مثل نور من آمنَ به كما في قراۤءة ابيّ او نوره قيّومية صمديته لمن صمد اليه او هو محمد صلي اللّه عليه و آله كما دلّت الاخبار المتكثرة عليه او رسالته (ص) قال تعالي قد جاۤءكم من اللّه نور و كتاب مبين يهدي به اللّه من اتبع رضوانه سبل السلام و يخرجهم من الظلمات الي النور باذنه او هو الامامة قال تعالي و يهديهم الي صراط مستقيم او العقل الاوّل و هو الاسم الذي اشرقت به السموات و الارضون او انوار العرش الاربعة او العلم مطلقا او في اللوح المحفوظ او هو الولي عليه السلام قال اللّه تعالي و اشرقت الارض بنور ربّها و غير ذلك .

كمشكوة فيها مصباح المشكوة الكوّة في الحَاۤئط غير النافذة يوضع عليها الزجاجة ثم يكون المصباح خلف الزجاجة فينبعث نور المصباح من الزجاجة و يقع علي حائط الكوّة و ينعكس منه الي الزجاجة فيكون نور المصباح و نور الزجاجة و نور الحاۤئط ينعكس بعضها علي بعض و المصباح السراج و قيل المشكوة القنديل و السراج الفتيلة و الاولي ان يقال المصباح هو السّراج المنير قال تعالي و داعياً الي اللّه باذنه و سراجاً مُنٖيراً و السراج هو مجموع النار و الدهن و ذلك انّ النار بقوة حرارتها تلطّف الاجزاۤء الدهنية المقاربة لها حتي تكون بحرارتها و يبوستها تُحٖيلُهَا دخاناً فينفعِل ذلك الدخان عن النار بالنّور و الحافظ للدخان اجزاۤء دهنيّة مقاربة للدخانية تنشّ لقربها من النار تمد الدخان المنفعل بالضوء عن النار بالتدريج لئلّايتلاشي الدخان و يضمحلّ فتنطفي النار و الفتيلة ركن للدهن في السّراج لانّ الدخان مستحيل من الدهن و من الفتيلة و لايلزم تساوي الاجزاۤء و لا ان يكون من الفتيلة و قال عبدالرزاق الكاشي صفة وجوده و ظهوره في العالَمين بظهورهما به كمثل مشكوة فيها مصباح و هي الاشارة الي الجسد الظلمانيّة في نفسه و تنوّره بنور الروح الذي اشير اليه بالمصباح [ص 18] و تشبكه بشباك الحواۤسّ و تلالئ النور من خلالها كحال المشكوة مع المصباح .

المصباح في زجاجة اي السراج في زجاجة و الزجاجة القلب المستنير بنور الروح او العقل و الفتيلة علقة الدم و الدهن الدم الاصفر القاۤئم بالعلقة الذي يحمل الطباۤئع الاربع و الدخان ما اعتدل نضجه من ابخِرة الدم الاصفر و قد يكون بمشاركة العلقة و استنارة الكوّة من الزجاجة باشراق المصباح عليها كاستنارة الجسد بنور الحيوة و ما يلزمها من القوي من القلب باشراق الروح او العقل عليه و هو مثل لذلك و ذلك مثل لاستنارة العالم من المحدّد بما يفيض علي الافلاك و ما فيها من الاوراح ( الارواح ظ ) و القوي و الاشعة المنبسطة منها علي ما تتعلق به من العالم السفلي لانتظام الاقوات باشراق العقل الاوّل عليه و ظهوره بما اودع فيه من الخزاۤئن المشار اليها بقوله تعالي و ان من شيء الّا عندنا خزاۤئنه و قوله تعالي و في السماۤء رزقكم و ما توعدون فهو بما اودع من الخزاۤئن و اُعٖينَ من التسخير للافلاك يقدّر لها ما اُودِع فيها من التقدير الذي به النظام .

الزجاجة كأنها كوكب درّيّ اي كوكب يشبه الدُرّ في صفاۤئه بضم الدال و تشديد الياۤء و قد تكسر الدال و قرئ بتخفيف الياۤء و الهمزة بعدها مِنْ دَرَأَ لانّه لشدّة نوره يدرأ الظلام اي يدفع اي ذلك القلب كأنه كوكب يشرق بجوهريّة صفاۤئه و نوريته و بما يشرق عليه من نور الروح فان قلت فايّ اشراق في المحدّد المشبّه بالزجاجة المشرقة قلتُ انّ اشراقه علي الافلاك و ما فيها من الكواكب اعظم من اشراق الكوكب الدرّي لانّه صاحب التسخير لها فهو يمدّها بقوته و يمد الشمس بعقله فتمد زحل و القمر و يمدها بنفسه فتمدّ الشمس المشتري و عطارد و يمدّها بطبيعته فتمدّ المريخ و الزهرة فهو بحركته يقدّر مكث اشعّتِهَا علي مطارحها من العالم السفلي فلا اشراق [ص 19] اعظم من هذا .

يوقد من شجرة مباركة زيتونة الشجرة شجرة الزيتون و دهنها اصفي من ساۤئر الادهان و اضوء لاسيما في السراج و قيل انّها اوّل شجرة نبتت في الدنيا بعد الطوفان و منبتها منزل الانبياۤء (ع) و سمّيت مباركة لانه قد بارك فيها سبعون نبيّاً منهم ابراهيم (ع) و الشجرة هي النفس و تطوّراتها و تشعّب تعلّقات افعالها كل منها بما يليق له من الجسد و الجسم اغصٰان لها و ما يترتب علي ذلك من الاحكام الوجودية و التشريعية ثمرات لها قال تعالي و اوحي ربك الي النحل ان اتخذي من الجبال اي الاجساد و الاجسام او انّه جمع جبلّة و هي الطبيعة و ذلك علي تفسير ظاهر الظاهر بيوتا و هي مطارح ارتباطاتها و افعالها من الاجساد و الاجسام و الطباۤئع و من الشجر اي النفوس كما مر و ممّا يعرشون من تعلّقات اَفْعالِ النفس بالاجساد و الاجسام و الطباۤئع ثم كلي من كلّ الثمرات و هي مقتضيات تلك النسب الحاصلة من تلك التعلقات المقتضية للاحكام الشرعية المستلزمة بامتثالِها و القيام بها لاستِنارة القلب وَ الطبيعة و الجسم و الجسد بنور العقل و الروح لاستمدادها بتلك الاعمال بواسطة العقل و الروح من المبدء الفياض و الشجرة هي الشجرة الكلية و الحقيقة المحمّدية و مقام اوْ ادني و المشية و الارادة و الابداع و الاختراع سُمِّيَتْ بذلك لتشعّب وجوه تعلقاتها بذرّات الوجود التي لاتتناهَي في مراتب الامكان شعوباً و قباۤئِل فمنها شُعَبٌ و منها غصون كليّة و منها غصُون جزئيّة و منها ورَقٌ و مما ذكر اكوان و اعيان و مقدّرات و مقضيات و مُمْضيات و امكانات و جواهر و اعراض و اضافات و نسب و اوضاع و كتب و آجال و اوقات و غير ذلك و هي مباركة لبركة آثارها قال تعالي اَنْ بُورِكَ مَنْ في النار و مَنْ حولها او هي شجرة الاخلاص للّه وحده لا شريك له في مراتب التوحيد الاربع فانها شجرة خضراۤء [ص 20] ناعمة طيبة مباركة تؤتي اكلها كلّ حين باذن ربها .

لا شرقية و لا غربية لايَفيءُ عليها ظلّ شرقٍ و لا غربٍ بل هي علي سواۤء الجبل تطلع الشمس عليها و تغرب او ليست بشرقية لاتصيبها الشمس اذا غربت او الّا اذا غربت و لا غربيّة لاتصيبُها الشمس اذا طلعت اوْ الّا اذا طلعت او ليست من شجر الشرق فتغلب عليها حرارة الجهة فيضعف زيتها و لا من شجر الغرب فتستولي عليها البرودة كذلك لكنها من شجر الشام الذي جهته اقرب الي اعتدال الشجر اوْ ان الشجرة شجرة النبوة و هي ابراهيم (ع) لان اكثر الانبياۤء (ع) منه و ذلك اثار البركة قال تعالي و باركنا عليه و علي اسحق او لانّ النبي (ص) و آله عليهم السلام من صلبه الذين هم اصل البركة و فرعها و مصدرها و مورِدُهَا و تلك الشجرة لا شرقية اي نصرانية تصلي الي الشرق و لا غربية اي يهودية تصلّي الي الغرب قال تعالي ماكان ابراهيم يهودياً و لا نصرانيا و لكنه علي سواۤء الصراط كان حنيفاً مسلماً ، او لا شرقية مدّعيةً لحال الطلوع من شرق الصدور من النور كالروح المجرّدة عن الارتباط و تعلق الانحطاط و لا غربية منكرة لمبدئها لغلبة طبيعتها و غلظ ماۤدّتها كالاجساد بل هي علي سواۤء الصراط جامعة بين انكسار الانحطاط و قوّة الانبساط او مطمئنة لا امّارة بالسوۤء و لا لوّامة علي الخير و الشر بل مطمئنّة او لا شرقية غاليَة و لا غربية قالية او لا شرقية مسرفة و لا غربيَة مقتّرة او لا شرقية متعزّزة علي المؤمنين بل هي ذليلة عليهم و لا غربية متذلّلة للكافرين بل عزيزة عليهم او لا شرقية ناصبةً للدين و لا غربيّة تابعة للجاحدين بل شاكرة لنعمة ربّ العالمين او لا شرقية تثبت الالوهية و المعبودية لشيء من المخلوقين و لا غربيّة تجحَدُ ولاية اميرالمؤمنين عليه السلام اوْ لا مدّعية ما لا ليس لها و لا منكرةً لما لها اوْ لا قانطة من رحمة اللّه و لا آمِنةً لمكرِ اللّه .

يكاد زيتها يضيۤء و لو لم‌تمسسه نار اي يكاد قابليتُها تظهر في الكون و التحقّق [ص 21] لشدّة تأهُّلِها للوجود و قربها من فَوَّارة النور بما لها من رجحان زيتها قبل الايجاد او يكاد زيتها لصفاۤئه في نفسه و انعكاس نور الزجاجة عليه بمعونة انعكاس ما في المشكوة يظهر في نفسه و يظهر غيره و لو لم‌تمسَسْهُ نار ينفعل عنها و ذلك لقوّة نضجه و اعتدال هواۤئه و حسن منبته او تكاد النفس الامّارة و اللّوّامة التي كانت فيه صلي اللّه عليه و آله لحفظ وجوده اَنْ تفني ظلمتها لقربها من المبدء و لقلّة ظلمتها لانها هي رأس مخروط الظلمة الضديّة للعقل فتكون بذاتها مُطْمَئِنةً و ان لم‌يستول عليها نور العقل او تكاد الارض الميتة و ارض الجرز التي هي مغرس اغصان الحكمة و منشأ هياكل التوحيد و ارض الامكان التي هي ذوات محمد و اهل بيته (ص) ان تنبت بتلك الاشجار المباركات و الاغصان الباسقات و لو لم‌يقع عليها ماۤء الوجود من سحاب المشية المتراكم او تكاد الماهية ان تنوجد لقرب رتبتها من المبدءِ لان رأس مخروطها مساوق لقاعدة الوجود بالنسبة الي الايجاد و الاختراع قبل ان توجد بتبعيّة الوجود .

نور علي نور يعني ان المشكوة المستنيرة بنور الزجاجة المنيرة بذاتها المستنيرة بالمصباح المنير نور علي نور او ان صدر محمد صلي اللّه عليه و آله او صدر علي عليه السلام او الائمة عليهم السلام او المؤمن المستنير بنور القلب المنير بذاته المستنير بنور العقل او الروح او العلم نور علي نور او انّ الامثال و الادلّة المؤيّدة بنور الحكمة او العقل او العلم المستندة الي القرءان المستنيرة بمحكم ظاهره و ظاهر ظاهره و باطنه و باطن باطِنه و تأويله و باطن تأويله نور علي نور اوْ ان مشكوة ابراهيم و زجاجة اسمعيل و مصباح محمد (ص) نور علي نور او ان مشكوة عبدالمطلب و زجاجة عبداللّه و مصباح محمد (ص) نور علي نور او هو المؤمن المستغرق في اللّه ان اعطي شكر و ان ابتُلي صبر و ان حكم عدل [ص 22] و ان قال صدق و ان وعد وفي و ان ظُلِم عفا و ان نظر اعتبر و ان صمتَ فكر و ان تكلم ذكر فهو حي بين الاموات كلامه نور و صمته نور و علمه نور و نظره نور و مدخله نور و مخرجه نور و مصيره الي نور فهو نور علي نور او حسه نور و فكره نور و خياله نور و علمه نور و قلبه نور و فؤاده نور فهو نور علي نور .

يهدي اللّه لنوره مَنْ يشاۤء يعني يهدي اللّه لمعرفته و معرفة معانيه و ابوابه و رسله و اولياۤئه و محبّيهم مَن يشاۤء او يهدي اللّه لدينه و ايمانه من يشاۤء و الدّين و الايمان و المعرفة قد يجتمع بعضها مع بعض و قد يفترِق فبينَ كُلٍّ وَ كُلٍّ عُمومٌ و خُصوصٌ من وجهٍ او يهدي اللّٰهُ لاِجَابته من يشاۤءُ او للنبوّة و الولاية اَوْ للاسلام اَوْ لمعرفة نفسه المستلزمة لمعرفة ربّه او لهُدَاه قال تعالي اولۤئك الذين هدي اللّه فبهُداهم اقتَدِه او لمعرفة القرءان او الاهتداۤء بهداهُ او للبصيرة في الدّين او لمعرفة الاشياۤء كما هي او لمعرفة الوجود المستلزم لمعرفة المعبود او لمعرفة التقوي و اليقين او لمعرفة التفقّه او الاحكام الشرعية او للعلم و العمل او للتقرب بالنّوافِل المستلزم للمحبّة الموجبة للعلم باللّه و القيام بامر اللّٰهِ .

و يضرب اللّه الامثال بخلقهم انفسهم و بخلق الاشياۤء كانزال المطر مثلاً للدنيا و للبعث و كالايات الدالة علي الابواب الداۤلة علي المعاني الدالّة علي التوحيد و آيات الانفس و الاۤفاق و ضرب الامثال للخلق من انفسهم و بٰاياتِهٖ الدالة علي توحيده و نبوّة محمد (ص) و ولاية الائمة عليهم السلام و بها لاولياۤئه (ع) قال تعالي و كأيّن من آيةٍ في السموات و الارض يمرّون عليها و هم عنها معرضون و قال سنريْهم آياتنا في الٰافاق كما ضرب هنا لنِوره نور محمد و اهل بيته (ع) بالمشكوة و الزجاجة و الزيْت و السراج و في انفسهم حتّي يتبيّن لهم انه الحقّ و قال تعالي و في انفسكم افلاتبصرون و غير ذلك و الامثال جمع [ص 23] مَثَل محركاً كسبب و اسباب او جمع مِثْل بكسر ميم و سكون الثاۤء كَحِمْلٍ و احْمال فالاوّل تشبيه لصِفَةِ المؤثِّر بايجاد الاثر و الثاني تمثيل لصفة المؤثر بصفة الاثر و يضرب اللّه الامثال للحقّ لان الحق بالمثال و الباطل بالجدَال .

و اللّه بكلّ شيءٍ عليم بما يوافق الطباع المتباينة و الاذواق المختلفة في تعريفهم و دعاۤئهم لما يحييهم بالمثال و الامثال و الحكمة و الجدال و الاشواق و الاحوال و بالافعال و الاقوال و بالعلوم و الاعمال و ذلك لطف بالمكلّفين ليدعوهم بالتي هي احسن اقامة للحجة عليهم ليهلك مَن هلك عن بيّنة و يحيي من حيّ عن بيّنةٍ و عن الباقر (ع) ان قوله كمشكوة فيها مصباح و هو نور العلم في صدر النبي (ص) و الزجاجة صدر علي (ع) علّمه النبي (ص) فصار صدره يكاد زيتها يضيۤء و لو لم‌تمسسه نار يكاد العالم من آل‌محمد (ص) يتكلّم بالعلم قبل ان يُسْئل نور علي نور امام مؤيّد بنور العلم و الحكمة في اثر امام من آل‌محمد (ص) و ذلك من لدن آدم الي وقت قيام الساعة هم خلفاۤء اللّه في ارضه و حججه علي خلقه لاتخلو الارض في كل عصر من واحد منهم و عن احدهم (ع) ما معناه مثل نوره هو محمد (ص) كمشكوة هو صدر علي (ع) فيها مِصْباح نور العلم من محمد (ص) في صدر علي (ع) المصباح في زجاجة هو الحسن بن علي (ع) الزجاجة هو الحسين (ع) كأنها كوكب دري فاطمة (ع) تزهر لاهل السماۤء كما تزهر النجوم لاهل الارض يوقد من شجرة علي بن الحسين (ع) مباركة محمد بن علي الباقر (ع) زيتونة جعفر بن محمد (ع) لا شرقية موسي بن جعفر (ع) و لا غربيّة علي بن موسي (ع) يكاد زيتها يضيۤء محمد بن علي الجواد (ع) و لو لم‌تمسسه نار علي بن محمد الهادي (ع) نور علي نور الحسن بن علي العسكري يهدي اللّه لنوره من يشاۤء القاۤئم المهدي (ع) ، و روي احاديث كثيرة بتفسير هذه الٰاية الشريفة بالائمة عليهم السلام بغير هذه [ص 24] الرواية و بغير ترتيبها و هذا الاختلاف مع اتفاق معانيها فيهم عليهم السلام و هذا الذي اشرنا اليه فيه كفاية لاولي الالباب في بيان هذه الٰاية الشريفة و الحمد للّه ربّ العالمين و صلي اللّه علي محمد و آله .

قال سلمه اللّه تعالي : و حقيقة الفرق بين النبوّة و الولاية .

اقول النبي في ظاهر اللغة هو الانسان المخبر عن اللّه بغير واسطة بشر سواۤء كان له شريعة كالرسول (ص) و ساۤئر الرسل (ع) ام لا كيحيي (ع) و ساۤئر الانبياۤء (ع) و هو مشتق من انبأ اي اخبر عن اللّه سبحانه او من نبا ينبو بمعني ارتفع لانه ارتفع و شرف علي غيره و ربّما فرِق بين النبي وَ الرسول ان النبي من ليس له شريعة و الرسول له شريعة و بان النبي (ص) يري في منامِهٖ و يسمع الصوت و لايعاين الملك الذي يوحي اليه في الايحاۤء و الرسول يري في المنام و يسمع و يعاين و الرسول قد يكون من غير البشر بخلاف النبي و روي ان الانبياۤء ماۤئة الف نبي و عشرون الف نبيّ او اربعة و عشرون الف نبي علي اختلاف الروايتين المرسلون منهم ثلاثمائة و ثلاثة‌عشر رسولاً كعدة اصحاب بدر و كعدة اصحاب القاۤئم (ع) .

و امّا الولاية بفتح الواو فهي الربوبيّة قال اللّه تعالي هنالك الوَلاية للّه الحق و قد تكسر الواو و بالكسر بمعني ولاية السلطان و الملك و قد تفتح الواو فالولي هو المتولّي للاُمور و تدبيرها و المربّي لها فالنبوّة هي اخبار و رِسَالة عن اَوٰامرِ الملِكِ وَ نهْيهِ و الولاية هي تولّي سلطنة الملِكِ و مملكته و تدبيرها و النظر فيها و النبي لما كان حاملاً لامر الملك و نهيه الي الرعيّة لزم ان تكون له ولاية ليتصرف في تبليغ الرسالة و تقويم الرعية علي حَسب مراد الملك فكانت الولاية لازمة للنبوة و لا عكس فكل نبيٍ وليٌّ و لا عكس و الاصل في ذلك انّ الظاهر اذا ثبت دلّ علي وجود الباطن و الباطن لايدل علي وجود الظاهر [ص 25] فالولاية روح النبوة و نفسُها قال صلي اللّه عليه و اله لعلي عليه السلام انت مني بمنزلة الروح من الجسد و قال (ص) انت نفسي التي بين جنبي .

قال سلمه اللّه تعالي : و ما حقيقة الولاية باطن النبوة و ما حقيقة معناهَا .

اقول قد تقدم في المسئلة التي قبل هذه جواب هذه المسئلة فراجعه فان النبوة الرفعة و الشرف او الاخبار عن مطلب الغير و لايكون ذلك حتي يتسلّط و يطّلع علي وضع الاشياۤء من التكاليف مواضعها و لايكون ذلك حتي يتولّي من قبل الاۤمِر علي المكلّفين ليتصرف كما امر و هو الولاية فكانت الولاية باطن النبوة فافهم .

قال ايده اللّه تعالي : و ما معني الحديث داخل في الاشياۤء لا كدخول شيء في شيء و خارج عن الاشياۤء لا كخروج شيء من شيء .

اعلم انّ الازلي داخل في الاشياۤء و خارج منها بحالٍ واحد فهو ليس داخلاً فيها و لا خارجاً منها دفعة و هذا لا شكّ فيه اما انه داخل فلانّه لو لم‌يكن داخلاً لخلَتْ منه و مَن خلا من شيء كان محصوراً و المحصور حادث لاحتياجه الي المكان و الجهة فانه يقال هو في كل شيء الّا هذا الشيء و لو لم‌يكن خارجاً لاشتملت عليه و لزمه الحِوَاية و المحويّ حادث لاحتياجه الي ما حواه و الّا لم‌يحوهِ فعلي هذا كان داخلاً خارجاً دفعة و هو معني ليس بخارجٍ و لا داخلٍ دفعة و يَلزم من ذلك انّ خروجه ليس بمزايلةٍ و الّا لكان دخوله بملاصقةٍ و بالعكس و المزايل محصور في غير ما زايله و الملاصق مُشَابِهٌ لما لاصَقهُ و قوله داخل لا كدخول شيء في شيء فيه لحاظانِ احدهما ان دخوله لو كان كدخول شيء لزمه الحواية و الملاصقة و يلزم ذلك الاجتماع و الاقتران و من كان كذلك كان مشابهاً و حادثاً كما قلنا و ثانيهما انه شيء فاذا قلنا داخل فيها لو كان الشيئان متساوِيَين لزم ما ذكر من المحذورات فيجب ان يكون المراد من شيئيته [ص 26] غير ما يراد من معني الشيئيّة المفهومة لانّ الشيئيّة التي هي بحقيقة الشيئيّة لايُدرك معناها مَن شيئيّته بغيره لان هذه مشتقة مِنْ شاۤء فالشيء شيء لانه مشاۤء و صادر عن المشيّة و الشيئيّة بحقيقة الشيئيّة بخلاف ذلك و خلاف خلاف فلا مثل له و لا ضد و لا ند و امّا الشيء في الشيء دخولاً او خروجاً فمن مرحلةٍ واحدة فالشيء في الشيء يلزمه الملاصقة و الاقتران و لو معني و خروج شيء من شيءٍ تلزمه المفارقة و الجهة و الحصر فلما كانت شيئيّته ليست كشيئيّة الاشياۤء كان دخوله فيها لا كدخول شيء في شيء بل دخوله عين خروجه فخروجه بلا مفارقة عزلة بل بمفارقة صفة و دخوله بلا ملاصقة حلول و مشابهة بل بملاصقة قيوميَةٍ و احاطة فافهم .

قال سلمه اللّه تعالي : و ما معني يا نعيمي و جنّتي في المناجات للسجاد (ع) .

اقول معني كون اللّه نعيمه ان حبّه و لذّة مناجاته و مشاهدة انوار جلاله عند العارف نعيم مقيم لم‌يخلق اللّه سبحانه في الوجود نعيماً و لا لذّة اعظم منها و اليه الاشارة بقوله تعالي في الحديث القدسي في حق الخصيصين من المؤمنين قال تعالي و اذا تلذّذ اهل الجنة بمٰاكلهم و مشاربهم تلذّذوا بمناجاتي و بكلامي ، و باقي السؤال مع ملاحظة هذا الكلام ظاهر .

قال سلمه اللّه تعالي : و بين لي في آخر الاجوبة طريقة الرياضة و كيفيّة تحصيل السعادة و المعرفة و قل لي اي شيء افعل في الخلوة و بيّن لي كل شيء تري فيه صلاح احوالي و لاتتأمّل في قضاۤء حاجتي و انا واللّه العظيم معترف بلساني و قلبي و جوارحي بان حقيقة الحق عندك و به و بركتكم و حسن التفاتكم كشف اللّه عن قلبي غطاۤء الظلمة و الرَّيْب و ابسط كل البسط في الْاَحقيّة و اكشف غطاۤء الاجمال وَ اكتب حقيقة الكشف و لاتقتصر بالاستدلال حتي تكون اجوبتكم ذخيرتي في دُنياي و آخرتي و انسي في وحشتي و خلوتي ان لم‌تكشف الغطاۤء واللّه [ص 27] يوم القيمة عند جدي آخذ ذيلك و اشكو اليه و اعلم يقيناً ان ليس في عصرنا احد يعرف قدركم و انت مجهول القدر كساداتك الطاهرين طوّل اللّه عمركم و جعلني اللّه من العارفين بحقكم و نور قلبي بانوار قلبي بانوار مشكوة معارفكم و فيوضاتكم و لاتنساني من صالح دعائكم و حسن رأفتكم في الدنيا و الٰاخرة و السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته .

اقول ان طريق الحق و نهج الصدق في الرياضة هو ما سَنّه ائمة الهدي عليهم السلام و هو ان تسلك الطريقة المستقيمة في الاحوال و الافعال و الاقوال امّا في الاكل و الشراب فلاتأكل حتّي تجوع فاذا اكلتَ فلاتشبع بل تبقي من شهوتك و لاتشرب حتي تعطش و اذا شربتَ فلاترو و اما في العبادة فتحسن وضوءك و تقرأ عنده الادعية المأثورة و سورة القدر في اثناۤئه و بعد الفراغ تقرأها ثلاثاً و تحسن صلاتك و تقبل عليها بقلبِك و فرّغ قلبَك في صلاتك لعبادة ربّك و تصَلّي صلوة مُوَدّعٍ و امّا في احوالك فاجعل قلبك منبراً للملائكة و لاتَجْعله مربطاً لحيوانات الشهوات و لتكن ذاكراً للّه كثيراً بان لاتغفل عن اللّه فتذكره عند الطاعة فتفعلها و عند المعصية فتتركها و لاتحتقر شيئا من طاعة اللّه فعسي ان يكون فيه رضا اللّه و لا شيئا من معاصي اللّه فعسي ان يكون فيه سخطه و ان تكون دائم النظر في خلق اللّه نظر اعتبار و تدبّر و تتذكر الٰاخرة و الموت و تنظر الي الدنيا و تقلّباتها و عدم دوام لذّاتها و امّا افعالك فَاِنْ قدَرْتَ ان لايتحرّك وَ لٰاتسكن اِلّا بمٰا يُوَافِقُ محبّة اللّٰهِ فافعل فاجعل سعيَك الي المساجد و مواضع الذكرِ و بَطْشَكَ في ما امر اللّهُ تعالي و نظرك و سمعك و جميع جوارحك و امّا اقوالك فلاتنطق اِلّا فيما يعنيك في الدّنيا و الٰاخرة و عليك بقراۤءة القرءان بِتَدَبُّرٍ فانّه مفاتيح خزاۤئن الغيب .

ثم اعلم ان اللّهَ يقول ليس علي الّذين آمنوا و عملوا الصّالحاتِ جُنٰاحٌ فيْما طعموا [ص 28] اذا ما اتّقوا و آمنوا و عملوا الصالحات ثم اتقوا و آمنوا ثم اتّقوا و احسنوا و اللّه يحبّ المحسنين فذكر الايمانَ ثلاث مرّات و التقوي ثلاث مرات فالاوّل الايمان باللّه و التقوي تقوي اللّٰهِ فيما بينك و بينه فلاتنظر غير اللَّهِ الّا بالعَرض كَاَنْ تراه سبباً لفعْل اللّه اَوْ مظهراً لِقدرته و لاتعتمِد علي غير اللّه فٖي شيءٍ قَلَّ اَوْ جَلّ فاِنّ ما سوي اللّٰه لَيْسَ شيئاً اِلّا باللّٰهِ وَ لَاتَثِقْ بغَيْر اللّٰهِ في كلّ حالٍ بل اتّقِ اللّٰه اَنْ تنظر لغيرِ اللّٰهِ شَيْئيَّةً في كلّ لحاظٍ الّا به و التقوي الثانية ان تتّقي نفسك فلاتلين لها و لاتتركها و شهوتها فتورِدَك المهالك بل تجعل همّك في جهادِها و حملها علي الانقياد لامرِ اللّه و الايمان الثاني ان تؤمن بذلك فانّك اذا فعَلتَ بها كذلك غير مؤمن به انهدمَ ما اسَّسْتَ لها و التقوي الثالثة اَنْ تتّقي الناس بان تجتنب ما حملوك من العادات المخالفة للشرع و الاراۤء و مجالسة اهل الغفلة منهم و المعاصي و اَنْ تجتنب كلّما لايحبّون منك مِمّا لٰايُرَادُ منك شرعاً بل تعاملهم بما تحب اَنْ يعاملوك به و تكون مؤمناً بذلك كما ذكرنا و تعمل و تحسن العمل فانه تمام الامر و لاتستصعب ما وصفتُ لك بل تعمل ما تقدر عليه و لاتترك ما تقدر عليه لاجل ما يصعب عليك فانّك اذا فعلتَ ما تقدر عليه قوِيتَ علي ما صعب عليك قال الصادق (ع) بالحكمة يُسْتَخْرَج غَور العقلِ و بالعقل يُسْتَخرج غور الحكمة ، و اذا داومتَ علي الاعمال الصالحة و النوافل انفتحت لك الابواب و تسبّبَتْ لك الاسباب و رُفع عنك الحجاب و رزقك اللّه من رحمته و علمه و معرفته و معرفة احكامه بغير حساب قال تعالي مازال العبد يتقرّب اليّ بالنوافل حتّي اُحِبَّه فاذا احببتُه كنتُ سمعه الذي يسمَعُ به و بصَرهُ الذي يبصر به و يده التي يبطش بها ان دعاني اجبتُه و ان سألني اعطيتُه و ان سكتَ ابتدأته الحديث ، فاذا تقرّب العبد الي اللّه بالنوافل احبّه فاذا احبّه قال (ص) ليس العلم بكثرة التعلم و انما هو نور يقذفه اللّه في قلب مَن يحبّ فينفسح فيشاهد الغيب و ينشرح فيحتمل البلاۤء [ص 29] قيل و هل لذلك من علامةٍ قال (ص) التجافي عن دار الغرور و الانابة الي دار الخلود و الاستعداد للموت قبل نزوله ، فهذه حقيقة الطريقة و طريقة الحقيقة و هي اقرب الطرق الي اللّه و اقومُها و امّا ما ذكره اهل التصوّف و اصحاب التقشّف من الرياضات و الاذكار التي لم‌ترد عن الائمة الاطهار فذلك زخرف القول يفعلونه غروراً و لو شاۤء ربّك مافعلوه و لكنّه تركهم و خلّاهم من يد رحمته فذرهم و ما يفترون و ليصغي اليه افئدة الذين لايؤمنون بالٰاخرة من اخوانهم اهل الغواية و الضلالة و الملاهي الذين يطلبون ما يباهون به العلماۤء و يمارون به السّفهاۤء فيصوّرون الباطل في صورة الحق ليستحسنه اهل الالحاد في اسماۤء اللّه و ليرضوه و ليقترفوا ما هم مقترفون و هو طريق كثير الحيات و العقارب مظلم كالليل الدامس مُسْبِع و هو سبيل الفجّار و طريق النار فاجتنبوه لعلكم تهتدون و السلام علي من اتبع الهدي و خشي عواقب الردي و رحمة اللّه و بركاته .

و كتب العبد المسكين احمد بن زين‌الدين و الحمد للّه رب العالمين و صلي اللّه علي محمد و آله .