فصل - رأيت رسالة عنه اعلي الله مقامه ما هذا لفظها :
بسم الله الرحمن الرحيم - الحمد لله رب العالمين و الصلوة علي محمد و آله الطاهرين ، اما بعد فيقول العبد المسكين احمد بن زينالدين ان بعض الاخوان في الله طلب مني ان اذكر له مضمون رؤيا رأيتها و ان اكتبها له فاعتذرت اليه لغايات و الح علي فكتبت مما يحضرني منها و هو كأني رأيت اني في مسجد و رأيت اشخاصا قياما و سمعت قائلا يقول يا سيدي فدنوت منهم فقلت من هذا فقال ذلك القائل هذا الحسن بن علي بن ابيطالب عليهما السلام فاتيته و قبلت يده و معه اثنان فظننت ان احدهما الحسين عليه السلام و الآخر علي بن الحسين عليهما السلام و قلت له بذلك فقال هذا علي بن الحسين عليهما السلام و هذا محمد الباقر عليه السلام فقبلت يديهما و سمعت ذلك القائل يقول يا سيدي كم اعيش في الدنيا فقال اربع و خمس او قال و اربع او خمس فقلت الحمد لله رضيت و كأني حين هذا القول مضطجع علي قفاي و رأسي الي جهة نقطة الجنوب و كأنهم عليهم السلام واقفون مقابلوا جهة المغرب الاعتدالي و الحسن عليه السلام عند رأسي قائم و يليه علي بن الحسين و يليه الباقر عليه السلام فلما سمع الحسن عليه السلام قولي الحمد لله رضيت قعد و انكب علي و وضع فمه علي فمي فقال احد القائمين عليهما السلام اصلح فرجه فقال الحسن عليه السلام الفرج لايخاف منه و ان اعقمه الله و انما يخاف من القلب فتعلقت به فمسح بيده علي رأسي و صدري حتي احسست بالبرودة في قلبي ثم كأنا قائمون و ذلك الرجل القائل يتكلم معه عليه السلام فقلت للامام عليه السلام يا سيدي علمني دعاء اذا قرأته رأيتكم فقرء لي هذه الابيات :
[ص 121]كن عن امورك معرضا و كل الامور الي القضا
و لرب امر متعب لك في عواقبه رضا
الله يفعل ما يشاء و لاتكن متعرضا
الله عودك الجميل فقس علي ما قد مضي
و قرأ ايضا :
رب امر ضاقت النفس به جاءها من قبل الله الفرج
لاتكن من وجه روح آيسا ربما قد فرجت تلك الرتج
بينما المرء كئيب دنف جاءه الله بروح و فرج
و كان عليه السلام يقرأ من هذا مصراع بيت و من هذا مصراع بيت علي ترتيب لماحفظه ثم اني احببت ان يسيروا لئلااشتغل و انسي الابيات فانتبهت و بقيت اقرأها و لااري احدا منهم مدة من الزمان فتذكرت و تنبهت انه يريد مني التخلق بمعانيها و الاتصاف بما تدل عليه و تشير ثم توجهت الي اخلاص العمل ان لااكون من الغافلين فلما كنت كذلك انفتح لي قفل الباب و اتصلت لي عري الاسباب فكنت اكثر الليالي اريهم فرأيت الحسن عليه السلام مرة ثانية فوضع فمه في فمي فصب لي من ريقه ماء ساخنا و انا ارشفه قدر ساعة و هو الذ من الشهد المصفي و رأيت بعد ذلك ما لميره غيري من جميع الائمة و الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين . و رأيت عنه اعلي الله مقامه في هامش رسالة في شرح حديث رأسالجالوت المعروف عن الرضا عليه السلام قال اعلي الله مقامه : اني كنت في اول امري كلما رأيت شيئا او سمعته و اشتبه علي رأيت في المنام بيانه بما يطابق الواقع و الحق و الآن لما كثرت علي الاشغال و تشتت البال قل ورود ذلك الحال علي الا انه لميرتفع بالكلية و بعد ان كتبت هذه الكلمات في بيان هذا الحديث و لمنجده مسندا و انما نقل هكذا رأيت في المنام ان عندي كتابا مجلدا كبيرا في حجمه و ثخنه و كأنه من تأليف المحدثين من [ص 122] اصحاب الائمة عليهم السلام او من يقربون منهم و اذا في بعض استدلالاته كلمات من متن هذا الحديث و يسند روايته الي طلحة بن زيد فلما انتبهت خطر ببالي انه يجوز انه مروي من طريقين احدهما عن طلحة بن زيد عن الصادق عليه السلام و الآخر عن الرضا عليه السلام و يجوز ان اسناده عن الرضا سهو من الكاتب او الراوي و انما لميترجح عندي في خاطري اختلاف رؤياي لما اطمئنت نفسي اليه من ان ما اجد في المنام من امثال ذلك لايكاد يخالف الواقع و ان كان يجوز اختلافه في هذه المرة انتهي ، و قال اعلي الله مقامه في شرح الفوائد و لقد رأيت في المنام كأني اتيت الي بستان من بساتين الجنة و فيه اشجار و زرع و رأيت جميع اوراق تلك الاشجار و الزرع تنظر كل واحدة الي بعينين نظر المتعقل و هي ورقة و هي حيوان و قال اعلي الله مقامه في شرح الزيارة و لقد رأيت في ايام اقبالي و توجهي رؤيا عجيبة ملخصها اني رأيت في المنام كأني في صحراء واسعة مد البصر و فيها ضياء شديد اشد من نور الشمس بحيث لايكاد البصر يدرك شيئا لشدة النور و سمعت صوتا اخاطب به ينبعث الي من كل جهة من الجهات الست بلسان واحد و احس ان كلي سمع لاتختص الاذن بسماعه و لمافهمه حال انبعاثه لاستدارة كل حرف منه علي كالكرة و انا له كالقطب فلما انقطع فهمت معناه و استعظمته علي نفسي لاني فيما اعرف من نفسي لست اهلا لذلك ثم رأيت المتكلم شخصا نورانيا قائما في الهواء ارتفاع مكانه تقريبا من ثلاثين قامة و لشدة صفائه كاد يخفي عن بصري و هو رامق الي بطرفه و كتمت امري مدة قدر ستة اشهر لماتكلم به ثم رأيت ليلة النبي صلي الله عليه و آله و سألته عن المتكلم فقال ذلك انا فقلت يا سيدي انا اعلم بنفسي و انت تعلم بي اني لااستحق ذلك الخطاب بذلك المعني و لست اهلا له فاي شئ استحققت به ذلك فقال بغير سبب و انما امرت ان اقول هكذا قلت امرت ان تقول هكذا في شأني قال نعم و امرت ان اقول ان فلانا من اهل الجنة و كان المشار اليه شيعيا الا انه جاهل [ص 123] لا معرفة له قال و امرت ان اقول ان عبدالله الغويدري يكون من اهل الجنة و كان ذلك الرجل من اهل السنة و هو عشار و حاكم علي محلة و لميظهر لاحد منه شئ من الخير قط الا ان في تلك المحلة جماعة من السادة الاعزاء و كان يعظمهم و يوقرهم كثيرا و يخدمهم و يسمع كلامهم و يصدق قولهم فقلت يا سيدي عبدالله الغويدري يكون من اهل الجنة قال لاتغتر في ان ظاهره خبيث فانه يرجع الينا و لو ان عند خروج روحه فكان من القدر طايفة من الشيعة من اهل القطيف اقتتلوا مع طائفة من غير الشيعة من البوادي فخرج هذا الرجل مع اناس من اهل محلته ممن هو حاكم عليهم لنصرة الذين هم من اهل القطيف و قتل و اخبرت بهذا الكلام اناسا فقال رجل من الشيعة قد كان بينه و بين عبدالله المذكور صداقة و اختصاص ان عبدالله الغويدري شيعي قلنا معاذ الله قال اي والله لايعلم بتشيعه الا الله و انا اثبتت الرؤيا ملخصة انتهي ، و انا سألت السيد الاستاد العالم السيد كاظم انار الله برهانه و اعلي شأنه ما قال له رسول الله صلي الله عليه و آله حين خاطبه قال قال له انت القطب و قال اعلي الله مقامه في الرسالة السلطانية و لقد رأيت في الطيف بعض المنافقين و رئيسهم انه اتي به في عيونبقر يعذب فيه و كنت سمعت ذلك الاسم و لااعلم موضعه و كنت في اليقظة قاعدا مع جماعة و معنا رجل كبير من العرب فذكر شخص منا عيونبقر فقال الرجل هل تعرفون عيونبقر فقلنا لانعرف ذلك فقال هو واد من ناحية الشام و كنا نقرب منه من بعيد منخفض لايمكن ان ينظر اليه و له دوي شديد و دخان يصعد منه و لا شك انه من اودية جهنم و ان لكل واحد منها سكانا و المثل عندنا بذلك مشهور فانهم اذا غضبوا علي شخص قد ولي عنهم قيل سقر و عيونبقر و كنا لانعرف ذلك الا في الطيف انه يعذب فيه ذلك المنافق لعنه الله و من هذا الرجل الذي وصفه ابتداء منه بما تدل القرائن الحالية علي صدقه و كان ذلك الطيف في زمان المكاشفات و المبشرات التي ترد علي و قال اعلي الله مقامه في شرح العرشية و لقد كنت في اول امري مقبلا [ص 124] علي شأني منقطعا عن الخلق في اغلب احوالي و كنت اري في المنام امورا عجيبة و بيانات لما اشكل علي في اليقظة لااكاد احصيها لايخالف منها شئ شيئا من الامور المنقولة و المعقولة و قد اتت بلدنا امرأة من العامة فاجرة ذات علم و قد تولعت بها الزناة حتي ماتت في بلدنا و كانت جميلة الصورة فرأيت في المنام مقبرة فيها قبور يفور منها الشرر و الدخان و رأيت بعض الرجال فيها امواتا غير مقبورين بل هم جيف و ميتة اجسامهم عظيمة و هي مفتولة كالحبال و الخيوط بصور تذهل من قبحها العقول و رأيت تلك المرأة الفاجرة و كان اسمها حسناء جيفة في تلك القبور غير مقبورة و هي في صورة فرس عظيمة قبيحة المنظر لايكاد الناظر اليها يملاؤ عينه منها لقبحها و ذلك لما كانت الفرس الغالب عليها شهوة النكاح جدا كما ذكره العلماء و الحكماء في خواص الحيوانات و كانت تلك المرأة بهذه الحالة كانت بصورة الفرس قد عظم جرمها للنار استجير بالله من النار مع اني رأيت المرأة في صغري و وقت رؤيتي لها بعد اقبالي و لكن قبل علمي بطبع الفرس و قال فيه ايضا الاشياء تسير الي الآخرة بارجل اعمالها و اقوالها و افعالها و احوالها و ما كان منها و لقد شاهدت كيفية ذلك في المنام و هو اني كنت في ايام اقبالي رأيت في المنام كأن جميع الخلايق يسيرون في ارض واسعة لاتري اطرافها من جهة المشرق الي المغرب و كلهم صامتون مايسمع منهم الا صوت ارجلهم في المشي و لايلتفت منهم احد الي جهة و لا توجه لاحد بشئ الا لمحض سيره ذلك و رأيت كأني معهم واقف و عندي كتاب كبير مارأيت في الدنيا كتابا مثله و عن يساري رجل لااعرفه واقف معي و انا فاتح لذلك الكتاب و هو يعرفني في معانيه في الصفحة اليمني منه و انا اجد في نفسي اعتمادي علي ذلك الرجل و ثقتي ببيانه و احسن اني انا و الرجل نحن واقفان و جميع الخلايق يسيرون سيرا حثيثا و كل الخلايق يسيرون بما ينقلني ذلك الرجل اليه من معاني ذلك الكتاب فانتبهت و كان نومي وقت القيلولة فرأيت ان الشمس مازالت فسبغت الوضوء [ص 125] و نمت و اول دخولي في النوم كنت علي تلك الحال مع الرجل و هو يعرفني ذلك الكتاب و نحن واقفان و الخلايق تسير و نحن نسير بما ننتقل اليه من معاني ذلك الكتاب لا بارجلنا و اري الخلايق تسعي بارجلهم و انا اعلم ان المحرك لارجلهم في السعي هو تنقلنا في معاني ذلك الكتاب فكانت عندي معاني ذلك الكتاب و تنقلنا فيها لنا و لساير الخلايق كالسفينة تسير براكبها و هم فيها قاعدون فلما انتبهت و رجعت الي وجداني و الي ما قسم لي ربي من فهم كتابه و سنة نبيه صلي الله عليه و آله و اخبار اوليائه عليهم السلام وجدت ان الخلق كلهم يسيرون الي الآخرة باعمالهم و اقوالهم و اعتقاداتهم ثم اقول روي عن جعفر بن محمد عليهما السلام ما كل ما يعلم يقال و لا كل ما يقال حان وقته و لا ما حان وقته حضر اهله انتهي ، اقول قد حان في الجملة وقت ان انبهك علي نحو الاشارة ان تدبر في سكونه اعلي الله مقامه و سير الخلايق كلهم بتنقله في معاني ذلك الكتاب و مشي الخلايق بارجلهم بمشيه النفساني في المعاني و انه هو المحرك بجميع الارجل فلنقبض العنان فان للحيطان آذانا و اذ قد اتينا علي ما وصل الينا من بعض ما حدث به في منامه فليكن ذلك آخر هذا الباب فختامه مسك و في ذلك فليتنافس المتنافسون .
في بعض اقوال العلماء من العامة و الخاصة في امر الرؤيا ذكرتها اعتبارا فعن البيضاوي الرؤيا كالرؤية غير انها مختصة بما يكون في النوم و فرق بينهما بحرف التأنيث كالقربة و القربي و هي انطباع الصورة المنحدرة من افق المتخيلة الي الحس المشترك و الصادقة منها انما تكون باتصال النفس بالملكوت لما بينهما من التناسب عند فراغه من تدبير البدن ادني فراغ فيصور بما فيها مما يليق من المعاني الحاصلة هناك ثم ان المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبه فترسلها الي الحس المشترك فتصير مشاهدة ثم ان كانت شديدة المناسبة لذلك المعني بحيث لايكون التفاوت الا بالكلية و الجزئية استغنت الرؤيا عن [ص 126] التعبير و الا احتاجت اليه انتهي ، اعلم ان للانسان ثلث قوي منها فؤاده الذي به يدرك الحقايق المجردة عن المعني و الصورة فيدرك الاشياء بنفسه و هو حقيقة الانسان المدركة بكل مراتبه المحركة لها و هي المعبر عنها بانا كما في القدسي اعرف نفسك تعرف ربك ظاهرك للفنا و باطنك انا علي تفسير ظاهر الظاهر و منها عقله و به يدرك المعاني و هو عين للفؤاد مفتوحة في عالم المعاني فيدرك به كل معني قابله و لا معني في الفؤاد و لايأتيه معني منه بل ما يأتي منه قوة دراكة مجردة و انما العقل يفيد الفؤاد المعني قال عليه السلام علمته علمي و علمني علمه فافهم و منها نفسه و هي عينه المفتوحة في عالم الصور المجردة فيدرك الفؤاد بعقله منها الصور المجردة عن المواد العنصرية و المدد الزمانية و لايأتيها صورة من الاعلي بل كما ذكرت يأتيها قوة دراكة و تأييد فؤادي بالعقل قد تغلظ في بطن العقل ثم نزل الي النفس و هي التي تدرك الصور و تحضرها في محضر العقل فيدرك معناها و يحضر المعني عند الفؤاد فيدرك حقيقته فهي اي النفس هي التي تفيد العقل علم الصورة في رتبتها ثم للنفس مشاعر الي عالم البرزخ و حواس لعالم الشهادة فالمشاعر البرزخية هي الدراكة للصور المثالية البرزخية و هي التي تفيد النفس العلم بالصور المثالية في عالمها اي عالم المشاعر و تحضرها بحضرة النفس فلما احضرتها عند النفس تنتزع النفس منها صورة مجردة و تصير عالمة بها و التي تأتي المشاعر البرزخية من النفس قوة دراكة غليظة قابلة لدرك الصور المثالية بسيطة بالنسبة فاذا وقعت في المشاعر البرزخية انصبغت تلك القوة البسيطة التي هي فعل النفس باصباغها فادركت من كل مشعر ما يناسبه فالذي يفيدها النفس قوة بسيطة لا صور مجردة بل المشاعر تفيد النفس صورا و لولا افادتها للنفس لمتكن للنفس صورة مجردة بل الصورة المجردة التي عندها منتزعة من المشاعر و يتضح لك الامر في الحواس فان التي تأتي العين من النفس قوة دراكة لا اختصاص لها ببصر و لا سمع و لا شم و لا ذوق و لا لمس بل هي فعل ادراك بسيط [ص 127] فاذا وقع في العين انصبغ فيها و صار بصرا دراكا للاضواء و الالوان و لما وقع في الاذن انصبغ فيها و صار سمعا دراكا للاصوات و هكذا البواقي و ليس يأتي العين مبصر من الاعلي ابتداء و لا الاذن صوت ابتداء و كذا البواقي بل المبصر يأتي العين من الخارج فتحضره عند النفس فتنزع عنه صورة مجردة و المسموع يأتي الاذن من الخارج فتنزع عنه النفس صورة مجردة و كذا البواقي و ليس يأتيها من الاعلي محسوسات بل يأتيها من الاعلي احساس بسيط و كما شاهدت في الشهادة افهم في الغيب ماتري في خلق الرحمن من تفاوت قال الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا و قال الصادق عليه السلام العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما خفي في الربوبية اصيب في العبودية الخبر ، فتبين بدليل الحكمة ان المشاعر الباطنة هي التي تفيد النفس العلم بالصور المجردة و ليس يأتي المشاعر منها الا قوة مجردة بسيطة فقوله عليه ما عليه ان المتخيلة تحاكي ما في النفس و ترسلها الي الحس المشترك غلط اذ لا فرق بين ما يراه العين و بين ما يدركه الحس المشترك و المتخيلة فكما يدرك العين المثل الظاهرة و لميأتها من الاعلي الا قوة الابصار فكذلك لايأتي المتخيلة من النفس الا قوة التخيل البسيطة و الصور الخيالية يأتي الخيال من الامثال المكتوبة في لوح البرزخ لا من النفس و ليست تحاكي النفس بل النفس تنتزع مما ادركته صورا مجردة و تصير عالمة بها فاذا نام الانسان كما بينا سدت النفس ابواب الحواس الظاهرة و فتحت ابواب المشاعر البرزخية فادركت بها المثل البرزخية كما كانت في اليقظة تدرك المثل الزمانية فاذا ادركت المشاعر تلك المثل انتزع منها النفس صورها المجردة و العقل معانيها و الفؤاد حقيقتها الاتري انك في المنام ايضا تدرك مثلا ثم تدرك صورها و معانيها و حقائقها كما في اليقظة بلا تفاوت و ان قلت ان كان لاينعكس من النفس الي المشاعر و البدن فما بالنا انا نشاهد الرجل اذا رأي في منامه المباشرة يحتلم [ص 128] بدنه و ينزل و كذا قد ينطق البدن و يتحرك بما يراه في المنام و نري آثار الغضب تظهر من النفس في البدن و ليس يأتي البدن من الخارج شئ قلت ان النفس يستعمل المشاعر نحو ما تريد من المثل البرزخية فينطبع فيها اشباحها فاذا كانت متعلقة بالبدن و كانت قليلة التجرد و الانتزاع لغلظتها او لشدة توجهها الي البدن سرت الاشباح الي الحس المشترك لان الحس المشترك من حيث الاعلي مرتبط بها و من جنسها ثم تسري منه الي الاعصاب فتتحرك و الي الدم الذي في القلب فتنبعث كحال اليقظة و لميأت البدن من النفس شئ غير انها استعملها في جهات مطالبها و منها سرت الي البدن فافهم و صفة استعمال النفس المشاعر و البدن ان لطايف البدن و روحه تشتعل بالنفس الكلية اي بمسها و مثالها و ذلك المثال فينصبغ بتلك اللطائف انصباغ مثال النار الجوهرية الملكوتية بالدخان و قد اشتعلت بها لان النفس نافذة فيها و كامنة و بالقوة فاذا رقت الحجب ابدتها و طاوعتها مطلقة ثم جميع تعينات افعالها و ادراكاتها من اللطائف القت في هويتها مثالها فاظهرت عنها افعالها كما هي لا كما هي فالنفس من حيث هي مطلقة و جميع كمالاتها في اللطايف و من اللطايف و دهرية تلك الكمالات و الفعليات اي معراة عن الخصوصيات البرزخية و الدنياوية هذه النفس الخاصة بذلك البدن و تلك الكمالات تمثلاتها و وجوداتها و فعلياتها المفصلة فصورة النفس مكتسبة من فعلياتها بها تسعد و تشقي سيجزيهم وصفهم انه حكيم عليم قل كل يعمل علي شاكلته فاين ما ذكره السوداوي من اتيان الصور من النفس الي المتخيلة فتدبر بقي شئ مهم قد خفي علي الاكثرين و هو ان الحكماء زعموا ان الحافظة و الذاكرة من القوي البرزخية و المشاعر الباطنية و عندي هذا القول خطاء محض فان المشاعر الباطنة في نفسها دخان صاعد من القلب الي الدماغ و هو في اول صعوده بلطافة فلك القمر فيتعلق به نفس فلك القمر و هي روح الحيوة فيحيي و يتحرك بالانقباض و الانبساط و المشاعر فيه بالقوة فاذا صعد الي الدماغ و لطف و ساوي فلك عطارد تعلق به [ص 129] نفس فلك عطارد و هي الفكر و اذا ساوي لطافته في المنزل الآخر فلك زهرة تعلق به نفسها و هي الخيال و اذا ساوي فلك المريخ في اللطافة تعلق به نفسه و هي الواهمة و اذا ساوي فلك المشتري تعلق به نفسه و هي العالمة و اذا ساوي فلك زحل تعلق به نفسه و هي العاقلة و اذا ساوي الكرسي تعلق به نفسه و هي الناطقة القدسية و اذا ساوي العرش تعلق به نفسه و هي العقل و هو القلب ان في ذلك لذكري لمن كان له قلب و ظواهرها كالحواس الظاهرة اجسام صافية مرآتية اذا قابلها شئ انطبع فيها شبحه و الا فليس فيها شئ و هي دراكة بالنفوس المتعلقة بها كالعين الدراكة للاضواء و الالوان بالنفس المتعلقة بها و الاذن الدراكة للاصوات بالنفس المتعلقة بها فالمشاعر من حيث ظواهرها كظواهر الحواس الا انها الطف و اشرف و اصفي فليس يبقي فيها مثال اذا غاب عنها الشئ كما لايبقي مثال في العين و المرآة اذا غاب عنها الشئ فليس فيها مشعر يبقي فيها صور ما ادركه الانسان من اول عمره الي وقته فكيف تحفظ الصور و كيف تذكره بل لو كان فيها شئ ليس بقابل ان ينعكس فيها شئ ما دام هو فيها كالمرآة اللهم الا ان يغيب عنه الشئ فيغيب عنه مثاله و ينمحي فينطبع فيها الصورة الثانية من الشئ الذي قابلها ثانيا افهم ما اقول لك فاين الحافظة و اين الذاكرة فالحافظة هي النفس الملكوتية التي لايمتنع حضور صور عديدة عندها و حصول ملكات عديدة لها و هي التي تعلم موضع كل شبح من اللوح المحفوظ فاذا ارادت النفس ان تدرك مثالا من المثل الماضية وجهت خيالها اليه قابلته به فانطبع فيه صورته فيعرضها علي النفس فتعرفها و تذكر انها قد رأتها مرة اخري و تتذكر ما رأته سابقا و انما ذلك لاجل حضور جميع الصور التي علمتها و حصلتها لديها بخلاف الحواس الباطنة فانها لايحضرها الا ما يكون مواجها لها حال المقابلة فاذا ارادت النفس شيئا مما علمتها حينا ما ان تصوره مرة اخري امرت الخيال و استعملته و قابلت به ذلك الموضع من اللوح المحفوظ فينطبع فيه صورته و شبحه كما انها تعلم ان الكتاب الفلاني [ص 130] قد وضعته في الطاق الفلاني فتقابله بالعين فينطبع فيها صورته و ليس الصورة الحاصلة في العين مما نزل من النفس بل من الكتاب الموضوع في الطاق افهم فاذا حصل المثال في الخيال امسكه الخيال لعمل الفكر فيه فتستعمل النفس الفكر و تجمع بين المختلفات و تفرق بين المجتمعات و يرتبها كما يشاء و يستنتجها فيحصل لدي المتفكرة النسب الحكمية و التصديقات و كذا يمسك الخيال الصورة لعمل الواهمة فتنظر فيه الواهمة و تستنبط منه بعض المعاني الجزئية كما هو شأنها فالفكر من خدام النفس و الواهمة من خدام العقل فيعرض الفكر ما حصل له علي المشتري اي العالمة و هي تعرضه علي الكرسي و الواهمة تعرض ما حصل لها علي زحل اي العاقلة و هي تعرضه علي العرش فينتزع نفس الكرسي من العالمة صورة مجردة و تنتزع نفس العرش من الواهمة معاني كلية و ايضا مما حصل للكرسي تنتزع معاني كلية فالعاقلة فعل العرش و عينه و العالمة فعل الكرسي و عينه بهما ينظران الي الاشياء و يتدبران و الخيال كاللوح الموضوع لديهما و الفكر يد النفس و الوهم يد العقل بهما يقلبان ما في ذلك اللوح و يعملان فيما فيه كيف ما يشاءان و ان قيل فما بالنا نجد الرجل بغلبة البرودة و الرطوبة عليه يقل حفظه و بغلبة الحرارة و اليبوسة عليه يزداد حفظه و هي لاتتصرف الا في جسم المشاعر قلت ان النفس كما ذكرت هي التي تقابل بالمشاعر الي المثل لتنطبع فيها و المشعر اذا غلب عليه البرودة و الرطوبة تغلظ و قل مطاوعته للنفس و قل صقالته فلايطاوع و ان طاوع بكلفة ليس ينطبع فيه المثال فلايحضره الصورة و اما اذا غلب عليه الحرارة و اليبوسة ازداد صقالة و مطاوعة فيطاوع اسرع و ينطبع فيه الشبح باسهل وجه فيتذكر و لذلك تجد البلغمي قليل الفهم و الحفظ و تجد الصفراوي كثير الفهم و الحفظ و اما السوداوي المحض فهو ايضا قليل الفهم لعدم المطاوعة و قليل الذكر لما نسيه اما اذا تذكر فليس ينمحي عن ذكره ما انتقش فافهم و احتفظ بما نقحته لك و اوضحته [ص 131] و بينته بما لاتجده في كتاب و لاتسمعه من خطاب فقول السوداوي ان جميع الرؤيا يأتي من عالم النفس كلام باطل و زبد زايل ذلك مبلغهم من العلم و هذا القول هو المنقول عن الحكماء و هو حاصل اقوالهم فانهم قالوا ان النفوس الانسانية لها مناسبة الجنسية الي المبادي العالية المتنقشة بجميع ما كان و ما سيكون و ما هو كاين في الحال و لها ان تتصل بها اتصالا روحانيا و ان تتنقش بما هو مرتسم فيها فاذا انخنس الروح الي الباطن تعطلت الحواس فتتصل النفس بتلك المبادي فيرتسم فيها بعض ما انتقش في تلك المبادي و القوة المتخيلة جبلت محاكية لما يرد عليها فتحاكي تلك المعاني المنتقشة في النفس بصور جزئية ثم تصير تلك الصور الي الحس المشترك فتصير مشاهدة و هذه هي الرؤيا الصادقة ثم ان الصور التي تركبها المتخيلة ان كانت شديدة المناسبة بلا تفاوت فهي غنية عن التعبير و ان كان بينهما مناسبة ما فهي محتاجة الي التعبير و الا فهي من قبيل اضغاث الاحلام هذا ملخص قولهم و قال المجلسي رحمه الله و لايخفي ان هذا رجم بالغيب و تقول بالظن و الريب و لميستند الي دليل و برهان و لا الي مشاهدة و عيان و لا الي وحي الهي مع ابتنائه علي اثبات العقول المجردة و النفوس الفلكية و هما مما نفتهما الشريعة المقدسة كما تقرر في محله ،
اقول لا ذا و لا ذاك اما قول الحكماء فقد بينا الامر فيه مفصلا و اما الرؤيا الصادقة و الكاذبة فقد شرحناها في اول الكتاب مفصلا فقول المجلسي رحمه الله هذا رجم بالغيب في محله و اما نفيه العقل المجرد و النفوس الفلكية فذلك سهو منه اما انكاره المجردات فهو في غير محله لقول علي عليه السلام في جواب السائل حين سأل عن العالم العلوي فقال صور عارية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت و القي في هويتها مثاله فاظهر منها افعاله و خلق الانسان ذا نفس ناطقة ان زكاها بالعلم و العمل فقد شابهت جواهر اوائل عللها و اذا اعتدل مزاجها ( و صح منهاجها نسخة ) و فارقت [ص 132] الاضداد فقد شارك بها السبع الشداد ، رواه الآمدي في الدرر و الغرر و ضعف الخبر منجبر بدليل العقل المستنير و لا ضير فاثبت عليه السلام صورا عارية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد و هو المراد بالتجرد و لانريد البساطة المحضة فانها مخصوصة بالله سبحانه و كل ممكن زوج تركيبي باتفاق الحكماء و في حديث الاعرابي في صفة النفس اللاهوتية الملكوتية قوة لاهوتية جوهرة بسيطة حية بالذات الخبر ، فانكاره رحمه الله المجردات في غير محله و اما النفوس الفلكية فقد قال علي عليه السلام في حديث الاعرابي في صفة النفس الحيوانية فقال يا مولاي و ما النفس الحيوانية قال قوة فلكية و حرارة غريزية اصلها الافلاك الخبر ، فتبين ان للافلاك حيوة و هي حية و ضعف الخبر منجبر بالدليل العقل القاطع و لو علم تأويل قوله و ان الدار الآخرة لهي الحيوان لمينكر حيوة الافلاك بالجملة لسنا بصدد اثبات هذه الامور في هذه الرسالة و عن بعض المتكلمين ان الرؤيا خيال باطل عند جمهور المتكلمين اما عند المعتزلة فلفقد شرائط الادراك حالة النوم من المقابلة و اثبات الشعاع و توسط الهواء الشفاف و النسبة المخصوصة و انتفاء الحجاب الي غير ذلك من الشرائط المعتبرة في الادراك فما يراه النائم ليس من الادراكات في شئ بل هو من قبيل الخيالات الفاسدة و الاوهام الباطلة و اما عند الاصحاب اذ لميشترطوا في الادراك شيئا من ذلك فلأنه خلاف العادة اي لمتجر عادته تعالي بخلق الادراكات في الشخص النائم و لان النوم ضد الادراك فلايجامعه فلايكون الرؤيا ادراكا حقيقة بل هو من قبيل الخيال الباطل انتهي ، و هذا القول بعد شهادة الكتاب و السنة و اتفاق المحققين و حصول التجارب بصدق كثير منها و الاطلاع علي امور غريبة فيها و بها بالهذيان اشبه و عن السيد المرتضي رحمه الله اعلم ان النائم غير كامل العقل لان النوم ضرب من السهو و السهو ينفي العلوم و لهذا يعتقد النائم الاعتقادات الباطلة لنقصان عقله [ص 133] و فقد علومه و جميع المنامات انما هي اعتقادات يبتديها النائم في نفسه و لايجوز ان تكون من فعل غيره فيه لان من عداه من المحدثين سواء كانوا بشرا او ملئكة او جنا اجسام و الجسم لايقدر ان يفعل في غيره اعتقادا ابتداء بل و لا شيئا من الاجناس علي هذا الوجه و انما يفعل ذلك في نفسه علي سبيل الابتداء و القديم تعالي هو القادر ان يفعل في قلوبنا ابتداء من غير سبب اجناس الاعتقادات و لايجوز ان يفعل في قلب النائم اعتقادا لان اكثر اعتقادات النائم جهل لانه يعتقد انه يري و يمشي و انه راكب و علي صفات كثيرة و كل ذلك علي خلاف ما هو به و هو تعالي لايفعل الجهل فلميبق الا ان الاعتقادات كلها من جهة النائم و ينبغي ان يقسم ما يتخيل النائم انه يراه الي اقسام ثلثة منها ما يكون من غير سبب يقتضيه و لا داع يدعوه اليه اعتقادا مبتدءا و منها ما يكون من وسواس الشيطان يفعل في داخل سمعه كلاما خفيا يتضمن اشياء مخصوصة فيعتقد النائم اذا سمع ذلك الكلام انه يراه فقد نجد كثيرا من النيام يسمعون حديث من يتحدث بالقرب منهم فيعتقدون انهم يرون ذلك الحديث في منامهم و منها ما يكون سببه و الداعي اليه خاطرا يفعله الله تعالي او يأمر بعض الملئكة يفعله و معني هذا الخاطر ان يكون كلاما يفعل في داخل السمع فيعتقد النائم ايضا ما يتضمن ذلك الكلام و المنامات الداعية الي الخير و الصلاح في الدين يجب ان تكون الي هذا الوجه مصروفة كما انما يقتضي الشر منها الاولي ان تكون الي وسواس الشيطان مصروفة الي ان قال فاما ما يهذي اليه الفلاسفة في هذا الباب فهو مما يضحك الثكلي لانهم ينسبون ما صح من المنامات لما اعيتهم الحيل في ذكر سببه الي ان النفس اطلعت الي عالمها فاشرقت علي ما يكون و هذا الذي يذهبون اليه في حقيقة النفس غير مفهوم و لا مضبوط فكيف اذا اضيف الي الاطلاع علي عالمها و ما هذا الاطلاع و الي اي شئ يشيرون بعالم النفس و لم يجب ان تعرف الكاينات عند هذا الاطلاع فكل هذا زخرفة [ص 134] و مخرقة و تهاويل لايتحصل منها شئ و قول صالح ● فيه مع انه تجاهل محض اقرب الي ان يكون مفهوما من قول الفلاسفة لان صالحا ادعي ان النائم يري علي الحقيقة ما ليس يراه فلميشر الي امر غير معقول و لا مفهوم بل ادعي ما ليس بصحيح و ان كان مفهوما و هؤلاء عولوا علي ما لايفهم مع الاجتهاد و لايعقل مع قوة التأمل و الفرق بينهما واضح انتهي ، تأمل رحمك الله الي هؤلاء الاعلام و اسمهم و رسمهم بين الانام و تصرفهم في العلوم و نقدهم الرسوم و قولهم فيما لايعلمون و قدحهم في ما يجهلون بالجملة بعد ما بينا من الآيات و الاخبار تعرف مقدار هذه الاقوال و كل امرء مخبوء تحت لسانه فانظر الي ما قال و لاتنظر الي من قال و قال المجلسي رحمه الله ان الرؤيا تستند الي امور شتي فمنها ان للروح في حالة النوم حركة الي السماء اما بنفسها بناء علي تجسمها كما هو الظاهر من الاخبار او بتعلقها بجسد مثالي ان قلنا به في حال الحيوة ايضا بان يكون للروح جسدان اصلي و مثالي يشتد تعلقها في حال اليقظة بهذا الجسد الاصلي و يضعف تعلقها بالآخر و ينعكس الامر في حال النوم او بتوجهها و اقبالها الي عالم الارواح بعد ضعف تعلقها بالجسد بنفسها من غير جسد مثالي و علي تقدير التجسيم ايضا يحتمل ذلك كما يؤمي اليه بعض الاخبار بان يكون حركتها كناية عن اعراضها عن هذا الجسد و اقبالها الي عالم آخر و توجهها الي نشأة اخري و بعد حركتها باي معني كانت تري اشياء في الملكوت الاعلي و تطالع بعض الالواح التي اثبت فيها التقديرات فان كان لها صفاء و لعينها ضياء تري الاشياء كما اثبتت فلاتحتاج رؤياه الي تعبير و ان استدلت علي عين قلبه اغطية ارماد التعلقات الجسمانية و الشهوات النفسانية فيري الاشياء بصور شبيهة لها كما [ص 135] ان ضعيف البصر و مؤف العين يري الاشياء علي غير ما هي عليه و العارف بعقله يعرف ان هذه الصورة المشبهة التي اشتبهت عليه صورة لاي شئ فهذا شأن المعبر العارف بداء كل شخص و علته و يمكن ايضا ان يظهر الله عليه الاشياء في تلك الحالة بصور يناسبها لمصالح كثيرة كما ان الانسان قد يري المال في النوم بصورة حية و قد يري الدرهم بصورة عذرة ليعرف انهما يضران و هما مستقذران واقعا فينبغي ان يتحرز عنها و يجتنبها و قد تري في الهواء اشياء فهي الرؤيا الكاذبة التي لا حقيقة لها و يحتمل ان يكون المراد بما يراه في الهواء ما انس به من الامور المألوفة و الشهوات و الخيالات الباطلة و قد مضي ما يدل علي هذين النوعين في رواية محمد بن القاسم و رواية معوية بن عمار و غيرها و منها ما هو بسبب افاضة الله تعالي عليه في منامه اما بتوسط الملئكة او بدونه كما يؤمي اليه خبر ابيبصير و سعد بن ابيخلف و منها ما هو بسبب وسواس الشيطان و استيلائه عليه بسبب المعاصي التي عملها في اليقظة او الطاعات التي تركها فيها او الكثافات و النجاسات الظاهرية او الباطنية التي لوث نفسه بها كما مر في رواية هزع و رواية تارك الزكوة و غيرهما و تدل عليه آية النجوي علي بعض الوجوه و منها بسبب ما بقي في ذهنه من الخيالات الواهية و الامور الباطلة و يؤمي اليه خبر ابن ابيخلف و غيره و اما ما وراء ذلك مما سبق ذكره و ان كان بعضها محتملا و يمكن تطبيق الآيات و الاخبار عليه لكن لميدل عليه دليل و التجويز و الامكان لايقومان مقام البرهان مع انه ليس من الامور التي يجب تحقيقها و الاذعان بكيفيتها انتهي ، اقول رحم الله معشر الماضين و العلم فضل الله يؤتيه من يشاء و من يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا و مايذكر الا اولوا الالباب ذلك مبلغهم من العلم و لو تدبرت فيما ذكرنا في كتابنا هذا اطلعت علي حقيقة الرؤيا و اسبابها و منتهاها و لا حول و لا قوة الا بالله و فيما ذكرنا كفاية و بلاغ و لما كان في يدي كتب و رسائل اخر مهمة و كان تتميمها [ص 136] من اللوازم ختمنا هذا الكتاب هنا لكي نتفرغ بتتميمها و اسأل الله التوفيق و العصمة عن الخطاء و جعل ما يخرج من قلمي خالصا لوجهه مطابقا لحكمة محمد و آلمحمد عليهم السلام .
فكان فراغي من هذا الكتاب في ليلة الثلثا السادسة و العشرين من شهر ربيعالآخر من شهور سنة احدي و سبعين بعد المأتين و الالف حامدا مصليا مستغفرا و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين ، تمت .