[ص 542] فالثالثة - في تعريف المجادلة الجايزة و غير الجايزة اعلم ان الذي يظهر من الكتاب و السنة ان المجادلة علي قسمين مجادلة بالتي هي احسن و مجادلة بالتي هي اسوء و كذا اما تصدر عن العالم المؤمن القوي او عن الجاهل الضعيف فان كانت بالتي هي احسن و عن عالم هي من العبادات الجليلة و هي من خصال الانبياء و الاولياء عليهم السلام و سننهم و هي عبادة عظيمة و مقام عظيم و مكان علي و ان كانت بالتي هي اسوء فهي معصية كبيرة و ذنب عظيم و لما كان مرجع كثير من شروطها الي النية و القلب فلربما يشتبه الامر علي الانسان و ان كان علي نفسه بصيرا و يزعم نفسه طالبة للدين فاحصة عن حقيقة الحق فيه و ليست منه في شيء و هي تريد بذلك الاستعلاء و الشهرة و لتعرف بالفضل عند السلاطين و الحكام و الاشراف ليعظموه و يوقروه و لعلها تجادل حسدا علي خصمها فيما آتاه الله من قبول العامة فتريد بذلك اسقاطه عن اعين الناس و اظهار جهله و تضييعه او يحملها علي ذلك الكبر و الاستكبار و الانفة عن قبول الحق بالجملة كثيرا ما يلتبس الامر علي الانسان فلربما يحسب نفسه آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر معينة للحق ناصرة للدين و ليست بها ابدا و ان في صدرها الا الكبر و مايحملها علي ذلك الا الحسد او حب الشهرة و الفخر او غير ذلك نعوذ بالله فيجب تدقيق النظر في النفس و اغراضها و حيل الشيطان لئلايقع في المعصية الكبيرة و هو يحسب انه يحسن صنعا فلاجل ذلك نهي الله جل جلاله عن المجادلة اولا ثم رخص لمن يجادل بالتي هي احسن فقال لاتجادلوا اهل الكتاب الا بالتي هي احسن و امر في آية اخري بالتي هي احسن و قال و جادلهم بالتي هي احسن و ذم قوما يجادلون في الحق و بالباطل و في آيات الله و قال يجادلونك في الحق بعد ما تبين و قال و يجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق و قال مايجادل في آيات الله [ص 543] الا الذين كفروا و قال الذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم و عليهم غضب و لهم عذاب شديد و ذم قوما يجادلون بغير برهان فقال و من الناس من يجادل في الله بغير علم و لا هدي و لا كتاب منير و قال و من الناس من يجادل في الله بغير علم و يتبع كل شيطان مريد و قال الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان اتيهم كبر مقتا عند الله و عند الذين آمنوا و في اخري بعد سلطان ان في صدورهم الا كبر فتبين من هذه الآيات ان المجادلة منهي عنها كلها الا بالتي هي احسن و كذا لايجوز المجادلة في الحق بعد الوضوح و لايجوز المجادلة بالباطل و لايجوز المجادلة في آيات الله المستجمع علي تأويلها و لايجوز المجادلة من بعد ما اقام الحجة و استجيب له و لايجوز المجادلة بغير علم مستفاد من الله و رسوله و لا هدي و لا كتاب منير فانك ان تجاوزت المستفاد من الله و رسوله فالبقية ظن لايغني من الحق شيئا و لا برهان و لا سلطان الا ما جاء من عند الله و عند رسوله يقينا فلا مجادلة بالادلة العقلية التي تختلف العقول فيها و قول هذا ينقاد و هذا لاينقاد و هذا نعقله و هذا لانعقله و اما من احتج بالكتاب المستجمع علي تأويله و السنة الجامعة ففيهما الحجة سواء عقلتها او لمتعقلها و هي تنقاد كائنة ما كانت و لا سلطان الا ما كان هكذا و قد كشف امامك الصادق عليه السلام عن حقيقة المجادلة كما روي عن ابيمحمد العسكري عليه السلام قال ذكر عند الصادق عليه السلام الجدال في الدين و ان رسول الله صلي الله عليه و آله و الائمة المعصومين عليهم السلام قد نهوا عنه فقال الصادق عليه السلام لمينه عنه مطلقا لكنه نهي عن الجدال بغير التي هي احسن أماتسمعون الله يقول و لاتجادلوا اهل الكتاب الا بالتي هي احسن و قوله تعالي ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن قد قرنه العلماء [ص 544] بالدين و الجدال بغير التي هي احسن محرم و حرمه الله تعالي علي شيعتنا و كيف يحرم الله الجدال جملة و هو يقول و قالوا لنيدخل الجنة الا من كان هودا او نصاري قال الله تعالي تلك امانيهم قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين فجعل علم الصدق و الايمان بالبرهان و هل يؤتي بالبرهان الا في الجدال بالتي هي احسن قيل يا ابن رسول الله فما الجدال بالتي هي احسن و التي ليست باحسن قال اما الجدال بغير التي هي احسن ان تجادل مبطلا فيورد عليك باطلا فلاترده بحجة قد نصبها الله تعالي و لكن تجحد قوله او تجحد حقا يريد ذلك المبطل ان يعين به باطله فتجحد ذلك الحق مخافة ان يكون له عليك فيه حجة لانك لاتدري كيف المخلص منه فذلك حرام علي شيعتنا ان يصيروا فتنة علي ضعفاء اخوانهم و علي المبطلين اما المبطلون فيجعلون ضعف الضعيف منكم اذا تعاطي مجادلته و ضعف في يده حجة له علي باطله و اما الضعفاء منكم فتغم قلوبهم لما يرون من ضعف المحق في يد المبطل و اما الجدال بالتي هي احسن فهو ما امر الله تعالي به نبيه ان يجادل به من جحد البعث بعد الموت و احياءه له فقال الله حاكيا عنه و ضرب لنا مثلا و نسي خلقه قال من يحيي العظام و هي رميم فقال الله في الرد عليه قل يا محمد يحييها الذي انشأها اول مرة و هو بكل خلق عليم الذي جعل لكم من الشجر الاخضر نارا فاذا انتم منه توقدون فاراد الله من نبيه ان يجادل المبطل الذي قال كيف يجوز ان يبعث هذه العظام و هي رميم فقال الله تعالي قل يحييها الذي انشأها اول مرة أفيعجز من ابتدأ به لا من شيء ان يعيده بعد ان يبلي بل ابتداؤه اصعب عندكم من اعادته ثم قال الذي جعل لكم من الشجر الاخضر نارا اي اذا كمن النار الحارة في الشجر الاخضر الرطب يستخرجها فعرفكم انه علي اعادة ما بلي اقدر ثم قال أوليس الذي خلق السموات و الارض بقادر علي [ص 545] ان يخلق مثلهم بلي و هو الخلاق العليم اي اذا كان خلق السموات و الارض اعظم و ابعد في اوهامكم و قدركم ان تقدروا عليه من اعادة البالي قال الصادق عليه السلام فهذا الجدال بالتي هي احسن لان فيه قطع عذر الكافرين و ازالة شبههم و اما الجدال بغير التي هي احسن بان تجحد حقا لايمكنك ان تفرق بينه و بين باطل من تجادله و انما تدفعه عن باطله بان تجحد الحق فهذا هو المحرم لانك مثله جحد هو حقا و جحدت انت حقا آخر فقام اليه رجل فقال يا ابن رسول الله أفجادل رسول الله صلي الله عليه و آله فقال الصادق عليه السلام مهما ظننت برسول الله صلي الله عليه و آله من شيء فلاتظن به مخالفة الله أوليس الله تعالي قال و جادلهم بالتي هي احسن و قال قل يحييها الذي انشأها اول مرة لمن ضرب لله مثلا أفتظن ان رسول الله صلي الله عليه و آله خالف ما امره الله به فلميجادل بما امره الله به و لميخبر عن الله بما امره ان يخبر به الخبر ، فتبين ان المجادلة بالتي هي احسن اقامة الحجة بما قد نصبه الله في الكتاب او السنة او محكمات آيات الآفاق و الانفس او ما يعرف العقول عدله و عدم جحود الحق و اما المجادلة بالتي هي اسوء فهي ان تنكر حقا يقوله الخصم نعوذ بالله مخافة العجز عن رد باطله و قد قال الشيخ الاستاد الاوحد الشيخ احمد الاحسائي اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه في الادلة كلاما جامعا احب نقله لانه المبتكر بشرحه و تفصيله و منه بدئ فاليه يعود .
قال : اعلم ان الادلة ثلثة كما قال سبحانه لنبيه ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن و الاول دليل الحكمة و هو آلة للمعارف الحقية و به يعرف الله و يعرف ما سواه و مستنده الفؤاد و النقل اما النقل فهو الكتاب و السنة و اما الفؤاد فهو اعلي مشاعر الانسان و هو نور الله الذي ذكره في قوله اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله و هو الوجود لان [ص 546] الوجود هو الجهة العلياء من الانسان يعني وجهه من ربه لان الوجود لاينظر الي نفسه ابدا بل الي ربه كما ان الماهية لاتنظر الي ربها ابدا بل الي نفسها و اما شرطه فهو ان تنصف ربك لانك حين تنظر بدليل الحكمة انت تحاكم ربك فهو يحاكمك الي فؤادك كما قال سيد الوصيين لاتحيط به الاوهام بل تجلي لها بها و بها امتنع منها و اليها حاكمها فربك يخاصمك عندك فزن بالقسطاس المستقيم ذلك خير و احسن تأويلا و تقف عند بيانك و تبينك و تبيينك علي قوله تعالي و لاتقف ما ليس لك به علم ان السمع و البصر و الفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤلا و تنظر في تلك الاحوال كلها بعينه تعالي لا بعينك لقوله تعالي و لاتمش في الارض مرحا انك لنتخرق الارض و لنتبلغ الجبال طولا فهذا نمط دليل الحكمة و اما دليل الموعظة الحسنة فهو آلة لعلم الطريقة و تهذيب الاخلاق و علم اليقين و التقوي و ان كانت هذه العلوم تستفاد من غيره و لكن بدون ملاحظة هذا الدليل لاتقف علي اليقين لانه اقل ما قسم الله بين العباد و مستنده القلب و النقل و شرطه انصاف عقلك بمعني ان لاتظلمه ما يستحقه و ما يريد منك من الحق و مثاله قوله تعالي قل أرأيتم ان كان من عند الله ثم كفرتم به من اضل ممن هو في شقاق بعيد و قوله تعالي قل أرأيتم ان كان من عند الله ثم كفرتم به و شهد شاهد من بنياسرائيل علي مثله فآمن و استكبرتم ان الله لايهدي القوم الظالمين و كقول الصادق عليه السلام لعبدالكريم بن ابيالعوجاء حين انكر علي الطائفين بالبيت الحرام قال ما معناه ان كان الامر كما تقولون و ليس كما تقولون فانتم و هم سواء و ان كان الامر كما يقولون و هو كما يقولون فقد نجوا و هلكتم فهذا نمط دليل الموعظة الحسنة و اما دليل المجادلة بالتي هي احسن فهو آلة لعلم الشريعة و مستنده العلم و النقل و شرطه انصاف الخصم و الا لمتكن المجادلة بالتي هي احسن و هو [ص 547] مثل ما قرره اهل المنطق من المقدمات و كيفية الدليل و ما ذكره اهل الاصول و غيرهم من الادلة و كيفية الاستدلال علي نحو لايكون فيه انكار حق و ان كان من خصمك المبطل في مطلبه و لا استدلال بباطل علي حق و لا علي ابطال باطل و لايحتاج هذا الي تمثيل لان الكتب مشحونة به بل لاتكاد تجد غيره الا نادرا و ذلك لضعف المستدلين و المستدل لهم و عليهم و لكن لاتغفل عن اخذ حظ من دليل الموعظة الحسنة فانه بشرطه طريق السلامة و الراحة في الدنيا و النجاة في الآخرة و هذا اذا لمتنل دليل الحكمة و الا فخذه و كن من الشاكرين فليس وراء عبادان قرية و الله سبحانه يحفظ لك و عليك . انتهي كلامه اعلي الله مقامه .
فانت لو حفظت حدود هذا الكلام و عرفت آلة استنباط كل مرام و احطت خبرا بشروط كل مقام لنجوت عن المجادلة بالتي هي اسوء ان شاء الله فان من اسباب المجادلة بالتي هي اسوء ان تنظر في كل مطلب بغير مشعره و تستدل عليه بغير دليله او ترد علي المستدل بدليله بغير دليله او بنحو دليله لكن لا علي النحو المقرر في ذلك المقام ففي جميع هذه الاحوال تكون مجادلا بالتي هي اسوء غير عارف بالمراد و لا مهتد الي سبيل الرشاد و علي الله الاعتماد و اعلم فذلكة ان الانسان اذا حكي فعليه الصحة و ان ادعي فعليه الحجة الواضحة فمعها لايجوز الجدال و بغيرها لاينبغي المقال و شرح ذلك ان المراد بالصحة الصحة في النقل بان يكون صادقا في روايته ثم ما كان من عيب في المطلب فعلي المحكي عنه لا عليه و ان كان لاينبغي للانسان ان يروي كلما سمع فلا كل ما يعلم يقال و لا كل ما يقال حان وقته و لا كل ما حان وقته حضر اهله فلا بد من ملاحظة حال المستمعين فان كان يجوز عندهم تلك الرواية فليرو و الا فان كان فيها ضرر علي نفسه او علي المروي عنه او علي ساير اخوانه فلايروين بالجملة ان الذي عليك اذا حكيت الصحة و اذا ادعيت [ص 548] فعليك الحجة الواضحة و لا حجة في الدنيا الا في قول الله الحق و يكشف عنه ضرورة العقلاء او ضرورة المليين او ضرورة الاسلام او ضرورة المذهب فهذه الضرورات الاربع هي حجة الله في عصرنا علي متعلقاتها و علي لوازم تلك المتعلقات او ما يتفرع عليها او ما يرجع اليها اذا كانت لازمة او متفرعة او راجعة اليها بالضرورة و اما الكتاب فهو حجة اذا كان معناه ضروريا و كذا السنة فانك ان تعديت الضروري جاء الاختلاف و ذهب الحجية اللهم الا ان يقام علي شيء منها حجة ضرورية فيؤخذ بها و ان لمتكن بنفسها ضرورية و ان حجة الله هي الحجة الواضحة و لله الحجة البالغة فليس لاحد من القائلين بطرف من طرفي الاختلاف حجة علي الآخر الا بالضروري قال الله تعالي و ان تنازعتم في شيء فردوه الي الله و الرسول فالرد الي الله الرد الي كتابه المستجمع علي تأويله و الرد الي السنة السنة الجامعة غير المختلف فيها لا غير نعم اذا قامت الحجة الضرورية علي جواز الاخذ بشيء يجب الاخذ به و ان لميكن ذلك الشيء ضروريا ففيه الحجة فان ادعيت مسئلة و اقمت عليه الحجة من احد الضروريات الاربعة وجب علي خصمك التسليم كائنة ما كانت و ان لمتقم فلا حجة لك عليه و يجوز له مخالفتك اذ لا حجة لك عليه و لاتحتاج الي جدال و خصومة و ان لميكن لك برهان علي مدعاك بخصوصه و لك برهان علي طاعة رجل او موافقة امر ينظر ثانيا في صحة الرواية عن ذلك الرجل او في الموافقة فان صحت وجب القبول بلا منازعة و الا فلا حجة لك و لااجوز لك المخاصمة من غير برهان فان الله قد ذم قوما يجادلون من غير علم و لا هدي و لا كتاب منير فاياك و اياها و علي ما ذكرنا بطل التنازع و جاء الاتفاق و التوافق و ان الله عز و جل وضع الحكم لرفع التنازع و قال وضع الميزان ان لاتطغوا في الميزان و قال اطيعوا الله [ص 549] و اطيعوا الرسول و اولي الامر منكم و قال و لو ردوه الي الرسول و الي اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم فمع الحاكم بالحق لايجوز الجدال و انما القول قول من يوافقه الحاكم و الحاكم اليوم هو الضرورات الاربع و ان غركما الشيطان و تنازعتما في كون ما يدعي من الضروريات فذلك من تغريره و نزغه فلاتطيعاهما فان الامور الضرورية بديهية و لاتحتاج الي نزاع فما يمكن ان يشتبه الامر فيه فليس بضروري و ما ليس بضروري فليس بحجة عامة و لست بنبي مطاع يجب ان تطاع في كل ما تقول فلاتتوقع ان تطاع بلا حجة و لا حجة الا ما كان من الله علي يقين عام و تبين من ذلك انه لا حاجة الي الجدال في كل حال فمع الحجة المسلمة فلا جدال و بلا حجة فلا مقال و لا حول و لا قوة الا بالله المتعال و فيما ذكرنا كفاية حذرا عن الكلال و لما وصل الكلام الي هنا رأيت ان اقطع التحرير لهذا المجلد لما طال بي المقال مع كثرة الاشغال و حدوث عزم علي سفر فقد ختم علي هذا المقام مصنفه و كاتبه كريم بن ابرهيم لخمس بقين من الجمادي الاولي من شهور سنة ست و سبعين من المائة الثالثةعشرة حامدا مصليا مستغفرا ، تمت .