هذا اعتقادي فيه قد ابديته فليقبل الواشون او فليمنعوا

فكلنا اليوم مقلدون للحجة المنتظر عجل الله فرجه و صلي عليه و آبائه و هو حي و لا اثر للحيوة و الموت في الرواية و يجوز الاخذ برواية الحي و الميت الثقة بواسطة و وسائط و السلام و لنكتف هنا برفع هذه الشبهات هنا و ان اردت ازيد من ذلك فعليك بكتابنا المسمي بالقواعد و كتابنا المسمي بالسوانح و ساير كتبنا .

الاشراق الثاني

في دفع بعض الخطرات و الوساوس العملية و تسويلات الشياطين المتعلقة بالاعمال و هي كثيرة لاتكاد تحصي و لو شئنا بسط المقال في هذا الاشراق ليطول بنا الكتاب و يقتضي رسم كتاب مبسوط كبير و لايسعنا الحال لكثرة الاشغال فلنكتف بذكر كليات اذا اصلحت اصلح بها ساير الاعمال فبهذا الاشراق يشرق اراض سبعة :

الارض الاولي و هي ارض النفوس

و قد تسمي بالارض الممات و هي ارض السماء الاولي المسماة بسماء الحيوة ففي هذه الارض شياطين طبعهم بارد رطب في الباطن حار يابس في الظاهر كلهم خرس عمي صم جهال اغبياء لايشعرون شيئا فاذا استولوا علي انسان يقل فهمه و شعوره و تنبهه علي حسب استيلائهم فيصير كأنه بهيمة من البهايم بل اضل او كأنه خشب مسند او يصير قلبه كأنه حجارة او اشد قسوة و ان من الحجارة لما يتفجر منه الانهار و ان منها لما يشقق فيخرج منه الماء و ان منها لما يهبط من خشية الله و قلوب اولئك ليس يتفجر منها انهار المعارف و الحكم و الحب و لايشقق فيخرج منه ماء اليقين و الرجاء و لايهبط من خشية الله لعدم [ص 120] العلم و الخوف فيهم فهم قلوبهم اشد قسوة من الحجارة فان في الحجارة قد يوجد هذه الاقسام و قلوب اولئك لايوجد فيها شئ من هذه الاقسام فلايتذكرون ابدا و لايسمعون سرمدا و لاينفعهم الانذار فان المنذر ينذر من كان حيا و لايسمع من في القبور و هم اموات غير احياء و مايشعرون ايان يبعثون و قد يترقون بعض اولئك فيبلغون مبلغ النباتات همهم بطونهم و اذا رأيتهم تعجبك اجسامهم و ان يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم فلاينفع هؤلاء الانذار و الاعذار و ليسوا الا حشو الديار و منهم من يترقي حتي يبلغ مبلغ الحيوانات فلهم قلوب لايعقلون بها و لهم آذان لايسمعون بها و لهم اعين لايبصرون بها اولئك كالانعام بل هم اضل اولئك هم الغافلون فاذا غلب شياطين هذه الارض علي انسان يخرسونه عن الحكمة و الحق و يعمونه عن ابصار الآيات و يصمونه عن استماع المواعظ و الحكم و يجعلون همه في الجذب و الهضم و الدفع و الامساك و تربية البدن و السمن و الهزال بالاكل و الشرب و النكاح و لا كمال له الا ما يبصر بعينه من الالوان و الاضواء او يسمع باذنه من الاصوات او يشم بانفه من الروايح او يذوق بفمه من الطعوم او يلمس ببدنه من الكيفيات او يألف بشئ فيرضي به او ينفر عن شئ فيغضب عليه و يتحرك بارادة لا غاية لها مفيدة و لا طايل لها لا غير ذلك فلايزال همه ذلك و فرحه بحصولها و حزنه في الحرمان عنها و لنعم ما قال الشاعر في هؤلاء :

لقد اسمعت لو ناديت حيا و لكن لا حيوة لمن تنادي

فيمر علي آيات الآفاق و الانفس و يتلي عليه آيات الكتاب و روايات السنة [ص 121] و اقوال الحكماء فلايعقل ما هي و لما هي فكأنه ميت الاحياء و غايب عن الحضور و ان تكلمت و هو حاضر فكأنه غايب و لاتحتاج عنده الي ستر سر و لا رمز امر فانه ميت و ليس الكلام عنده الا كالكلام في المقابر فليس اولئك من اهل الهداية و الاستبصار و لا الاعذار و الانذار و لايترقون في الدنيا بعلم و لا عمل اللهم الا ان يترقوا قليلا بالتربية العامة الكونية كترقي الجمادات و النباتات فليس اولئك محل عناية المنذرين و لايأملون هدايتهم و لايخاطبونهم و ليس وجه الخطاب اليهم و هم المستضعفون حشو العالم و كناسته و حثالته فلا نجاة لهم من ايدي هذه الشياطين الا بالموت الاضطراري و الدفن في التراب حتي ينحل اعراضهم في الطبايع ما بين النفختين ثم يستخلص عنهم الجوهر النفساني الانساني الكوني الامكاني الذي فيهم ثم يعرض عليهم التكليف و يمتحنوا به حتي يظهر ما في قوتهم بالفعل فيصيروا من اهل الجنان او النيران و مع ذلك ليسوا في درجة من استخلص جوهرهم في الدنيا و اخرج ما في كيانهم الي العيان بالحل في امتثال الشرايع و العقد عليه بل ان كانوا من اهل الجنة فيكونون في الدرجة السفلي الا ان يلحقهم شفاعة فيترقوا بفضل تلك الشفاعة الي درجة اعلي و ان كانوا من اهل النيران فيكونون في الدرك الاعلي و هم في البرزخ كالمدرة نفوسهم منجمدة مخلوطة بابدانهم الي ان ينفخ في الصور نفخة الدفع فيقوم الناس لرب العالمين فليس اولئك ممن صنعت لهم هذا الكتاب و لايتوجه اليهم الخطاب و انما الكلام مع اولي الالباب فانه لايتذكر من سواهم .

[ص 122] الارض الثانية ارض العادات

و هي ارض السماء الثانية و في هذه الارض شياطين طبعهم طبع مستحيل منقلب سريع التطبع بطبع ما يقترن بهم ملبدون علي ما تطبعوا عليه لاينزعجون عنه الا بناقل خارجي يغلبهم علي ما استحيلوا اليه فيستحيلون الي الحالة الغالبة ثم يلبدون عليه و هؤلاء اذا استولوا علي انسان يفسدون عليه فكره و يصرفونه الي ما تطبعوا عليه فلايزال فكره في تلك الجهة و يصرفون اعضائه الي خدمتهم بمقتضي ذلك الفكر الفاسد و من آثار هذه الشياطين وساوس الناس في الطهارات و الصلوات و العبادات و المعاملات و قلة الذكر و كثرة النسيان و السهو و الشك و عدم اليقين بشئ يخالف طبعهم و جهتهم و لا مخلص عن شر هؤلاء الا بترك تلك الجهة عمدا و المشي علي خلاف جهتهم و ان لم‌يكن له يقين بخلاف تلك الجهة فانه سوف يدعه الشيطان و يحصل له اليقين بخلافها و في هذا المقام ما روي عن زرارة و ابي‌بصير قالا قلنا له الرجل يشك كثيرا في صلوته حتي لايدري كم صلي و لا ما بقي عليه قال يعيد قلت له فانه يكثر عليه ذلك كلما اعاد شك قال يمضي في شكه ثم قال لاتعودوا الخبيث من انفسكم نقض الصلوة فتطمعوه فان الشيطان خبيث معتاد لما عود فليمض احدكم في الوهم و لايكثرن نقض الصلوة فانه اذا فعل ذلك لم‌يعد اليه الشك قال زرارة ثم قال انما يريد الخبيث ليطاع فاذا عصي لم‌يعد الي احدكم ، تدبر في هذا الحديث الشريف و خذ بعمومه في جميع ما تعتاده علي خلاف الاعتدال و اترك عادتك الي غيرها و ان لم‌تتيقن بغيرها فانه سوف يحصل لك اليقين كما روي عن الصادق عليه السلام [ص 123] في الرجل يكثر عليه الوهم في الصلوة فيشك في الركوع فلايدري أركع ام لا و يشك في السجود فلايدري أسجد ام لا فقال لايسجد و لايركع و يمضي في صلوته حتي يستيقن يقينا و عن ابي‌جعفر عليه السلام اذا كثر عليك السهو فامض علي صلوتك فانه يوشك ان يدعك انما هو من الشيطان و عن علي بن ابي‌حمزة عن رجل صالح قال سألته عن الرجل يشك فلايدري واحدة صلي او اثنتين او ثلثا او اربعا تلتبس عليه صلوته قال كل ذا قلت نعم قال فليمض في صلوته و يتعوذ بالله من الشيطان فانه يوشك ان يذهب عنه انتهي ، و لربما يسول لك الشيطان بأن هذا السهو منك و ليس من الشيطان فجعلوا لهذا ايضا ميزانا و هو ان السهو اذا وقع في كل ثلث فهو من الشيطان فخالفه و هو ما روي عن الصادق عليه السلام كلية اذا كان الرجل ممن يسهو في كل ثلث فهو من كثر عليه السهو انتهي ، فاذا سهوت في كل ثلث متواليات اي عمل كان فانت ممن تعلق به شياطين هذه الارض و يجب عليك المخالفة و قد يحتال الشيطان ليطاع فلايشكك في كل ثلث و يفصل بين الشكوك فجعلوا لذلك ايضا ميزانا و هو قول الصادق عليه السلام لا سهو علي من اقر علي نفسه بسهو فاذا عرفت نفسك بكثرة السهو فخالفه حتي يدعك الخبيث فان الانسان بالوضع الاولي الالهي ذو ذكر و لم‌يخلق كثير السهو فاذا كثر سهوه فذلك من الشيطان المعتاد الذي يريد ان يطاع و لو بصورة العبادات فخالفه حتي ترجع الي الاعتدال و الوضع الالهي و لا علاج لهؤلاء الشياطين الا بعصيانهم و ترك عادتهم فمهما احسست بنفسك الخروج عن الاعتدال فارجع عن العادة الي غيرها و لو كنت شاكا و لاتمكن [ص 124] الخبيث من نفسك فيصعب عليك مخالفته فان تمكن لعنه الله من انسان لايكاد يدعه و يوقعه الي الهلاك كما تمكن من بعض الفقهاء المتقدسين في عصرنا حتي عد عليه في غسل واحد مائة و خمسين ارتماسة بانحاء شتي من امامه و ورائه و يمينه و شماله و بالخروج عن الماء و الطفرة فيه و غير ذلك و كان آخر يدخل الماء قبيل الفجر و يرتمس مرة بعد مرة الي ان يتعالي النهار و لربما كان يسود بدنه من شدة حر الماء حتي يختنق و يغشي عليه فيطفو فوق الماء فيخرجونه و يرشون عليه الماء البارد حتي يفيق ثم يسأل هل اغتسلت ام لا و يعود الي الخزانة و يرتمس و سمعت بمن بلغ به الامر انه كان يغمس يده في الماء و يلتمس الحاضرين ان اخبروني هل اغتمس يدي في الماء ام لا و بلغ الامر في جماعة يأخذهم في الصلوة شبه الجنون فلايكادون يقدرون علي نية الصلوة و علي التكبير و اخبرني ثقة انه بلغ الوسواس برجل حتي كان يزعم انه يري في كل طعام يحضر عنده ابرا فامتنع عن الاكل حتي خيف عليه فقيل له ما حال فلان عندك قال متق قيل فهل يقدم علي اهلاك نفس قال لا قيل ان احضر طعاما لك تأكله قال نعم فاحضر عنده طعاما فنظر فيه و قال انت ايضا عزمت علي قتلي و جعلت في طعامي ابرا و بلغ الامر بفقيه آخر كان يزعم انه يشترط في اعطاء العوض النية فيمد يده ليعطي اجر الحمام الي صاحبه فكلما يمد يده صاحب الحمام ليأخذ الاجر كان يقبض يده الي نفسه لانه كان يشك في حصول النية و اقترانها و بلغ الامر بآخر حتي انه كان يستنجس كل الناس فلايؤاكلهم و لايشاربهم و لايمسهم و لايجلس علي بسطهم ابدا ابدا فيا اخي اياك ثم اياك ان [ص 125] تعود الخبيث من نفسك و تمكنه من فكرك فتجن فان الوسواس جنون خفي و الجنون فنون و انما يريد الخبيث ان يتعبك و يهلكك و يفسد عليك دينك و دنياك و آخرتك و الدين اوسع من هذه المضايقات يريد الله بكم اليسر و لايريد بكم العسر و ماجعل عليكم في الدين من حرج ، فخالف الخبيث بترك العادات المنحرفة قبل ان يتمكن منك بالاستيلاء فلاتقدر علي مخالفته و لربما يسول لك ان هذه الوساوس من التقوي و المبالات بالدين و تركها من التهاون بالشرع المبين و يكذب الخبيث فانه يريد ليطاع و لعله لم‌يتمكن منك ان تطيعه في المعاصي فجاءك من قبل الطاعات ألاتراه انه في بعض الامور دون بعض و لو كان من التقوي لكان في جميع الامور و انما الشياطين نفوس ناقصة لهم جهات خاصة فشيطان اي جهة غلب عليك يحرفك عن الحق في تلك الجهة .

الارض الثالثة هي ارض الطبع

و هي في مقابلة السماء الثالثة سماء الخيال و في هذه الارض شياطين بواطنهم باردة رطبة و ظواهرهم حارة يابسة و هؤلاء اذا استولوا علي الانسان يفسدون عليه خيالاته و يحرفونها عن نهج الحق و الاعتدال ثم يفسدونها في كل شخص علي حسب قابليته و طبعه و ميله و هذا شأن كل نوع من الشيطان في اصناف الناس فانه لايتحقق حادث في العالم الا بفاعل و قابل و الانسان الكوني قابل لمن يسكن فيه و يستعمله في مراداته و الساكن هو القوة الفاعلة فيفعل بحسب طبعه الافاعيل و الانسان القابل ينفعل علي حسب طبعه كالمرآة التي يظهر فيها شبح الشاخص علي حسب [ص 126] صبغها و هيئتها و لايظهر فيها شبح الشاخص علي حسبه الا اذا لم‌يكن فيها صبغ و لا هيئة تخالف الشاخص فالشيطان في الانسان اذا سكن فيه هو الفاعل و يظهر اثره منه علي حسبه اي علي حسب الانسان و طبعه و ميله فمنهم من يوسوس فيه الزني لوجود داعية فيه من كثرة الشهوة و منهم من يوسوس فيه شرب الخمر و منهم من يوسوس فيه الكذب و هكذا و لاتكاد تجد يوسوس في احد اكل العذرة مثلا مع انها حرام و نجس كالخمر لعدم وجود داعية في الانسان و قل من يوسوس له قتل نفسه مع انه حرام كقتل غيره فوجود الانسان وجود قابل و الملك و الشيطان فيه فاعلان داعيان قال الله سبحانه حكاية عن الشيطان ماكان لي عليكم من سلطان الا ان دعوتكم فاستجبتم لي فلاتلوموني و لوموا انفسكم فيمتثل الانسان دعوة الشيطان علي حسب استجابته و طبعه و ميله كما عرفت بالجملة الشياطين الساكنة في هذه الارض استيلائهم علي خيالات الانسان و يوسوسون له علي حسب ميل خياله و طبعه فاذا كان ممن فيه داعي الرياسة بحسب الحرارة و اليبوسة الغالبة فيه فان كان تلك الكيفية بممازجة السوداء فيوسوسون في نفسه ادعاء المقامات العالية و يصورون في خياله ما به يدعي المكاشفات و لربما يسولون له امورا حتي الربوبية او النبوة او الولاية اذا شاركهم شياطين الارض الرابعة و لربما يأتونه ببعض ما يخيلون في صدور اوليائه فيخبرهم عنها او ببعض الوقايع فيدعي مشاهدتها و يخبر عنها فبذلك يدعي الارشاد و الهداية فينقاد له اولياؤه و يصدقونه و الذي يدل علي فساد امره اما نفس ادعائه الربوبية مع انه مخلوق عاجز او ادعائه النبوة [ص 127] مع ان محمدا صلي الله عليه و آله خاتم النبيين او ادعائه الامامة مع ان الائمة الاثني‌عشر عليهم السلام معروفون بانسابهم و اشخاصهم و اما ادعاؤه الولاية و الكمال مع عدم علمه بامور الاديان اصولها و فروعها و ساير العلوم او قلة علمه بها و عدم تقويٰه و اعماله الصالحة فان الكمال الحق لايتحقق في احد الا بالعلم و العمل و عدم حكمه و استيلائه علي الموجودات و عدم استجابة دعائه و امثال ذلك فبهذه الموازين و امثالها يفرق بين اهل الحق و الباطل و ان كان تلك الكيفية بممازجة الدم فيوسوسون في نفسه ادعاء الرياسات بالقهر و الغلبة و الطغيان و الظلم و الغشم فيخيلون اليه السلطنة و الامارة و الغلبة و امثال ذلك و ان كانت فيه صرفة اي يكون فيه ساير الاخلاط مقهورة لا حكم لها فيوسوسون له الكبر و العجب و البخل و الحسد و التهور و امثال ذلك و ان كان فيه السوداء غالبة فيوسوسون له الوحشة عن الخلق و الكيد و المكر و حب الخلوة و الجبن و امثال ذلك و ان كان فيه البلغم غالبا بممازجة الدم يوسوسون له حب الزنا و اللواط و شهوة الغنا و اللهو و استعمال آلاته و هذه الوساوس اكثر ما يصدر منهم لمناسبة ظواهرهم و هكذا و علي هذه فقس ما سويها و علامة فساد هذه الخيالات مخالفتها الشرع القويم و السبيل المقيم فانه القسطاس المستقيم فمهما وجد واجد في نفسه خيالا غلب عليه فليزنه بموازين الله سبحانه فان وجده يخالفها فليعلم انه من الشياطين الساكنة في هذه الارض فليحذره و ليخالفه الي ما يطابقها ما لم‌يستولوا عليه و تمكنوا منه فانهم اذا تمكنوا من نفس قل ما يفارقونه و الداء العضال في هذه الحال انهم ممازجون مع لحمه و دمه [ص 128] يجرون منه مجري الروح و يحسب الانسان جميع ما يسولون له و يدعونه اليه من ذات نفسه بحيث اذا قلت له انه من الشيطان يغار علي نفسه و يأخذه الحمية و العصبية و في الحقيقة يغار علي الشياطين و يحامي عنهم لاتحاده بهم فلايكاد يصدق فلاينزعج عما هو عليه بعد و يجب علي الناظر لنفسه ان لايخاطر بها و يرتدع عن تلك الخيالات في اول ورودها ما دام يتألم عنها فان التألم عنها دليل عدم تمكن الشياطين منها و بقاء روح الايمان فيه و عدم موته الاتري ان المفاصل مثلا يرجي زوالها ما دام الانسان يحس بوجع فيها فاذا زال الوجع فهو دليل يأس الطبع عن زوالها و اعراضه عنها فلايرجي برؤها لان الطبيب يداوي بمعاونة الطبع فاذ لم‌يكن للطبع اقبال الي الدفع فلايقدر الطبيب وحده علي دفعها فاغتنم الفرصة ما دمت تتألم عن المعاصي و الخيالات و الوساوس فانزعج عنها و استعن بالله سبحانه بما مر من الدعوات و ساير الصالحات و بالتوجه الي عليين و اهله و الاعراض عن سجين و قد يحتاج مع ذلك الي تعديل الطبع بالعقاقير و الادوية و المآكل و المشارب فان لها دخلا عظيما و تسهيلا في الامر فهذا قليل من كثير من شرح كليات وساوس هذه الشياطين و اما ساير ما يذكر من العلاج بالضد ففيها نجح الا انه بعيد المدي و يعسر العلاج بها كعلاج الكبر بملازمة الخضوع و علاج الشهوة بملازمة ذكر الموت الهادم لللذات و علاج العجب بملازمة الفكر في معايب نفسه و امثال ذلك و هي مذكورة في كتب القوم فلانطيل الكلام بذكرها و انجح اقسام هذا العلاج التفكر فيما يضاد تلك الوسوسة فان فيه جلاء من العمي و نورا من الظلمة و انبعاثا من الكسالة و انتعاشا من الصرعة فلاتغفل [ص 129] عنه و افضله التفكر في الحق و اهله و خصالهم فان له تأثيرا عظيما و المجالسة معهم فان الطبع مكتسب من الجليس و ينتعش اذا رأي احدا يعمل بعمل و اقرب ما يكون الشيطان من الانسان حين هو وحده فقل من ينجو من شرهم و هو سالك وحده بل لم‌تجر العادة بذلك و ارتجاء الكمال بما هو خلاف العادة من تمنيات الشيطان المنهي عن اقتفائها يعدهم و يمنيهم و مايعدهم الشيطان الا غرورا ، فادخل البيوت من ابوابها و خرق العادة معجزة لاهلها و لست منهم فاتبع ما جري عادة الله عليه في خلقه فتدبر و انظر لنفسك و لا قوة الا بالله العلي العظيم .

الارض الرابعة هي ارض الشهوة

و هي في مقابلة سماء المحبة و المعرفة السماء الرابعة في الظهور بالقطبية التي هي السماء السابعة في الدرجة و الحقيقة و لذا روي ان الضراح في السماء الرابعة و روي انه في السماء السابعة و لا اختلاف بينهما فان السموات العالية عليها مستمدة منها متأخرة عنها رتبة و استعلاءها عليها في الظاهر كاستعلاء الرأس علي القلب و هو في الوسط و كذلك الارض الرابعة هي السابعة حقيقة الا انها ظهرت بالقطبية و عليها تدور رحي ساير الاراضي و هي ارض الشهوة و فيها شياطين ظاهرهم البرودة و الرطوبة و باطنهم الحرارة و اليبوسة و همهم اضلال الخلق بمحبة غير الله سبحانه و التقرب الي غيره و التوالي لغير اوليائه و اتخاذ النواميس و الرضا بغير الله سبحانه و التسليم لغيره و هؤلاء اشد الشياطين نفوذا في الانسان و اشدهم اتحادا و تميزهم عن الحق اصعب و اشد فانهم اذا استولوا علي انسان يتحدون به [ص 130] اتحادا حتي يحسبهم عين ذات نفسه و يستعملونه في اتخاذ الانداد و الشركاء لله سبحانه و اتخاذ الولايج من دون اولياء الله سبحانه و ملازمة النواميس الباطلة و ربما يحملونه علي ادعاء الربوبية و النبوة و الولاية و الرياسة و وضع الشرايع و البدع اذا استولوا عليه و يظهر منه بعض الاستيلاء و القهر و الغلبة علي بعض الاشياء فلا نجاة منهم حينئذ الا بتوفيق من الله سبحانه و اما في بادي الامر فيمكن الاستخلاص منهم بالتوجه الي الله سبحانه و التضرع اليه و التوسل باولياء الله و التوجه اليهم و ملازمة خدمتهم و كثرة الذكر و الفكر في عظمة الله سبحانه و آلائه و في عظمة اوليائه و خصالهم المحمودة و قبايح الانداد و الشركاء و الولايج حتي لعله ينجو من شرهم و كيدهم و في ملازمة الشرع و الاعمال الصالحة منجاة من شرور انواع الشياطين فانهم لايسكنون الا في كل موضع قذر رجس و الشرع مطهرة للنفس عن كل دنس مطردة لكل روح خبيث يتعلق بالانسان فعليك بملازمة الفرايض و النوافل و السنن و الاداب و اجتناب المحرمات و المكروهات ما امكن فانه لا شئ لطرد الشياطين كذلك و فيما ذكرنا كفاية و بلاغ .

الارض الخامسة هي ارض الغضب

و هي في مقابلة السماء الخامسة سماء الوهم و في هذه الارض شياطين نارية همهم اضلال الناس بالغضب لغير الله سبحانه و عداوة اولياء الله و احبائه و الصلابة و الشدة و القساوة و سفك الدماء و شرب الخمور و كثرة الكذب و الافتراء علي الله و علي رسوله و اوليائه و التهمة عليهم و اليمين الكاذبة و الخصومة و اعمال الشر و الافساد و اضطراب الرأي و قلة [ص 131] الثبات و الحياء و افراط الجهل و الجفاء و الوقاحة و اللجاج و غمص الحق و الكبر و ربما يدعونه الي عبادة الاصنام و ان كان مانع فيتخذ الانداد لاولياء الله سبحانه و هم شياطين صلبة شديدة العريكة خشنة اذا استولوا علي الانسان يبدو البغضاء من فيه و يترك التسليم للحق و اهله و يغلظ كلمه و يخشن لايقبل نصح ناصح و يتهمه بالغش و يفسدون عليه توهماته حتي يري الحق باطلا و المنكر معروفا و المعروف منكرا و الفاحشة عفة و العفة فاحشة و الحسن قبحا و القبح حسنا و الصديق عدوا و العدو صديقا نعوذ بالله و يصعب انقلاعه عنها اولا و آخرا الا ان يتدارك الانسان رحمة من ربه فمهما احس الانسان بتوهمات فاسدة في نفسه فليبادر الي اصلاح المزاج بالتبريد و التضرع و الابتهال الي الله سبحانه و ملازمة الشرع و كثرة الذكر و كثرة الفكر في الطافه سبحانه بعباده بَرّهم و فاجرهم و شمول نعمه عليهم و اناته و حلمه بهم و كثرة رحمة الله علي العباد بجميع اصنافهم و رفقه بخلقه و رفق اوليائه و كثرة الاستعاذة و الدعوات السابقة و اللين و الرفق و معاشرة الرفقاء و اهل الحلم و اللين فان العشرة مؤثرة جدا جدا بل هي اكثر تأثيرا من كثير من الدعوات فان دعواتك آثارك و انت علي ما انت عليه و العشرة مع الصالحين انفع منها فان الصالحين يؤثرون فيك و هم صلحاء و بينهما بون بعيد فعليك باتخاذ الاخوان الصالحين و معاشرتهم و ملازمة خدمتهم و مصادقتهم فان فيهم شفاء من كل داء و امان من كل خوف و حرز من كل شيطان و انس من كل وحشة و لم‌اجد في جميع السنن و الشرايع سنة و شريعة ازهي و ابهي و اشرف و اكمل [ص 132] و انفع و انجح و انبل و اعظم و افخم و اكرم من مصادقة الاخوان و ملازمتهم و ماادري ماذا وجد من فقده و ماذا فقد من وجده و باي دين تدين من لم‌يتدين به اخوك دينك فاحتط لدينك ما استطعت فاسأل الله العظيم باسمه العظيم ان يؤدي عنا هذا الفرض العظيم الذي لا فريضة اعظم منه ابدا ابدا و قد جائني هذا الشعر بديهة :

ليس لمن ليس له اخوة دين و لا دنيا و لا آخرة

و تالله انه لهكذا و حسبك ان الله اخبر عن غير المؤمنين انهم كانوا علي الشقاق مشرفين علي النار و صاروا اخوة اذ آمنوا فقال و اذكروا اذ كنتم اعداء فالف بين قلوبكم فاصبحتم بنعمته اخوانا و كنتم علي شفا حفرة من النار فانقذكم منها و وصف اهل الجنة بانهم اخوان علي سرر متقابلين فاهل الشقاق و النفاق منفردون و اسرع ما يستولي الشيطان علي الانسان حين هو منفرد كما ورد به الخبر و قد مر فيه تفصيل و لذلك استولي الشيطان علي اهل الشقاق حين وجدهم منفردين و حثهم علي الشقاق و التنافر ليستولي عليهم انما يريد الشيطان ان يوقع بينكم العداوة و البغضاء في الخمر و الميسر و يصدكم عن ذكر الله و عن الصلوة فهل انتم منتهون و الخمر و الميسر بعض اسبابه و غاية مراده ايقاع العداوة و البغضاء و التفريق و هو ضد غرض الله سبحانه الذي هو التأليف كما عرفت و قد استولي علي اوليائه فلاتجدهم متفقين متواخين ابدا ابدا فهل تتذكرون يا اخواني و هل تنظرون لانفسكم و هل تتواخون و تشدون عقد الاخوة و توفون بتلك العقود ، اللهم اني اعوذ بك من التخالف و اسألك التوالف فارزقنا اللهم ذلك بحق اوليائك [ص 133] صلواتك عليهم بالجملة لااجد غرضا لله سبحانه من ارسال الرسل و انزال الكتب و وضع الشرايع و الحدود الا ذلك و هو قطب الدين و مركز الشرع المبين و السلم الي معرفة الله سبحانه و الوصول بقرب جواره لمثل هذا فليعمل العاملون .

الارض السادسة ارض الالحاد

و هي في مقابلة السماء السادسة سماء العلم و في هذه الارض شياطين ملاحدة طبعهم الحرارة و الرطوبة شأنهم تحريف الكلم عن مواضعها و وضع الاشياء في غير محالها و تأويل الحق الي الباطل و هؤلاء ادهي و امر من جميع الشياطين السابقة بعد شياطين الارض الرابعة و اكثر تعلق هؤلاء بالعلماء السوء و طلاب العلم فاذا استولوا علي انسان يوسوسون اليه التأويلات و الاخذ بالمتشابهات و اما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله فيخرب بنيان الشرايع و الاحكام و يأول الكتاب علي غير مراد الله سبحانه و يأول السنة علي غير مراد الرسول فيصدون الناس عن الحق بالبراهين الباطلة و الادلة الضالة و يلبسون علي الناس دينهم و يحملونهم علي ترك ظواهر الدين و يظهرون لهم انا اهل الباطن و كذبوا لعنهم الله فان الباطن للظاهر كالروح للجسد و لا جسد حيا سويا الا بروح و لا روح قائما قارا الا بجسد فلا ظاهر الا بالباطن و لا باطن الا مع الظاهر و حسبك برهانا علي ذلك ان الرسول الذي بادي اهل الجاهلية و اليهود و النصاري و نسخ اديانهم و سب آلهتهم و كسرها و اتي بدين جديد لو كان دينه غير ظاهر هذا الدين لذكر التأويلات اول وهلة [ص 134] و جعلها ظواهر و لم‌يكن له حاجة الي الاتيان بظاهر غير مراد و يكون مراده التأويلات و القوم ماكانوا يأنفون في عقايدهم عن اتخاذ عزير ابن الله و عن اتخاذ عيسي ربا و اتخاذ الاخشاب و الاحجار و المعادن بل التمور آلهة و في اعمالهم عن المكاء و التصدية مكشوف العورة و الفحشاء و المنكر و البغي بل لو كان يدعوهم الي هذه التأويلات المضلة لكانوا له اسرع اجابة من اجابتهم لهذا الشرع فانها كانت اسهل عليهم و اوفق لطباعهم فامره بهذه الظواهر و ملازمته لها و شدة تعبه في العمل بها حتي تورم قدماه من طول القيام في العبادة حتي انزل الله طه ماانزلنا عليك القرآن لتشقي اي لتتعب فذلك ادل دليل لك علي بطلان هذه التأويلات و هذه الالحادات بالجملة اذا استولي علي انسان عليم اللسان يغتنمونه هيكلا لانفسهم و ليس لهم حبائل و لا وسيلة الي اضلال الخلق احسن من هؤلاء فهؤلاء هياكل الشياطين يقومون بتأويل الدين و تحريف الشرع المبين حتي يزيحونه عن مورده و يحرفونه عن موضعه و يصرفونه الي غير مراد الله و مراد رسوله من مطالب الشياطين التي فيها فساد العالمين و اذا استحكم امرهم فيه و تمكنوا منه يهيؤن له قرائن وهمية و ظنية علي تلك التأويلات و يتاخم ظنونهم و يتأكد خيالاتهم حتي يسمونه يقينا و عيانا و كشفا و اعلانا ثم لايكون لهم نجاة من هذه الهاوية ابدا الا ان يتداركهم رحمة من الله سبحانه فالنظر النظر فالحذر الحذر مهما وجدت في نفسك ميلا الي هذه الالحادات المضلة و التأويلات الفاسدة التي تخالف ظواهر الدين فاقل نفسك و ادركها و احملها علي ظواهر الشرع و الدين و اكثر النظر في احوال الانبياء [ص 135] و المرسلين و الاوصياء المكرمين و الاولياء المقربين و شدة تمسكهم بظواهر الشرع المبين و افزع الي العدول الذين وضعهم الله في كل عصر لنفي تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين و تمسك بذيلهم و اعرض مرضك عليهم حتي يعالجوك و يحملوك علي القصد و الايمان بالظاهر و الباطن و اكثر ميل هؤلاء الشياطين الي النصرانية و التصوف و العلوم الباطلة و الرياسات العلمية و الامر بالمنكر و النهي عن المعروف و اظهار اللين و حسن الخلق في غير مواضعه و الحلم في غير محله و الصلح مع الكل و مداراة المؤمنين و الكافرين و امثال ذلك فلا نجاة عن شر هؤلاء و هياكلهم الا بالفزع الي الله سبحانه و التمسك بحبليه الممدودين الكتاب و السنة و شدة التمسك بالسنن و الشرايع و الحدود و الاحكام و الاعراض عن العلماء السوء و الصوفية و الملاحدة و الاقبال و الملازمة للعلماء الحكماء الاتقياء الصلحاء الخلفاء لله و لرسوله في عباده و بلاده و كثرة الذكر و الفكر في سنن الانبياء و الاوصياء سلام الله عليهم .

الارض السابعة هي ارض الشقاوة

و هي في مقابلة السماء السابعة سماء العقل و في هذه الارض شياطين طباعهم باردة يابسة و هم اشد الشياطين اغواء و انفذهم في اجزاء الانسان بعد شياطين الارض الرابعة و اشدهم تلبدا في الانسان و قلما يمكن النجاة من شرهم اذا تعلقوا بانسان و هم اكثر ميلهم الي اليهودية و الهم و الغم و الحيرة و الوحشة و الفسوق و الحيلة و البخل و الخيانة و المكر و الكيد و خلف الوعد و الشقاق و المنكر و الحقد و خبث النفس و طلب [ص 136] الشر و اليأس من روح الله و الامن من مكر الله و سوء الظن و المنافرة عن الحق و عن الله سبحانه و عن رسله و اوليائه فاذا استولوا علي انسان نعوذ بالله يدعونه الي ذلك و اشباهه و يمازجون اصل الطينة حتي لايكادون يميزون عن اصل الطينة فيشقي الانسان بهم و يستحيل الي نوعهم حتي يصير منهم و يصير اعمي عن رؤية الحق و اصم عن سماعه و ابكم عن التفوه به و اعمه عن فهمه و يصير كأنه جماد لايعقل و لايبصر و لايسمع و ان كان الحق اوضح من الشمس في رابعة النهار بل يعاند الحق و اهله طبعا و يصير منافرا عنه مستوحشا فاذا ذكر الله وحده اشمأز قلبه و اذا ذكر الذين من دونه يستبشر نعوذ بالله و يجحد الحق و ان استيقنت نفسه و يشرب في قلبه الباطل و جحد الحق فيختم علي سمعه و بصره و يجعل علي قلبه غشاوة و يطبع عليه بكفره نعوذ بالله فلا نجاة له عن ذلك الا ان يشاء الله فليحذر حاذر ناظر لنفسه ان يبلغ هذا المبلغ فلايكون له نجاة ابدا و سبب استيلاء هؤلاء الانغمار في المعاصي و الانهماك في السيئات و مجالسة اهل الدنيا و الاعراض عن اولياء الله و ترك الفرايض و هو قوله سبحانه ثم كان عاقبة الذين اساؤا السوءي ان كذبوا بآيات الله و كانوا بها يستهزؤن فاحذروا يا اخواني عن ان يتسلط عليكم هؤلاء الشياطين بكثرة الانهماك في المعاصي و ترك الشرايع و عاهدوا قلوبكم بالذكر و الفكر و لازموا الطاعات و اجتنبوا السيئات حتي لاتقربوكم هذه الشياطين فتهلكوا هلاك الابد و هؤلاء الشياطين اذا استولوا كل الاستيلاء فلا نجاة عادة و لكن في مبدأ الامر و حين وقوع ظلهم علي الانسان يمكن التخلص عنهم بالتوبة الي الله سبحانه و الانقلاع عن المعاصي [ص 137] و مجانبة الدهرية الذين لايؤمنون بالله و رسوله صلوات الله عليه و آله و اوليائه عليهم السلام و اليوم الآخر و ما اكثر هؤلاء في الناس و ان لم‌يظهروا عقايدهم بين المسلمين تقية علي انفسهم و مجانبة اهل الدنيا فانهم هياكل هؤلاء الشياطين و تقيتهم اقل و اظهارهم عدم الايمان اكثر و الطبع يسرق من الطبع و يتشكل بشكله و يستحيل الي نوعه فاذا داومت المعاشرة معهم فيضعف ايمانك شيئا بعد شئ الي ان يموت روح الايمان فيك و تتهاون بالفرايض و تستهين ارتكاب العظائم فتتشابه هؤلاء الشياطين و يتعلقون بك لتدنس طبعك و قذارة نفسك حينئذ فالحذر الحذر ما دام فيك باقية من الايمان و علامة ذلك في جميع المراتب تألمك عما يخطر ببالك و كراهتك له فما دمت تتألم فاعلم انك لم‌تستحل الي الشيطنة و لم‌تمت و انما انت مريض يمكن علاجك فاعرض عن سجين و اهله و افزع الي عليين و اهله حتي تبرأ من مرضك ما لم‌تمت و اما من لم‌يتألم مما يخطر بباله من خلاف الحق فاعلم انه مستحيل الي الشيطنة منقلب اليها انقلابا و لا نجاة له بعد نعوذ بالله فانك ما لم‌تعمل عملا حسنا لاتبرأ و اذا استحلت الي الشيطنة فالشيطان لايعمل حسنة فلاتبرأ و لاتستحق من الله سبحانه الابراء و لو كان يجوز عادة و يقع ابراء المستحيل الي الشيطنة لكان يقع اصلاح جميع الشياطين و الكفرة و هو خلاف العادة ، من يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره و ليس للانسان الا ما سعي فمن يهدي من اضل الله و ان الله لايهدي القوم الظالمين و الكافرين و الفاسقين اذ لا قابلية لهم للهداية ، بكفرهم لعناهم و جعلنا قلوبهم قاسية و ربما يحمل هؤلاء الشياطين [ص 138] الانسان الي الكهانة و العلوم الغريبة التي يظهر منها شبيه المعاجز و السحر و امثال ذلك فاذا رأي من نفسه امثال ذلك يظن بانبياء الله انهم فعلوا ما فعلوا من هذا الباب و بهذه العلوم فلايكاد يستيقن بالمعجز و اذا رأي منه الجهلة ذلك اساؤا الظن بانبياء الله سلام الله عليهم و يحسبونهم انهم اظهروا خوارق العادات بهذه الشعابذ نعوذ بالله فلايستيقنون بهم فحينئذ يتخذهم الشيطان هياكل له و مصايد و حبايل فيضل به ساير الخلق و يشقيهم نعوذ بالله .

ختام به تمام الرسالة

اعلم انا قد بسطنا القول في خلقة الشياطين في ساير كتبنا و ليس هيهنا موضع بسط المقال في شرح الحال و لكن نذكر من ذلك هنا علي سبيل الاجمال ، اعلم ان الشياطين هم خلق مرجومون مطرودون عن رحمة الله سبحانه قد خلقوا من طينة سجين مادتهم من الظلمة و صورتهم من النقمة يدعون الي غير الله سبحانه و هم علي اصناف منهم شياطين جمادية و هم كل جماد محرف عن الوضع الالهي الاولي قد كفر بالله سبحانه حين عرض عليه التكليف علي ان الجمادات ايضا لهم ارواح و شعور الا انها ضعيفة جدا و قد برهنا علي شعور كل ما دخل في عرصة الايجاد في ساير كتبنا و يكفيك قوله سبحانه و ان من شئ الا يسبح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم فالجمادات الكافرة المطبوع عليها بالكفر شياطين يدعون الي غير الله سبحانه دائما فاذا استولوا علي انسان و هو عند فساد اخلاط بدنه يدعونه الي ما هو خلاف الصواب و الصلاح و ما يدعوا الي فساد البدن و هؤلاء اقل الشياطين [ص 139] شرا و اضعفهم قوة و ربما يتعلم منهم الشيطان النباتية و ربما يستكملون بفضل ضلالة الشياطين النباتية و من عمل بالشرع حتي يعتدل طباعه فر عنه الشياطين و من لم‌يعمل حتي فسد طباعه و انحرف عن الوضع الالهي سكن فيه تلك الشياطين يوسوسون في بدنه بما يكون فيه فساد بدنه و مسكنهم معدة الانسان ثم فوق هؤلاء الشياطين النباتية و هم نباتات منحرفة عن الوضع الالهي الكافرة بالله عند عرض التكليف عليهم و في بدن الانسان مسكنهم الكبد و هي موضع سريرهم ثم منها ينتشرون في البدن يدعون الانسان الي جذب و هضم و دفع و امساك ما لاينبغي في صلاح طبعه و فيه فساده و هم دائم الاغواء للانسان الي مشتهيات منكرة و الخلاص منهم بالتمسك بالشرع في تعديل الحركة و السكون و النوم و اليقظة و الاكل و الشرب و الاعراض و غير ذلك فان الشرع داع الي تعديل المزاج باستقامة المنهاج و لم‌يغادر صغيرة و لا كبيرة الا و قد احصيها و منه تعديل المزاج بالطب و العلاج عند الانحراف و فيه دخل عظيم في طرد هذين النوعين من الشياطين و العلاج ايضا من الشرع و قد امر به عند الحاجة و ربما يكملون هؤلاء الشياطين الاولي بفضل اغوائهم و ربما يكتسبون منهم خصالا لم‌تكن لهم و ربما يستكملون في الغواية و الضلالة بالتعليم من الشياطين الحيوانية و هذان النوعان لايصعدون الي السموات الخارجة و الداخلة و محلهم الطبايع العنصرية ظاهرها و باطنها و هؤلاء اشد قوة من الشياطين الاولة و اكثر تمازجا و تداخلا في الانسان و اعظم تلبدا و اصعب انقلاعا و فوق هؤلاء الشياطين الحيوانية و هم خلقوا من باطن الافلاك قد كفروا بالله [ص 140] العظيم حين عرض عليهم التكليف و كانوا من قبل يصعدون الي السموات و يقعدون منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا لبعثة النبي صلي الله عليه و آله في العالم الانسان الكبير و اما الانسان الصغير فان بعث فيه نبي عقله تمنع عن سموات وجوده و الا فلا و مسكنهم من الانسان اللحم الصنوبري و هو موضع سريرهم و منه ينتشرون في ساير البدن و هؤلاء اضل من الشياطين الاولة و اصعب انقلاعا و اكثر وسوسة يدعون الانسان الي النظر و السمع و الشم و الذوق و اللمس لما لاينبغي و الي الشهوة و الغضب و هم اصناف علي اختلاف اصناف الحيوان من البهائم و السباع و الحشار و الدواب و غيرها كل يدعوا الي مقتضي طبعه فاذا استولي نوع منهم علي الانسان يحملونه علي مقتضي طبعهم لهم قلوب لايفقهون بها و لهم اعين لايبصرون بها و لهم آذان لايسمعون بها انهم الا كالانعام بل هم اضل اولئك هم الغافلون و هؤلاء قد يستكملون بفضل غواية الشياطين الجنية و قد يكملون الشياطين الاولة بفضل غوايتهم و قد يكتسبون منهم ما لم‌يكن لهم و فوق هؤلاء الشياطين الجنية و هؤلاء اعظم من الشياطين الاولة شرا و اكثرهم فسادا و اشدهم تلبدا و انفذهم في الانسان و اكثرهم تمازجا و تداخلا في ارواحه و هؤلاء خلقوا من عكس فضل الناطقة القدسية من عكس ظل غيب الكرسي و هم كانوا يخترقون ظاهر السموات و باطنها و يصلون الي سماوات الخيال بخلاف الشياطين الحيوانية فانهم كانوا يصلون الي سموات الحس المشترك و لما بعث النبي صلي الله عليه و آله و اشرقت السموات بنوره منعوا من الصعود فلايقدرون الآن علي الصعود و هؤلاء اذا كانوا باشتراك ولد الجان يكونون ادهي و اعظم [ص 141] شرا و ان كانوا خالصين يكون شرهم اقل و اما في الانسان الصغير اذا لم‌يبعث نبي عقله و لم‌يشرق سموات خياله بنوره يخترقون سموات خياله ايضا و يوسوسون في خياله و فكره و وهمه و علمه و عاقلته نعوذ بالله فيوسوسون له العقايد الفاسدة و مسكنهم منه في صدره و لا نجاة من شر هؤلاء الا بالذكر و الفكر و العلم و الحلم و النباهة و النزاهة و الحكمة و التضرع الي الله سبحانه و حصر النظر في عليين و الحق و اهله و هؤلاء قد يستكملون من الشياطين الانسية و قد يكملون الشياطين الاولة و قد يكتسبون منهم ما لايعلمون و فوق هؤلاء الشياطين الشياطين الانسية و هم اعظم الشياطين شرا و اصعبهم امرا و اقواهم مكرا و اقواهم ضررا علي الاسلام و اهله و هؤلاء كانوا يخترقون ظاهر السموات و سموات الحس المشترك و سموات الخيال و كانوا يصلون الي تحت العرش و العقل و يسترقون السمع و يخبرون عن ما كان يتكلم به ملائكة العقول من الالهامات و الوحي و اما بعد بعث النبي صلي الله عليه و آله منعوا عن خرق تلك السموات و لايقدرون علي السماع و الاخبار الا ان يكذبوا و لذا قال الله سبحانه و اكثرهم الكاذبون و قال يوحي بعضهم الي بعض زخرف القول غرورا و اما في الانسان الصغير فان لم‌يبعث نبيه الذي هو عقله يخترقون جميع سموات وجوده و يوسوسون في قلبه نعوذ بالله العقايد الفاسدة و بغض اولياء الله و حب اعداء الله و لا نجاة من شر هؤلاء الا بالتوجه الي الله سبحانه و اتباع رسوله و اوصيائه و التوسل بهم و الاستشفاع بهم و الولاية لاوليائهم و البراءة من اعدائهم و مجانبة خصالهم و اعمالهم و اقوالهم و افعالهم و كتبهم و علومهم و اخبارهم [ص 142] و آثارهم و آرائهم و مباعدتهم بعد المشرقين و الاعراض عنهم بالكلية و عدم مجالستهم و مساورتهم ( مشاورتهم ظ ) و محادثتهم حتي ينسيهم و ينسي ذكرهم بالكلية ثم تصحيح العقايد بالادلة الالهية و البراهين النبوية و الآثار المعصومية و مجالسة اولياء الله و مجالس ذكر آل الله و احياء امرهم و نشر فضائلهم و الانغماس في بحار احاديثهم ليلا و نهارا و التأسي بهم في جميع الحركات و السكنات و الا فان تسلط عليه احد هذه الشياطين فلايلومن الا نفسه و من تمام هذه الاسباب اتخاذ الاخوان الصالحين و مزاورتهم و محادثتهم دائما فهذا ما كان يجب علينا من النصح لاخواننا المؤمنين و قد قضينا الوطر في كتابنا هذا و فيه كفاية و بلاغ فاختم كتابي هذا باربع كلمات بليغات و في الاخذ بها نجاة و المتخلف عنها واقع في الهلكات فاوليها عليك بقرائة القرآن بالتدبر فانه فيه بصر من العمي و سمع من الصمم و فهم من الجهالة و نور من الظلمة و هداية من الضلالة و حفظ من كل سوء و امان من كل خوف و كفاية من كل حاجة و ثانيتها عليك بادمان مراجعة الاحاديث المعصومية فان كلامهم نور و امرهم رشد و وصيتهم التقوي و فعلهم الخير و عادتهم الاحسان و سجيتهم الكرم و شانهم الحق و الصدق و الرفق و قولهم حكم و حتم و رأيهم علم و حلم و حزم يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و احاديثهم تنبئك عن جميع ذلك و ثالثتها العزم علي العمل بهذين لئلايكونا حجة عليك و يكونا حجة لك و العلم يهتف بالعمل فان اجابه و الا ارتحل فان قصرت في العمل فعليك بالتدارك بالتوبة و الانابة و العزم علي العمل فانها عمل القاصر و هي ايضا عمل و رابعتها عليك باتخاذ الاخوان و مصاحبتهم و اداء [ص 143] حقوقهم فاني لم‌اجد بعد التتبع التام اعظم من هذه الفريضة و هذا من غير ساير الاعمال نافع و ساير الاعمال من دون هذا العمل غير نافع و لذلك تري الناس غير منتفعين بشئ من اعمالهم و هم تاركون لهذا الفرض الاعظم و جميع تلك الفرايض فروع هذه الفريضة فليكن هذا آخر كتابنا ليكون ختامه مسكا و في ذلك فليتنافس المتنافسون .

قد فرغ من تسويد هذه الرسالة مؤلفها و كاتبها في قرية لنجر ليلة الاثنين لسبع مضين من شهر الجمادي الآخرة لاربع ساعات و نصف مضت من الليل و كان ذلك من شهور سنة ثمان و ستين بعد المأتين و الالف حامدا مصليا مستغفرا ، تمت .

[ص 144]