و امّا المعترضة فهي التي تعترض بين شيئين من شأنهما الاتصال لتقوية الكلام او تحسينه او حصول بداء او تدارك و يشترط فيها تناسب ما و عدم كونها معمولة لشيء من اجزائها و تقع غالباً بين طرفي نسبة كما بين الفعل و معموله نحو :
و قد ادركتني و الحوادث جمّةٌ اسنّة ● قوم لا ضعاف و لا عُزل ● [ص 600]
فجملة « و الحوادث جمّة » معترضة بين « ادركتني » و « اسنّة » و نحو :
و بدّلت ● و الدّهر ذو تبدّل هيفاً ● دبوراً ● بالصّبا و الشمأل
فقوله « و الدهر ذو تبدّل » معترضة بين « بدّلت » و « هيفاً »
و ما بين المبتدء و الخبر نحو :
و فيهنّ ● و الايّام يعثرن ● بالفتٰي نوادب لايمللنه ● و نوايح
و منه الاعتراض بالجملة الفعلية الملغاة نحو زيد اظنّ قائم
و منه الاعتراض بالجملة المخصصة نحو :
نحن بنات طارق نمشي علي النّمارق ●
فبنات طارق معترضة بين الفاعل و الفعل
و بين ما اصلهما المبتدأ و الخبر نحو :
و انّي و تَهْيٰامي ● بعَزَّةَ بعد ما تخلّيتُ ● ممّا بيننا و تخَلَّت ●
لكالمرتجي ● ظلّ الغمامة كلّما تبوّأ منها للمقيل اضمحلّت
فقوله « و تهيامي بعزّة » جملة معترضة بين اسم « انّ » و بين « لكالمرتجي » و هي ● خبرها
و بين الشرط و جوابه نحو و اذا بدّلنا آية مكان آية و اللّه اعلم بما ينزّل قالوا انّما انت مفترٍ و فان لمتفعلوا و لنتفعلوا فاتّقوا النّار و فان يكن غنيّاً او فقيراً فاللّه اولٰي بهما فلاتتّبعوا الهوٰي كذا قالوا و الظاهر انّ الجواب « فاللّٰه اولٰي »
و بين القسم و جوابه نحو :
لعمري و ما عمري عليّ بهيّن لقد نطقت بطلاً ● عليّ الاقارع ● [ص 601]
و كقوله تعالي قال فالحقّ و الحقّ اقول لاملأنّ و قوله « فالحقّ » منصوب بنزع الخافض لاقسم محذوفاً
و بين الموصوف و صفته نحو و انّه لقسم لو تعلمون عظيم
و بين الموصول و صلته نحو :
ذاك الذي و ابيك يعرف مالكاً و الحقّ يدفع ترّهات الباطل
فقوله « و ابيك » جملة قسميّة معترضة بين الموصول و صلته
و بين المتضايفين نحو هذا غلام واللّه زيد و لا اخاً فاعلم لعمرو
و بين الجارّ و المجرور نحو اشتري بأري الف درهم و اشتراه بواللّه الف درهم
و بين الحرف و توكيده نحو :
ليت و هل ينفع شيئاً ليت ليت شباباً بوع فاشتريت
و بين حرف التنفيس و الفعل نحو :
و ماادري و سوف اخال ادري اَقومٌ آل حصن ام نساء
و بين قد و الفعل نحو :
اَخالد قد واللّه ● اوطأت ● عشوة ● و ما العاشق المسكين فينا بسارق
و بين حرف النفي و منفيّه نحو و لااراها تزال ظالمة و نحو :
فلا و ابي ● دهماء ● زالت عزيزة علٰي قومها ما قيل للزّند قادح
و ان اشتبه المعترضة بالحالية فتعرف المعترضة بان تكون انشائية نحو :
انّ الثّمانين و بُلِّغتَها ● قد احوجت سمعي الٰي ترجمان ●
و نحو و يجعلون للّه البنات سبحانه و لهم ما يشتهون و بالتصدر بالفاء او حرف الاستقبال نحو فبايّ آلاۤء ربّكما تكذّبان الفاصلة بين فاذا انشقّت السماء فكانت وردةً [ص 602] كالدّهان و بين فيومئذ لايسأل و نحو : و ماادري و سوف اخال ادري .
و امّا المفسرة فهي الفضلة الكاشفة لما تليه فهي امّا مع حرف تفسير نحو :
و ترمينني بالطّرف اي انت مذنب و تقلينني لكنّ ايّاك لااقلي
و نحو فاوحينا اليه ان اصنع الفلك ان لمنقل انه بتقدير الجارّ اي « بان اصنع » و اما بدونه نحو و اسرّوا النّجوي الذين ظلموا هل هٰذا الّا بشر مثلكم و الاصح انّ المفسرة بلا حرف بدل علي انّ عطف البيان نوع من البدل فهي عطف بيان و لا مانع من وقوع جملة عطف بيان لجملة اخري و مثل انّ مثل عيسٰي عند اللّه كمثل آدم خلقه من تراب فانّ « خلقه » تفسير « مثل آدم » و نحو هل ادلّكم علي تجارة تنجيكم من عذاب اليم تؤمنون باللّه فجملة « تؤمنون باللّٰه » تفسير للتجارة و مثل و لمّايأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مسّتهم البأساۤء و هي مفسرة « مثل الذين » و مثل احسن الي زيد اعطه الف دينار و الاصح عندي انّ المفسرة ان كانت بلا حرف تفسير لها محل ما ابدلت منه فقولك زيد يتكلّم يقول الحمد للّه ربّ العالمين فيقول فعل مؤخّر و زيد فاعل مقدم و قولك رأيت زيداً يتكلّم يقول كذا في محل النصب علي الحالية .
و امّا صلة الموصول اسمياً كان او حرفياً علي مذهب الجمهور امّا الموصول الاسمي فلأنّه عندهم هو المستحق للاعراب دون صلته لانّها من قيوده نحو ليقم ايّهم افضل و زُر ايّهم جاء و امرر بايّهم شئت و قالوا اعراب صلة ال مستعار من « ال » و اما علي ما اخترناه من كون الصلة صفة مبيّنة لابهام الموصول فهي لها محل من الاعراب و اعرابها اعراب موصولها و ان لمتأوّل الي المفرد و هو اشتراط بلا موجب و امّا الموصول الحرفي فهو علي ما قالوا مع صلته مأوّلان [ص 603] الي المصدر لا الصلة وحدها فهي وحدها لا محل لها من الاعراب كذا قالوا و لو قال قائل : انّ الموصولات الحرفية تدخل علي الفعل فتدلّ علي انّ المراد مصدره لا انّها مع الفعل بمعني المصدر و لا معني لان يكون حرف و فعل بمعني مصدر ذلك الفعل فاذا ذكر المدلول عليه استغني عن الدليل و اسقط ، لميكن له رادّ فلو قال قائل انّ لها ايضاً محلّاً من الاعراب لميكن بعيداً فقولك اعجبني ان قمت في محل الرفع .
و امّا المجاب بها القسم فنحو اقسم باللّه لافعلنّ و نحو و القرٰان الحكيم انّك لمن المرسلين و اما مجموع القسم و جوابه فقد يكون له محل نحو قال زيد واللّه لافعلنّ فانّها في محل المفعول .
و امّا المجاب بها الشرط غير جازم و ادواته اذا و لو و لولا و لوما و لمّا و كيف فنحو اذا جئتني اكرمك و كيف تجلس اجلس و قالوا و في حكمها التي اجيب بها شرط جازم غير مقترن بالفاء او اذا الفجائية التي هي بدلها .
و اما التابعة لما لا محل لها من الاعراب فنحو جاءني زيد فاكرمته لانّ المعطوف في حكم المعطوف عليه .
الرابعة - الجمل التي لها محل من الاعراب و هي ايضاً سبع عندهم و عندي انّها عشر و هي الخبرية و الحالية و المفعول بها و المضاف اليها و الواقعة جواباً للشرط الجازم و التابعة لمفرد و التابعة لجملة لها محل و الجملة المستثناة و الواقعة مسنداً اليها و الاصح انّ الواقعة صلة منها كما مرّ .
اما الجملة الخبرية فهي الواقعة خبراً للمبتدأ او صالحة للخبرية ● فمحلها [ص 604] الرفع في باب « المبتدأ و الحروف المشبهة و لاء التبرية » و النصب في باب « كان و كاد و ماء الحجازية و لاء المشبهة بليس و افعال القلوب » و لا بدّ فيها من ضمير مطابق في الخمس للمخبر عنه نحو زيد قام او زيد ضربته علي رأي القوم و ابوه قائم و قد يقدّر الضمير نحو السمن رطلان بدرهم و نحو قراءة كلٌّ وعد اللّه الحسنٰي اي « وعده اللّٰه » و قد لاتحتاج الي ضمير و قد مرّ حكمه .
و امّا الجملة الحالية فموضعها نصب نحو و لاتمنن تستكثر اي « استكثاراً » و لاتقربوا الصلٰوة و انتم سكارٰي اي سكرانين و مايأتيهم من ذكر من ربّهم محدث الا استمعوه و هم يلعبون فجملة « استمعوه » حال من مفعول « يأتيهم » او من فاعله و جملة « و هم يلعبون » حال من فاعل « استمعوه » و قد مرّ احكام الحال مفصلاً .
و امّا الجملة المفعول بها فمحلها النصب و هي قد تقع محكيّة بالقول نحو قال انّي عبد اللّه و نحو فحقّ علينا قول ربّنا انّا لذائقون او مرادف القول نحو :
و ترمينني بالطّرف اي انت مذنب و تقلينني لكنّ ايّاك لااقلي
و نحو و وصّٰي بها ابرٰهيم بنيه و يعقوب يا بنيّ انّ اللّه اصطفٰي لكم الدّين و نادٰي نوح ابنه و كان في معزل يا بنيّ اركب معنا و بان تقع مفعولاً ثانياً لباب ظنّ نحو ظننتك تأكل و ثالثاً لباب اَعْلَمَ نحو اعلمتك كبشك قرنه منكسر و ان تقع و قد علّق عنها العامل فتكون في موضع المفعولين ان كان متعدياً لاثنين نحو لنعلم ايّ الحزبين احصٰي و فلينظر ايّها ازكٰي طعاماً او في موضع مفعول واحد ان تعدّي لواحد نحو عرفت من انت ، اولميتفكّروا ما بصاحبهم من جنّة و يسألون ايّان يوم الدّين و قيل لايختص التعليق بباب ظنّ بل يجوز التعليق في كلّ فعل قلبيّ [ص 605] و قيل لايعلّق فعل غير علم و ظنّ فعلٰي هذا تكون الجملة سادّة مسدّ المفعولين و فائدة الحكم بالنصب في باب التعليق تظهر في التابع نحو :
و ماكنت ادري قبل عزّة ما البكا و لا موجعات القلب حتي تولّت
و اختلفوا في سمِع المتعلقة باسم عين نحو سمعت زيداً يقرأ فقيل تعدّي لاثنين ثانيهما جملة و قيل لواحد و الجملة حالية و الاصح عندي الاول .
و امّا الجملة المضاف اليها فمحلها الجرّ و لا بد من خبريّتها و تقع بعد كلمات منها اسماء الزمان ظروفاً كانت او اسماً نحو و السّلام عليّ يوم ولدت و هي ظرف و انذر الناس يوم يأتيهم العذاب و هي مفعول ثان و ينذر يوم التّلاق يوم هم بارزون و الثانية بدل و هذا يوم لاينطقون و هي خبر و من اسماء الزمان ثلثة تجب اضافتها الي الجملة : اذ بالاتفاق و اذا عند الجمهور و لمّا عند القائلين بالاسمية و قيل انّ اسم الزمان المبهم ان كان مستقبلاً فهو كاذا و ان كان ماضياً فهو كاذ فتقول آتيك زمن تقدم الحاجّ و لايجوز زمن الحاجّ قادم و تقول اتيتك زمن قَدِم الحاج و زمن الحاج قادم و ردّوا عليه بقوله تعالي يوم هم بارزون و الانصاف انّه لايردّ لانّ اللّٰه كثيراً ما يخبر عن المستقبل بالماضي و لميسمع اضافة المثني الي الجمل كيومين و وقتين و منها حيث و اكثر اضافتها الي الفعلية نحو جلس حيث ضربته او زيداً ضربته و منها آية بمعني « علامة » فانها تضاف الي الفعلية المتصرف فعلها نحو :
بٰاية ● يقدمون ● الخيل شعثاً ● كأنّ علٰي سنابكها مداماً ● [ص 606]
و :
اَلِكني ● الٰي قومي السلام رسالة بٰاية ماكانوا ضعافا و لا عُزلاً ●
و قيل انّها انّما تضاف الي المفرد نحو آية ملكه ان يأتيكم التّابوت و اوّل المصراع الاول و منها ذو نحو اذهب بذي تسلم اي اذهب في وقت صاحب سلامة او في الوقت الذي تسلم فيه و منها لدُن و ريثَ فانهما يضافان الي جملة فعلها متصرف مثبت نحو :
لزمنا لدن سالمتمونا وفاقكم فلايك منكم للخلاف جَنوحٌ ●
و نحو :
خليليّ رفقاً ريثَ اقضي لبانة ● من العرصات المذكرات عهوداً
و قيل انّ الفعل بعدهما علي اضمار ان و منها قول و قائل نحو :
قول يا للرّجال ينهض منّا مسرعين الكهول و الشّبّانا
و نحو :
و اجبت قائل كيف انت بصالح ● حتّٰي مللت و ملّني عوّادي
و امّا الجملة الواقعة جواباً لشرط جازم مقرونة بالفاء بعد اِن و اخواتها او باذا الفجائية بعد ان فمحلها الجزم نحو قوله تعالي من يضلل اللّه فلا هادي له و يذرهم فجملة « لا هادي » في محل جزم و لذا قرئ و يذرْهم بالجزم عطفاً علي محل الجملة و الفاء المقدّرة كالمذكورة نحو :
من يفعل الحسنات اللّه يشكرها و الشرّ بالشرّ عند اللّه مثلان [ص 607]
و نحو ان تصبهم سيّئة بما قدّمت ايديهم اذا هم يقنطون و قيل الجملة في هذه الصور واقعة موقع مضارع مجزوم و هو مفرد .
و امّا التابعة لمفرد فمحلها بحسب اعراب ذلك المفرد نحو من قبل ان يأتي يوم لا بيع فيه فوقعت نعتاً في محل الرفع و اتّقوا يوماً ترجعون فيه نعت في محل النصب و ربّنا انّك جامع الناس ليوم لا ريب فيه نعت في محل الجر و نحو زيد منطلق و ابوه ذاهب فان كان عطفاً علي الجملة فلا محل له او حالاً فمنصوبة و نحو و اسرّوا النجوي الذين ظلموا منهم هل هٰذا الّا بشر هي بدل من « النجوي » في محل النصب و اولميروا الي الطّير فوقهم صاۤفّات و يقبضن عطف علي « صافّات » و هي حال و منصوبة .
و اما التابعة لجملة لها محل و ذلك يقع في باب النسق و البدل و يشترط في البدل ان يكون اوفٰي بتأدية المراد من الاولي و اعرابها بحسب متبوعها نحو زيد قام اخوه و قعد ابوه بالعطف علي الجملة الصغري علي مذهبهم و نحو و اتّقوا الذي امدّكم بما تعلمون امدّكم بانعام و بنين و جنّات و عيون .
و امّا الجملة المستثناة فنحو لست عليهم بمصيطر الّا من تولّٰي و كفر فيعذّبه اللّه فالجملة في محل النصب علي الاستثناء المنقطع و قراءة فشربوا الّا قليلاً منهم و قراءة الّا امرأتك انه مصيبها ما اصابهم فكلّ ذلك في محل النصب علي الاستثناء .
و اما الجملة الواقعة مسنداً اليها بالمبتدائية فنحو تسمع بالمعيدي خير من ان تراه فانّها في محل الرفع و مبتدأ و مثل سواء عليهم ءانذرتهم ام لمتنذرهم فانّ « ءانذرتهم » في محل الرفع و مبتدأ و انّ الهمزة سابكة لهما .
و امّا الجملة الواقعة مسنداً اليها بالفاعلية فنحو ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الٰايات ليسجننّه [ص 608] و اذا قيل لهم لاتفسدوا في الارض و تبيّن لكم كيف فعلنا بهم ، اولميهد لهم كم اهلكنا فانّها جميعها في مقام الفاعل و مرفوع .
و امّا الواقعة صلة فان وقعت لموصول اسمي فلايظهر للنزاع فائدة فانها ابداً جملة و توابعها ايضاً جملة و اما ان وقعت لموصول حرفيّ فتفيد الفائدة في التابع و قد مرّت .
الخامسة - الجمل الخبريّة ان ارتبطت بالنكرات المحضة كانت صفة او بالمعارف المحضة فحالاً عنها و مع غير المحض منهما تحتمل الاحتمالين و كل ذلك بشرط وجود المقتضي و انتفاء المانع ، الاولي نحو حتّٰي تنزّل علينا كتاباً نقرؤه ، لِمَ تعظون قوماً اللّه مهلكهم ، من قبل ان يأتي يوم لا بيع فيه و منه حتّٰي اذا اتيا اهل قرية استطعما اهلها و كرّر فيها « الاهل » لانه لو قال « استطعماهم » و هي صفة القرية لزم خلوّ الصفة من رابطة الموصوف و لو قال « استطعماها » كان مجازاً و لك ان تقول « استطعما » جزاء « اذا » و كناية اهلها لملحوظ و هو الضيافة و الاطعام و مثله غير عزيز ، و الثانية نحو و لاتمنن تستكثر فانها بعد ضمير المخاطب و لاتقربوا الصلٰوة و انتم سكارٰي ، و الثالثة هذا ذكر مبارك انزلناه فانها نكرة مخصّصة فلك ان تصفها و لك ان تبيّن حالها و كمثل الحمار يحمل اسفاراً فانّ المعرّف الجنسيّ فيه شائبة التنكّر لعدم تعيين الافراد و نحو و آية لهم الليل نسلخ منه النهار و نحو :
و لقد امرّ علي اللئيم يسبّني فمضيت ثمّة قلت لايعنيني
و اما مثال وجود المانع فنحو و كلّ شيء فعلوه في الزّبر فانّ هنا مانعاً من الحال لانّهم لميفعلوا كلّ شيء و نحو و لولا كتاب من اللّه سبق اذ لا عامل للحال و نحو [ص 609] عسٰي ان تكرهوا شيئاً و هو خير لكم فانّ الواو تمنع الوصفية و مثال ما يمنعهما معاً نحو و حفظاً من كل شيطان مارد لايسّمّعون اذ يمتنع الوصف فانه يلزم انّ من يسمعون يصعدون ، و الحال فانه يلزم انهم في غير حال السماع يصعدون و اما نحو هٰذا عبدي او عبد بعتكه فمستأنفة اذ الانشاء لايقع صفة و لا حالاً .
السادسة - فيما يشبه الجمل و هو الظرف و الجارّ و المجرور فانهما لا بدّ لهما من متعلق من فعل او وصف او مأول اليه او ما يشير الي معناه فان كان بارزاً و الّا قدّر لهما و زعم الكوفيون انّ نحو زيد عندك و عمرو في الدّار انّ الظرف و الجارّ منصوبان و الناصب كونهما مخالفين للمبتدأ و قيل المبتدأ فانّ الخبر غيره و قد اصابوا الخطاء بل الناصب « مستقرّ » محذوفاً و هو الخبر ، بالجملة الامثلة : انعمت عليهم غير المغضوب عليهم و كقوله :
و اشتعل المبيضّ في مسودّه مثل اشتعال النّار في جزل ● الغضا ●
و نحو بسم اللّه الرّحمٰن الرّحيم اي « اسِم نفسي بسم اللّٰه » كما روي و زيد في الدّار او عندك اي « مستقرّ في الدّار » او « عندك » و نحو و هو الذي في السماء الٰه فالٰه مأوّل بوصف و هو المعبود و نحو :
و انّ لساني شهدةٌ يُشتفٰي بها و هُوَّ علٰي من صبّه ● اللّه علقم
فانّ « علقم » مأوّل بالصعب و نحو فلان حاتم في قومه فحاتم مشير الي الجواد و منه :
اسد عليّ و في الحروب نعامةٌ فتخاء ● تنفر من صفير الصّافر [ص 610]
فاسد يشير الي الجريء و نعامة الي الجبان و قيل انّ الجارّ في مثل مااكرمت المسيء لتأديبه و مااهنت المحسن لمكافاته متعلق بحرف النفي فلو تعلق بالفعل لفسد المعني و هو توهّم فان المتعلق مجموع « مااكرمت » فاما يراد منه « اهنت » و هو معني « مااكرمت » و اما يقال المتعلق الارادة المحذوفة اي « مااكرمته ارادة تأديبه » و كذا الآخر و اختلفوا في انّ المحتاج الي المتعلق هل هو الجارّ او المجرور و لا شك انّ النقصان و الحاجة للجارّ لا المجرور بل الجارّ من حيث الادني محتاج الي المجرور و من حيث الاعلي محتاج الي المتعلق و لك ان تقول بعض الافعال ناقصة لاتقدر علي الاتصال بالاسماء و العمل فيها الا بواسطة حروف فهما مرتبطان فعلي ايّ حال الحروف مرتبطة بالافعال متعلقة بها او بما في معناها و تتعلق الافعال بالاسماء بواسطة الحروف ، بالجملة يجب حذف المتعلق اذا كان احدهما ● صفة نحو كصيّب من السماء و شكرٌ عند البلاء او صلة لموصول نحو يسبّح له ما في السمٰوات و ما في الارض و من عنده لايستكبرون عن عبادته او خبراً نحو الحمد للّه و العلم عند اللّه و انّ العزّة للّه و انّ لدينا انكالاً او حالاً نحو فخرج علٰي قومه في زينته و انّك اليوم لدينا مكين او رافعاً لظاهر نحو افي اللّه شك و هل عندك شيء و المراد انّ المتعلق رافع الظاهر لا الظرف و الجارّ او كان الجارّ واو القسم او تاءه نحو و القرٰان الحكيم ، تاللّه لاكيدنّ اصنامكم اذ لايذكر فعل القسم معهما او كان قرينة يستغني بها نحو ما يقال للعروس بالرّفاء ● و البنين و قالوا او علي شريطة التفسير نحو ايوم الجمعة صمت فيه و عندنا « يوم الجمعة » مفعول فيه مقدم و « فيه » بدل [ص 611] و قيل اذا كان احدهما صفة او صلة او خبراً او حالاً او اعتمد علي نفي بحرف او فعل او استفهام جاز ان يرفع الفاعل نحو جاء رجل بيده او معه صقر و الذي عندي او في الدّار ابوه و زيد في البيت او عندي اخوه و جاء بشر علي كتفه او معه سيف و ما او ليس في السوق او عندي احد و افي اللّه شك و هل عندك احد و في مرفوعهما الظاهر ايضاً اقوال فقيل هو مبتدأ مخبر عنه بهما و قيل فاعل و قد عرفت انّ المختار انّ العمل للمتعلق المحذوف و المرفوع فاعله و لو لميعب عليّ لقلت انّ المرفوع المتأخر خبر و المبتدأ هو الوصف المحذوف فانّ معني قولك في الدّار زيد « الكائن في الدّار زيد » و عندي مال اي « الموجود عندي مال » نعم في مثل افي اللّه شك و هل عندك احد و ما عندي نفاق و امثال ذلك المحذوف فعل و المرفوع فاعل بلا شك .
السابعة - حكمهما بعد المعارف و النكرات حكم الجمل و قد مرّ فهما صفتان للنكرة نحو رأيت رجلاً علي جبل و حالان بعد المعرفة نحو رأيت الشمس في الافق و الهلال بين السحاب و محتملان في نحو يعجبني التّمر في شمراخه و احبّ السيف عندك .
و اعلم يا بنيّ انّي اتعبت نفسي و صرفتها في مدة اشتغالي بتصنيف هذا الكتاب عن التوجه الي المطالب العليّة الحكمية و ما كنت مشتغلاً به و اريد حيوتي له لاجل ان اصرفك و سائر اخواني عن كتب العامّة و احملك و ايّاهم علي القصد و لئلايكون لكم عذر في الاعراض عن علوم العربية فلو لمتسع في حلّ مباني هذا الكتاب و ضبط معانيه لاضعت سعيي و ابطلت جهدي فاسع ارشدك اللّٰه في فهمه
و اعلم اني ذكرت فيه ما تقدر به علي تطبيق الظاهر بالباطن اذا وصلت اليه و الاستدلال من الظاهر علي الباطن اذا لمتهتد اليه من طريق آخر .
و اوصيك ان لاتكون كطلاب عصرنا حيث اري عالمهم و جاهلهم يستدلّون بصرف القواعد اللفظية الموضوعة متعبدين للعامة العمياء و علماء النحو فكأنّ اعراب الالفاظ لهم دليل يهتدون به و الحال انّ الاعراب لايدل علي المعني الا ان يكون مخصوصاً بلفظِ معنيً خاصٍ و اما اذا كان الاعراب صالحاً لالفاظ عديدة لمعان متفرقة فلايكون دليلاً يهتدي به الاتري انّه لا كلّ مرفوع مبتدأ و لا كلّ منصوب مفعول به مثلاً و اراهم دائماً يستدلّون بصرف الالفاظ حتّي انّي لماَرَ من يستدل علي شيء منه بالمعني و ارادة النفس فلاتكن انت مثلهم بل اعلم انّ المبتدائية مثلاً امر معنوي لا لفظي و المبتدأ مثلاً ما قصده المتكلم مبتدأً و الخبرية امر معنوي و الخبر ما قصده المتكلم خبراً و القصود تطابق سجيّة العرب فانهم ايضاً انسان مثلك يتكلمون عن قصودهم نعم ربما تخالف القواعد الموضوعة الصادرة عن الطبايع المغيّرة الفطرة الالهية كما اطلعت علي كثير منها في هذا الكتاب من سخافة دراياتهم و لكنّ الطلاب لعدم عضّهم علي العلم بضرس قاطع [ص 613] و ركونهم الي القواعد اللفظية تقليداً للقوم صاروا كالعبيد و وقعوا في الحرج الشديد و لهم مفرّ عتيد و لكنّهم ينادون من مكان بعيد فراجع انت في فهم كل عبارة الي المعني و احكم من المعني علي اللفظ و للمعني قرائن في الكلام كثيرة يهتدي بها اليه و اني ارٰي كثيراً من اللاحنين في الالفاظ يعرفون المعني بالقرائن و ها جميع العرب في زماننا هذا تركوا الاعراب بالكلية و يفهمون المعني في مخاطباتهم و ساير الالسنة لا اعراب فيها و يفهم المعاني منها فاعرف المعني اولاً و اجر الاعراب علي حسب المعني حتّي تصيب .
و هذه وصيّتي اليك فاحفظها اذا اردت ان تكون فهِماً و لو اردت ان تهتدي الي سمات الالفاظ من الاعراب و من القواعد تكون من عبيد النحاة و ارقّائهم من غير وراثة و لا شراء كساير الطلاب
و اعلم انّ سناد علم العربية لسان العرب و تكلمهم و هم تكلموا و عبّروا عن مراداتهم بالفاظ و لميسمّ العرب لفظاً مبتدءاً و لفظاً خبراً و لفظاً فاعلاً و لفظاً مفعولاً و انما صدر بعض هذه الالفاظ عن واضع النحو صلي اللّٰه عليه و آله اولاً و بعضها عن غيره و ميّز الموضوعات النحويّون و تصرّفوا فيها علي حسب آرائهم و وضعوا قواعد علي حسب انظارهم فمن خالف القواعد الموضوعة مع موافقته للعرب في الاداء و قصد المعني لاتضرّه فانه لميخالف العرب و انما خالف النحويّ و هو سهل و لكن هذا مما لايدخل اذن الطلاب ابداً و يجرون مخالفة النحويين مجري خلاف الضرورة نعوذ باللّٰه و يعدّونها جهالة و ليس ذلك الّا من شدّة تقليدهم و تعبّدهم لهم .
و انّي احمد اللّٰه علي ما منّ به عليّ حيث جعلني حرّاً في جميع العلوم [ص 614] لاتطاوعني نفسي في التسليم من غير وجه لغير المعصوم و انّ اللّٰه امرنا بالتسليم لهم لا لسائر الخاطئين مثلي و اقول مغيّراً للمثل السائر للمناسبة :
ابتِ الحرورة ان تفارق اهلها و ابٰي كريم ان يعيش رقيقاً
و هذا آخر ما انتهي اليه كلامي في هذا العلم و اخذني الملال من طوله فقطعت الكلام و الحمد للّٰه اولاً و آخراً و ظاهراً و باطناً و صلي اللّٰه علي محمد سيّد العرب و العجم و آله الطيبين الطاهرين و لعنة اللّٰه علي اعدائهم اجمعين .
و قد فرغ من تصنيفه كريم بن ابرٰهيم في ثالث شهر ذيالحجة الحرام من شهور سنة ستّ و سبعين بعد المأتين و الالف من الهجرة علي مهاجرها السلام حامداً مصلياً مستغفراً مستعيذاً باللّه المجيد من شرّ اصحاب التقليد .