[ص 30] و لكن يوجد قسم آخر من اصحاب هذه النفس الناطقة لايأخذون دستور عملهم من الاسفل يعني من روح حيوانيتهم و نباتيتهم بل يأخذونه من منبع خارجي و يجعلون فكرهم و علمهم و شعورهم و قوي حيوانيتهم و نباتيتهم في اجراء تعليمات ذلك المنبع الخارجي و لايعتنون بأعمالهم المنجزة انها توافق طبعهم الحيواني و النباتي و قصدي من المنبع الخارجي هو امثال الانبياء الذين ذكروا تعليمات باسم الدين و اولئك الاشخاص الذين يعملون بتعليماتهم هم الذين امنوا بهم و صاروا مؤمنين هذه مطالب لو دققت انت فيها ايضا لرأيت الامر علي هذه الكيفية فلتكن هذه المقدمة لديك حتي اكتب لك مقدمة اخري و هي انما يعلم من فحص علماء طبقات الارض و علماء الاثار و التاريخ القديم انه لم‌يكن علي وجه الارض سنين طويلة الا الجمادات ثم تولدت النباتات الصغيرة الدانية بعد تلك السنين المتطاولة ثم وجدت نباتات اكمل شيئا فشيئا و الي مدة مديدة لم‌يكن من الاحياء موجود علي وجه الارض الا النباتات و كل نبات ايضا بلغ الي حد الكمال بعد التناسل المتوالي صار في طريقه بعد طول التناسل الي النقصان ثم الي الانقراض و كثير من النباتات التي شوهدت فسائلها لايوجد الان مثلها علي وجه الارض و بعضها بقي و لايزال في ازدياد و بعضها اتم دورة كماله و هو في طريقه الي الانقراض كشجر الارز اللبناني بالجملة كان الامر مدة من الزمان علي هذا المنوال الي ان تولدت الحيوانات الدانية كالحشرات ثم تولدت شيئا فشيئا حيوانات اكمل كالزواحف و الطيور و المفترسة و كل نوع منها بعد طول التناسل المتوالي [ص 31] بلغ الي حد الكمال ثم صار بعد ذلك في طريقه الي النقصان و الانقراض و بعضها لايزال باقيا و بعضها لايزال في ازدياد و بعضها في طريقه الي الزوال فمثلا يقولون ان جنس الاسد في طريقه الي الانقراض و في وقت من الاوقات تولد بنو آدم و الذي يظهر من آثار ما قبل التاريخ انهم كانوا قليلي الشعور اولا ثم ازداد شعورهم بمضي الزمان بالتدريج اكثر و اول الامر اوجدوا لهم صنائع يدوية ثم عملوا علي اكمالها يوما فيوما و من الوقت الذي وجد التاريخ فيه عنهم الي يومنا هذا نري ان كل نسل اذكي من النسل الذي قبله و أعلم و نفوسهم تزداد يوما فيوما و لايزالون في ازدياد و في طريقهم الي الكمال و قياسا علي ساير المواليد يصلون الي اوج الكمال و كثرة النفوس في وقت من الاوقات و في يوم من الايام ينقرضون الا ان يشاء الله غير ذلك و ان دققت النظر امكنك ان تشاهد جميع الادوار الماضية في مدة قصيرة مثلا اذا اردت ان تشاهد تكامل الشعور تري ذلك في طول عمر طفل صغير الي ان يكبر فأنه اولا عند ما يتولد يكون شعوره اقل من كثير من الحيوانات و هذا انموذج من شعور الانسان القديم ثم تراه انه في مدة ثلاثين او اربعين سنة يصل الي حد بحيث يستوعب اكثر العلوم المتقدمة للبشر في هذا اليوم و يتقدم في سنة بمقدار قرن من القرون الماضية فيمكنك ان تدرس تقدم البشر طوال التاريخ في مدة عمر قصير لواحد من الناس حتي انه لو كان لك بصر حديد اكثر لشاهدت اوضاع مدة تاريخ العالم فيه فمثلا تري انه في الابتداء نطفة تغلب عليه الجمادية ثم يكون بعد ذلك مثل النباتات فبجذبه [ص 32] للمواد الغذائية من طعام الام و هضمها و دفع الزائد ينمو يوما فيوما و ينبت له اللحم و العظم حتي ان في شهر الرابع من عمره تشتعل الشعلة المنطفئة للروح البخاري اللطيف المتولدة فيه تشتعل بنار حيوة الام و تتولد فيه الروح الحيوانية ثم بالتغذية تتقوي و تترقي نباتيته و حيوانيته الي ان يخرج من بطن امه و تظهر فيه اول اثار النفس الناطقة ثم ينمو و يترقي من كل جهة بتغذية الام اولا و الاغذية الاخري بعد ذلك و نباتيته في ترق دائما و ينمو و يعظم يوما فيوما الي ان يصل الي سن الخامسة و العشرين او السادسة و العشرين و يبلغ مراحل الكمال حوالي سن الاربعين او الخمسين ثم بعد ذلك يكون في طريقه الي الزوال تدريجيا الي ان يرحل عن الدنيا و اما حيوانيته فترعي في مرتع نباتيته فهي تترقي بازدياد العلف بمحاذات النباتية و بنقصانه تكون في طريقها الي الزوال و نفسه الناطقة في الابتداء ضعيفة جدا و لما كان غذاء النفس الناطقة ليس من جنس اغذية الحيوانات فاذا لم‌يصل غذاؤها المناسب لها تبقي ضعيفة و غذاؤها غذاء روحاني و هو التربية التي يربيها الاب و الام و الجماعة التي حوله بكلامهم له و هذا الكلام هو غذاء النفس الناطقة و ان تربي طفل مثلا بين الحيوانات فلايحصل له ترق نفساني كما رؤي ذلك احيانا و يكون وحشيا كالحيوانات و علي العكس من ذلك لو تربي في حضن الاب و الام لاثرت تعليماتهما فيه يوما فيوما فزاد شعوره و كلما كان الاب و الام و الجماعة الذين حوله شعورهم اكثر ترقي شعوره اكثر بسرعة عظيمة لانه يصل اليه غذاء كاف فمثلا الطفل الذي تربي في مدينة [ص 33] كبيرة يكون شعوره اعظم من الطفل الذي تربي في الجبال و عند الناس السذج و الطفل الذي تربي في بيت علم و شعور يكون شعوره اعظم من الطفل الذي تربي في بيت جهل و علي كل حال الطفل يحصل علي الشعور ببطء او بسرعة و يخرج من البلادة الحيوانية و عدم فهمها و تتقوي نفسه الناطقة و يكون لسان فهم و يؤثر الكلام فيه و في اول الامر اذا لم‌يكن شعوره كثيرا فليس له استقلال في الرأي و كلما يقال له يطيع و لكن اذا ازداد شعوره شيئا فشيئا صار له استقلال في الرأي اكثر الا ان شعوره يستعمله في انجاز رغباته الحيوانية و النباتية و اللهو و اللعب و لما حصل علي استقلال في الرأي شرع بالانحراف عن اوامر الاب و الام و عدم سماع ما يريدانه له من خير و يظن ان شعوره اكثر من شعورهم و يستهزئ بهم في قلبه او لسانه و تصل هذه الحالة به الي اوج شدتها في سن البلوغ و لكن اذا وصل الي حد البلوغ و فوق ذلك شيئا فشيئا ازداد شعوره اكثر و فهم ان كلام الاب و الام له معني فيبدأ باطاعتهما و يحصل علي العقل الي ان يكمل شعوره في سن الاربعين او الخمسين و ان كان من اولئك الذين التفاتهم الي الحيوانية و النباتية و ينظر بعينهما و يسمع باذنهما و انغمس فيهما و ياخذ الاوامر منهما فاذا ضعفت الحيوانية و النباتية بالتدريج و سارت في طريق الزوال فهذا الشعور ايضا يسير الي الزوال و يصير اقل شعورا و اكثر خرفا يوما فيوما الي ان يموت فيموت هذا الشعور ايضا و ينتهي امره و لكن اذا كان من اولئك الذين ياخذون تعليماتهم من الخارج و كان التفاتهم الي الخارج فما دام المعطي [ص 34] للتعاليم موجودا و هو يطيعه فهذا الشعور ايضا يكون باقيا لانه جعل نفسه منفصلا عن الحيوانية و النباتية و الجمادية و ربط نفسه بمكان اخر مثل زجاجة وضعت علي طاولة فان جميع اتكائها علي الطاولة فلو كسرت الطاولة لسقطت الزجاجة و كسرت و لكن لو ربطت الزجاجة بحبل في السقف فان كسرت الطاولة فلاتقع الزجاجة علي الارض و لاتنكسر لانها مربوطة بمكان اخر بالجملة مجال الكلام واسع و قصدي انه يمكن رؤية ادوار تاريخ حياة البشر في مرآة ادوار حياة شخص من الاشخاص و من هذا المعلوم يتوصل الي المجهول فلنرجع الي الكلام الذي كنا فيه و نتصفح التاريخ و في اثناء هذا التصفح نعثر احيانا علي اشخاص ظهروا بين البشر اعتقدوا بانهم فوق ساير البشر و ادعوا بان فيهم روحا اعلي من الارواح الموجودة في ساير البشر يعني كما ان في الحيوانات روحا ليست في النباتات و يمكنها ان تفعل افعالا لاتقدر النباتات علي فعلها و تعجز عنها كالبصر و السمع و الذوق و غيرها و في بني ادم روح ليست في الحيوانات و يمكنها ان تفعل افعالا لاتقدر الحيوانات علي فعلها و تعجز عنها مثل التفكر و التخيل و تعلم العلم و الاختراع و غير ذلك كذلك اولئك الاشخاص ادعوا ان فيهم روحا فوق ساير الارواح ليست موجودة في ساير بني ادم و يمكنهم ان يفعلوا افعالا لايقدر بنو ادم عليها و يعجزون عنها و كما روي بالتواتر انموذج من تلك الافعال و المعجزات التي فعلوها و عجز الاخرون عنها مثل احياء الاموات و الاخبار عن الامور الغيبية و الخفية تسخيرهم الجمادات و الحيوانات و التصرف الكثير في [ص 35] الارض و السماء بحيث لم‌يقدر احد من الناس علي فعلها و صدقوا كلامهم نحن ايضا لما لم‌يكن لنا دليل علي كونها كذبا نصدقها لان الانكار يحتاج الي دليل ايضا و اي مانع من ذلك فكما ان لنا مشاعر و ادراكا و تصرفات فوق مشاعر الحيوانات كذلك يوجد جماعة لهم ادراك و مشاعر فوقنا و ليس لنا دليل علي عدم وجود مثل هؤلاء الاشخاص و لكن لنا دليل علي وجودهم و هو تلك الروايات التي يروونها و قرائن صحتها موجودة بالجملة اولئك الاشخاص ظهر كل واحد منهم في زمان و قالوا بلسان واحد يا بني ادم انتم غافلون و حدود العالم ليست منحصرة بجدران الاجسام الاربعة هذه و من وراء هذه الاجسام و الابعاد الثلاثة و هذا المكان و الزمان المحسوسين لكم عوالم مخفية عليكم و كما ان النباتات لما كانت ليس لها ابصار لاتري المبصرات و هي غافلة عنها و انتم لكم ابصار فترونها كذلك نحن لنا مشاعر ليست لكم و فينا روح ليست فيكم و بقوة هذه الروح ندرك عوالم الغيب و لنا القدرة علي كثير من الامور التي لاتقدرون انتم عليها ، كثير من الامور المخفية عليكم ظاهرة لنا و هذا الملك الذي ترونه بهذه العظمة و تلك العوالم الغيبية التي نحن نراها لها خالق عظيم هو الذي اوجد جميع هذه الامور و هو الذي اوجدنا و اوجدكم و اوجد جميع هذه العوالم من العدم الي الوجود ادراك ذاته لنا و لكم محال و ممتنع غير اننا اعلم منكم و مرآة قلبنا اصفي و قد اوحي الي قلبنا بانه خالق جميع العوالم و لا اله غيره و قد اخبرنا و امرنا بان نخبركم بانه لا اله غيره و اوجد هذا المعمل العظيم لان تكون محصولاته [ص 36] موجودات لها شعور لتعرف عظمته و قدرته و صفاته و تعبده و جعلت جميع اوضاع هذه العوالم في الاصل لتربية امثال هذه الموجودات الا انه اثناء حصول هذه المقدمات وجدت بالعرض محصولات اخري و لنقصانها السابق و اللاحق لم‌تصل لحد الكمال و بقيت ناقصة و صارت عاقبتها الابعاد و هذه المعادن و النباتات و الحيوانات علي حسب تفاوت درجات قابليتها محصولات ناقصة و كل واحدة منها لم‌تترق اكثر من درجة واحدة و الله تعالي يبيدها و يفنيها و يعيدها الي التراب و انتم بنو ادم من المحصولات التي هي اعلي من الطبقات الثلاثة و لكم قابلية الترقي الي الاعلي و عدم البقاء في منتصف الطريق و يسعكم التقرب الي الانسانية الكاملة التي نحن انموذجها الكامل و علة تخلفكم هو انكم صيرتم انفسكم اسراء لجماديتكم و نباتيتكم و حيوانيتكم الي حد جعلتموها تشتبه بها و تتصورون انكم حيوان او نبات مثل الراكب الذي جعل نفسه تشتبه بمركبه فحصانه الذي يريد جتا فيتصور انه هو الذي يريد الجت حصانه الذي يميل بشهوته الي الفرس يتصور نفسه هي التي تميل بشهوتها الي الفرس و هو غافل عن انه شخص مستقل و لا دخل له بحصانه و غافل عن ان غذاءه غذاء اخر و محبته في شيء آخر و نتيجة لهذه الغفلة غفل عن طعامه و حوائجه و انهمك فقط بحصانه و لايستغرق مدة طويلة حتي يموت لانعدام الطعام فاذا كانت لكم امثال هذه المشاكل و الله الرحيم ارسلنا لنعلمكم و نذكركم بانكم لستم احصنكم و لا بد و ان تكونوا انسانا و تكونوا بصدد ما يقوي انسانيتكم و تكونوا مخلوقا مخلدا و مركبكم هذا يفني عاجلا او آجلا و يتلاشي و اذا [ص 37] اردتم ان تكونوا مخلوقا خالدا و منعما بالنعم الابدية فاطيعونا و اجعلوا قولنا و فعلنا و سلوكنا قدوة لكم فهذه الجمادية التي هي عندكم غير معتدلة نحن نعطيكم تعاليم بكيفية تنظيفها و تعديلها و غسلها و كيف تجنبونها ما يضرها و كلما يتصل بها مما يخرجها من الاعتدال و اعتدال جماديتكم يبعث علي ان روح نباتيتكم المتولدة من صوافي جماديتكم تكون روحا نباتية معتدلة و نحن نعطيكم تعاليم باستعمال اي طعام و اي شراب ليكون طعام النباتية معتدلا و الامتناع من اي طعام يبعث علي انحرافها و اذا اعتدلت نباتيتكم اعتدلت روح حيوانيتكم و نفس ناطقتكم الراكبة علي روح حيوانيتكم يكون مركبها مذللا و يزول طغيانه و يذهب الي اي مكان اردتم لا الي اي مكان اراد و التفتوا الينا دائما لتقوية نفسكم الناطقة و اجعلوا اخلاقنا الباطنية قدوة لاخلاق نفسكم الناطقة الباطنية و اجعلوها متصفة بصفاتنا و علامة توفيقكم بذلك تحصيلكم محبتنا لان المحبة تتولد بين شيئين علي صفة واحدة و من جنس واحد و اذا توجهتم الي الحيوانية دائما و جعلتم انفسكم متصفة بها و كان هدفكم و ميلكم ميول الحيوانية و اهدافها فلاتكون لكم شباهة بنا و لاتتولد فيكم محبتنا و لكن اذا جعلتم انفسكم متصفة بصفاتنا كانت لكم شباهة بنا و تولدت في قلبكم محبتنا و صرتم دائما متوجهين الينا و نحن مثل السراج الذي وقع نور الله من الغيب في قلبنا و ذلك النور يتشعشع من وجودنا دائما و اذا توجهتم الينا دائما فان نور الله يقع في قلوبكم فينيرها و يجعلها متصفة بصفات محبوبة لله مثل صفاتنا و اذا استقمتم [ص 38] علي هذا الفعل و داومتم عليه اشتعلتم بنور الله و هذا النور هو روح الانسانية و هذه النفس الناطقة التي عندكم مثل البدن الذي لا روح له كزيت غير مشتعل و ان توجهتم الينا فالنار التي فينا تسخن زيت نفسكم الناطقة و تبخرها الي ان تشتعلوا دفعة واحدة و سترون انه صارت لكم روح و حييتم بحيوة جديدة و صارت لكم مشاعر و مدارك فوق ما هو موجود عندكم فلاتحتاجون بعدها الي تحصيل علم عميانا و تحصلون علي عين تبصر من غير تعلم فما يتعلمه العميان من علم الالوان مدة سنين طويلة و بالنتيجة لايعلمون معني الالوان و يتكلمون بالفاظ ليس عندهم معناها فانتم بنظرة واحدة بتلك العين ترون جميعها في آن واحد بسبب تلك الروح التي هي نور الله فان جميع القدرات منها و تحصلون علي قدرة بها تقولون لاي شئ كن يكون و لاتحتاجون الي الات و ادوات و اذا اطعتمونا تكونون موجودا كاملا و منفصلا عن هذه المراتب النباتية و الحيوانية فلو ماتت لبقيتم بابقاء الله الي الابد و تنعمتم بانواع النعم التي لايمكنكم الان تصورها و صرتم قادرين بقدرة الله علي كل شيء و كل ما تريدون يكون لكم بالجملة تعاليم الانبياء هذه هي شرايعهم التي بعضها لاصلاح الجمادية و بعضها لاصلاح النباتية و بعضها لاصلاح الحيوانية و بعضها لاصلاح تلك النفس الناطقة و بضمن جميع ذلك تندرج تعاليم لرفع المشكلات الناشئة من الاجتماعات و لو تصفحنا التأريخ لراينا ان كل نبي من هؤلاء الانبياء الذين جاؤا و اتوا بشريعة و آمن جماعة بهم صار عملهم بتعاليمهم باعثا لترقيهم و تقدمهم حتي انهم حصلوا علي قفزة في الفكر [ص 39] و ترقي ذكاؤهم و حصلوا علي تمدن اعلي فمثلا قوم بني اسرائيل مع تلك الذلة و قلة الشعور حصلوا علي اي ترقيات و تقدم بسبب تعاليم موسي و حصلوا علي سلطانات عظيمة حتي ان اولئك الذين لم‌يكونوا في الظاهر يهودا فبسبب معاشرتهم لهم ترقي سطح فكرهم و تعقلهم و قبلوا كثيرا من الاصول التي جاء بها الانبياء من غير ان يفهموا بان ذلك من اين القي اليهم فان لم‌نعتمد علي تواريخ القدماء و اليهود فان تاريخ الاسلام نصب اعيننا فالبدو الرحل الوحشيون الجاهلون الذين طعامهم الضب و من غاية جهلهم كانوا يئدون بناتهم و ماكانوا يعرفون الا القتل و الغارة و الفرس و السيف بسبب تعاليم النبي صلي الله عليه و اله بلغوا الي درجة بحيث اقعدوا الدول العظيمة كايران و الروم و تعلموا اي علوم و تقدموا اي تقدم و في الحروب الصليبية حيث تعرف الافرنج علي علوم الاسلام اكثر فبسبب ذلك حصلوا علي اية ترقيات عظيمة حتي ان كل ما هو موجود الان هو تابع لتلك العلوم و نتيجة لتلك المقدمات و اريد من جميع ذلك ان استنتج نتيجة و هي ان هؤلاء الانبياء هم الذين كانوا العلة في ترقي فكر البشر و تعليماتهم التي كانت غذاءً لنفسهم الناطقة و عملوا علي تقويتها حتي وصل الناس الي هذه الدرجة و كما نري الاب بالنسبة الي ولده في مراحل تربيته المختلفة ما الذي يقدمه له من تعليمات فمثلا في سني الطفولة ينهمك غالبا بالنظافة و الطهارة و آداب الشرب و النوم و اليقظة و هذا القبيل من امور الطفل و يسعي الي ان يعلمه هذه الامور فاذا ترعرع شيئا فشيئا و اوجد له الفكر يحضه علي تعلم القراءة [ص 40] و الكتابة و لايتقيد بان يفهم جميع معانيها حتي اذا ما ترعرع اكثر شيئا فشيئا علمه اخلاق المعاشرة و آدابها و امثال ذلك و كلما حصل علي شعور اكثر علمه علوما اعلي فكذلك نوع البشر ايضا في ادوارهم التأريخية فان في كل دورة شعورهم كشعور سن من سني اطفالنا لذلك فان تعليمات الانبياء ايضا في كل دور تتناسب مع شعور اهل ذلك الدور و ما ان يترقي الشعور اكثر فان الله يرسل نبيا اخر بشريعة اعلي اليهم فيهديهم و الناس الذين يتبعون و يعتقدون دينه لايتبعه جميعهم عن فهم و تعقل بل يتبعه اكثرهم عن ضعف نفس و عدم استقلال فكر كالطفل الذي له ست سنين او سبع سنين اذا سمع كلام الاب و اطاعه فانه لايطيعه لفهمه حسن كلام ابيه بل يطيعه لانجماد فكره فاذا جعلوه علي شكل بقي علي ذلك الشكل كالشمع الذي يصنع علي اي شكل فانه يبقي علي ذلك الشكل و لكن اذا حملوه تدريجيا الي محيط حار صار ناعما و لينا و يفقد شكله تدريجيا حتي اذا صار المحيط ساخنا كثيرا و ذاب الشمع تماما صار مائعا و ذهبت جميع الاشكال التي صنعتها له و قام علي شكل الاناء الذي وضع فيه فان كان الاناء مربعا صار مربعا و ان كان مدورا صار مدورا مثل ذلك الطفل بعينه اثناء جموده الفكري حيث تعلم تعاليم ابيه و بقي علي ذلك الشكل و لكن اذا خرج شعوره عن الجمود بالتدريج القي جميع تلك الاشكال من يده و نسي جميع تلك التعاليم و لما استقر شمع نفسه الناطقة في اناء الجمادية و النباتية و الحيوانية فاذا القي ذلك الشكل الذي اتخذه من تعليمات ابيه بسبب الذوبان الفكري ظهر بشكل انائه الحيواني و النباتي [ص 41] و مع ان اصل شعوره خرج من الانجماد و صار سائلا لكنه ظهر بشكل مرادات الحيوانية و النباتية و تحصل هذه الحالة في الطفل في السنين القريبة من البلوغ كما تري ان جميع التربيات السابقة و الاشكال التي تشكلت نفسه بها كلها يلقيها من يده و يظهر بصورة ميول الحيوانية و النباتية فيكون سئ الادب و لايصغي الي احد و لايجعل لكلام الاب و الام وقعا في نفسه و يتصور نفسه اعلم منهما و الابوان و ان لم‌يكونا راضيين من وضعه و هما غير راضيين جدا و لكنهما يرجوان ظهور العقل فيه فيترك جميع هذه الافعال جانبا و عصيانه هذا ارجي لهما من طاعاته السابقة لان هذا العصيان من الشعور و تلك الطاعات الصبيانية من قلة الشعور و ضعف النفس و هما يرجوان ان نفسه الناطقة في القريب العاجل تشتعل بنار عقله و يكون عقله هو الآمر دفعة واحدة فيترك الاعمال السيئة جانبا فيكون شخصا عاقلا كالشمع الذي مثلنا به و ان كان غرضنا اشتعاله بالشعلة فلانحزن لكونه اولا باردا و منجمدا و يكون بكل شكل نريده و اذا شرع بالذوبان القي جميع الاشكال التي وضعناها عليه و يتجه الي الاسفل و يدخل في جميع الزوايا و اعماق الانية التي هو فيها و يتشكل بشكلها لاننا نعلم ان في آخر هذا الذوبان و ارتفاع الحرارة يتبخر و يشتعل دفعة واحدة و تظهر فيه النار الغيبية التي كانت كامنة فيه فيكون هو الآمر و الحكم حكمه و جميع هذا الشمع يصعد الي الاعلي بحكم النار و يميل الي الصعود بدل النزول و يريد ان يكون بخارا و يشتعل بالنار و يصعد الي الاعلي فالبشر الذين كانوا يمكنون انفسهم اكثر من تعاليم [ص 42] الانبياء سابقا فمن باب جمود شعورهم بأي شكل يشكلونهم يبقون علي ذلك الشكل و يعتادون بما يعودونهم و لكن لما تسخن شمع شعورهم شيئا فشيئا و نعم و اتجه الي الذوبان زالت تلك العادات و الاشكال و القوا تلك العادات من ايديهم و لثقل شعورهم الطبيعي يتجه الي الاسفل و يحتل له مكانا في اناء الطبيعة الحيوانية و النباتية و يظهر بشكل ذلك الاناء يعني يظهر بميول و مرادات الحيوانية و النباتية و يقويهما بجميع قواه و لكن يوجد امل للعاقل الخبير و هو ان هذا الشعور المذاب الذي خرج عن حالة الانجماد لاتطول مدته كثيرا حتي يتبخر و يهيأ للاشتعال بنار العقل فبمجرد ما ان يظهر سراج يشتعل بنار العقل يشتعل هذا الشعور بتلك النار و يكون العقل هو الحاكم علي الكل و بأمره يخرج الشعور من آنية الجمادية و النباتية و يتجه الي سماء العقل الي الاعلي و يزول الظلم و تذهب الظلم و يستضيء العالم و ينقضي دور حكومة الحيوانية و يصل دور حكومة العقل و تستقر النفوس الحيوانية كل في محلها و لايبقي لها امر و لا حكم و يشرب الذئب مع النعجة و لايظلم احدهما الآخر و لايتجاوز عليه .

فأذا عرفت هذه المقدمات و أنس ذهنك بنوع افكارنا الي حد ما فأني اذكر جواب سؤالك الذي اردت و هو نظريتنا بالنسبة الي قرن العشرين فاقول اني اري عالم قرن العشرين مثل الطفل في سنيه القريبة من البلوغ زاد شعوره و ذاب و العادات التي اعتاد عليها باسم الدين او وصلت اليه بالواسطة عن اهل الدين و وضع عليها اسماء اخري مثل الانسانية ، الشرافة ، حب البشر و هذا القبيل من الاسماء فجميع هذه [ص 43] العادات اخذ بالقائها واحدة واحدة و شعوره غير المتشكل بشكل توجه الي الحيوانية و النباتية و ظهر بشكل طبايعها و اشكالها و أخذ يقوي تلك الطبايع و اذا اردت ان تعرف الشاهد علي ذلك فانظر الي دفاتر احصاء الجرائم و الجنايات فان الاحصاء للقتل و الجناية و خلاف العفة يزداد عاما بعد عام و الرحمة و الشفقة و المحبة و عرفان الحق و ساير الاخلاق الحسنة يقل يوما بعد يوم الطبايع الحيوانية تتقوي يوما فيوما و جميع العلوم و الشعور تستخدم في تلك الطبايع و الحاكم فيهم هو الطبع الحيواني الرجال لشدة شهوتهم الي النساء يتشكلون بشكلهم يجعلون شعرهم مثل شعرهن و لباسهم مثل لباسهن يتزينون كما يتزين النساء و النساء من عظم شهوتهن الي الرجال يتشكلن بشكل الرجال و يلبسن لباسهم يفتحون صفوفا للشبان و الاطفال يعلمونهم فيه الامور الجنسية و الطبايع التي هي اكثر انحرافا يكتفي رجالها بالرجال و نساؤها بالنساء حتي ان رجال القانون الكبار يضعون القوانين لتجويز افعالهم خلطوا بين البنات و الشبان فحملن بآلاف من الاجنة غير الشرعية و يعالجون الفاسد بالافسد و يجيزون اسقاط الجنين البعض الآخر منهم يريدون ان يقلدوا الحيوانات فيتركوا شعرهم قذرا وسخا ملبدا و يتركوا جميع آداب الانسانية و يصيروا خنافس و لايرضوا ايضا بأن يبقي لهم هذا الشعور الجزئي فيزيلوه بأنواع المسكرات و المخدرات و يجعلوا هدف جميع علومهم امنيات حيوانيتهم و نباتيتهم يقرؤن علم الاقتصاد حتي يهيؤا لهم دراهم اكثر و طعاما اكثر و يتعلموا كيف ينهبون اموال الجهال و يفرغون اكياسهم [ص 44] و يستعملون صنايعهم في صناعة انواع الاسلحة المخيفة حتي يقتلوا بكل نوع منها جمعا اكثر و يبيدوهم او يهددوا بها الضعفاء و يخيفوهم لينصاعوا الي اوامرهم و يقدموا كل ما يمتلكونه اليهم الدول الكبيرة توقع الخلاف بين الدول الصغيرة حتي تقدم كل واحدة نقودها لتشتري منها السلاح فيحارب بعضهم البعض و يسفك دم بعضهم البعض الاخر و يسلبوا راحة بعضهم البعض و الفقير المسكين يبقي ليخدمهم و يعبدهم فان ساعدوا الدول الضعيفة رياءا بلا بدل فذلك من باب تقديم العلف للغنم حتي تسمن ثم يذبحوها و يكون نصيبهم من اللحم الاوفر و اذا رأوا فقرهم الشديد و لايستفيدون منهم فاذا ساعدوهم من جهة و منوا عليهم باسم الانسانية فانهم يأخذون منهم اضعافا مضاعفة من طريق تقليل اسعار المواد الخام التي هي اتعاب و زحمات تلك الملل الضعيفة و لاتظنن ايضا بأن الضعفاء خير من الاقوياء بل هم مثلهم اسيروا طبع الحيوانية فلو تمكنوا لعاملوا الاضعف منهم بنفس المعاملة فأذا كان الاسد يفترس الثعلب فان الثعلب اذا تمكن يخنق الديك و علي كل حال السلطان علي الكل هو الطبيعة الحيوانية و جميع العلوم و الشعور في خدمتها و اما اذا أردت ان تري ايران اليوم فأن الامر منها ايضا علي هذا المنوال فهدفهم جميعا اللحوق بمتمدني قرن العشرين و ان ذكروا اسما لله و الرسول فأن رسمهما ذهب من قلوب اكثرهم يتسابقون مشمرين ليلحقوا باولئك المتمدنين و كل واحد منهم ان قطع فرسخا واحدا في طريقهم فان اولئك يقطعون مائة فرسخ فيتقدمون عليهم بالدنيا و اغلب هؤلاء منجذبون [ص 45] لاولئك و مرعوبون بهم و من غاية ضعفهم عند ما يرون انهم لايصلون الي قوتهم و قدرتهم و علمهم يسعون الي ان يظهروا بشكلهم و لا قبيح عندهم فانه لايفعل احد الاجانب في ذلك الطرف من العالم فعلا الا و صار هنا قدوة ( مودة ) اليوم فان لبست امرأة فاجرة في تلك الجهات من العالم لباسا لبس جميع متمدني هذه البلاد ذلك اللباس و كل زخرف من القول يقال في تلك الجهات يكون هنا وحيا منزلا فالعقل يعتقدون عقل الافرنج و الادب ادبهم حتي انهم ليسوا بصدد آدابهم الشعبية و يتادبون بآدابهم بحيث لايميزون عنهم و ان تمكن احد بان يتكلم باللهجة الانكليزية بحيث لايعرف بانه ايراني و لبس لباسا بحيث يشتبه انه افرنجي و يتصور الاخرون انه امريكي او اوربي فذلك غاية فخره يهيئون لهم جميع انواع المسكرات باسعار عالية و يناولونها في الولائم الفخمة الي الحاضرين ليحتسوها يشترون في بلاد الاسلام لحم الخنزير باسعار اعلي من لحم الغنم فيأكلونه اقتداء بالافرنج يعلمون الاطفال الانكليزية قبل ان يعلموه لغة الام يرسلونه الي الروضة حتي يتكلم هناك اللغة الانجليزية و يدفعون لذلك الاجور العالية و يفتخرون بذلك و ربما لايرسلون هذا الطفل الي ان يكبر و يكمل المتوسطة مرة واحدة الي مسجد او مجلس يذكر فيهما الله و الرسول و عوضا عن ذلك يبيعون ما يملكون و ما لايملكون فيرسلونه الي امريكا و اوربا حتي يكون افرنجيا كاملا و هذا الطفل بهذه التربية اذا كان مجتهدا يبقي هناك فيستخدمه الافرنج و هو يخدمهم و ينسي شعبه و بلاده و ينسي حتي اباه و امه و يتزوج امرأة افرنجية [ص 46] و يلقي دينه و ايمانه و شعبيته و قوميته جانبا بطمع الدراهم و خلاصة المطلب هذا الطفل الذي درس بدراهم هذا البلد و كبر بمائه و خبزه يقدم يديه كلتيهما الي متمولي الافرنج و اذا لم‌يكن مجتهدا فهو يتعلم اخلاقهم الفاسدة و ياتي بها تحفة الي شعبه و من المحتمل ان القليل منهم يرجع و له دين و ايمان و علم و يشتغل بنية الخدمة لاخوانه و الحب لوطنه والله انه ليخرج الشعور من راس الانسان ماادري ما هذا الضعف العام العجيب للنفوس الذي تنشب في هذا الجيل الجديد فصاروا مشغوفين بجمال الاجانب و آدابهم و اخلاقهم و قدموا دينهم و شعبهم و قوميتهم فداء لهم فكما ان المؤمن الموحد يسعي في كسر بيته لاجراء تعاليم الله حرفيا فكذلك هؤلاء يطبقون في كسر بيتهم مع نسائهم و اطفالهم آداب الافرنج حرفيا و لايبقون مقدار ذرة واحدة و الامر الاعجب ان كثيرا من اولئك المتكلمين باسم الدين يفسرون جميع تعاليم الاسلام علي طريقة الاجانب و رويتهم و يجعلون عملهم قدوة يقتدي به السامعون فالعلم يعتقدون علمهم و المنطق منطقهم و يعتقدون بان احكام الاسلام منحصرة باصلاح الجمادية و النباتية و الحيوانية و النظم الاجتماعية التي هي مقدمات حصول الانسانية و ينسون النتيجة الاصلية و مع ذلك فان تلك الاحكام التي يعتقدون بانها الاسلام كله يقولون بان باب العلم بها مسدود و يعتقدون بانهم شركاء مع الله و الرسول و يجعلون ظنونهم بمثابة كلامهما و يدعون الخلق الي العمل بظنونهم و يتهمون دين الاسلام و يقولون الاسلام دين حي و الاجتهاد و العمل بالظن فيه جائز و المجتهد [ص 47] يجتهد في كل حادثة تحدث امامه و يفتي فيها بظن يلائم حاجات اليوم و ظنه هذا هو حكم الله و الرسول و اذا دققت هذا الكلام وجدت معناه ان احكام اليوم اما ان الله لم‌ينزلها او انزلها و الرسول قد قصر في تبليغها و المجتهد بامر عقله الناقص مأمور برفع هذه النقيصة من الاسلام و الحكم الذي لم‌يجوز الله النبي ان يحكم به بدون نزول الوحي جاز لهذا المجتهد بلا وحي من الله ان يضع له حكما بالظن بعقله الناقص مطابقا لوضع هذا اليوم و يجعله حكم الله و يرفع به نقيصة الاسلام فيبقي الاسلام نتيجة لذلك غضا طريا حيا نعوذ بالله من غضب الله فالجماعة التي قائدوها يدعون الناس باسم الله و رسوله يدعون الناس الي العمل بظنونهم علي خلاف سبعين آية في كتاب الله في حرمة العمل بالظن فانظر ما الذي يفعله اولئك الذين تركوا الدين و اعرضوا عن الله و رسوله و اقبلوا علي الحيوانية بالجملة هذا منظر متمدني قرن العشرين و الممالك المتقدمة التي هي قدوة للممالك المتأخرة و هذه حالة اهل مملكتنا الذين يقتدون بهم و يتمنون الوصول اليهم و لكن للمقدمات التي ذكرت لا شئ من هذه الامور غير متوقع و هي لازمة لسير طبيعة الملك و ال محمد عليهم السلام اخبروا عنها في اخبارهم و تنبؤا بها و نري كثيرا مما اخبروا به باعيننا و لكنهم اخبروا ايضا بان الخير كله في هذا الزمان . اقول و علة ذلك ازدياد الشعور و ترقي الافهام و استعد الناس لامور لم‌يكونوا مستعدين لها من قبل و لايطول الامر كثيرا حتي يفهموا ان الطريق الذي يسيرون عليه لا شيء فيه الا الفساد و سيشاهدون [ص 48] ضرره باعينهم و تضيق عليهم العرصة بحيث يرجعون عن هذه الطريقة دفعة واحدة و يفتشون عن شخص ينجيهم من هذه الورطة في وقت ذاب شمع شعورهم و شرع بالتبخر و استعد للاشتعال بنار العقل عندها يخرج الحجة عجل الله فرجه من خلف ستار الغيبة فيظهر امره فكما انه اذا امتلأ جو غرفة او بيت او ناحية ببخار البنزين فبمجرد ان يشعل عود من الثقاب يشتعل جميع الاجواء فكذلك وجود الحجة ايضا الذي هو الشعلة الحاكية للعقل يشعل جميع النفوس المستعدة فتشتعل به و تصبح عاقلة فبعد ما كانت حيوانا تصبح انسانا و تتغير هذه الاوضاع و كما ان الانقلاب يحدث في النبات فيما اذا تعلقت به الروح الحيوانية كذالك يحدث ذلك الانقلاب بل اعظم منه بكثير اذا تعلقت النفس الانسانية الواقعية في هذه النفوس الناطقة و كما ان الحيوانات يمكنها مثلا ان تبصر و تسمع و لايمكن النباتات ذلك كذلك الناس ايضا بعد ان صاروا اناسي صار لهم مشاعر و مدارك لم‌تكن لهم و صار لهم تكاليف بمقتضي ارواحهم الانسانية لم‌تكن لهم من قبل و الامام عليه السلام سوف يبين لهم تلك التكاليف و هذا معني ما ورد في الاخبار بانه ياتي بشرع جديد و كتاب جديد هو علي العرب شديد و الا فان الشرع الموجود الذي بلغ و كل ما يسمع منه بآذان النفوس الناطقة و سمعناه هو باق في محله و القسم الجديد منه قسم غير قابل للسماع بالاذن الحيوانية الناطقة و لا بد من سماعه باذن انسانية فاذا وجدت الروح الانسانية سمعت الصوت فكما ان نور الشمس مثلا و ان ملأ الدنيا فان النباتات لايمكنها ادراكه و لكن بمجرد ان توجد الروح [ص 49] الحيوانية و تحصل علي بصر تري العالم مملوءً بالنور كذلك الامر بالنسبة الي امام الزمان عجل الله فرجه فانه في هذه الدنيا موجود و يشرق نور الله علي القلوب الا انها عمياء و لحد الان لم‌تنفتح عين انسانيتها و طريق انفتاحها تهذيب النفس و اصلاح القابلية حتي تستعد لظهور تلك الروح كما امر عليه السلام في توقيعه الشريف حيث يقول ان اعمالكم غير خافية علينا فاعينونا بعفة و سداد و تقوي و اجتهاد و هذا الامر منه لاصلاح النفوس و تعديلها حتي توجد لها قابلية لظهور الروح الانسانية و تفتح عين حقيقتها و توجد لها مشعر معرفة امامها و لو كان الناس كما في زمن ظهورهم عليهم السلام لايطلب منهم الا المعرفة الظاهرية من معرفة اسمهم و نسبهم و اخلاقهم الظاهرية من قبيل الشجاعة و السخاوة و التواضع و الترحم فلا حاجة الي هذه الغيبة الطويلة لان قدرة الله و قدرة الامام التي هي من قدرة الله ليس فيها نقص حتي تنتظر رفع هذا النقص فعند توفر الاسلحة و اسباب العمل يخرج بالسيف و يقتل الكفار اذ ان هذا الامر كان ميسورا لهم من يوم اول و لكنهم يطلبون الانسانية و انهم مأمورون من جانب الله بالتربية و ايجاد روح الانسانية و هذا العمل بالتعليم و التربية ميسور لا بالقوة و السيف افرض انك تخيف الحيوان و يمتنع من عمل القبيح بالخوف فهذا لايكون انسانا و طول الغيبة لتمام التعليم و التربية فالامام عليه السلام مشغول بوظيفته من جانب الله و هو في توقيعه الشريف قد جعلنا مطمأنين بهذا الامر فقال انا غير مهملين لمراعاتكم و لا ناسين لذكركم غاية [ص 50] الامر ان مدته طويلة فلو امر الشخص بتعليم طفل ليكون مهندسا ماهرا فهذا الامر لايتم في ليلة واحدة فلا بد و ان يتخذ له معلما لمدة سنة حتي يعرف الحروف و يكتب كتابة ناقصة و يودع بعد ذلك عند معلم الصف الثاني ليعلمه القراءة الابتدائية ثم علي هذا المنوال يرسل الي معلم اعلي سنة بعد سنة حتي يستعد بعد اثنتي‌عشرة سنة لتعلم الهندسة و يعلمه معلم الهندسة الكبير الهندسة و لا حاجة له في تلك السنين التي تعلم فيها المقدمات الي تدريس مدرس الهندسة الكبير و التعليمات الاولية ممكنة للمعلمين الصغار ان يعلموها و مواظبة المعلم الكبير و مراقبته و تعيين برنامج الدروس في السنين الابتدائية و المتوسطة و تعيين المعلمين الكفوئين في كل مرحلة لانجاز هذا الغرض كافية فامام الزمان عجل الله فرجه الغائب ليس انه غير مواظب علي امر الامة و انه جالس في كسر بيت بطالا خوفا من الاعداء بل هو بكمال الجد مشغول في اداء امر الله في تربية الامة و هدايتها و امر علماء الامة لتعليم الدروس الابتدائية و كما ان فهم المجتمع و شعوره يترقي كذلك يجعل معلمين راقين للتعليمات الراقية فلو راجعنا كتب علماء الشيعة منذ زمان الغيبة و بعدها لشاهدنا ترقي التعاليم سنة بعد سنة و قرنا بعد قرن كما ذكرت سابقا فان تعاليم الانبياء لاصلاح العمل من الاساس فشرعوا باصلاح الجمادية و بعدها اصلاح النباتية ثم الحيوانية ثم النفس الناطقة ثم النفس القدسية ثم كل ما هم به اعلم و جميع هذه التعاليم بينوها في اقوالهم و اخبارهم و العلماء بينوا في كل دور [ص 51] ما يناسب حال الناس و استعدادهم و شعورهم ففي كتب السنين الاولي نري انهماكهم غالبا بالشريعة الظاهرة يعني الاحكام التي هي لاصلاح الجمادية و النباتية و الحيوانية و انت لو فتحت الكتب الفقهية مع الارشادات التي قدمتها لك لامكنك ان تعرف ان كل حكم لاي شيء فمثلا احكام النظافة و الطهارة و النجاسة و الغسل و الوضوء و المسكن و الملبس و امثال ذلك جاءت لاصلاح ظاهر الجمادية و احكام الشراب و الطعام الحلال و الحرام و امثالها صارت لاصلاح البدن النباتي و تعديله و الاحكام التي وردت في القضاء و الشهادة في انواع العقوبات لتعديل اعتداءات الحيوانية و الاحكام التي ذكروها في الخمس و الزكوة و البر و الصدقات و الامور المالية لاستقرار تعادل المجتمع و تأمين الحيوة لجميع الطبقات و الاحكام التي صارت للنكاح و الطلاق و آداب المعاشرة و امثالها لتسهيل امور المعاشرة و بقاء النوع و امثال ذلك و يوجد احكام اخري مثل الصلوة و ساير العبادات هي لاصلاح النفس و هي و ان ذكرت في الكتب الفقهية الا انها لم‌يذكر منها اكثر من ظاهرها الذي يفهمه المبتدؤن فمثلا كيف يقرؤن الصاد و كيف يلفظون الضاد كيف يؤدون الحروف يرفعون قراءتهم ام يخفضونها كيف يقفون كيف يركعون كيف يسجدون و امثال ذلك و لكن لايوجد في تلك الكتب عن ذكر معاني الصلوة الباطنية و علموا ظاهر العبادات و لكن لما ترقت الافهام شيئا فشيئا ذكرت العبادات النفسانية و اداب السير و السلوك و التخلق بالاخلاق الحسنة و السير و السلوك في طريق الحق اكثر و تصدي علماء اعلي من الفقهاء لبيان هذه [ص 52] الامور و من جملة اولئك العلماء علماء السلسلة الشيخية شرعوا بدروس هذا الدور قبل حوالي مائة و ستين عاما و بالاضافة الي تعليم علوم الدور السابق و الاحكام الظاهرة الشرعية بينوا علوما اعلي في اصلاح النفوس و استخرجوا مطالب دروس هذا الدور من كتاب الله و سنة رسوله و اخبار ال محمد عليهم السلام و بينوها في كتبهم و مواعظهم و دروسهم و صنفوا ما يقرب من تسعمائة و ستين كتابا يوجد منها حوالي ثمانمائة و نيف و طبع الكثير منها و نحن مشغولون بطبع ما تبقي منها و يوجد لدينا اكثر من الفي موعظة و الاف من دروسهم كتبت في مجالس درسهم و مواعظهم و شرعنا بطبعها و تمام مطالبهم هو لغرض المرحلة الآتية للدين يعني السير و السلوك في طريق الحق و معرفة حقائق الاشياء و معرفة الله و صفاته و معرفة النبي صلي الله عليه و اله و الائمة الاطهار عليهم السلام و فضايلهم و مقاماتهم و اغلب ما تحتوي عليه هو قسم من برنامج اصلاح النفس الناطقة و تهيأة النفوس لظهور النفس الانسانية و المعرفة الواقعية للائمة الاطهار عليهم السلام و وجود امثالهم و تعليماتهم هي بنفسها من مبشرات قرب ظهور الامام عجل الله فرجه فهي كضوء الصبح حيث يخبر عن قرب طلوع الشمس المشرقة و لكن بعض قصراء النظر و الذين كانوا مشغولين بتعليم العلوم الابتدائية انكروا بالاصالة وجود صف اعلي بتوهم تعطيل صف درسهم و حسبوا ان جميع احكام الاسلام و حكمة ارسال الرسل و انزال الكتب و خلق السماء و الارض لتعليم مسائل الحيض و النفاس و غسل الجنابة و احكام المعاملات و امثالها و كل من عرفها كان منتهيا [ص 53] و فارغ التحصيل و المعلم لذلك منحصر بهم لا غير و لكنهم غافلون عن ان نتيجة الملك بهذه العظمة ليست هذه الامور الضئيلة و صانع هذا الملك له غرض اعلي من هذا الغرض و هيأ و لايزال يهئ اسباب ذلك و لا فائدة بالعويل و الصياح و الرد و التكفير الا انهم بذلك يقللون من عزتهم و احترامهم كما حصل و علي كل حال هذا السير لايسير الي الوراء و الله يسير هذا الخلق الي الهدف الذي خلقهم من اجله .

اگر ناخدا جامه بر تن درد خدا كشتي آنجا كه خواهد برد

( لو ان الربان يشقق ثيابه - فان الله يوصل المركب الي ما يريد )

و نحن نشكر الله باننا نريد ان نسير بهداية مشايخنا الي الجهة التي يحبها الله و بحماية امام الزمان عجل الله فرجه نقول الحق ما امكن و ندعو دعاء عمليا لتعجيل فرج ال محمد عليهم السلام و لانكتفي بالدعاء اللساني بالجملة فلنقتصر الكلام و مما ذكرت ان شاء الله تتوصل الي طرز تفكرنا و النظر الي العالم بنظرنا بقدر الكفاية و من الكتب التي ارسلها اليك تقف بالتفصيل علي كلمات مشايخنا اعلي الله مقامهم التي جميعها مأخوذة من اخبار ال محمد عليهم السلام و صلي الله علي محمد و اله الطاهرين و اوليائهم الانجبين .

تمت علي يد العبد المسكين عبدالرضا بن ابي‌القاسم بن زين‌العابدين في صباح السابع من رجب الف و ثلاثمائة و واحد و تسعين .

تمت بحمد الله ترجمتها علي يد اقل خدام مؤلفها العبد الجاني علي بن عبدالله الموسوي في العشرة الاولي من شهر صفر سنة الف و ثلاثمائة و سبع و تسعين للهجرة حامدا مصليا مستغفرا .