[ص 1] قصة ايوب

[ص 2] قصة ايوب

[ص 3]

قصة ايوب

في جواب المرحوم الشيخ محمد امانت رحمة الله عليه

من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني مولانا الشهيد

المرحوم الحاج عبدالرضا خان الابراهيمي اعلي الله مقامه

[ص 4] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين .

و بعد يقول العبد المسكين عبدالرضا بن ابي‌القاسم بن زين‌العابدين اعلي الله مقامهما ان العالم العامل و الفقيه الفاضل شيخي و استاذي الشيخ محمد بن الشيخ امان الله البهبهاني اطال الله بقاه و سلمه و عافاه سئلني عن مسألة اشكلت عليه مع قلة متاعي و قصور باعي ظنا منه حفظه الله تعالي بان عندي من علوم مشايخي اعلي الله مقامهم اثارة و عما اشاروا في كتبهم عبارة و قد حسب السراب ماءا و التراب سماءا الا اني ارجو من الله ببركة حسن ظنه ان يلهمني لسؤاله جوابا و يجعله صوابا فانه علي كل شئ قدير و بالاجابة جدير .

فاقول و لا حول و لا قوة الا بالله ان سؤاله كان بالفارسية و حاصل معناه هو السؤال عن سر الاختلاف بين كلمات العالم الرباني و الحكيم الصمداني آية الله في العالمين السيد كاظم بن السيد قاسم الحسيني الرشتي اجل الله شأنه و انار برهانه في شرحه علي الخطبة الطتنجية في قصة ايوب علي نبينا و آله و عليه السلام و ما ذكره مولانا و سنادنا و من عليه في جميع الامور اعتمادنا آية الله في العالمين و حجته في الارضين الحاج محمدكريم خان اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه في الفطرة السليمة .

و لم‌يذكر سلمه الله تعالي عين عباراتهما الا اني فهمت من اشاراته ان مراده من كلام السيد الاوحد اعلي الله مقامه هو ما ذكره في شرح قوله عليه [ص 5] السلام ايها الناس انيبوا الي شيعتي و التزموا بيعتي الخ ، قال اعلي الله مقامه و اما الانبياء فلما سمعوا نداء الحق سبحانه الست بربكم و ذلك النداء نور قد سطع من نور النداء الذي وقع علي محمد و آله عليهم السلام فاخذ عنهم البيعة لاميرالمؤمنين عليه السلام بالولاية كما رواه محمد بن جرير الطبري من العامة عن ابن‌عباس في تفسير قوله عز و جل و اسئل من ارسلنا قبله من رسلنا ان النبي صلي الله عليه و آله قال لما عرج بي الي السماء فاجتمعت مع الانبياء باجمعهم فجاءني جبرئيل فقال يا محمد و اسئلهم بماذا بعثوا فسئلتهم فقالوا بعثنا بشهادة ان لا اله الا الله و بنبوتك و بولاية اميرالمؤمنين عليه السلام ، و كلهم (ع) اجابوا هذه الدعوة و التزموا البيعة الا انه تختلف مراتبهم في ذلك فاولوا العزم ثبتوا و استقروا في التزام البيعة و ماترددوا و ماشكوا و ماتوقفوا و قد مضي قليل من احوالهم و اما غيرهم (ع) فوقعت منهم بعض الهفوات الموهمة للتردد و الشك كما في ايوب (ع) انه لما كان عند الانبعاث عند المنطق شك و بكي و قال هذا امر عظيم و خطب جسيم فاوحي الله اليه يا ايوب اتشك في صورة انا اقمته اني ابتليت آدم (ع) بالبلاء فوهبت له بالتسليم له بامرة المؤمنين و انت تقول خطب جسيم و امر عظيم فوالله لاذيقنك من عذابي او تتوب الي بالطاعة لاميرالمؤمنين (ع) ، و ذلك لما ظهر لايوب نور التجلي و سمع الوحي من كل جانب بكل المشاعر و علم ان ذلك من مخلوق مصنوع لا يشغله شأن من شأن استعظمه عند ذلك اذ غاية ما يفرقون بين المخلوق و الخالق انما هو [ص 6] ذلك فلما وجده منتفيا في المخلوق استعجب و بذلك حدثت حرارة باطنية استلزمت ذوبان الجوارح فاستعبر و بكي و اخرج الدموع المتحقق من عصر القلب الساري في الجوارح كلها بحرارة حركة الباطن و اضطرابه و انما تخرج الدموع من العين لانها اقرب القوي الي الرطوبة و الرطوبة فيها دائمة مستمرة كالانف فميل المناسب الي المناسب اشد و اعظم بالنسبة الي غيره و لما كانت تلك الحرارة الداعية لذوبان الباطن المستلزم للبكاء لم‌تكن من جهة الحق سبحانه احدثت الداء فان الدواء ليست الا اسم الله و ذكره يا من اسمه دواء و ذكره شفاء و لما كانت تلك الحرارة مجتثة لم‌يكن لها اصل من النور الالهي ذهبت و ولت بعد ما عفنت القوي و الجوارح و اذابت و ما اتي لها مدد قوي لانعقادها و نضجها اقتضت دوام عفونة البدن و تكون الدود بذلك و لما كان ذلك التردد و الخطور ليس امرا حقيقيا قلبيا من ايوب النبي (ع) ليقتضي الظهور يوم القيمة ظهرت تلك العفونة الردية المستلزمة لتكون الدود في ظاهر جسده و لم‌يتسلط علي قلبه اللحم الصنوبري لانه لم‌يزل متصلا بحرارة ظهور الحق سبحانه فافهم انشاء الله ، انتهي كلامه علا مقامه .

و مراده سلمه الله تعالي من كلام مولانا المرحوم اعلي الله مقامه هو ما ذكره في الفطرة السليمة في ذكر صفات الانبياء من حيث القابلية ما لاينبغي ان يكون في اعضائهم قال اعلي الله مقامه : و اما في باطنها فلايجوز ان يكون منحرف المزاج عن الاعتدال بحيث يوقعه في الامراض المذمومة كالصرع و الماليخويا و المانيا و الامراض المنفرة للطباع و [ص 7] التي لها ارواح خبيثة حيوانية لها حركات غير منتظمة و اقوال غير متوافقة فانها كلها منافية للتوجه الي المبدء و الاستمداد من عليين و الايصال الي الخلق و ما يحكيه العامة من امراض ايوب و تولد الديدان في جسده و عفونته فذلك بهتان و افتراء كما روي عن اهل العصمة و الطهارة عليهم السلام و الله سبحانه اجل من ان يبعث رسولا الي عباده للايصال و يأمر العباد بالاقتراب منه و الاخذ عنه ثم يبتليه بما يتنفر منه الطباع و يشنع عليه العدو حاشا ثم حاشا ، انتهي .

و وجه الاشكال ظاهر لما في ظاهر الكلامين من التعارض فانه يتراءي من كلام السيد اعلي الله مقامه انه تلقي ما يقال من تولد الديدان في جسده و عفونته بالقبول و علل له و بين وجه الحكمة فيه و انكره مولانا المرحوم اشد الانكار و اشكل علي شيخنا سلمه الله تعالي وجه الاختلاف بينهما .

فاقول و الله المأمول ان الوجه في الاختلاف اختلاف ظواهر الاخبار و اذكر هنا منها ما تيسر ففي البرهان في تفسير قوله تعالي و اذكر عبدنا ايوب اذ نادي ربه اني مسني الشيطان بنصب و عذاب اركض برجلك هذا مغتسل بارد و شراب و وهبنا له اهله و مثلهم معهم رحمة منا و ذكري لاولي الالباب عن علي بن ابرهيم قال حدثني ابي عن ابن‌الفضال عن عبدالله بن بحر عن ابن‌مسكان عن ابي‌بصير عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال سألته عن بلية ايوب عليه السلام التي ابتلي بها في الدنيا لاي علة كانت قال لنعمة انعم الله عليه به في الدنيا و ادي شكرها و كان في ذلك لايحجب ابليس من دون العرش فلما صعد و رأي [ص 8] شكر ايوب نعمة ربه حسده ابليس و قال يا رب ان ايوب لم‌يرد اليك شكر هذه النعمة الا بما اعطيته من الدنيا و لو حرمته دنياه ماادي اليك شكر نعمة ابدا فسلطني علي دنياه حتي تعلم انه لايؤدي اليك شكر نعمة ابدا فقيل له قد سلطتك علي ماله و ولده قال فانحدر ابليس فلم‌يبق له مالا و ولدا فازداد ايوب فيه لله شكرا و حمدا قال و سلطني علي زرعه قال قد فعلت فجاء مع شياطينه فنفخ فيه فاحترق فازداد ايوب لله شكرا و حمدا فقال يا رب سلطني علي غنمه فسلطه علي غنمه فاهلكها فازداد ايوب لله شكرا و حمدا قال يا رب سلطني علي بدنه فسلطه علي بدنه ماخلا عقله و عينيه فنفخ فيه ابليس فصار قرحة واحدة من قرنه الي قدمه فبقي علي ذلك عمرا طويلا يحمد الله و يشكر حتي وقع في بدنه الدود فكان تخرج من بدنه و يقول لها ارجعي الي موضعك الذي خلقك الله منه و نتن حتي اخرجوه اهل القرية من القرية و القوه في المزبلة خارج القرية و كانت امرأته رحمة بنت يوسف بن يعقوب بن ابرهيم صلوات الله عليهم و عليها و تصدق من الناس و تأتيه بما تجده قال فلما طال عليه البلاء و رأي ابليس صبره اتي اصحابا له كانوا رهبانا في الجبال فقال مروا بنا الي هذا العبد المبتلي نسأله عن بليته فركبوا بغالا شهبا و جاؤوا فلما دنوا منه نفرت بغالهم من نتن ريحه فقربوا بعضا الي بعض ثم مشوا اليه و كان فيهم شاب حدث السن فقعدوا اليه فقالوا يا ايوب لو اخبرتنا بذنبك لعل الله يجيبنا اذا سألنا و مانري ابتلائك بهذا البلاء الذي لم‌يبتل به احد الا من امر كنت تسره [ص 9] قال ايوب و عزة ربي انه ليعلم اني مااكلت طعاما الا و يتيم او ضعيف يأكل معي و ماعرض لي امران كلاهما طاعة لله الا اخذت باشدهما علي بدني فقال الشاب سوء لكم و في نسخة شوه لكم عمدتم الي نبي الله فعيرتموه حتي اظهر من عبادة ربه ما كان يسرها فقال ايوب يا رب لو جلست مجلس الحكم منك لادليت بحجتي فبعث الله اليه غمامة فقال يا ايوب ادل بحجتك فقد اقعدتك مقعد الحكم و ها انا ذا قربت و لم‌ازل فقال يا رب انك لتعلم انه لم‌يعرض لي امران قط كلاهما طاعة لله الا اخذت باشدهما علي نفسي الم‌احمدك الم‌اشكرك الم‌اسبحك قال فنودي من الغمامة بعشرة‌آلاف لسان يا ايوب من صبرك ( صيرك ظ ) تعبد الله و الناس عنه غافلون و تحمده و تسبحه و تكبره و الناس عنه غافلون اتمن علي الله بما لله فيه من المنة عليك قال فاخذ ايوب التراب فوضعه في فيه ثم قال لك العتبي يا رب انت فعلت ذلك بي فانزل الله عليه ملكا فركض برجله فخرج الماء فغسله بذلك الماء فعاد احسن ما كان و اطرء و انبت الله عليه روضة خضراء و رد عليه اهله و ماله و ولده و زرعه و قعد معه الملك يحدثه و يونسه فاقبلت امرأته و معها الكسر فلما انتهت الي الموضع اذا الموضع متغير و اذا رجلان جالسان فبكت و صاحت و قالت يا ايوب ما دهاك فناداها ايوب فاقبلت فلما رأته و قد رد الله عليه بدنه و نعمه سجدت لله شكرا فرأي ذوائبها مقطوعة و ذلك انها سألت قوما ان يعطوها ما تحمله الي ايوب من الطعام و كانت حسنة الذوائب فقالوا لها تبيعينا ذوائبك حتي نعطيك فقطعتها و [ص 10] دفعتها اليهم فاخذت منهم طعاما لايوب فلما رأها مقطوعة الشعر غضب و حلف عليها ان يضربها مائة فاخبرته انه كان سببه كيت و كيت فاغتم ايوب من ذلك فاوحي الله عز و جل اليه و خذ بيدك ضغثا فاضرب به و لاتحنث فاخذ مأة شمراخ فضربها ضربة واحدة فخرج من يمينه ثم قال و وهبنا له اهله و مثله معهم رحمة منا و ذكري لاولي الالباب قال فرد الله عليه اهله الذين ماتوا قبل البلاء و رد الله عليه اهله الذين ماتوا بعد ما اصابه البلاء كلهم احياهم الله جميعا فعاشوا معه و سئل ايوب بعد ما عافاه الله تعالي اي شئ كان اشد عليك مما مر عليك فقال شماتة الاعداء قال فامطر الله عليه في داره فراش الذهب و كان يجمعه فاذا ذهب الريح منه شيئا عدا خلفه فرده فقال له جبرئيل ماتشبع يا ايوب قال و من يشبع من رزق ربه انتهي ، و روي فيه عن ابن‌بابويه عن ابي‌عبدالله عليه السلام حديثا في بلية ايوب و فيه قال الله عز و جل ( لابليس ) قد سلطتك علي بدنه ما عدا عينيه و قلبه و لسانه و سمعه فقال ابوبصير قال ابوعبدالله عليه السلام فانقض مبادرا خشية ان تدركه رحمة الله عز و جل فتحول بينه و بين ايوب فنفخ في منخريه من نار السموم فصار جسده نقطا نقطا انتهي ، و روي فيه حديثا عن ابي‌الحسن الماضي عليه السلام في بلية ايوب و فيه قال فقيل له ( اي لابليس ) اني قد سلطتك علي بدنه ماخلا قلبه و لسانه و عينيه قال فانحدر ابليس مستعجلا مخافة ان تدركه رحمة الرب عز و جل فتحول بينه و بين الرب الخبر ، و روي فيه عن تحفة‌الاخوان بحذف الاسناد عن [ص 11] ابي‌بصير عن ابي‌عبدالله عليه السلام حديثا طويلا في بلية ايوب و فيه فنودي يا لعين اذهب فقد سلطتك علي بدنه ماخلا عينيه و عقله و لسانه الذي لايفتر عن ذكري و اذنيه الي ان قال فانحدر في الارض حتي صار تحت انفه ثم نفخ في منخريه نار اللهب فاسود وجه ايوب في الحال فصار قرحة واحدة من قرنه الي قدميه فتمعط منها شعره فلما كان اليوم الثاني ورم و عظم و في الثالث اسود و في الرابع امتلأ ماء اصفر و في الخامس صار قيحا و في السادس وقع فيه الدود و سال صديده الخبر ، و روي فيه عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال ان الله عز و جل يبتلي المؤمن بكل بلية و يميته و لايبتليه بذهاب عقله اماتري ايوب كيف سلط الله عليه ابليس علي ماله و ولده و علي كل شئ منه و لم‌يسلطه علي عقله تركه له ليوحد الله به انتهي ، و ذكر في الصافي بعد هذه الرواية و في رواية فسلط علي ايوب تشوه خلفه ( خلقه ظ ) و لم‌يسلط علي دينه و روي العامة في تفاسيرهم روايات بهذه المضامين لا حاجة الي نقلها مع انها ليست بمروية عن النبي صلي الله عليه و آله بل رووها عن الاصحاب و عن بعض المطلعين علي الكتب السالفة كوهب بن منبة و كيف كانت تلك الروايات لو لم‌يكن من طرقنا سوي ما رويت لماكان بد من المصير اليها كما يتراءي من كلام السيد اعلي الله مقامه و لكن هنا رواية اخري رواها في البرهان عن جعفر بن محمد عن ابيه عليهما السلام قال ان ايوب ابتلي من غير ذنب و ان الانبياء لايذنبون لانهم معصومون مطهرون لايذنبون و لايزيغون و لايرتكبون ذنبا لا صغيرا و [ص 12] لا كبيرا و قال عليه السلام ان ايوب مع جميع ما ابتلي به لم‌ينتن له رائحة و لا قبحت له صورة و لا خرجت منه مدة من دم و لا قيح و لا استقذره احد رأه و لا استوحش منه احد شاهده و لا تدود شئ من جسده و هكذا يصنع الله عز و جل بجميع من يبتليه من انبيائه و اوليائه المكرمين عليه و انما اجتنبه الناس لفقره و ضعفه في ظاهر امره لجهلهم بما له عند ربه تعالي من التأييد و الفرج ، الخبر . و هو كما تري معارض مع ما مر من الاخبار المصرحة فيها بنتن الرائحة و تدود الجسد ، و قال الملا محسن بعد ذكر الروايات في الصافي اقول لعل المراد ببدنه الذي قيل في الرواية الاولي انه لم‌ينتن رائحته و لم‌يتدود بدنه الاصلي الذي يرفع من الانبياء و الاوصياء الي السماء الذي خلق من طينته خلقت منها ارواح المؤمنين و ببدنه الذي قيل في هذه الرواية انه انتن و تدود بدنه العنصري الذي هو كالغلاف لذلك و لا مبالاة للخواص به فلا تنافي بين الروايتين انتهي كلامه و هو كما تري بناء جمعه بين الروايات علي لعل و لايجوز بناء الدين عليه و منعونا عن قول ليس له برهان في دين الله و ظاهر تلك الاخبار كما تري معارض للخبر الاخير و الترجيح له لانها تشبه قول العامة و هو قد روي عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال ما سمعت مني يشبه قول الناس فيه التقية و ما سمعت مني لايشبه قول الناس فلا تقية فيه و قال عليه السلام في الحديثين المختلفين بعد العرض علي كتاب الله و عدم الوجدان قال عليه السلام فاعرضوهما علي اخبار العامة فما وافق اخبارهم [ص 13] فذروه و ما خالف اخبارهم فخذوه و يؤيد هذا الترجيح قوله تعالي يريد الله بكم اليسر و لايريد بكم العسر و في تكليف الناس بالاخذ عن نبي لايطيقون معاشرته لنتن رايحته و قذارة بدنه عسر ظاهر و كذا الروايات الواردة في ان الشريعة سمحة سهلة و ليس في الاخذ عمن يستوحش الناس منه سهولة و يؤيده دليل العقل لما في القول بخلافه من خلاف الحكمة و ليس في وسع الناس الضعفاء الرجوع الي نبي هكذا و لايكلف الله نفسا الا وسعها و ما ذكرنا من المؤيدات و ان كانت بانفرادها لاتصلح لتأسيس الحكم لعلو عموماتها و نقص عقولنا الا انها بعد ورود النص الصريح تصلح لتأييده و لعل السيد اعلي الله مقامه لم‌ير الخبر الاخير و بني علي تلك الاخبار التي رأها و انت خبير بان السيد اعلي الله مقامه قد كتب هذا الشرح علي الخطبة في اوان شبابه و في زمن حيوة الشيخ الاوحد اعلي الله مقامه كما يظهر من بعض عبارات الشرح حيث ذكر اسم الشيخ و عقبه بقول اطال الله بقاه و لم‌يكن سنه حين وفاة الشيخ اعلي الله مقامه اكثر من ثلثين سنة .

هذا اذا حملنا الاخبار علي ظاهرها و كلام السيد اعلي الله مقامه علي ظاهره و لكن الذي اري و الله العالم انها ليست علي ظاهرها و مثلها كلام السيد و يشهد بذلك سبك بيانه و ادلة تحقيقاته و ها انا اذكر بعضها لتري ما اري انشاء الله .

فقوله اعلي الله مقامه : و اما الانبياء فلما سمعوا نداء الحق سبحانه الست بربكم و ذلك النداء نور قد سطع من نور النداء الذي وقع علي محمد و آله (ع) فاخذ عنهم البيعة لامير المؤمنين (ع) بالولاية الخ ، [ص 14] مأخوذ من قول اميرالمؤمنين عليه السلام قال ان الله حين شاء تقدير الخليقة و ذرأ البرية و ابداع المبدعات نصب الخلق في صور كالهباء قبل دحو الارض و رفع السماء و هو في انفراد ملكوته و توحد جبروته فاساخ نورا من نوره فلمع و قبسا من ضيائه فسطع ثم اجتمع النور في وسط تلك الصور الخفية فوافق ذلك صورة نبينا محمد صلي الله عليه و آله فقال الله عز من قائل انت المختار المنتجب و عندك استودع نوري و كنوز هدايتي و من اجلك اسطح البطحاء و ارفع السماء و امزج الماء و اجعل الثواب و العذاب و الجنة و النار و انصب اهل بيتك بالهداية و آتيهم من مكنون علمي ما لايخفي عليهم دقيق و لايغيبهم خفي و اجعلهم حجة علي بريتي و المنبهين علي علمي و وحدانيتي ثم اخذ الله سبحانه الشهادة للربوبية و الاخلاص بالوحدانية فبعد اخذ ما اخذ من ذلك شاء ببصاير الخلق انتخاب محمد (ص) و اراهم ان الهداية معه و النور له و الامامة في اهله تقديما لسنة العدل و ليكون الاعذار متقدما ثم اخفي الله الخليفة في غيبة ( الخليقة في غيبه ظ ) و غيبها في مكنون علمه ثم نصب العوالم و بسط الزمان و مزج الماء و اثار الزبد و اهاج الدخان الحديث ، و يظهر من هذا الحديث ان اخذ ذلك العهد و تلك البيعة كان قبل بسط الزمان و خلق الارض و السماء و قبل الزمان ليس بزمان بل هو فوق الزمان فوقية رتبية محيطة باول الزمان و آخره و ماضيه و مستقبله و قبل دحو الارض و رفع السماء عالم ليس بمكان من الامكنة العرضية بل هو فوق المكان فوقية رتبية محيطة بجميع الامكنة كما تري في الجسم [ص 15] المطلق و تري حضوره في الازمنة السابقة كحضوره في الآن كحضوره في ما سيأتي من الازمنة و ليس اقرب الي زمان من زمان و لا الي مكان من مكان فانه باطلاقه في عالم فوق هذا الزمان و فوق هذا المكان و امر جميع ما في ذلك العالم هكذا و منها اخذ العهد و الميثاق فنسبته بالنسبة الي زمان ايوب (ع) و زمن النبي حين عرج و سئل النبيين (ع) و زماننا هذا و ما سيأتي من الازمان بالسواء فلو عرج عارج اليوم الي ذلك العالم يري الحجج منصوبين و الخلائق منصوبة و يسمع نداء المنادي الست بربكم و محمد نبيكم و علي و احدعشر من ولده اولياؤكم الستم توالون اولياء الله و تعادون اعداء الله و يسمع قول بلي من جميعهم بين مصدق بقلبه و منكر له و الخلق الآن كلهم في ذلك العالم كما يكونون هنا لهم سمع و بصر و فؤاد و تلك النداء دائمة و تلك الاجابات دائمة و باي الازمنة عبرت عنها جاز لك سواء قلت انهم اجابوا او يجيبون او سيجيبون او نادوا او ينادون او سينادون و لذلك العالم درجات كل درجة من الخلق في درجة منه و يسمي ذلك العالم بعالم الاظلة و يقال ان الخلق كانوا ذرا هناك و لك ان تقول يكونون ذرا هناك و ليس معناه انهم يكونون كالنمل بل سموا بذلك لصغرهم في جنب عظمة الله و الا هم ذووا اجسام و صور و بصر و سمع و نطق و عقل و هو حالتهم هذه التي يكونون عليها و الشاهد علي ما اقول هو قول الصادق عليه السلام لمفضل قال يا مفضل ان الله امر الاظلة و لا ظل و لا ظلال غيرها فاخذ بقدرته من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم [ص 16] و اشهدهم علي انفسهم الست بربكم قالوا بلي اقررنا قال المفضل و كانوا ذرا ذووا اجسام و صور و بصر و سمع و نطق و عقل قال الصادق عليه السلام نعم يا مفضل و لو لم‌يكن لهم سمع و ابصار و عقول لماخاطبهم و اجابوه قال المفضل فقلت يا مولاي اكانوا كذا فكيف كنا قال كنتم اشباحا و ارواحا بابصار و سمع و عقول و نطق ثم اخذ عليكم العهد ان الله ربكم وحده الخبر ، و عرف مما مر ان جميع ما عبر عن تلك الامور بصيغة الماضي جاز لك ان تعبر عنها بصيغة الحال فتقول نكون اشباحا و ارواحا بابصار و سمع و عقول و نطق و هو حالتنا هذه و المخاطب منا هناك اي في عالم الاظلة ما يكون منا من ذلك العالم و هو نفوسنا الظلية باجسادها و ارواحها و هي التي نصبها الله في صور كالهباء و خلقها بامره التكويني و كلها اجساد ميتة بالنسبة الي امره التشريعي قال الله تعالي استجيبوا لله و للرسول اذا دعاكم لما يحييكم و اوجدوا باجابة سؤال الست بربكم قال الله تعالي و لئن سئلتهم من خلق السموات و الارض ليقولن الله ، و روي عن ابي‌بصير قال قلت له كيف اجابوا و هم ذر قال جعل فيهم ما اذا سئلهم اجابوه يعني في الميثاق انتهي ، ثم بعث اليهم النبيين مبشرين و منذرين كما روي عن صاحب الزمان صلوات الله عليه ان الله تعالي لم‌يخلق الخلق عبثا و لااهملهم سدي بل خلقهم بقدرته و جعل لهم اسماعا و ابصارا و قلوبا و البابا ثم بعث اليهم النبيين الخبر ، و دعوة النبيين هو الروح المنفوخة في اجسادهم ان اجابوها بقدر ما اجابوها و ذلك النفخ بعد تسوية الجسد اعني جميع [ص 17] المراتب الكونية الموجدة بجواب بلي عند سؤال الست بربكم و هو معني ما يقال ان اجساد الناس خلقت بشهادة ان لا اله الا الله و هم الامة الواحدة ثم بعد ما بعث الله النبيين و دعوهم الي الشهادة بالرسالة فمن اسلم و اجاب يحيي صدره بنور الاسلام قال الله تعالي افمن شرح الله صدره للاسلام و هو معني ما يقال ان الله خلق صدورهم بشهادة محمد رسول الله و من آمن و اجاب بقلبه يحيي قلبه بنور الايمان قال الله تعالي اولئك الذين كتب في قلوبهم الايمان و هو معني ما يقال خلق قلوبهم بشهادة ان عليا و الائمة من ولده اولياء الله و من احبهم و اجابهم بفؤاده يحيي فؤاده بنور حبهم قال الله تعالي فاجعل افئدة من الناس تهوي اليهم و اقول بلسان آخر ان هذا الخلق بجميع مراتبهم اجساد كالمرايا ليس فيهم من نور الله الذي هو صورة نبينا صلي الله عليه و آله و استودعه عنده فلما دعاهم بسطوع نوره اليهم استضاء كل بحسب صفائه و قابليته و حيي به و تلك الانارة هي اخذ البيعة و تلك الاستضاءة هي قبولها فمنهم من حيي صدره و سمع به و منهم من حيي قلبه و بصر به و منهم من حيي فؤاده و رأي به و تصور كل بحسب درجات استضائته بصورة الانسان و لو كانت جميع المرايا بصفاء واحد و قابلية واحدة لصارت جميعهم كمنيرهم الا انهم كانوا عباده و خلقه و لكن لما علم الله منهم غير ذلك خلقهم كما علمهم مختلفين و استضاء كل علي حسب قابليته و بذلك اختلفت درجاتهم في السبق الي الاجابة و التأخر عنها و بذلك تفاضل الخلق و [ص 18] تفاضلت النبييون تلك الرسل فضلنا بعضهم علي بعض و منشأ التفاضل صفاء القوابل و كدورتها و استقرارها و ترددها في التزام تلك البيعة فمن كان جميع مراتبها صافية قبل ذلك النور كما هو و استضاء به و صار من شيعته و حصل له اليقين اذ لم‌يكن فيها كدورة مرية نفسها مخفية ذلك النور و من كان منهم في بعض مراتبه من جسده و صدره و قلبه كدورة كان في تلك المرتبة شاكا اذ يري النور تارة و نفسه تارة و اما من كان شاكا في قلبه فهو منحط عن درجة الانبياء و لايصلح للنبوة و كلامنا في الانبياء فان قلوبهم سليمة قال الله تعالي و ان من شيعته لابرهيم اذ جاء ربه بقلب سليم و مر فيما مر من الاخبار ان الله لم‌يسلط الشيطان علي قلب ايوب (ع) و عقله تركه له ليوحد الله به و الباعث لتغيير نعمة الله عليه هو شكه في صدره اي نفسه لا محالة و يدل علي ذلك ما روي في البرهان باسناده عن جابر بن يزيد الجعفي عن رجل من اصحاب اميرالمؤمنين عليه السلام قال دخل سلمان الفارسي رضي الله عنه علي اميرالمؤمنين عليه السلام فسأله عن نفسه فقال يا سلمان انا الذي دعيت الامم كلها الي طاعتي فكفرت فعذبت بالنار الي ان قال قال سلمان يا اميرالمؤمنين لقد وجدتك في التوراة كذلك و في الانجيل كذلك بابي انت و امي يا قتيل كوفان والله لولا ان يقول الناس وا شتواه ( واشوقاه ظ ) رحم الله قاتل سلمان لقلت فيك مقالا تشتهر ( تشمئز ظ ) منه النفوس لانك حجة الله الذي به تاب الله علي آدم و به نجي يوسف من الجب و انت قصة ايوب و سبب تغيير نعمة الله عليه فقال اميرالمؤمنين اتدري ما [ص 19] قصة ايوب و سبب تغيير نعمة الله عليه قال الله اعلم و انت يا اميرالمؤمنين قال لما كان عند الانبعاث للمنطق شك ايوب و بكي فقال هذا خطب جليل و امر جسيم قال الله عز و جل يا ايوب اتشك في صورة اقمته انا اني قد ابتليت آدم بالبلاء فوهبته له و صفحت عنه بالتسليم بامرة المؤمنين فانت تقول خطب جليل و امر جسيم فوعزتي و جلالي لاذيقنك من عذابي او تتوب الي بالطاعة لامير المؤمنين ثم ادركه السعادة بي يعني انه تاب الي الله و اذعن بالطاعة لامير المؤمنين انتهي ، و عبارات السيد اعلي الله مقامه في المقام مأخوذ من هذا الحديث و منشأ شكه في نفسه هو تلك الكدورات التي لم‌تكن منها الا انها كانت ممزوجة بها كونا و انت خبير بان الممازجة لايحصل الا بالمصاقعة و كدورات كل شئ و اعراضه العارضة عليه تكون من جنسه فعرض الجماد جمادي و عرض النبات نباتي و عرض الحيوان حيواني و عرض النفس نفساني من جنسها حي له ادراكات كالنفس و هو شيطان قرين له يناجيها و يوقعها في الشك انما النجوي من الشيطان ليحزن الذين آمنوا و ليس بضارهم شيئا الا باذن الله و لما كانت تلك الكدورات مددها و تعينها من الاسفل و من الطبيعة و كانت تطلب الصدقة من ابواب الناس و عرض علي ايوب (ع) التزام بيعة اميرالمؤمنين عليه السلام و التوجه اليه و الاستمداد منه و معرفته بالاحاطة التي هي صفة الله و بانه لا فرق بينه و بينه الا انه عبده و خلقه و هو باب جميع الفيوض و الامداد شق ذلك علي تلك الكدورات لما رأت في التزام ايوب تلك البيعة [ص 20] قطع امدادها من الاسفل و جانب الظلمة و فنائها و خافت علي انفسها و استعظمت الامر و قالت خطب جليل و امر جسيم و بكت و بكت الطبيعة الحيوانية بمشايعتها لما بينهما من المناسبة و الارتباط فاوحي الله الي ايوب لاذيقنك من عذابي اي التأذي بنتن تلك الشياطين القرينة لنفسك القائلين بهذا القول او تتوب الي بالطاعة لامير المؤمنين و تتركهم ليموتوا بقطع عنايتك عنهم و اخبر اميرالمؤمنين عليه السلام انه اي ايوب (ع) ادركه السعادة بي يعني انه تاب الي الله و آب الي ربه و اذعن بالطاعة له فانزل الله عليه ماء رحمته من الغمامة التي نطق فيها فسلكه ينابيع في الارض و ذكره بان جميع عباداته منه و انه الذي صيره يعبد الله و حبب عبادته اليه و تذكر ايوب الذي كان من اولي الالباب و ركض برجله الارض الحاجبة لينبوع ماء رحمته الكامن فيها بامر ربه و اغتسل به و ازال عن بدنه اي بدنه النفساني البرزخي تلك الكدورات و الاعراض الطبيعية و الديدان الحية بالحيوة الجائية اليها من جهة الظلمة و الطبيعة المخالفة لكينونة ربه الساكنة لدنوها في ارض بدنه المتكلفة الزاعمة ان تلك الطاعات منها و اخذ التراب و وضعها في فيها و اسكتها فخرج و وجهه كالقمر في ليلة البدر و عاد اليه حسنه و جماله و صار احسن مما كان و اطرء و لما اخرج تلك الرهط المفسدة في ارض بدنه الصائرة اياها مزبلة بمدد ذلك الماء صارت ارضه مقدسة فانبت الله عليها روضة خضراء و رد عليه اهله و ماله و ولده و زرعه اي تلك العبادات التي فعلها بمراتبه الجمادية و النباتية و الحيوانية [ص 21] الدنيوية التي كانت صالحة زكية بما قد طهرها عن الاعراض الهبائية قبل هذا البلاء و قد كان ادي شكرها و به استحق و تهيأ لهذا البلاء و التطهير و مثلها و مثالها من العزيمات و الارادات النفسانية البرزخية التي صدرت عنه في عرصة هذا البلاء معها و كانت تلك العبادات ميتة بما سلط الله الشيطان علي تلك المراتب و انساها ذكر ربها و كانت تزعم انها منها فكانت منسية ميتة برفع نظر الرب عنها فاحياها الله بماء ذكره و رحمته و وهبه اياه بعد استبصاره و اعترافه بقوله لك العتبي يا رب انت فعلت ذلك بي و ماتت تلك الشياطين و الديدان القاطنة في ارض جسده البرزخي بعد ما كن حيات ذوات ارواح و ارياح عفنة بفضل عناية ايوب (ع) اليها باعراضه عنها لانها لم‌تكن اعمالا صالحة و لم‌تكن من اهله كما قال تعالي لنوح (ع) في ابنه انه ليس من اهلك انه عمل غير صالح و لم‌تكن تلك الشياطين في بدنه الدنيوي لان الشياطين الذين بعثهم ابليس لافساد دنياه ليمنعوا شكره لم‌يوفقوا لذلك و ازداد ايوب لله شكرا و حمدا و رجعوا خائبين و بعد ذلك قال ابليس يا رب ان ايوب يعلم انك سترد عليه دنياه التي اخذتها فسلطني علي بدنه و يفهم من هذا الكلام بمعونة ما مر ان المراد بدنه البرزخي لان بدنه الدنيوي يعد من الدنيا و دعا ابليس اولا ان يسلطه الله علي دنياه و لما خاب دعا ان يسلطه علي بدنه اي البرزخي فسلطه و ناجاه بالتشكيك كما اخبر اميرالمؤمنين عليه السلام في تفسير قصة ايوب (ع) انه شك و الشك من الاعمال النفسانية لا البدنية الظاهرية و جزاء كل عمل [ص 22] في مكان ذلك العمل و جزاء ذلك الشك هو النصب و العذاب النفساني اللذين شكي منهما ايوب الي الله و لو دققت النظر في كلام السيد اعلي الله مقامه تري انه نفي العذاب عن جسده الاخروي في القيامة لما صرح في الاخبار بعدم تسلط الشيطان علي قلبه و غير الجسد الاخروي جسدان لا جسد واحد ليتعين وقوع العذاب عليه و لكل امرء ثلثة اجساد و ثلثة اجسام جسد دنيوي و جسد برزخي و جسد اخروي و كذا اجسامه و ما في كلام الشيخ اعلي الله مقامه من ذكر الجسمين و الجسدين من باب عد الدنيا و البرزخ كليهما من الدنيا و رأيت في كلماته اعلي الله مقامه و لااذكر الآن موضعه انه فرق بينهما و عدها ثلثة و صرح بذلك مولانا المرحوم في جواب . . . عما سئله من الجسمين و الجسدين و علي ذلك بعد انتفاء وقوع التردد و الشك في القلب يبقي الكلام في المرتبتين البرزخية و الدنيوية و لما علمنا من الحديث انتفاء وقوع العذاب اعني النتن و التدود و خروج القيح و الصديد عن البدن الدنيوي يتعين وقوعها في البدن البرزخي الذي كان هناك موضع شكه الا ان السيد اعلي الله مقامه اراد الابهام كما ابهمه الله في تلك الروايات و لم‌يرد تصريحا لما لم‌يكن رأي التصريح الذي روينا لك و اكتفي بقوله في ظاهر جسده .

و اما قوله اعلي الله مقامه : و لم‌يتسلط علي قلبه اللحم الصنوبري الخ ، فقد ذكره علي سبيل العطف لا للتعليل لبروزه في ظاهر جسده الدنيوي و هو كلام صحيح فانه لم‌يتسلط علي قلبه اللحم الصنوبري و علي قلوبه الباطنة و نفي الشئ لايثبت جميع ما عداه و لعل [ص 23] قوله اعلي الله مقامه : فافهم انشاء الله ، تنبيه علي هذا الابهام و التعمية و لاامنع مع ذلك كله من ذهاب اهله و ماله و فقره و ضعفه في الدنيا لان البلاء للولاء و كان سبب نفور الناس عنه عليه السلام و اشمئزازهم ذهاب ماله الذي كان يجذبهم حين غناه و ذكره الله لهم كما قال الله تعالي و اذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لايؤمنون بالآخرة و اذا ذكر الذين من دونه اذا هم يستبشرون و كان استبشارهم في زمن غناه بسبب موائده و كانوا يستمعون الي ذكر الله طمعا في الموائد و حطام الدنيا و بعد ما ذكر الله لهم وحده من دون تلك الموائد اشمأزوا و نفروا منه و عيروه و اعلم ان ما ذكر في الحديث من شك ايوب و ما ترتب عليه لايضر بنبوته و انما كان ذلك النقص بالنسبة الي اولي العزم لا بالنسبة الي الناس و كان شكه افضل من يقينهم فان حسنات الابرار سيئات المقربين و كان شكه و ما ترتب عليه فوق مدارك الامة و لم‌يكونوا يحسون بهما ليتأذوا منهما فتلخص مما ذكرت ان ظاهر تلك الاخبار الموافقة لاخبار العامة تقية و العامة لم‌يفهموا منها الا ظاهرها و لكن علي ما فسرناها لايبقي اختلاف بين الاخبار و لعلك عرفت مما مر ان هذه القصة قد وقعت و تقع لجميع السالكين المجاهدين في سبيل الله الآئبين اليه الصابرين علي بلائه الا ان ايوب كان شاخصا في هذه المجاهدة و الصبر و ذكر الله قصته في كتابه .

هذا ما ادي اليه نظري القاصر في الجمع بين الاحاديث و بين كلاميهما اعلي الله مقامهما و لم‌ار في هذا المطلب تحقيقا من المشايخ في كلماتهم فان رأيت في كلامهم [ص 24] ما يخالف ما قلت فاعلم ان الصواب منهم و الخطأ مني و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و فرغت من تسويد هذه الاوراق ضحوة يوم الاربعاء الخامس‌عشر من جمادي الثانية من شهور سنة اثنتين و تسعين و ثلثمأة و الف من الهجرة النبوية علي مهاجرها آلاف الصلوة و السلام في قرية احمدآباد من توابع كرمان .

[ص 25]