كتاب اثبات الوصية روي الخاصة و العامة ان الله جل و علا لما أراد أن يخلق سيد ولد آدم محمدا صلي الله عليه و آله أمر جبرئيل عليه السلام أن يأتيه بالقبضة البيضاء التي هي قلب الأرض و نورها فهبط جبرئيل في ملائكة الفراديس عليه و عليهم السلام فقبض قبضة من موضع قبره و هي يومئذ بيضاء نقية ، فعجنت بماء التسنيم و رعرعت حتي جعلت كالدرة البيضاء ثم غمست في جميع أنهار الجنة و طيف بها في السماوات و الأرض و البحار و عرفت الملائكة محمدا و فضله صلي الله عليه و آله قبل أن تعرف آدم عليه السلام و لما خلق الله تعالي آدم سمع من تخطيط أسارير جبهته نشيشا كنشيش الذر . فقال سبحانك ربي ما هذا ؟ قال الله عز و جل هذا تسبيح خاتم النبيين و سيد المرسلين من ولدك و لولاه [ص 143] ماخلقتك و لا خلقت سماء و لا ارضا و لا جنة و لا نارا ، فخذه بعهدي و ميثاقي علي أن لاتودعه إلا في الأصلاب الطاهرة . قال آدم (ع) نعم إلهي و سيدي قد أخذته بعهدك و ميثاقك علي أن لاأودعه إلا في المطهرين من الرجال و المحصنات من النساء و روي ان المحصنات هن صالحات العفايف ، قال و كان نور محمد صلي الله عليه و آله يري في دائرة غرة جبين آدم عليه السلام كالشمس في دوران فلكها و كالبدر في ديجور ليله ، فكان آدم عليه السلام كلما أراد أن يتغشي حواء يتطهر و يتطيب و يأمرها أن تفعل ذلك و يقول يا حواء تطهري فلعل الله ان يستودع هذا النور المستودع ظهري و وجهي عن قليلٍ طهارة بطنك . قال فلم‌تزل حواء كذلك حتي بشّرها الله عز و جل بشيث أبي الأنبياء و رأس المرسلين ففتح لآدم و حواء نهر من الجنة و بسط الله عليهما الرحمة و اجتمعتا في ذلك اليوم فحملت بشيث عليه السلام و كان ابا الانبياء (ع) فاصبح آدم (ع) و ذلك النور مفقود من وجهه و نظر اليه في جبهة حواء فسرّ بذلك و كانت حواء تزداد في كل يوم حسنا و كانت طير الارض و سباع الآجام اليها يشيرون و الي نورها يشتاقون و بقي آدم عليه السلام لايقربها لطهارتها و طهارة ما في بطنها و تأتيها الملائكة كل يوم بالتحيات من عند رب العالمين و تؤتي كل يوم بماء التسنيم من الجنة تشربه حتي خلق الله عز و جل شيثا في بطنها جنينا وحيدا و قد كانت تضع في كل بطن قبل ذلك ذكرا و أنثي ، ما خلا شيثا فإن الله عز و جل خلقه وحيدا كرامة من الله عز و جل لنور محمد صلي الله عليه و آله . فلم‌تزل كذلك حتي وضعت شيثا . فنظرت إلي نور رسول الله صلي الله عليه و آله فلم‌تزل كذلك [ص 144] بين عينيه ، فضرب الله بينهما و بين الملعون إبليس حجابا من النور في غلظ خمس مائة عام ، فلم‌يزل إبليس محبوسا في قرار محبسه حتي بلغ شيث سبع سنين و عمود النور بين السماء و الأرض ، ثم لم‌يزل ذلك النور في الأرض ممدودا حتي أدرك شيث فلما ايقن آدم عليه السلام بالموت أخذ بيد شيث و قال له يا بني إن الله عز و جل أمرني أن آخذ عليك عهدا و ميثاقا من أجل هذا النور المستودع في وجهك أن لاتضعه إلا في أطهر نساء العالمين و اعلم أن ربي عز و جل قد أخذ فيه عليَّ عهدا غليظا . ثم قال آدم عليه السلام ربي و سيدي إنك أمرتني أن آخذ علي شيث من بين ولدي جميعا عهدا من أجل هذا النور الذي في وجهه ، فأسألك أن تبعث إليَّ ملائكة يكونون شهودا عليه . فمااستتم آدم عليه السلام الدعوة حتي نزل جبرئيل عليه السلام في سبعين ألف ملك ، معهم حريرة بيضاء و قلم من أقلام الجنة ، فسلّم عليه و قال له إن الله عز و جل يقرأ عليك السلام و يقول لك قد آن لحبيبي محمد أن ينتقل الي الأصلاب و الأرحام الطاهرة ، و هذه حريرة بيضاء و قلم لك من الجنة تشهد لك بغير كتاب اكتب علي ابنك شيث كتابا بالعهد و الأمانة بشهادة هؤلاء الملائكة و طوي الحريرة طيا شديدا و ختمها بخاتم جبرئيل عليه السلام و كسا شيث حلتين حمراوين من نور الشمس ورقة لجج الماء و زوجه الله عز و جل قبل ان تزول الملائكة بحوراء اهبطها له من الجنة تسمي نزلة فحملت بأنوش . فلما حملت به سمعت الأصوات من كل مكان : هنيئا هنيئا لك ابشري فقد اودعك الله نور محمد المصطفي . و ضرب لها حجاب من النور عن أعين الناس و مكايد الشيطان لعنه الله و كان إبليس لايتوجه في وجه من الأرض إلا نظر إلي [ص 145] ذلك الحجاب مضروبا عليه . فلم‌تزل كذلك حتي وضعت بأنوش . فلما وضعته نظرت الحوراء نزلة إلي نور رسول الله صلي الله عليه و آله بين عينيه . فلما ترعرع دعاه أبوه شيث فقال له يا بُنيَّ إن أبي أمرني أن اتخذ عليك عهدا و ميثاقا ألاتتزوج إلا بأطهر نساء العالمين .فاوصي الله و قبل وصيته . وأوصي كذلك أنوش الي ابنه قينان بمثل ذلك من وصية آبائه عليهم السلام ، و أوصي قينان الي ابنه مهائيل . و أوصي مهائيل ابنه بردا فتزوج بردا امرأة يقال لها برة ، فحملت بأخنوخ و هو إدريس النبي عليه السلام . فلما ولد إدريس عليه السلام نظر أبوه إلي النور يلوح بين عينيه فقال له يا بُنيَّ أوصيك بهذا النور كل الوصاية . فقبل وصيته و تزوج امرأة يقال لها برزعا ، فولدت له متوشلخ . و ولد لمتوشلخ‌لمكا و كان لمك رجلا أشقرا قد أعطي قوة و بطشا . فتزوج امرأة يقال قنسوس بنت تركاسل فولدت له نوحا عليه السلام و تحول اليه نور رسول الله صلي الله عليه و آله ، فلما نظر الي النور في وجهه قال له يا بُنيَّ إن هذا النور هو النور الذي تتوارثه الأنبياء عليهم السلام و هو نور المصطفي محمد صلي الله عليه و آله ينقل بالعهود و المواثيق إلي يوم خروجه ، و إني آخذ عليك عهدا و ميثاقا أن لاتتزوج إلا بأطهر نساء العالمين . فقبل نوح وصية أبيه فتزوج امرأة يقال لها عمودة و كانت من المؤمنات فلما اولدها ساما و فيه نور محمد (ص) فلما نظر نوح عليه السلام إلي النور في وجهه سلّم اليه تابوت آدم عليه السلام و كان التابوت من الياقوت و يقال انها من درة بيضاء ، لها بابان متعلقان مسلسلة من ذهب أحمر ابريز و عروتان من الزمرد و فيه العهد و الديباجة . و زوجه امرأة من بنات الملوك لم‌يكن لها في الحسن شبه فولدت [ص 146] له أرفخشد و سلم إليه التابوت . فتزوج امرأة يقال لها مرجانة ، فحملت بغاير و هو هود النبي عليه السلام ، فلما وضعته سمعت نداء الأصوات من كل مكان : هذا نور محمد (ص) تكسر به الاصنام كلها و يقتل به من طغي و كفر فخرج أجمل قومه جمالا و أشدهم زهرا . فتزوج امرأة يقال لها منساحا فولدت له فالغا و ولد لفالغ شالخ و ولد لشالخ ارغو و ولد لأرغو سروع و ولد لسروع ناحور و ولد لناحور تارخ . فتزوج امرأة يقال لها ادني بنت سمن فولدت له الخليل إبراهيم عليه السلام . فلما ولدت إبراهيم عليه السلام ضرب له علمان من نور : علم في شرق الارض و علم في غربها ، فصارت الدنيا كلها نورا واحدا ، و ضرب له عمود من نور في وسط الدنيا لاحق باعنان السماء ، له إشراق و طنين تهتز الملائكه من حسن طنين ذلك العمود فقالت ربنا ما هذا ؟ فنوديت : هذا نور محمد (ص) . قال و رفع لإبراهيم (ع) كما رفع لآدم من قبل ، فقال : ربي و سيدي مارأيت لك خليقة أحسن من هذه الخليقة ، و لا أمة من أمم الأنبياء هي أنور من هذه الأمة فمن هذا فنودي هذا محمد حبيبي أجريت ذكره قبل أن أخلق سمائي و أرضي و جعلته نبيا و أبوك آدم متردد بين الروح و الجسد ، و لقد لقيته أنت في الذروة الأولي ثم أجريته من صلبك إلي صلب ابنك إسماعيل و كان إبراهيم عليه السلام قد خبر سارة بخبره أن الله عز و جل سيرزقها ولدا طيبا ، فطمعت في نور محمد صلي الله عليه و آله ، و كان إبراهيم عليه السلام قد خبرها بعظيم نوره و بهائه ، فلم‌تزل متوقعة لذلك حتي حملت هاجر بإسماعيل . فلما حملت هاجر اغتمت سارة من ذلك غما شديدا ، فلم‌تزل في أشد الغم و الكرب . فلما [ص 147] ولدت هاجر أدرك سارة الغيرة فأخذها ما يأخذ النساء ، فبكت و قالت يا إبراهيم ما لي من بين الخلق حرمت الولد ؟ قال لها إبراهيم عليه السلام أبشري و قرّي عينا ، فإن الله عز و جل منجز وعده و أنه لايخلف الميعاد . فلم‌تزل سارة كذلك حتي رزقها الله عز و جل إسحاق النبي عليه السلام . فلما نشأ و صار رجلا فأدركت إبراهيم عليه السلام الوفاة و جمع أولاده و هم يومئذ ستة . فلما نظر إبراهيم عليه السلام إلي النور في وجه إسماعيل عليه السلام قال بخ بخ هنيئا لك يا بني قد خصك الله تعالي بنور نبيه محمد صلي الله عليه و آله ، فأنا آخذ عليك عهدا و ميثاقا . فأخذ عليه السلام متمسكا بذلك العهد حتي تزوج هالة بنت الحارث فواقعها ، فولدت له قيدار ، و فيه نور رسول الله صلي الله عليه و آله . فلما نظر إسماعيل إلي النور في وجه قيدار سلّم التابوت إليه و أوصاه بدين الله و سنته ، و أمره أن لايضع النور إلا في أطهر النساء و كان قيدار ملك قومه و سيدهم و كان قد أعطي سبع خصال لم‌يعطها من كان قبله القنص و الرمي و الفروسية و الشدة و البأس و الضراع و الجماع ، و كان قد تزوج بمائتي امرأة من بنات إسحاق و أقام معهن مائتي سنة لايحبلن و لايلدن فبينا هو ذات يوم قد جمع قنصه اذ تلقته الوحوش و الطير و السباع من كل مكان ، فنادته بلسان الآدميين يا قيدار قد مضي عمرك و إنما همتك اللهو و لذة الدنيا ، فماآن لك أن تهتم بنور محمد(ص) أين تضعه ، و لماذا استودعته ؟ فرجع قيدار إلي منزله مغموما مكروبا و حلف بإله إبراهيم أن لايطعم طعاما و لايقرب ايما أبدا حتي يأتيه بيان ما سمع علي لسان الوحوش و الطير فلم‌يزل قاعدا علي فلاة من الارض إذ بعث [ص 148] الله عز و جل إليه ملك الهواء في صورة رجل من اهل الارض لم‌ير قيدار أحسن منه وجها و زيّا و خلقا ، فهبط عليه الملك فسلّم ، فردّ قيدار عليه السلام ، فقعد معه فقال يا قيدار إنك قد زينت بالقوة و البأس و ملكت البلاد ، و نقل إليك نور محمد صلي الله عليه و آله و أنه كائن لك ولد من غير نسل إسحاق عليه السلام ، فلو انك نذرت نذرا و قرّبت لإله إبراهيم قربانا و سألته أن يبين لك من أين لك ذلك التزويج لكان خيرا لك من اللهو و التواني . ثم تركه الملك و قد عرج إلي مقامه . فقام قيدار من مقامه و ساعته و كانت له جمة و جمال و بهاء و كمال و قرّب يومئذ سبعمائة كبش أقرن من الكباش التي ورثها من إبراهيم عليه السلام ، فكان كلما ذبح كبشا جاءت نار من السماء حمراء لا دخان لها في سلاسل بيض فتأخذ ذلك القربان فتصعد به إلي السماء . فلم‌يزل قيدار يذبح و يقرب حتي ناداه منادٍ : حسبك يا قيدار قد استجاب الله منك دعوتك و قبل قربانك ، انطلق الآن من فورك هذا إلي شجرة الوعد فنم في أصلها و أتمر و انته إلي ما تؤمر به في المنام فافعله . فأقبل قيدار حتي أتي الشجرة فنام في أصلها ، فأتاه آتٍ في المنام فقال له يا قيدار إن هذا النور الذي في ظهرك هو النور الذي فتح الله عز و جل به الأنوار كلها و خلق الدنيا و الخلق طرا من أجله و اعلم أن الله جل اسمه لم‌يكن ليخزنه إلا في فتيات (ظ) العربيات فابتغ لنفسك امرأة طاهرة من العرب و ليكن اسمها الغاضرة . فوثب قيدار من نومه فرحاً فرجع إلي منزله و بعث رسلا يطلبون له امرأة من العرب اسمها الغاضرة ، و لم‌يرض برسله حتي ركب علي جواده و أخذ السيف معه شاهرا [ص 149] فجعل يستقري أحياء العرب و ينزل علي قوم و يرحل إلي آخرين حتي وقع علي ملك الجرهميين ، و كان من ولد ذهل بن عامر بن يعرب بن قحطان و له ابنة يقال لها الغاضرة و كانت أجمل نساء العالمين فتزوجها و حملها إلي أرضه فواقعها فحملت بابنه حمل و أصبح قيدار و النور مفقود من وجهه فنظر اليه في وجه الغاضرة فسرّ بذلك سرورا شديدا. وكان عنده تابوت آدم عليه السلام و كان ولد إسحاق ينازعونه في التابوت ليأخذونه و كانوا يقولون إن النبوة قد انتقلت عنكم و ليس لكم إلا هذا النور الواحد فأعطنا التابوت . فكان يمتنع قيدار عليهم و يقول إنه وصية أبي اسماعيل و لاأعطيه أحدا من العالمين فذهب قيدار ذات يوم ليفتح ذلك التابوت فعسر عليه فتحه فناداه منادٍ من الهواء : مهلا يا قيدار فليس لك إلي فتح هذا التابوت سبيل ، انك و صي نبي ، و لايفتح هذا التابوت إلا نبي فادفعه إلي ابن عمك يعقوب إسرائيل الله فلما سمع ذلك أقبل إلي أهله و هي الغاضرة فقال لها انظري إن أنت ولدت غلاما فسمّيه حملا ، و أني أرجو أن يكون نسمة طيبة و حمل قيدار التابوت علي عاتقه و خرج يريد أرض كنعان ، و كان يعقوب عليه السلام بها فأقبل يسير حتي قرب من البلاد ، فصرّ التابوت صريرا سمعه يعقوب عليه السلام ، فقال لبنيه اقسم بالله حقا لقد جاءكم قيدار فقوموا نحوه فقام يعقوب و أولاده جميعا . فلما أن نظر يعقوب إلي قيدار استعبر باكيا و قال ما لي أري لونك متغيرا و قوتك ناقصة ، أرهقك عدو أم أتيت معصيته قال ماأرهقني عدو و لا أتيت معصيته و لكن نقل من ظهري نور محمد صلي الله عليه و آله فلذلك تغيّر لوني و ضعف ركني فقال بخ بخ شرفا لك بمحمد صلي الله عليه و آله ، لم‌يكن الله عز و جل ليخزنه إلا في [ص 150] العربيات الطاهرات ، يا قيدار فأني مبشّرك ببشارة . قال و ما هي ؟ قال يعقوب اعلم أن الغاضرة قد ولدت في هذه الليلة الماضية غلاما . قال قيدار: ما علمك يا بن عمي و أنت بأرض الشام و هي بأرض الحرم من تهامة؟ قال يعقوب لأني رأيت أبواب السماء قد فتحت و رأيت نورا كالقمر الممدود بين السماء و الأرض و رأيت الملائكة ينزلون من السماء بالبركات و الرحمة ، فعلمت أن ذلك من أجل محمد صلي الله عليه و آله . قال فسلّم قيدار التابوت إلي يعقوب عليه السلام و رجع إلي أهله ، فوجدها قد وضعت حملا فلما ترعرع أخذ بيده و انطلق به يريد مكة و المقام و موضع البيت الحرام . فلما أن صار علي جبل ثبير تلقاه ملك الموت عليه السلام في صورة آدمي ، فقال له إلي أين يا قيدار ؟ قال أنطلق بابني هذا فأريه مكة و المقام و موضع البيت الحرام . فقال وفّقك الله و لكن عندي نصيحة فأدن إليَّ ، فدنا منه قيدار ليساره فقبض ملك الموت روحه من اذنه فخرّ ميتا بين يدي ابنه حمل ، قال فغضب حمل من ذلك غضبا شديدا و قال يا عبد الله فتكت بابي قال له ملك الموت (ع) انظر الي ابيك أميت هو ام حي قال فانكب حمل علي ابيه ليعرف حاله فوجده ميتا و عرج ملك الموت إلي سماء . فرفع حمل رأسه فلم‌ير داعيا و لا مجيبا فعلم أنه كان ملكا ، فقعد عند رأسه يبكي ، فقيّض الله عز و جل لقيدار قوما من أولاد إسحاق النبي عليه السلام فغسلوه و حنطوه و كفنوه و دفن في جبل ثبير .

[ص 151] و بقي حمل وحيدا ، فكلاه الله عز و جل حتي بلغ ذكره في العز و الشرف ، فتزوج امرأة من قومه يقال لها حريزة فحملت بابنه نبت . قال فخرج يطلب مواضع آبائه و يحب القنص و الصيد حتي ولد له هميسع و ولد لهميسع أدد و إنما سمّي أدد لأنه كان مادّ الصوت طويل العز و الشرف و ولد لأدد عدنان و إنما سمّي عدنان لأن أعين الاحبار كلها كانت تنظر اليه ، فقالوا إن تركنا هذا الغلام حتي يدرك مدرك الرجال ليخرجن من ظهره من يسود الناس كلهم أجمعين . فأرادوا قتله فوكل الله تعالي به من يحفظه ، فلم‌يقدروا علي حيلة فيه فنشأ احسن اهل زمانه خلقا و خلقا فولد له معدا و إنما سمي معد لأنه كان صاحب حروب و غارات علي يهود بني إسرائيل و لم‌يواقع احدا إلا رجع منصورا مظفرا فجمع من المال ما لم‌يجمعه أحد في زمانه و ولد له نزار و إنما سمي نزارا لأن معدا نظر إلي نور رسول الله صلي الله عليه و آله في وجهه فقرب له قربانا عظيما ، و قال لقد استقللت هذا القربان و أنه لنزر فمن أجل ذلك سمي نزارا فتزوج امرأة من قومه يقال لها سعيدة ، فولدت له مضر و إنما سمّي مضرا لأنه أخذ بالقلب ، فلم‌يره أحد إلا أحبه و كان صاحب قنص و صيد و كان كل رجل منهم يأخذ علي ابنه كتاب عهد أن لايتزوج إلا بأطهر النساء في زمانه . و كانت الكتب بالعهود تعلق في البيت الحرام فلم‌تزل معلقة من لدن إسماعيل عليه السلام إلي أيام الفيل و كان أول من بدّلها و غيّرها و زاد فيها و نقص منها عمرو بن اللحي صاحب استخراج الأصنام من الكعبة . فلم‌تزل كذلك حتي تزوج امرأة من قومه يقال لها خزيمة و تدعي أم‌حكيم فأولدها الياس و إنما سمي الياس لأنه ولد علي يأس و انقطاع فكان يدعي كريم [ص 152] قومه و سيدهم و يسمع من ظهره أحيانا دوي نور رسول الله صلي الله عليه و آله فلم‌يزل كذلك حتي تزوج امرأة يقال لها فرعة فولدت له خزيمة و إنما سمي خزيمة لأنه خزم نور آبائه فلم‌يزل كذلك حتي تزوج بنت طابخة فأولدها كنانة فتزوج كنانة بامرأة يقال لها الحانة فأولدها النضر و إنما سمي النضر لأن الله عز و جل اختاره و ألبسه نضرة و سمي النضر قريشا فكل من ولده النضر فهو قرشي و هو الذي قال رأيت كأنما خرجت من ظهري شجرة خضراء حتي بلغت أعنان السماء و أن أغصانها نور في نور فلما انتبهت أتيت الكعبة و أخبرت من فيها بذلك فقالوا إن صدقت رؤياك فقد صرف إليك العز و الكرم و الشرف و قد خصصت بالحسب و السؤدد فأعطاه الله عز و جل ذلك و نظر الله عز و جل نظرة إلي الأرض فقال لملائكته انظروا من ترون أكرم أهل الأرض اليوم عندي و أنا أعلم و أحكم فقالت الملائكة ربنا و سيدنا مانري أحدا يذكرك بالوحدانية مخلصا إلا نورا واحدا في ظهر رجل من ولد إسماعيل . قال فقال الله عز و جل اشهدوا إني قد اخترته لنطفة حبيبي محمد صلي الله عليه و آله. قال فبسط له الحرم بالعز و الشرف حتي ولد له مالك و إنما سمي مالكا لأنه ملك العرب . و أوصي مالك ابنه فهرا و أوصي فهر إلي لوي و أوصي لوي إلي غالب و أوصي غالب إلي كعب و أوصي كعب إلي مُرة و أوصي مرة إلي كلاب و اوصي كلاب الي قصي و اوصي قصي الي عبد مناف لانه اناف علي الناس و علا فضرب إليه الركبان من أطراف الأرض فأول ولدٍ ولد له هاشم . و إنما سمّي هاشما لأنه أول من هشم الثريد لقومه و كان الناس في جدب شديد و محل من الزمان و كانت مائدته منصوبة وكان يحمل أبناء السبيل و يؤمّن الخائفين و [ص 153] كانت صفته و حليته علي حلية إسماعيل عليه السلام ، فلما خص الله عز و جل هاشما بالنور و اصطفاه علي العرب و فضّله علي ساير قريش قال للملائكة اشهدوا اني قد طهّرت عبدي هذا من دنس الآدميين و احدثت نطفة محمد صلي الله عليه و آله في ظهره و كان يري علي وجهه كالهلال و الكواكب الذي يتوقد شعاعه ، لايمر بشئ إلا سجد له و لايمر بأحد من الناس إلا أقبل نحوه تفد اليه قبايل العرب و ملوك الروم و وفود الدنيا من الاحياء و يحملون اليه بناتهم يعرضونهن عليه و كان يأبي و يقول لا و الذي فضّلني علي اهل زماني لاتزوجت الا باطهر نساء العالمين قال فلم‌يزل كذلك حتي رأي في المنام أن يتزوج بسلمي بنت زيد بن عمرو بن لبيد بن خراش بن عدنان فتزوجها و كانت كخديجة بنت خويلد في زمن رسول الله صلي الله عليه و آله و كان لها عقل و حلم و يسار فواقعها ، فولدت له عبد المطلب و كان هاشم خطب خطبة المعروفة بالمنذرة .

روي هرون عن زكريا الهجري عن ابي‌جميل البحراني باسناد له رفعه الي علي بن جعفر الصادق (ع) قال سمعت اخي موسي عليه و علي آبائه السلام يقول رأي اعرابي رؤيا لهاشم بن عبدمناف فقصّها عليه فقال له هاشم سل اعطك فقال تجيد حلتي و تسد خلتي و تحمل وجلتي قال فامر له بناقة حمراء دريرة يتبعها من نتاجها خمسة ابطن كلها منتج فامر له بمائة نعجة شحمة حلوبة و كساه من حلل صنعاء و عدن و قال له لئن اخّرني الله الي كونه لاجعلنك سيد العرب فلما كان الليل رأي هاشم في منامه كانه رفع اليه لواء فوكزه علي باب داره و كان شهاب نار خرج من ظهره اضاءت له الدنيا و لم‌يبق شيء من الجن و الانس و الطير و الوحش الا صار تحت ذلك اللواء حتي نطحت الشاة الذئب و نبح الكلب الاسد و [ص 154] ورد ذلك الجمع كله شربا واحدا و سمع هاتفا يقول يا ابانضلة علي رغم آناف الذين تحزّبوا سيظهر محمود و ينصر ناصره فلما اصبح هاشم امر مناديا فنادي في شعاب مكة يا معشر اولاد النضر بن كنانة و من سكن مكة من قبايل مكة لايتخلفن احد عن ندائي فلما اجتمع الناس و وافت الركبان من كل مكان خرج عليهم و قد نصب له منبره المركز فجلس عليه ساكنا لايتكلم فقالت قريش يا ابانضلة لامر كان نداك فانبه فلقد ضاقت منه الصدور فقال والله هي عن قريب اضيق اذا حظرت القروم تنفخ شقاشقها و خنس كل ضئيل الحادل يحكّ عجب الذئب فكيف بكم اذا تخلف صرتم كدوحة القاع احاط بها الرعي غنم المرعي فهي تحصد هشيم مهشوش اغصانها فعندها تصفح ذلك الاعلام السهلة محجتها لحافر العير و ظلف المعزي و يتواضع كل شموخ عالي الذروة صعب المرتقي فاذا كان ذلك قرع النبع بالنبع و وارت الزناد حبابها و سار دليل القوم عشيرته و اتبع المتبوع تابعه و اضطربت امواج العرب و اصطكت جنادل قريش فثم تنكر قريش امرها فقالت قريش يا ابانضلة ان سحابك ليرعد يغرق لعشرة فابن القول نعلمه و اشرح الامر نفهمه قال انه لامر عجيب و كاين عما قريب يعز تابعه و يذل دافعه فاذا انار بدره و شد ازره و قاتل فظفر و غزي فنصر فليست مكة لقريش و لتلقين رجالات قريش تمنعها او اصرا لانفه من اتباعه كالابل المعلقة حول قليل لسقي والله والله ليكونن ما اقول و كان قد وليتني له اذا والله حاميت عنه محاماة الاسد عن عرينه و ضاربت دونه مضاربة الجمل الهايج عن النوق الضبع فثم تهم الحاضر بيضها و تثكل المفردة وحيدها و يبكم خطيب العشيرة و يقدم كبير القطيع والله ليكونن و ليظهرن و ان رغمت منه انف رجال حين تهيف بي فلا اجيب قال و خرج فمات بعره فلما ادرك عبد المطلب رآه ابوه يوما في الحجر مكحولا مدهونا قد [ص 155] كسي حلة من حلل الجنة فبقي متحيرا لايدري من فعل به ذلك فاخذ بيده و انطلق به الي كهنة قريش فاخبرهم بذلك فقالوا اعلم يا بانضلة ان اله السماء قد اذن لهذا الغلام بالتزويج قال فزوجه قبله بنت عمرو بن عايشة فولد له الحارث فماتت فزوّجه بعدها عند ابنة عمرو . و حضرت هاشم الوفات فدعي بعبد المطلب و قال له يا بُنيَّ اجمع اليَّ بني‌النضر كلها عبد شمسها و مخزومها و فهرها و لويها و غالبها و هاشمها فجمعهم عبد المطلب و هو يومئذ غلام ابن خمس و عشرين سنة اطول قريش باعا و اشدهم قوة يفوح منه روايح المسك يسطع من دائرة جبينه النور ، قال فلما ابصر هاشم ذلك النور قال معاشر القريش انتم مخ اولاد اسماعيل و اولادي و قد اختاركم الله جل و عز لنفسه فجعلكم سكّان حرمه و بيته و انا ربيبكم و سيدكم فهذا لواء نزار و قوس اسمعيل و سقاية الحاج و مفاتيح الكعبة قد سلمتها الي ابني عبد المطلب فاسمعوا له و اطيعوا امره قال فوثبت قريش فقبّلت رأس عبد المطلب و نثروا عليه ورقا و عينا و قالوا سمعنا و اطعنا ، فكان لواء نزار و قوس اسماعيل و سقاية الحاج و مفاتيح الكعبة كل ذلك يجري علي يديه و كانت ملوك الاطراف و الاكناف جميعا تكاتبه و تهاديه و تعرف له فضله ما خلا كسري صاحب المدائن فانه كان معاندا مكاشفا و كانت قريش اذا اصابها محن او شدة ياخذون بيد عبد المطلب و يخرجونه الي جبل ثبير فيتقربون الي الله عز و جل به و يستسقون فكان الله عز و جل يسقيهم بنور رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم الغيث . و لقد روي من نور رسول الله (ص) عجب يوم قدوم ابرهة بن الصباح الملك الذي قدم لهدم الكعبة و بيت الله الحرام [ص 156] فقال عبد المطلب يا معشر قريش انه لايوصل الي هدم هذا البيت لان له ربا يحفظه و جاء ابرهة الملك فنزل بفناء مكة فاستاق ابلا و غنما لقريش و اربع مائة ناقة حمراء لعبد المطلب فقال فركب في نفر من قومه فلما صار علي جبل ثبير استدارت دائرة غرة رسول الله صلي الله عليه و آله علي جبين عبد المطلب كالهلال و زهر شعاعها علي البيت الحرام كالسراج اذا وقع علي الجدار ضوءه فلما نظر عبد المطلب الي ذلك من نفسه قال معاشر قريش ارجعوا فقد كفيتم فوالله مااستدار هذا النور مني قط الا كان الظفر و قال الملك و قد سأله عبد المطلب في الابل و الغنم جئت لاخرب بيته و شرفه و هو يسألني في الابل فاخبر الترجمان عبد المطلب بذلك عنه قال سألت فيما هو لي و لقومي و البيت لمن يحميه و لايدع احدا يصل اليه و متي تهيأ له الوصول الي البيت و اخربه فليقتلني فيه فاشتد ذلك علي ابرهة ، فبعث اليه ابرهة رجلا من قومه يقال له الحنظلة الحميري و كان شديد البأس فاقبل يسير حتي دخل مكة فسأله عن خير الناس فقيل له عبد المطلب فلما دخل عليه حنظلة حصر و تلجلج لسانه و خرّ مغشيا عليه يخور كما يخور الثور اذا جزّ فلما افاق خرّ ساجدا له فقال اشهد انك سيد قريش حقا ، قال و كان لايدخل مكة احد ينظر الي وجه عبد المطلب الا خرّ له ساجدا اكراما من الله جل و عز لنبيه محمد صلي الله عليه و آله ، ثم ادي رسالة ابرهة الملك الي عبد المطلب فركب في نفر من قومه فلما توسط العسكر سبقه حنظلة و جعل يسعي سعيا حثيثا حتي دخل علي الملك فقال له قد جاءك سيد قريش حقا قال و كيف علمت ؟ قال لأني لم‌ار في الآدميين اجمل منه وجها كان صفاء لونه اللؤلؤ المكنون و اعلم انه لم‌يمرّ بشيء الا خرّ [ص 157] له ساجدا فاخذ ابرهة احسن زينته و اذن له بالدخول فلما دخل عبد المطلب علي ابرهة و هو علي سرير ملكه في قبة ديباج سلّم عليه فردّ ابرهة عليه السلامَ و قام قائما فاخذ بكلتي يديه فاقعده معه علي سرير ملكه فاقبل الملك ابرهة ينظر الي وجهه ثم قال له هل كان في آبائك احد له مثل هذا النور ؟ قال نعم كل آبائي كان لهم هذا النور ، قال ابرهة فانتم قوم قد فاخرتم الملوك شرفا و فخرا ، ثم التفت الي سايس الفيل الابيض و كان عظيما ابيض له نابان مرصعتان بالدر و الجواهر كان يباهي به جميع ملوك الارض و كان من بين الفيلة لايسجد لابرهة فقال له اخرجه ، فاخرجه و قد زين .

فلما نظر الفيل الي عبد المطلب برك كما يبرك البعير و خرّ ساجدا و نادي بلسان عربي مبين : السلام علي النور الذي في ظهرك يا عبد المطلب سيد قريش حُزتَ العز و السناء و الشرف ، فلما سمع ابرهة مقال الفيل وقع عليه الافكل و هي الرعدة فظن ان ذلك سحره ، فبعث من ساعته فجمع له كل ساحر في المملكة و قال لهم حدثوني عن شأن هذا الفيل انه لايسجد لي و قد سجد لعبد المطلب ، قالت له السحرة ايها الملك ان هذا الفيل لم‌يسجد لعبد المطلب و انما سجد لنور يخرج من ظهره في آخر الزمان يقال له محمد (ص) يملك الارض شرقا و غربا و برا و بحرا و سهلا و جبلا و تذل له الملوك و يدين بدين صاحب هذا البيت ابرهيم و ملكه اعظم من ملك اهل الدنيا فتأذن لنا ايها الملك ان نقبّل يديه و رجليه ؟ فاذن لهم ابرهة في ذلك فقامت السحرة فقبّلت يدي عبد المطلب و رجليه و قام الملك متواضعا فقبّل رأسه و امر له باجزل الجوائز و العطايا و ردّ عليه و علي عشايره من قريش ما أخذ منهم و رجع [ص 158] ابرهة من هدم بيت الله و عاد عبد المطلب الي مكة فتزوج هالة بنت الحارث فولدت ابالهب و اسمه عبدالعزّي فخرج كافرا شيطانا و ماتت هالة فتزوج بعدها عدة من النساء و ولد له عدة اولاد ثم نام يوما في الحجر قال فرأيت كانه قد خرج من ظهري سلسلة بيضاء لها اربعة اطراف طرف منها بلغ مشارق الارض و طرف بلغ مغاربها و طرف لحق اعنان السماء و طرف جاوز الثري ، فبينما انا انظر اليها اذ صارت في اسرع من طرفة العين شجرة خضراء لم‌ير الراؤن انضر منها و لا احسن فبينا انا كذلك فاذا انا بشخصين بهيين قد وقفا عليّ فقلت لاحدهما من انت فقال اماتعرفني؟ قلت لا قال انا ابوك نوح رسول رب العالمين و قلت من انت فقال انا ابوك ابرهيم خليل رب العالمين ثم انتبهت فقيل له ان رؤياك ليخرجن من ظهرك من يؤمن به اهل السموات و الارض و ليكونن في الناس علما مبينا .

فرجع عبد المطلب و بقي زمانا لايدري بمن يتزوج حتي رأي في منامه بان يتزوج بفاطمة بنت عمرو بن عاند المخزومي فتزوجها و امهرها مائة ناقة حمراء و حملت منه فولدت اباطالب ثم حملت فولدت الزبير و اقام علي ذلك زمانا لايزول النور عن وجهه فلما كان يوم من الايام رجع من قنصه في الظهيرة و هو عطشان يلهث فرأي في الحجر ماء معينا و شرب من ذلك الماء فوجد برده علي قلبه ثم دخل تلك الساعة علي فاطمة فواقعها فحملت بعبدالله بن عبد المطلب و هو اصغر ولده و اخو ابيطالب لابيه و امه فلما ولدته سر ابوه به سرورا شديدا فلم‌يبق احد من احياء العرب و لا الشام الا علم بمولده و ذلك انه كانت عنده جبة صوف بيضاء مغموسة في دم يحيي بن زكريا عليهما السلام و كانوا يجدون في الكتب ان اذا رأيتم الجبة البيضاء و الدم يقطر منها فاعلموا أن عبدالله بن عبد المطلب (ع) قد [ص 159] ولد فما زالوا يترقبون الجبة علي مرّ السنين حتي اذا صار عبدالله غلاما مترعرعا قدمت عليه الاحياء ليقتلوه فصرف الله كيدهم عنه فرجعوا خائبين لم‌يقدروا في امره علي حيلة و كان تجارة قريش يومئذ بارض الشام فكان لايقدم علي احبار يهود الشام احد من اهل الحرم و تهامة الا سألوه عن عبدالله بن عبد المطلب فيقول بخ بخ تركناه يزداد في قريش تلؤلؤا و حسنا و جمالا و كمالا ، فيقول الاحبار معاشر قريش ان ذلك النور ليس لعبدالله بن عبد المطلب ذلك النور لمحمد نبي يخرج من ظهره في آخر الزمان يغير عبادة الاصنام و يزيل عبادة اللات و العزّي و يبطلها فكانت قريش اذا سمعت بذلك يغشي عليها فاذا رجعت عادت في كفرها ثم يقول القول كما يقولون و رب الكعبة و عبدالله يومئذ اجمل اهل زمانه كلهم قد شغف به نسائهم حتي لقي في زمانه ما لقي يوسف الصديق (ع) من امرأة العزيز في زمانه فقالت السحرة انا متي لم‌نغلب هذا الفتي علي هذا النور الذي بين عينيه تخوفنا ان يسلب علمنا عن قليل و كهانتنا فكانت الكهنة تعرض انفسنا عليه مع المال الكثير فيأباهم و يقول لاسبيل لي الي كلامكم و كان يخبر اباه عبد المطلب بالعجايب فقال له يوما يا ابه اني خرجت من بطحاء مكة فخرج من ظهري نوران احدهما يأخذ المشرق و الآخر المغرب و ان النورين استدارت في ظهري كاسرع من طرف العين فقال له ان صدقت رؤياك ليخرجن من ظهرك خير العالمين و بقي عبدالله علي ذلك زمانا و دهرا ليس لنساء قريش تشوق و لا همة غيره و قدم عليه بعد ذلك سبعون حبرا من يهود الشام فتحالفوا ان لايخرجوا او يقتلوا عبدالله فجاؤا معهم سبعون سيفا مسقاة سما فجعلوا يسيرون الليل و يكتمون النهار حتي نزلوا بفناء مكة و اقاموا .

[ص 160] فلما كان في بعض الايام خرج عبدالله الي الصيد وحيدا فاصاب الاحبار منه خلوة فاحدقوا به ليقتلوه ، فلما نظر الي ذلك وهب بن عبدمناف الزهري و هو ابو آمنة ام رسول الله (ص) ادركته الحمية فقال سبعون رجل يحدقون برجل واحد من اهل مكة لا ناصر و لا معين اشهد لانصرنه عليهم قال فحمل من مكانه لنصرة عبدالله علي اليهود فحانت منه التفاته فنظر الي رجال لايشبهون رجال الدنيا ينزلون علي الارض من السماء فحملوا علي اليهود فقطعوهم اربا اربا ، فلما نظر وهب الي ذلك رجع الي اهله مبادرا فخبرها بالخبر و قال انطلقي الي عبد المطلب فاعرضي عليه ابنتك لابنه عبدالله لعله يتزوجها قبل ان يسبقنا اليهم قوم آخرون فتكون الحسرة الكبري و المصيبة العظمي فجائت برة الي عبد المطلب فعرضت ابنتها عليه و هي آمنه فقال عبد المطلب لقد عرضت امرأة لايصلح لابني من النساء غيرها فزوجها اياه علي مائة ناقة حمراء فلما ابتني عبدالله بفاطمة مرض نساء قريش و تلف خلق منهن و من غيرهن اسفا اذ لم‌يتزوجهن عبدالله و اعطي الله عز و جل آمنة بنت وهب من النور و الجمال و البهاء و الكمال ما كانت تدعي سيدة قومها و بقي عبدالله علي ذلك سنين و نور محمد (ص) بين عينيه لايخرج الي بطن قومها حتي يأذن الله عز و جل لذلك النور ان ينزل من ظهر عبدالله الي بطن آمنة في ذي الحجة عشية عرفة و ليلة جمعة و امر الله تبارك و تعالي رضوان خازن الجنة عليه السلام ان يفتح ابواب الجنة و فتحت ابواب السماء و الفراديس كلها و بشرت الارض بان النور المكون منه رسول الله (ص) الليلة ليستقر في بطن آمنه امه و اصبحت يومئذ اصنام قريش و اصنام الدنيا كلها منكوسة مصفودة فيها شياطينها و اصبح عرش ابليس اللعين منكوسا اربعين يوما و افلت محترقا هاربا حتي اتي جبل ابي‌قبيس فصاح صيحة اجتمع اليه كل شيطان مريد فقالوا يا سيدهم ما ذا الحال فقال ويلكم هلكتم بهذه المرأة هلاكا لم‌تهلكوا مثله قط قالوا ما القصة ؟

[ص 161] قال هذا محمد (ص) مبعوث بالسيف القاطع الذي لاحيوة بعده و آمنة امه هي التي لعنني ربي من اجلها و جعلني شيطانا رجيما يظهرون الوحدانية و لايشركون بربهم شيئا و سيأتي من هذا النبي و من امته ما يسخن عيني و قلبي فالي اين المفر و الملجأ فقالت له عفاريته يا سيدهم طبْ نفسا و قرّ عينا فان الله جل و عز خلق ذرية آدم علي سبعة اطباق و لكل طبق منهم جزء مقسوم و قد مضت ستة اطباق و كانوا اشد من هؤلاء و اكثر جمعا و اولادا و قد استوثقنا منهم و لابد من ان يستوفي الطبق السابع ، قال ابليس فكيف تقدرون عليهم و فيهم الخصال الجميلة الامر بالمعروف و النهي عن المنكر ؟ قالت العفاريت نأتي العالم من جهة علمه و الجاهل من جهة جهلة و صاحب الدنيا من جهة الدنيا و نأتي الزاهد من جهة زهده و صاحب الزنا من زنائه قال ابليس انهم يعتصمون بالله وحده قالت العفاريت فان اعتصموا بالله ثبتنا فيه الاهواء الضالة المضلة فضحك ابليس و قال اقررتم عيني و كانت قريش في جدب جديد من الزمان و محل و قحط فسميت السنة التي فيها حمل رسول الله (ص) سنة الفتح و الاستبهاج و ذلك ان الارض في تلك السنة اخضرت و حملت الاشجار و وافاهم الوفود من كل مكان فخصبت مكة و اكنافها خصبا عظيما و كان عبد المطلب اذ ذاك يستسقي به و قبل ان ينتقل منه النور الي ابنه عبدالله .

[ص 162] ما روي من يعقوب بن جعفر بن سليمان الهاشمي عن جده قال حدّثني ابي علي بن عبدالله عن عباس عن ابيه عبدالله بن عباس قال قحطت بلاد قيس و اجدبت جدبا شديدا فلم‌يصيبهم سماء يعقد الثري و لاينبت الكلا فذهب اللحم و ذاب الشحم و تهافتوا ضرا و هزلا فاجتمعت قيس للشورة و اجالة الرأي و عزموا علي الرحلة و انتجاع البلدان فقالت فرقة منهم معشر قيس غيلان انكم اصبحتم في امر ليس بالهزل هذا امر عظيم خطره بعيدٌ منظره و قد بلغنا ان عبد المطلب سيد البطحاء استسقي فسقي و دعي فاجيب و شفع فشفع فاجلعوا قصدكم اليه و اتكالكم عليه و استشفعوا به كما استشفع به غيركم فقالوا اصبت الرأي فأتوا عبد المطلب و قالوا افلح الوجه اباالحارث نحن ذووا ارحامكم الواشحات اصابتنا سنون مجدبات اهزلن السمين و افقرن المعين و قد بلغنا خبرك و بان لنا اثرك فاشفع لنا الي مشفعك فقال لهم موعدكم جبل عرفات ثم خرج في بنيه و بني بنيه حتي اتي جبل عرفات فرفع عبد المطلب يديه ثم قال اللهم رب الريح العاصف و البرق الخاطف و الرعد القاصف منشئ السحاب و مالك الرقاب و خالق الخلق و منزل الرزق و الحق هذه مضر خير البشر تشكو شدة الحال و كثرة الامحال قد احدودبت ظهورها و شعثت شعورها و هزل سمنها و افقر معينها و غارت عيونها و قد خلفوا نساء ظلعا و بهائم رُتّعا و اطفالا رُضّعا اللهم فاتح لهم ريحا خرّارة و سحابة درارة تضحك ارضهم و تذهب ضرهم قال فمابرحوا حتي نشأت سحابة دكنا فيها دوي شديد فقال عبد المطلب آية هذا اوان حزيرك فسح ثم قال ارجعوا معاشر قريش فقد سقيت ارضكم فرجعوا و قد فعل الله بهم ذلك ، فانشأ ابوطالب يقول :

[ص 163]

ابونا شفيع الناس حين سقوا به من الغيث رجّاس العشير بكور

و نحن سنين المحل قام شفيعنا بمكة يدعو و المياه تغور

فلمتبرح الاقدام حتي رأوا بها سحابات مزن صوبهن درور

و قيس اتتنا بعد ازم و شدة و قد عضّها دهر اكب عشور

فما برحوا حتي سقي الله ارضهم بشيبة غيثا فالبنات نضير

و كان صاحب احكام قريش يخرج في كل يوم فيطوف بالبيت و كان ينظر الي جمال شخص رسول الله (ص) ممثلا بين عينيه كانه قطعة نور فكان يقول معاشر قريش اني اذا خرجت اطوف انظر الي جمال شخص بين عيني كانه النور فيقول قريش و لكنا نحن لانري مثل ما يري عبد المطلب قال ابن‌عباس فكان من دلايل حمل محمد (ص) ان كل دابة كانت لقرشي نطقت في تلك الليلة بان قالت حمل بمحمد (ص) برب الكعبة و هو زمان الدنيا و صلاح اهلها و لم‌يبق كاهنة في قريش الا حجب عن صاحبها و انتزع علم الكهانة منها و مرت وحش المشرق الي وحش المغرب بالبشارات و كذلك اهل البحار بشّر بعضهم بعضا بحمل محمد (ص) .

و روي عن العالم (ع) انه قال لما اراد الله عز و جل ان يظهر السيد محمد (ص) انزل قطرة من تحت العرش فالقاها علي ثمرة من ثمار الارض فأكلها ابوه فلما واقع آمنة و صارت في الموضع الذي خلقه الله جل و علا فيه و مضي لها اربعون يوما سمع الصوت في بطن امه فلما مضي له اربعة اشهر كتب علي عضده الايمن و تمت كلمة ربك صدقا و عدلا لامبدل لكلماته و هو السميع العليم فلما ظهر بامر الله جل و عز رفع له في كل بلدة عمود من نور ينظر به الي اعمال العباد .

[ص 164] و روي عن آمنة بنت وهب انها قالت لما قربت ولادته (ص) رأيت جناح طاير ابيض قد مسح علي فؤادي و كان قد دخلني رعب فذهب الرعب عني و اتيت بمشربة بيضاء كانها لبن و كنت عطشي فناولينها مناول فشربتها فاضاء مني نور عال ثم رأيت نسوة كاطول النخل يحدثني فعجبت و جعلت اقول في نفسي من اين علم هؤلاء بموضعي ثم اشتد بي الامر و انا اسمع الوجبة في كل وقت حتي رأيت كالديباج الابيض قد ملأ ما بين السماء و الارض و قائل يقول خذوه من اعين الناس ثم رأيت رجالا وقوفا في الهواء بايديهم اباريق ثم كشف الله لي عن بصري ساعتي تلك فرأيت مشارق الارض و مغاربها و رأيت ثلاثة اعلام منصوبة علما في المشرق و علما في المغرب و علما علي ظهر الكعبة ثم خرج صلي الله عليه و آله فخرّ ساجدا لله جل ذكره و رفع اصبعه الي السماء كالمتضرع المبتهل و رأيت سحابة بيضاء تنزل من السماء حتي غشيته و سمعت مناديا ينادي طوفوا بمحمد صلي الله عليه و آله شرق الارض و غربها و البحار ليعرفوه بصورته و اسمه و نعته ثم تجلت له عنه الغمامة و اذا انا به في ثوب ابيض اشد بياضا من اللبن و تحت حريرة خضراء و قد قبض علي ثلاثة مفاتيح من اللؤلو الرطب و قائل يقول قبض محمد صلي الله عليه و آله علي مفاتيح الجنة و مفاتيح النصر و مفاتيح النبوة و مفاتيح الريح ثم اقبلت اخري انور من الاولي و سمعت مناديا ينادي طوفوا بمحمد (ص) المشرق و المغرب و اعرضوه علي روحاني الانس و الجن و الطير و السباع و اعطوه صفاء آدم و رقّة نوح و خلّة ابرهيم و لسان اسمعيل و جمال يوسف و بشري يعقوب و صوت داود و صبر ايوب و زهد يحيي و كرم عيسي ثم انكشف عنه فاذا انا به و بيده حريرة خضراء قد طويت طيا [ص 165] شديدا و قد قبض عليها و قايل يقول قد قبض محمد (ص) علي الدنيا كلها و لم‌يبق شيء الا دخل في قبضته ثم أتاني ثلثة نفر كان الشمس تطلع من وجوههم في يد احدهم ابريق فضة رايحته كالمسك و في يد الثاني طست من زمرد خضراء لها اربعة جوانب في كل جانب لؤلؤة بيضاء يقول هذه الدنيا فاقبض عليها يا حبيب الله فقبض علي وسطها فقال قايل قبض علي الكعبة و رأيت في يد الثالث حريرة بيضاء مطوية نشرها و اخرج منها خاتما تحار ابصار الناظرين فيه ثم حمل ابني فغسل بذلك الماء من الابريق سبع مرات ثم ختم بين كتفيه بالخاتم و لفف في الحريرة و ادخل بين اجنحتهم ساعة .

و روي عن العالم (ع) ان الفاعل به ما فعل من الغسل رضوان (ع) ثم انصرف و جعل يلتفت اليه و يقول ابشرْ يا عزّ الدنيا و شرف الآخرة و ولد صلي الله عليه و آله طاهرا مطهرا و روي ان الوصي الذي كان هو صاحب الزمان في ذلك الوقت هو ابي فلما ولد (ص) خبر ثقاته بامره ثم صار بابا له (ع) و كان ذلك الوصي حجة له في الظاهر و بابا في الباطن لان رسول الله (ص) لم‌تكن حجة عليه قط و لاكان الا حجة فكان (ص) منذ وقت ولادته الي ان نطق بالرسالة حجة علي الوصي و علي ثقات الوصي و ذلك الوصي حجة علي الخلق في الظاهر و باب السيد عليه السلام محجوج به في الباطن .

[ص 166] و روي عبد المطلب انه قال كتب في ليلة ولادة ابني محمد (ص) في الكعبة ارم من البيت شيئا فلما انتصف الليل اذا انا بيت الله الحرام قد استمال بجوانبه الاربعة و خرّ ساجدا في مقام ابرهيم (ع) ثم استوي كما كان فسمعت منه تكبيرا عظيما الله اكبر الله اكبر رب محمد المصطفي الآن طهّرني الله ربي من انجاس المشركين و رجسات الجاهلية ثم انقضت الاصنام كما تنتقض البيوت فكاني انظر الي الصنم الاعظم هبل و قد انكسف فلما رأيت البيت و فعلها لم‌ادر ما اقول و جعلت احسر عن عيني و اقول اني لنائم ثم اقول كلا اني ليقظان ثم انطلقت الي بطحاء مكة و خرجت فاذا انا بالصفا تتطاول و المروة ترتج و اذا انا انادي من كل جانب يا سيد قريش مالك كالخائف الوجل مطلوب انت و لا احير جوابا انما همتي آمنة حتي انظر الي ابنها محمد (ص) و اذا انا يطير الارض حاشرة اليها و اذا انا بجبال مكة مشرقة عليها و اذا انا بسحابة بيضاء بازاء حجرتها فلما رأيت ذلك دنوت من الباب فاطلعت فاذا انا بآمنة قد غلقت الباب علي نفسها ليس بها اثر النفاس و الولادة فدققت الباب فاجابت بصوت خفي فقلت عجّلي و افتحي الباب فاول شيء وقعت عيني عليه من وجهها فلم‌اره موضع نور محمد (ص) فقلت انا نائم يا آمنة ام يقظان قالت بل يقظان ما لك كالخائف الوجل مطلوب انت قلت لا و لكني منذ ليلتي في كل ذعر و خوف و مالي لااري النور الذي كنت اراه بين عينيك ساطعا قالت قد وضعته قلت و كيف و ليس بك اثر نفاس و ماانكر من امرك شيئا قالت بلي قد وضعته اتم الوضع و اطيبه و اسهله و هذه الطير التي تراها بازائي تنازعني ان ادفعه اليها فتحلمه الي عشاشها و هذه السحاب تسألني مثل ذلك قال عبد المطلب فهاتيه حتي انظر اليه قالت آمنة حيل بينك و بينه [ص 167] ان تراه لانه اتاني آتٍ كانه قضيب فضة او كالنخلة الباسقة فقال لي انظري يا آمنة لاتخرجيه الي خلق من ولد آدم حتي يأتي عليه منذ ولد به ثلثة ايام فغضب عبد المطلب من قولها و قال تخرجينه اليَّ او لاقتلن نفسي فلما رأت الجد منه قالت شأنك و اياه هو في ذلك البيت مدرج في ثوب صوف اشد بياضا من اللبن تحته حريرة خضراء قال عبد المطلب فقصدت لألج الباب فبدر اليَّ من داخله رجل فقال لي مكانك و ارجع فلا سبيل لاحد من ولد آدم الي رؤيته ثلثة ايام او تنقضي زيارة الملئكة له قال فارتعدت جوارحي و خرجت مبادرا لأخبر قريشا بذلك فاخذ الله عز و جل بلساني فلم‌انطق بخبره سبعة ايام بلياليها .

و روي ان السيد محمد (ص) ولد مع طلوع الفجر من يوم الاثنين مطهرا و روي يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول في عام الفيل و هو عام الفتح و هو اصح فعظمت قريش في العرب و سموا آل الله جل جلاله و دفعه عبد المطلب الي حليمة بنت ابي ذويب و كان من حديثها في ارضاعه ما رواه الناس و شرح في كتاب الدلايل النبوة (ص) و دلايله في نحو مائتي ورقة بروايات المشايخ الثقات و مات ابوه و امه و هو صلي الله عليه و آله صغير السن و كفّله جده عبد المطلب مدة قليلة ثم عمه ابوطالب الي ان بعث و امره الله تعالي باظهار امره و تبليغ رسالاته فروي عن العالم (ع) انه قال ان الله جل و علا يتم نبيه صلي الله عليه و آله لئلاتكون عليه رياسة لاحد من الناس .

[ص 168] انتهي ما وجدته في اثبات الوصية في محل الحاجة ذكرت تمام الكلام لئلايفوت المرام في اسماء جدات نبينا صلي الله عليه و آله . و الي هنا ختمت الكتاب و انا العبد المؤلف المذنب الراجي حسين بن جعفر الموسوي اليزدي في الثامن من شهر ذي القعدة سنة ١٣٢٤ في بلدة يزد .

( جديد شهريور ١٣٩٥ )