[ص 1]

ترجمة رسالة يا علي مدد

من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني مولانا الشهيد

الحاج عبدالرضا خان الابراهيمي اعلي الله مقامه

ترجمها مولانا المرحوم العالم الرباني

الحاج السيد علي الموسوي اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي سيدنا و مولانا محمد و آله الطيبين الطاهرين و شيعتهم المخلصين .

و بعد يقول العبد المسكين عبدالرضا بن ابي‌القاسم بن زين‌العابدين ان المحب المحترم و الاخ المكرم جناب الاقا المهندس عبدالله المجرن الذي رجع اخيرا من سفر باكستان اخبرني عن قول احد فضلاء شيعة باكستان ان اهل السنة في تلك الاصقاع يوردون علي الشيعة بانهم لماذا يقولون في كثير من الاوقات ( يا علي مدد ) و ان اهل السنة يعدون هذا الكلام شركا و نحن عجزنا عن جوابهم و كان ذلك الفاضل المحترم يتمني بان يعثر علي جواب لهم و كان المهندس ايضا ينتظر بان اكتب انا شيئا في هذا الموضوع و لما رايت في الكتابة نصرة للمؤمنين شرعت في كتابة جواب ايرادهم فلعل الله ينصر المؤمنين علي يد هذا المسكين . و قبل البحث في هذه المسألة لا بد من ان اقول ان اصل المسألة من المسائل الغامضة العرفانية و ليس لها دليل سهل قابل لفهم العوام و العوام تعلموا هذا النوع من التوسل من اهل العرفان و اهل العرفان استنبطوه من ادلة الكتاب المحكمة و السنة و الايات التي ضربها الله لهم في الافاق و الانفس و مع ذلك فاني اسعي حد الامكان الي ان اذكر ادلة صحة هذا النوع من التوسل بلسان سهل . فاقول و لا حول و لا قوة الا بالله ان البحث في هذا الباب في مطلبين :

الاول هل يجوز الاستعانة بالمخلوق او لا ؟

الثاني اذا جاز فهل يتيسر الاستمداد من الامير عليه السلام في هذه الاوقات او لا و هل يمكن للامير ان يفعل ذلك او لا ؟ و اشرح هذين [ص 3] المطلبين في فصول ان شاء الله .

فصل - لا شك بان الله فاعل لجميع الافعال و افعال الخلق جميعا بحوله و قوته و الخلق و اعمالهم جميعها خلق الله كما قال في كتابه ( خلقكم و ما تعملون ) و قال ( قل الله خالق كل شيء ) و علي ذلك جميع الافعال و الصفات و جميع الاشياء خلق الله و الله موجد لها و لا شك في ذلك و لكن الكلام في ان فعل الله هل هو عين ذاته او غير ذاته ؟ فلو قلنا ان فعله عين ذاته للزم ان ذاته تكون مقرونة بالمخلوقات لان الفعل دائما مقرون بالمفعول و الله منزه عن ان يقترن و يحد بخلق فلا بد و ان نعتقد بان فعل الله غير ذاته و هو خلقه و لكن تبقي هذه المسألة و هي ان مبدأ افعال الله هل هو ذات الله او ان الله خلق لكل فعل مبدأ في الخلق و يخرج فعله منه .

فلو قلنا ان مبدأ الافعال ذات الباري تعالي و ان افعاله خرجت من ذاته كالطفل الذي يخرج من بطن الام للزم ان نقول ان ذات الله مثل صندوق اودعت فيه الافعال ثم يخرجها واحدة واحدة و هذا ينافي التوحيد و قد قال تعالي ( لم‌يلد و لم‌يولد ) و معني خروج الفعل من الذات نعوذ بالله انه اولد افعاله فلا محيص من ان نعتقد بان الله خلق لكل فعل من افعاله في مقام الخلق مبدأ و اخرج الفعل من ذلك المبدأ .

فصل - يقال لمبدأ الفعل الفاعل و لما ان الله خلق افعاله و جعل مبدأها و محلها في الخلق و من الخلق نقول ان صفة فاعلية الله خلقه جعلها في مبادئ الافعال و اعطي اسم فاعليته لتلك المبادئ ، فمثلا خلق فعل الاحراق و جعل مبدأه النار و فعل الاحراق اخرجه من النار و اعطي صفة الاحراق للنار و هو و ان كان هو المحرق فان هذا الاسم اعطاه للنار [ص 4] و نسب الفعل للنار و الشاهد علي ذلك في كتاب الله كثير فمثلا المميت هو الله و قد قال تعالي ( الله يتوفي الانفس حين موتها ) و لما ان جعل ملك الموت مبدأ فعل الاماتة راينا في اية اخري انه نسب الاماتة اليه فقال ( قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ) و هكذا مع ان الله هو المحيي و قد قال ( و الله يحيي و يميت ) قال في موضع اخر عن لسان عيسي عليه السلام ( و احيي الموتي باذن الله ) و في ايات كثيرة نسب لنفسه افعال الخلق لانه الفاعل حقيقة و الخلق سبب اجراء افعاله فمثلا قال ( افرأيتم ما تحرثون ءانتم تزرعونه ام نحن الزارعون ) او قال لنبيه ( و مارميت اذ رميت و لكن الله رمي ) فتبين مما ذكرنا ان مع الاعتقاد بان الفاعل لجميع الافعال و الخالق لها هو الله لا اشكال في نسبة الافعال الي مبدئها الخلقي الذي اخرجها الله منه و يجوز ان ننسب الاحراق الي النار و التبريد الي الثلج و الاماتة الي عزرائيل و الاحياء الي عيسي عليه السلام و هكذا كل الافعال .

فصل - كما ان افعال الله ليست صادرة من ذاته و الله خلقها و محلها في الخلق و هي مقرونة بالمفعولات فكذا جميع معاملات الخلق ايضا مع الله في مقام الخلق و ذات الله لاتقع مفعول افعال الخلق لان الفعل دائما قرين بالمفعول و لو وقعت ذات الله مفعولا للزم اولا ان فعل المخلوق الذي هو خلق الله يصل الي ذات الله و يقترن بذاته ، و ثانيا ان ذات الله يحصل فيها تغيير و كلا الامرين محال و لما ان الله كلف الخلق بان تكون لهم معاملات معه و ان يعبدوه و ليس لهم القدرة بان يتعاملوا [ص 5] مع ذاته و الله من عدله لايكلف الخلق بغير وسعهم و قد قال في كتابه ( لايكلف الله نفسا الا وسعها ) جعل بين الخلق محال شريفة ليتعاملوا معها و نسب تلك المحال الي نفسه و جعل المعاملة معها معاملة معه مثلا ان الله منزه عن المكان و هو محيط بجميع الامكنة و ليس في جهة من الجهات ليتوجه الناس الي تلك الجهة فجعل الكعبة في الخلق ليتوجه الناس عند العبادة اليها و جعلها بيته او ان الله ليس له يد كيد مخلوقاته حتي يبايعوها و لكن جعل يد نبيه يده و جعل البيعة معها بيعته فقال ( ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله يد الله فوق ايديهم ) و لما ان الخلق لاتصل ايديهم الي ذات الله حتي يطيعوه جعل نبيه خليفته بينهم و جعل اطاعته اطاعته فقال ( من يطع الرسول فقد اطاع الله ) و كذلك من اجل دعائهم له لما كانت ذات الله لاتدرك بمشاعرهم ليتوجهوا اليه و يدعوه جعل اسماء له بين الخلق حتي يدعوه بها و قد قال ( قل ادعوا الله او ادعوا الرحمن ايا ما تدعو فله الاسماء الحسني ) و هذه الاسماء ملك الله و مملوكة له و ليست ذاته و لو كانت هذه الاسماء ذاته للزم ان تكون ذاته متكثرة او تكون لها جهات مختلفة لان هذه الاسماء متكثرة .

بالجملة تبين من هذه الفصول التي ذكرت ان الله جعل لكل فعل من افعاله مبدأ في الخلق و اظهر افعاله من تلك المبادئ و كذا جعل محال شريفة في الخلق و جعل المعاملة معها معاملة معه و جعل تلك المبادئ و المحال بابا و واسطة بينه و بين خلقه و امر بان يدخلوا منها فقال ( و اتوا البيوت من ابوابها ) فمثلا جعل [ص 6] النار باب تسخينه فمن اراد ان يسخنه الله لا بد و ان يدخل من هذا الباب و يقرب نفسه من النار او ان الثلج جعله باب تبريده فمن اراد ان يبرده الله فلا بد ان يدخل من هذا الباب و ان يقرب نفسه من الثلج او انه جعل بابا لرحمته و بابا لعذابه كما قال ( فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب ) .

فصل - تبين مما ذكر ان جميع معاملات الخلق في الخلق و مع الخلق و فاعل جميع الافعال الصادرة من الخلق هو الله و المعاملة مع المحال الشريفة التي جعلها في الخلق و نسبها الي نفسه معاملة معه و التوجه الي المحال التي جعلها وجهه توجه اليه و الاستعانة بها استعانة به و بهذا الاعتقاد فان التوجه لكل باب جعله الله لمطلب من المطالب توجه اليه و الطلب منه طلب منه تعالي و لا شرك في ذلك و من جملة الطلبات طلب الاعانة و الموحد يعتقد بان الله هو المعين و يستعين به وحده كما نقرأ في سورة الحمد ( اياك نعبد و اياك نستعين ) و لكن يطلب العون من الباب الذي جعله الله في الخلق لتحصيل تلك الحاجة و هذا ليس بشرك و الشاهد علي ذلك من القران قوله تعالي في حكاية كلام ذي‌القرنين عبده المقرب الموحد عند طلبه العون من تلك الجماعة ( اعينوني بقوة ) و استعانته هذه ليست مخالفة ل‍ ( اياك نعبد و اياك نستعين ) .

فاذا عرفت ذلك اقول بهذا الدليل استعانة الشيعة باميرالمؤمنين عليه السلام و لذلك يطلبون المدد منه لانهم يعتقدون انه يد امداد الله و هم في الحقيقة يطلبون المدد من الله لان الله يجري امداده و جميع افعاله بسبب الخلق و هذا العمل مع هذا الاعتقاد هو عين التوحيد .

[ص 7] بقي المطلب الثاني و هو انه هل ان الاستمداد من اميرالمؤمنين عليه السلام في هذه الاوقات ميسور او لا و هل ان الله من هذا الطريق يوصل المدد او لا و لتوضيح ذلك اعنون فصولا اخري .

فصل - قد تبين من الفصول المتقدمة ان الله جعل ظهور افعاله من مبادئها التي في الخلق و جعل مبدأ كل فعل سببا لوجود مفعولات ذلك الفعل فمثلا جعل النار سببا لوجود الحرارة و الثلج سببا لوجود البرودة و الشمس سببا لنمو النباتات و اضاءة الارض و رحم الام سببا لتربية الطفل و السم سببا للهلاك و الدرياق سببا للشفاء و هكذا اجري كلية افعاله بالاسباب التي خلقها و قد اقتضت حكمته ذلك و انه لفي قدرته ايجاد شيء بلا سبب و لكنه كما هو المشاهد لم‌يفعل ذلك لانه علي خلاف حكمته و هو لايفعل كل ما يقدر عليه بل يظهر كل ما يوافق حكمته و كل ما يخالف حكمته يبقيه في امكانه فمثلا ان في قدرته يقينا ان يخلق للانسان عشرة رؤس او اربعة اعين او ستة ارجل و لكن لما كان علي خلاف حكمته لم‌يخلق مثل هذا الخلق و لايوجب ذلك نقصا في قدرته بل يثبت حكمته و حكمته هي ما عليه نظام الملك المشاهد من اجراء الامور بالاسباب و الايات الشاهدة علي ذلك من كتاب الله كثيرة و من جملتها هذه الاية الشريفة ( و لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع و بيع ) و ان الله ليمكنه ان يدفع بعض الناس بدون سبب خلقي و لكن اقتضت حكمته ان يظهر دفعه من المبادئ الخلقية يعني ان يظهر دفعه من بعض الناس الاخرين [ص 8] فجعل تلك المبادئ سببا لهذا الفعل و قال في اية اخري في شأن النبي صلي الله عليه و اله ( هو الذي ايدك بنصره و بالمؤمنين ) و انه تعالي ليمكنه ان يؤيد نبيه بدون المؤمنين و لكنه لم‌يفعل بل جعل المؤمنين سببا لذلك و قد قال في اية اخري ( و ايدناه بروح القدس ) و قال في اية اخري ( و ايدناه بجنود لم‌تروها ) و جميع هذه الايات شاهد علي ان الله يجري الامور بالاسباب و ليس الا الخلق الاول حيث خلقه الله بنفسه و كل امر في الملك اجراه الله بسبب مقدم علي ذلك الامر فخلق السبب اولا ثم المسبب و الخلائق المتقدمة اسباب جعلها الله تعالي لوجود الخلائق المتأخرة فخلق الشمس اولا ثم جعلها سببا لايجاد انوارها خلق الام اولا ثم جعلها سببا لتربية الطفل خلق النجار اولا ثم جعله بعد ذلك سببا لوجود الباب و الشباك و هكذا فسبب كل خلق خلق آخر مقدم عليه و علي ذلك جعل الله في جميع ملكه الخلق الاول سببا لوجود ساير خلقه و جعله مبدأ لجميع افعاله و سبب الاسباب لملكه و جعل فعله امره الاول و هذا الامر اصل و جميع اوامره الاخري فرعه و مثل ذلك الارادة في الانسان الذي هو المرآة الحاكية لهذا الملك فانها فعله الاول و بسببها اوجد ساير افعاله فهو يريد اولا ثم يحرك يده بتلك الارادة او يقدم رجله او يفتح عينه فكذلك الامر في الملك فقد جعل الله اياته في انفسنا انموذجا نستنبط بمشاهدتها كيفية وضع العالم كما قال تعالي ( سنريهم اياتنا في الافاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق ) و لما راينا حكمته في خلق نفوسنا جرت علي هذا النحو عرفنا ان حكمته في جميع [ص 9] الملك جرت علي ذلك فجعل الخلق الاول سبب الاسباب و سبب ايجاد ساير الموجودات و جعل فعله سبب ايجاد جميع الافعال .

فصل - لما علمنا اجمالا ان الله جعل خلقه الاول سبب الاسباب اردنا ان نعرف صفات الخلق الأول فأقول و لا حول و لا قوة الا بالله ان سبب كل صفة لا بد و ان يكون نفس صاحب تلك الصفة حتي يمكنه ان يعطي تلك الصفة الي غيره فمثلا الشمس التي بسببها يسخن الله ساير الأشياء جعلها بنفسها ذات حرارة و الثلج الذي صار سبب البرودة لساير الأشياء ذو برودة بنفسه و السراج الذي صار سبب انارة الدار بنفسه صاحب انارة و لايمكن ان لاتكون الصفة في السبب و يكون السبب سببا لتلك الصفة فمثلا الثلج الفاقد لصفة الحرارة لايمكن ان يكون سببا لتسخين الأشياء و الفحم الأسود الفاقد للأضاءة لايمكن ان يكون سببا لأضاءة الدار و بناء علي ذلك فان كل صفة موجودة في المسبب توجد في السبب يقينا فكل صفة نحن نراها في هذا الملك توجد تلك الصفة في الخلق الأول و سبب الأسباب و يكفي في هذا العالم ان نري بعين البصيرة و نستدل به علي صفات الخلق الأول فلنشرع الآن لننظر ماذا نري

* نري في هذا الملك العظمة و الكبرياء اللانهائية فنعرف من ذلك ان الخلق الأول الذي جعله الله سببا لوجود هذه العظمة و الكبرياء اعطاه هذه العظمة و عدم الأنتهاء اولا فهو عظيم و لا نهاية له .

* نري في هذا الملك ذواتا فنعرف من ذلك ان الخلق الأول ذات صارت سببا لوجود الذوات و هو ذات الذوات .

[ص 10] * نري في هذا الملك امتدادا باسم الزمان فنعرف من ذلك ان المخلوق الاول ليس محدودا بقسم من هذا الزمان لانه السبب في وجود الزمان من اوله الي آخره و نسبته الي الماضي و الحاضر و المستقبل علي السواء و هو ظاهر في جميع الازمنة .

* نري في هذا الملك حيوة فنري النباتات لها حيوة و الحيوانات لها حيوة و الاناسي لها حيوة و نعلم ان الملائكة و الجن لها حيوة فنعرف من ذلك ان الخلق الاول له حيوة و هو حي و لو لم‌يكن له حيوة لماكان سببا لوجود الحيوة في المخلوقات .

* نري في هذا الملك البصر و السمع فنعرف من ذلك ان المخلوق الاول بصير و سميع لانه سبب وجود جميع المبصرات و السامعات .

* نري في هذا الملك العلم و العلماء فنعرف من ذلك ان المخلوق الاول عالم لانه سبب لايجاد العلم و العلماء .

* نري في هذا الملك الشرافة و التقرب الي الله فنعرف من ذلك ان المخلوق الاول اشرف المخلوقات و ادناهم من الله .

* نري في هذا الملك ان الخلق ملؤا جميع الامكنة فيه فنعرف من ذلك ان الخلق الاول الذي صار سببا لوجودها كان في كل مكان و ملأ كل مكان و لما كان لا بد من وصول فيض الوجود الي الخلق دائما حتي يبقوا و الواسطة و سبب الفيض الي الخلق مقدم لذلك فان الخلق الاول موجود دائما في كل مكان و محيط بكل مكان و يوصل فيوض الله الي الخلق فلو نظرنا هكذا الي جميع امور الملك لامكننا استنباط صفات الخلق الاول [ص 11] واحدة واحدة فتبين مما ذكر ان الخلق الاول يد الله الباسطة و اذنه السامعة و عينه الناظرة و لسانه الناطق و جعل صفة قربه و احاطته فيه فانه قريب الي عباده و محيط بهم و الله يسمع دعاء عباده من هذه الاذن و جعل سمع هذه الاذن سمعه و بهذه اليد و اللسان يستجيب دعاءهم و جعل اجابته اجابته و خلاصة المطلب ان هذا الخلق الاول الذي خلقه الله قبل المكان و الزمان و قبل جميع المخلوقات من الجن و الانس و الملائكة و الدنيا و الاخرة جعله مصدر جميع افعاله و سبب الاسباب و علة العلل و كل عطاء يعطيه من يده و كل ما يوصل الي الخلق من فيض الوجود و الحيوة و الرزق و غير ذلك يوصله من سبيله و لما كان الخلق لايتصلون بذات الله خلق هذا الخلق الاول الذي هو اشرف المخلوقات و جعله خليفته و القائم مقامه و نبيه في جميع الملك و بين بلسانه للخلق جميع اوامره و نواهيه الشرعية و الكونية و جعل جميع معاملات الخلق معه معاملة معه فبأذنه يسمع و بلسانه يجيب و بيده يعطي فهذه كانت جملة من فضائل الخلق الاول صلي الله عليه و اله .

فصل - فلما عرفنا بعض الصفات الكلية للخلق الاول اردنا ان نعرف من هو و اين هو فاننا في البداية جهال لانعلم شيئا الا و ان يعلمنا الله فلمعرفته نرجع اولا الي كتاب الله فنعرف منه ان الخلق الاول هو خاتم الانبياء صلي الله عليه و اله لاننا نقرأ في موضع منه ( قل ان كان للرحمن ولد فانا اول العابدين ) و من المسلم ان الخلق الاول عبد الله قبل كل احد فهو اول العابدين و قد قال في اية اخري ( قل اني امرت ان [ص 12] اكون اول من اسلم ) فعلي ذلك فانه الخلق الاول لان جميع اهل السماء و الارض اسلموا و قد قال تعالي ( و له اسلم من في السموات و الارض ) و في اية اخري ( و انا اول المسلمين ) و في اية اخري ( و امرت لان اكون اول المسلمين ) و من المسلم ان الخلق الاول اسلم اولا و سلم الامر لله و دعا ساير الخلق بعده الي الاسلام فاسلموا و اذا راجعنا سنته صلي الله عليه و اله و اقواله راينا انه صرح في احاديث كثيرة من طرق الشيعة و السنة بهذا الامر و لما كان الكلام مع اهل السنة نروي اولا الاحاديث التي رويت من طرقهم .

ففي كتاب ينابيع المودة تاليف الشيخ سليمان الحسيني البلخي القندوزي الذي هو من علماء اهل السنة عن كتاب ابكار الافكار تاليف الشيخ صلاح‌الدين بن زين‌الدين بن احمد المشهور بابن صلاح الحلبي عن جابر بن عبدالله الانصاري قال ( سألت رسول الله صلي الله عليه و اله عن اول شيء خلقه الله تعالي قال هو نور نبيك يا جابر خلقه الله ثم خلق فيه كل خير و خلق بعده كل شيء و حين خلقه اقامه في مقام القرب اثني‌عشرالف سنة ثم جعله اربعة اقسام فخلق العرش من قسم و الكرسي من قسم و حملة العرش و خزنة الكرسي من قسم و اقام القسم الرابع في مقام الحب ) و الحديث طويل بين فيه مفصلا مدة اقامة ذلك النور في المقامات المختلفة و خلقة القلم و اللوح و الجنة و الشمس و القمر و الكواكب و العلم و الحلم و العصمة و التوفيق من اجزاء ذلك النور ثم قال ( فترشح ذلك النور عرقا فقطرت منه مأة‌الف و عشرون‌الفا و اربعة‌الاف قطرة من النور [ص 13] فخلق الله سبحانه من كل قطرة روح نبي و رسول ثم تنفست ارواح الانبياء فخلق الله من انفاسهم ارواح الاولياء و الشهداء و السعداء و المطيعين الي يوم القيامة . فالعرش و الكرسي و حملة العرش و خزنة الكرسي من نوري و القلم و اللوح و الكروبيون و الروحانيون من الملائكة و الجنة و ما فيها من النعيم من نوري و ملائكة السموات السبع و الشمس و القمر و الكواكب من نوري و العقل و العلم و الحلم و العصمة و التوفيق من نوري و ارواح الانبياء و الرسل من نوري و ارواح الاولياء و الشهداء و الصالحين من نتايج نوري ) الي ان قال ( ثم خلق آدم عليه السلام و اودع نوري في صلبه ) الي ان قال ( ثم اخرجني الي الدنيا فجعلني سيد المرسلين و خاتم النبيين و مبعوثا الي كافة الناس اجمعين و رحمة للعالمين و قائد الغر المحجلين هذا كان بدء خلق نبيك يا جابر ) و لم‌ارو بعض اقسام الحديث رعاية للاختصار و في ينابيع المودة ايضا عن المناقب عن علي كرم الله وجهه قال ( قال رسول الله صلي الله عليه و اله ان الله خلق خلقه في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن اصابه من النور شيء اهتدي و من اخطأه ضل ثم فسره علي كرم الله وجهه فقال ان الله عز و جل حين شاء تقدير الخليقة ) ثم نقل بعد ذلك اقواله في ترتيب الخلق و التي ملخصها انه اجتمع نور من نور الله فصار علي صورة نبينا محمد صلي الله عليه و اله الي ان قال ( ثم انتقل النور في جميع العوالم عالما بعد عالم و طبقا بعد طبق و قرنا بعد قرن الي ان ظهر محمد صلي الله عليه و اله و سلم بالصورة و المعني في اخر الزمان ) ثم [ص 14] نقل اشعارا عن عمه العباس في هذا المعني ثم قال ( ان نبينا بسر روحانيته يستمد من الفيض الاقدس الاعلي و يمد العالم اجمع ) تمت اقوال اميرالمؤمنين عليه السلام في تفسير قول النبي صلي الله عليه و اله . و قد روي في هذا الكتاب احاديث كثيرة بهذا المعني من جملتها عن كتاب الاصابة عن ميسرة الفجر ( قلت يا رسول الله متي كنت نبيا قال و آدم بين الروح و الجسد ) و في بعض الاحاديث كنت نبيا و ادم بين الماء و الطين و احاديث اخري اذكرها ان شاء الله في الفصل الاتي و حاصل هذه الاحاديث و تلك الاحاديث و الايات المذكورة ان الله خلق اولا نور النبي صلي الله عليه و اله فهو خلقه الاول و كل ما ذكرت من صفات الخلق الاول في الفصول المتقدمة هو في شأن مقام اول ما خلق الله خاتم الانبياء و لقد ذكر هذا المطلب الذي هو مورد بحثنا في هذه الاوراق بالصراحة في كلام اميرالمؤمنين عليه السلام كما رايت بانه صلي الله عليه و اله يستمد من الله و يمد جميع العالم و ليس المدد فقط بل جميع الفيوض تصل الي الخلق بوسيلته لانه القائم مقام الله في جميع العوالم كما قال الامير عليه السلام في خطبته في شأنه صلي الله عليه و اله ( اقامه في ساير عوالمه مقامه في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار ) .

فصل - بعد ما تبين ان اول ما خلق الله و الواسطة بين الله و الخلق في جميع الفيوض و الامداد هو خاتم الانبياء صلي الله عليه و اله اقول ان جميع الفضائل الا النبوة تثبت ايضا لمولي الموحدين و اميرالمؤمنين [ص 15] علي بن ابي‌طالب عليه السلام لانه بنص القران نفس النبي كما قال تعالي لنبيه ( قل تعالوا ندع ابناءنا و ابناءكم و نساءنا و نساءكم و انفسنا و انفسكم ) و كانت هذه الاية دستور المباهلة و قد جاء النبي صلي الله عليه و اله في ذلك اليوم بالحسنين و فاطمة و اميرالمؤمنين معه فهو عليه السلام نفس النبي و كما ان النبي صلي الله عليه و اله اولي بالمؤمنين من انفسهم و قد قال تعالي النبي اولي بالمؤمنين من انفسهم فكذا الامير هو اولي بالمؤمنين من انفسهم ايضا كما قال تعالي ( انما وليكم الله و رسوله و الذين امنوا الذين يقيمون الصلوة و يؤتون الزكوة و هم راكعون ) و هذه الاية بتصديق جميع المسلمين نزلت في شأن اميرالمؤمنين عليه السلام حيث تصدق في الصلوة بخاتمه علي السائل . و وردت احاديث كثيرة لاتحصي في شأنه عليه السلام من طريق الشيعة و اهل السنة و نحن هنا نروي الاحاديث الخاصة الدالة علي انه اول ما خلق الله من كتب اهل السنة .

ففي كتاب ينابيع المودة عن ابن المغازلي الواسطي الشافعي في كتابه المناقب عن سلمان الفارسي قال سمعت حبيبي محمدا صلي الله عليه و اله و سلم يقول ( كنت انا و علي نورا بين يدي الله عز و جل يسبح الله ذلك النور و يقدسه قبل ان يخلق الله ادم باربعة‌عشرالف عام فلما خلق ادم اودع ذلك النور في صلبه فلم‌يزل انا و علي شيء واحد حتي افترقنا في صلب عبدالمطلب ففي النبوة و في علي الامامة ) . و روي الديلمي هذا الحديث في كتابه الفردوس عن سلمان

[ص 16] و روي ابن المغازلي عن سالم بن ابي‌الجعد عن ابي‌ذر قال ( سمعت رسول الله صلي الله عليه و اله يقول كنت انا و علي نورا عن يمين العرش بين يدي الله عز و جل يسبح الله ذلك النور و يقدسه قبل ان يخلق الله ادم باربعة‌عشرالف عام فلم‌يزل انا و علي شيء واحد حتي افترقنا في صلب عبدالمطلب فجزء انا و جزء علي ) و مضمون هذا الحديث قريب الي مضمون الحديث السابق و لايحتاج الي الترجمة و بهذا المعني روي ( الحمويني ) في كتابه فرائد السمطين و الموفق الخوارزمي عن اميرالمؤمنين عليه السلام عن النبي صلي الله عليه و اله و روي ( الحمويني ) بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن‌عباس قال ( سمعت رسول الله صلي الله عليه و اله يقول لعلي خلقت انا و انت من نور الله عز و جل ) و في ( نعيم الابرار ) عن كتاب مناقب الترمذي عن كتاب الاربعين تاليف ابي‌المكارم الدامغاني و نزل السائرين تاليف شرف‌الدين و مناقب الخطيب الخوارزمي و مودات السيد علي الهمداني و مسند احمد بن حنبل و بحر الانساب جعفر الحجة عن سلمان الفارسي بمضمون الحديث الذي رويناه من ينابيع المودة و روي ايضا عن صحيح البخاري و هداية السعداء عن جابر بن عبدالله الانصاري عن النبي صلي الله عليه و اله قال ( ان الله تعالي خلقني و عليا من نور واحد بين يدي العرش يسبح الله تعالي و يقدسه قبل ان يخلق ادم بالفي عام الخ ) و في ( البحار ) بسنده عن انس بن مالك عن معاذ بن جبل ان رسول الله صلي الله عليه و اله قال ( ان الله خلقني و عليا و فاطمة و الحسن و الحسين قبل ان يخلق الدنيا بسبعة‌الاف عام الخ ) و في [ص 17] ( مصباح الانوار ) باسناده عن انس عن النبي صلي الله عليه و اله قال ( ان الله خلقني و خلق عليا و فاطمة و الحسن و الحسين قبل ان يخلق ادم حين لا سماء مبنية و لا ارض مدحية و لا ظلمة و لا نور و لا شمس و لا قمر و لا جنة و لا نار الخ ) و وردت في هذا الباب من طريق الشيعة و السنة احاديث كثيرة و هذا القدر الذي ذكرنا كاف لاهل الانصاف .

فصل - قد تبين مما ذكر ان النبي صلي الله عليه و اله و اميرالمؤمنين عليه السلام لهما مقام اول ما خلق الله و ذلك المقام فوق الزمان و المكان و كان موجودا من اول الخلق و لايزال موجودا و ليس مختصا بزمان و مكان معين و اما هذه الهياكل البشرية المشاهدة فهم في الاوقات التي كانوا فيها بين الناس هي تجل من تجلياتهم و هي مقام خلافة الله في الارض و ذلك المقام مقام خلافة الله في جميع العوالم فأنه كان دائما موجودا و لايزال موجودا الان و في المستقبل و ليس له فناء و لا زوال و هو مقام وجه الله الذي يقول تعالي ( كل من عليها فان و يبقي وجه ربك ذو الجلال و الاكرام ) و التوجه الي الوجه الباقي توجه الي الله و الاستعانة به استعانة بالله و اعانته اعانة الله و الله اعان به و يعين جميع الخلق من الاولين و الاخرين من الانبياء و غير الانبياء كما روي الترمذي الذي هو من علماء اهل السنة في كتابه المناقب المرتضوية خطبة طويلة عن اميرالمؤمنين عليه السلام ننقل بعضها هنا من كتاب نعيم الابرار فمنها قوله ( انا الذي عندي مفاتيح الغيب لايعلمها بعد محمد غيري انا بكل شيء عليم ) الي ان قال ( انا النور [ص 18] الذي اقتبس منه موسي فهدي ) الي ان قال ( انا صاحب نوح و منجيه انا صاحب ايوب المبتلي و منجيه و شافيه انا صاحب يونس و منجيه ) الي ان قال ( انا صلوة المؤمنين و زكوتهم و حجهم و جهادهم ) الي ان قال ( انا اول ما خلق الله ) الي ان قال ( انا وجه الله في السموات و الارض كل شيء هالك الا وجهه ) الي ان قال ( انا اسم من الاسماء الحسني و هو الاعظم ) الي ان قال ( انا الذي اري اعمال العباد و لايعزب عني شيء في الارض و لا في السماء ) الي ان قال ( انا الذي يعلم ما يحدث في مشارق الارض و مغاربها و لايخفي علي شيء منهم ) الي اخر الخطبة الشريفة فانظر فاني ماذكرت الا قوله عليه السلام فانه خليفة الله الصادق المصدق و الرواية ايضا من كتاب اهل السنة المعتبر و الشيعة الذين يستمدون منه عليه السلام الان و يقولون ( يا علي مدد ) يستمدون من ذلك المقام الحاضر الناظر المطلع و قد كان و لايزال موجودا ما دام لله خلق موجود فهو الذي نجي نوحا و شفي ايوب و علم موسي و صحب يونس و هو صلوة المؤمنين و هو الذي امر الله بان يستمد منه فقال ( استعينوا بالصبر و الصلوة ) و هو الذي اول ما خلق الله و الوجه الباقي لله و اسمه الاعظم الذي يري جميع اعمال العباد و هو المطلع علي المشارق و المغارب و لايخفي عليه شيء و هو اذن الله السامعة يسمع نداءنا ( يا علي مدد ) و يده الباسطة ينصرنا بحوله و قوته صلوات الله و سلامه عليه .

و لايخفي ان الواسطة بين الخلق و ذلك المقام الاعلي في كل عصر هو امام ذلك العصر و يكون التوسل بكل واحد من السابقين عن طريق الامام الحي [ص 19] و استجابة الدعوات تصل الي الخلق من طريقه و نحن اليوم حيث نقول ( يا علي مدد ) يصعد دعاؤنا الي الاعلي عن طريق صاحب الامر عجل الله فرجه و سهل مخرجه و تصل الينا فيوض الله و امداده من سبيله .

و اني احمد الله تعالي حيث اجري علي يد هذا الحقير المليء بالتقصير قليلا من كثير من فضائلهم صلوات الله عليهم و بيان فضائلهم ليس من شأن هذا الجاهل الضئيل بل من شأن علماء الشيعة العظام امثال علماء الشيخية اعلي الله مقامهم الذين شدوا حيازيم الهمة في القرون الاخيرة لنشر فضائل اهل بيت الطهارة عليهم السلام فصنفوا للذكري ما يزيد علي الف كتاب و الاف من الدروس و المواعظ و لقد وفقنا بحمد الله لطبع كثير منها و نسأل الله تعالي ان يوفقنا لطبع جميعها و ما ذكرته هنا مأخوذ من اقوالهم و تحقيقاتهم الحكمية و من اراد كما هو الحق ان يتتبع هذه المطالب العالية فلا بد له من الرجوع الي كتبهم مثل كتاب ( شرح الزيارة ) الذي كتبه المرحوم المبرور الشيخ احمد الاحسائي اعلي الله مقامه في شرح الزيارة الجامعة الكبيرة باللغة العربية او كتاب ( الفطرة السليمة ) في المعارف الالهية باللغة العربية او كتاب ( ارشاد العوام ) باللغة الفارسية و قد صنف هذين الكتابين المرحوم الحاج محمدكريم خان الكرماني اعلي الله مقامه او كتاب ( ينابيع الحكمة ) باللغة العربية تصنيف المرحوم الحاج محمد خان الكرماني اعلي الله مقامه و من اراد هذه الكتب امكنه المراجعة بهذا العنوان : ايران كرمان المدرسة الابراهيمية و قد فتحنا اخيرا شعبة من مكتبة المدرسة [ص 20] الابراهيمية في الباكستان في كراجي و عنوانها حاليا : دكتر كاظم علي رسا عدد ١٩٠٦ بي آي بي كلني كراجي ٥ باكستان و يمكن اخذ الكتاب من تلك المكتبة برسم الامانة و من جملة الكتب التي طبعناها و هي موجودة في تلك المكتبة ( فهرست كتب مشايخ ) تصنيف ابي المرحوم الاغا ابي‌القاسم خان ابراهيمي اعلي الله مقامه و قد ذكر فيه شرح احوال مشايخ السلسلة الشيخية و ما يقرب من الف كتاب لمشايخ الشيخية و مطالبهم بالتفصيل و قد اجابوا في اغلبها عن المسائل المختلفة و حلوا مشكلات المؤمنين و كل من كان له اشكال في مطالب هذه الاوراق او مطالب كتب علماء السلسلة الشيخية و راسل بعنوان المدرسة الابراهيمية في كرمان نرفع المشكلات علي حسب علمنا و امكاننا ان شاء الله .

تمت علي يد المسكين عبدالرضا بن ابي‌القاسم بن زين‌العابدين صباح السادس‌عشر من ربيع الاول سنة الف و ثلاثمائة و خمس و تسعين هجرية في كرمان و صلي الله علي محمد و اله الطاهرين .

تمت الترجمة بحمد الله علي يد العبد الجاني علي بن عبدالله الموسوي في العشرة الاولي من شهر ربيع‌الثاني سنة ١٣٩٧ حامدا مصليا مستغفرا .