تعرضت عن قولي بليلي و تارة بهند فلا ليلي عنيت و لا هندا

اقول ان الاشارة هذه كالشرارة من النار في القلوب لينتفعوا بها يوما ما ثم اعلم ان كل دورة من الشمس اثناعشر من دورة القمر يعني ان كل نبي من اولي الشرايع له اثناعشر وصيا يعني ان كل شريعة تكمل في هذه المدة ثم ترسخ في الاذهان ثم بعدها تأتي ( ثم يحتاج الي خ‌ل ) دورة اخري علي نحو آخر و هكذا و حيث كانت الشريعة دائمة مستمرة الي نفخ الصور من دون نسخ وجب ان يظهر في كل دورة اثناعشر مائة مبدأ كل دورة علي نحو آخر و طور وراء طور الدورة الاولي كل ذلك من شريعته (ص) و ذلك ( لم‌يكن قبل ذلك خ‌ل ) كولوج الروح في الجسد بعد تمامية الجسد و كماله ثم شيئا [ص 241] فشيئا يترقي الي تمام الاثني‌عشر دورة و هكذا و لايخفي ان الدورة الدورة الآتية مطلقا بالنسبة الي الدورة الاولي حكمها في مقام و درجة بحيث لو اظهره مظهر ذلك الحكم قبل ظهور الدورة الثانية و اهلها ينكره اهل الدورة الاولي فيقولون ان هذا محال كما تري ذلك في الابريسم بعد ما كان شيئا مجملا قبل صيرورته شليلا تراه و لكنك لاتعقل انه ينحل و يطول فلما جعلته في القدر و جعلته شليلا ثم يعمل فيه النساج ثم الخياط تري امرا آخر لم‌يمر بخيالك ابدا فاذا رأيت ثم رأيت نعيما و ملكا كبيرا و كذلك الجنين في بطن الام لان غذاءه من دم الحيض من السرة ثم بعد الخروج ينقلب الدم لبنا خارجا من الثدي يمصه بفمه ثم اذا ارادت امه ان تغذيه بالخبز و نحوه تمضغه امه و تترجمه في فمها ثم تغذيه ( و نحوه تترجمه امه بمضغها في فمها مع لعاب فمها فتغذيه خ‌ل ) فلما كبر الطفل و يتقوي يتغذي من الاطعمة اللذيذة الا اذا كان مريضا ( فاسد المعدة و المزاج خ‌ل ) فانه لا بد ان يعدله الطبيب بتشريب المنضجات و المسهلات و العلاجات النافعة و اما الجنين فلو تغذي من غير الحيض لايسعه فانه يموت بل و لايجد غير الدم و كذلك اذا لم‌يشرب الحليب بعد خروجه من البطن الي الدنيا و هكذا و تلك الامثال نضربها للناس و مايعقلها الا العالمون قال عليه السلام في قول الله عز و جل (( فلينظر الانسان الي طعامه )) قال قلت ما طعامه قال (ع) ينظر الي علمه ممن يأخذه ، فلما عرفت المثال ثم علمت ان العلم غذاء للروح علمت بالتفكر ان درجات العلوم و ترقيات الانسان كتفاوت الاطعمة و ترقيات الجسد لان العلوم غذاء للروح كما ان الاغذية المعروفة ( غذاء ظ ) للجسد حرفا بحرف الاتري ان الافهام كيف زادت و ترقت في زماننا بحيث يعرف [ص 242] اهل هذا الزمان في سنة ما لايعرفه ( ما يعرفه خ‌ل ) اهل زمان السابق في عمره و لا ريب ان اسباب الاستنباط من اللغات و الرجال و النحو و الصرف و سائر المقدمات و القواعد الاصولية كثرت و وضحت بحيث لايحتاج المستنبط الا الي النظر و المطالعة من دون تعلم من المعلمين و ذلك اذا عرف اللفظ في الجملة و كان له سليقة مستقيمة كان غنيا في ذلك و لا ريب ان الاجتهاد الآن في زماننا اسهل ما يكون لان العلماء شكر الله مساعيهم الجميلة دونوا و جمعوا ما يحتاج اليه الناس حتي انهم نقحوا ( فصلوا و ميزوا خ‌ل ) صحاح الاحاديث من ضعافها و حسنها من غيرها ثم نقحوا طريق الاستنباط و اسبابه تنقيحا بلغ الي الغاية و وصل الي النهاية بحيث ان كان عنده كتاب واحد كالحدائق او الشرح الكبير مثلا لكفي قطعا للجامعية و الشمول نعم انما يحتاج الي العدالة التي هو الاصل و المراد بالعدالة هنا هو الملكة الراسخة التي تمنعه عن الاقتحام في المعاصي و السيئات و هذا امر صعب جدا لايقال ان كل مجتهد يجب ان يكون عادلا ثقة لانا نقول نحن نري الآن ان المجتهدين كثيرون مع ذلك يخالفون ضرورة الاسلام كما اسلفنا فارجع فالملكة شرط عظيم للمجتهد و اما حسن الظاهر و ان كان يكفي في اثبات العدالة ظاهرا الا انه لايكفي في الاجتهاد بالنسبة الي الاتباع من حيث التقليد و جعله واسطة بينه و بين ربه و بالجملة فلما كانت الاسباب سهل الوصول في زماننا لكل طالب اراده وجب الاجتهاد و الاستنباط للناس الا المستضعفين منهم فبناء علي سهولة الاسباب و تناولها كانت شهرة المتأخرين اقدم و ارجح عند التعارض مع شهرة [ص 243] المتقدمين هذا اذا كان البناء علي القول بالتعارض فالمتقدمون و ان كانوا اقرب زمانا الي المعصوم او الي ادراكه او ادراك القرائن و لكنهم لم‌يتمكنوا من العلم كما نحن الآن متمكنون منه و ذلك انهم قد وقعوا في شدة التقية و ضعف الاسلام و قوة اهل الباطل عرف ذلك من تتبع الاخبار و جاس خلال ديار الاخيار و احوال اولئك الابرار في الجملة و بالجملة مناط التقليد الوثاقة و العدالة اي لا بد و ان يكون صاحب المقام واجدا بل واقفا علي النفس القدسية ثم يكون ورعا ثم يكون في نفسه داع الي ترك المعاصي و المنهيات ليكون مأمونا علي الدماء و الفروج و اموال المسلمين ليكون نائبا للامام (ع) و قائما مقامه حتي لايقع في الحشر في معرض خطاب الله للخلق ءالله اذن لكم ام علي الله تفترون و بالجملة كان الكلام في المروج فنقول لا بد و ان يكون في زماننا الآن مروجا كما هو صريح الحديث المعمول به و لا نسخ له في العمل به مع انه متفق عليه بين الفرقة الحقة و لا شك انه موجود و هو المروج المرفوع المنصوب من الله و هو غير مجرور و غير منصرف و انما اعداؤه مخفوضون مجرورون مكسورون و هو الذي يصدق جميع ما اتي به الاولون فروعا و اصولا فانظر الآن في اقطار الارض و اكنافها ثم مناكبها هل تري من مروج يحيي العلوم و يعلم بما جاء به النبي (ص) و يظهر جهات هذه الشريعة و وجوهها التي كانت مخفية علي الناس قبل ذلك و هذا لايقال انه نسخ كما كان (ص) مأمورا علي ان يصلي مدة الي (ظ) بيت‌المقدس ثم يعدل منه الي مكة ثم امر لكل وصي من اوصيائه ان يبرزوا حكما من احكامه في زمان من الازمنة علي ملاحظة مصالح الناس و المكلفين كما ان مولانا الصاحب اذا ظهر يجدد الدين و يظهر احكاما اخر [ص 244] من هذه الشريعة التي كانت في زمن رسول الله (ص) مخفية لايقال لو كانت هذه الاحكام موجودة فما معني ظهورها و ابرازها و لولاكانت موجودة ( غير موجودة ظ ) ما معني بيانها اذ ليس شئ اصلا حتي يحتاج الي البيان لانا نقول ان رسول الله صلي الله عليه و آله كان رسولا علي تبليغ ولاية علي عليه السلام كما يعلم من قوله تعالي يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك فان لم‌تفعل فمابلغت رسالته و الله يعصمك من الناس فهو (ص) مع هذا الامر و العصمة عن شرهم ماابرزها الا بعد ثلث و عشرين سنة في حجة الوداع فالجواب الجواب و نحن قد بينا سابقا ان الامكان تدريجي يترقي شيئا فشيئا يترقي ( و يعلو خ‌ل ) امرا فامرا و هذا بديهي و لكن اكثر الناس لايعقلون بل و اذا نبههم منبه لايشعرون فاذا كان الناس اهل البصيرة و النظر و رأوا ان الله حكيم يزيد الاشياء و يرقيها شيئا فشيئا كما مثلنا بالجنين و الابريسم نعم و لكنه كما قال تعالي و كأين من آية في السموات و الارض يمرون عليها و هم عنها معرضون نعم قال تعالي فيهم و لقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن و الانس لهم قلوب لايفقهون بها و لهم اعين لايبصرون بها و لهم آذان لايسمعون بها اولئك كالانعام بل هم اضل اولئك هم الغافلون فلولاهم محجوبين غافلين لشاهدوا ما قلنا و بالجملة في رأس كل مئة لا بد من وجود مروج كما ذكرت فاما في هذه المائة فالحمد لله ظهر ذاك الطود العظيم فاظهر ما كان مخفيا من الشرايع و الاحكام و ابرز ما كان كسادا من العلوم و منبوذا من الرسوم ،

تعرضت عن قولي بليلي و تارة بهند فلا ليلي عنيت و لا هندا

و صلي الله علي محمد و آله .

[ص 245]
اليوم التاسع و العشرون من شهر رمضان من سنة

١٢٥٧

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالي : ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا و هدي للعالمين فيه آيات بينات مقام ابرهيم و من دخله كان آمنا و لله علي الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا و من كفر فان الله غني عن العالمين .

قلنا ان من شرايط دخول البيت الايمان و قلنا ان الايمان لايتحقق الا باربعة اركان الركن الاول لا اله الا الله و الركن الثاني محمد رسول الله (ص) و الركن الثالث علي ولي الله و الركن الرابع اوالي من والوا و اعادي من عادوا فاما الاركان الثلثة الاول فهي معلومة ظاهرة لكل احد و لكن الركن الرابع هو الداء العضال و محنة الرجال و زلة الابدال هيهنا مسئلتان احدهما علة كون الاركان اربعة مع ان المقصود هو الله ( المعبود خ‌ل ) تعالي و ان الايمان هو معرفة الله تعالي وحده لا شريك له و ثانيهما تعيين الركن الرابع بالعلامات و الصفات فاما الاولي فنقول ان علة التكاليف الاربعة بالاركان الاربعة اختيار المؤمن الحقيقي عن المنافق و لهذا لما عرض علي الخلق لا اله الا الله و كلفهم به كثير من الخلق انكروا و اعرضوا فصاروا كفارا رأسا و الذين اقروا و آمنوا بلا اله الا الله هؤلاء لما اراد الله سبحانه ان يختبرهم اختبرهم (ظ) بتكليف محمد رسول الله (ص) فلما عرض عليهم التكليف هذا خرج كثير من الناس من ايمانهم الظاهري و اظهروا نفاقهم منهم البراهمة الذين انكروا الانبياء رأسا و العمدة في الاختبار اخراج ضغائن الصدور و ابراز نفاق القلوب فلما كان المقرون بمحمد صلي الله عليه و آله كثيرين اختبرهم بعلي (ع) بالايمان به لان الايمان بالله لايتم الا بالايمان بمحمد (ص) و الايمان بمحمد (ص) لايتم الا بالايمان بعلي (ع) فلما عرض عليهم هذا انكرت جماعة كثيرون فاما الذين آمنوا لا بد من اختبارهم الم أحسب الناس ان يتركوا ان يقولوا آمنا و هم لايفتنون [ص 246] و لقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا و ليعلمن الكاذبين ام حسبتم ان تتركوا و لمايعلم الله الذين جاهدوا منكم و لم‌يتخذوا من دون الله و لا رسوله و لا المؤمنين وليجة و الله خبير بما تعملون ام حسبتم ان تدخلوا الجنة و لمايأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء و الضراء و زلزلوا حتي يقول الرسول و الذين آمنوا معه متي نصر الله الا ان نصر الله قريب ام حسبتم ان تدخلوا الجنة و لمايعلم الله الذين جاهدوا منكم و يعلم الصابرين ام حسب الذين في قلوبهم مرض ان لن‌يخرج الله اضغانهم و لو نشاء لاريناكهم فلعرفتهم بسيماهم و لتعرفنهم في لحن القول و الله يعلم اعمالكم و لنبلونكم حتي نعلم المجاهدين منكم و الصابرين و نبلو اخباركم ماكان الله ليذر المؤمنين علي ما انتم عليه حتي يميز الخبيث من الطيب الآية ، فلما اختبرهم في ايمانهم بمحمد (ص) بالايمان لعلي عليه السلام انكروا منهم كثيرون فعرفنا انهم (ظ) لم‌يؤمنوا برسول الله و الا كانوا قبلوا منه قوله فيما اراد منهم من ولاية علي عليه السلام ما آتيكم الرسول فخذوه فلما لم‌يؤمنوا بمحمد (ص) عرفنا انهم لم‌يؤمنوا بالله لانه تعالي قال ما آتيكم الرسول الآية ، و اما الذين ماتوا او قتلوا قبل عرض ولاية علي عليه السلام عليهم فهؤلاء ان كانوا معتقدين في قلوبهم اجمالا بان كلما جاء به النبي صلي الله عليه و آله و اتاهم به من التفصيل يقبلون و يعتقدون كانوا ناجين ثم في الجنة خالدين و الا فهم اصحاب النار هم فيها خالدون كما ان كثيرا من اهل البدر من اهل جهنم نعم المؤمنون منهم بعلي اميرالمؤمنين (ع) [ص 247] فاولئك يدخلون دار الرضوان و يبقون فيها ابد الآبدين كلما جاءهم رسول بما لاتهوي انفسهم فريقا كذبوا و فريقا يقتلون و بالجملة بعد عرض التكليف بولاية علي عليه السلام لم‌يبق من هذا الخلق الكثير الا اربعة انفس فقط و لما زاد المؤمنون بعلي عليه السلام اختبرهم بتكليف آخر ماكان الله ليذر المؤمنين علي ما انتم عليه حتي يميز الخبيث من الطيب الآية ، فلايقبل الله الايمان الظاهري حتي يكلف عباده حتي ( عباده بما خ‌ل ) يخرج اضغانهم و كذلك لما خرج علي (ع) الي الآخرة اوصي الي الحسن فكلفهم بالحسن (ع) فبذلك انكر كثير منهم و آمن بعض قليلون ثم اختبرهم بالحسين (ع) ثم بعلي بن الحسين ثم بمحمد بن علي ثم بجعفر بن محمد ثم بموسي بن جعفر ثم بعلي بن موسي و هكذا الي آخر الائمة (ع) فبكل وصي من الاوصياء و تكليفه خرج جم غفير من الناس فكفروا و ارتدوا علي اعقابهم ظالمين من الزيدية و البترية و الكيسانية و الناووسية و الجارودية و الفطحية و الاسمعيلية و الواقفية و غيرهم فلما تم الاثناعشر المعصومون و كمل عدتهم (ع) خرج من خرج و بقي من بقي من الامة ( الائمة خ‌ل ) و هم ( اي البقية القليلة خ‌ل ) صفوة الصفوة ( و خيرة الخير و خلاصة الكبر خ‌ل ) و هم نخبة الوجود من الغيب و الشهود فلما عرفت انه تعالي اختبر الموحدين المقرين بلا اله الا الله ثم اختبرهم بالرسل الذين هم قائمون مقام الله ثم الرسل اختبروا الناس باوصيائهم القائمين مقامهم واحدا بعد واحد و ذلك لاظهار البواطن و اضغان الصدور و عرفت انه لما لم‌تكن المصلحة مقتضية لارتحال الامام الثاني‌عشر من هذه الدار الي دار الآخرة و الا لزم خراب الدنيا و انعدام السفلي [ص 248] و العليا و علمت ان المصلحة ليست في ظهوره عليه السلام ايضا فغاب فاعلم انه يجب عليه عليه السلام ان يجعل لنفسه نائبا لئلايكون الناس مهملي الناصية و لئلايقولوا لولاارسلت الينا رسولا فنتبع آياتك و يختبرهم بذلك النائب لانه ماكان الله ليذر المؤمنين علي ما انتم عليه حتي يميز الخبيث من الطيب لان مدعي الايمان كثيرون مع انه عليه السلام قال ان المؤمن قليل المؤمن قليل و قال ان الناس كلهم بهائم الا المؤمن و قال تعالي و قليل من عبادي الشكور فلما وجب اختبارهم بذلك النائب كلفهم بمعرفته لان اركان المعرفة اربعة كما علمت مما ذكرنا سابقا حتي يعلم المؤمن منهم من المنافق سنة الله التي قد خلت من قبل و لن‌تجد لسنة الله تبديلا فان قلت انه هل يختبرون بعد ذلك بركن آخر اي الخامس و هكذا قلنا لايكون ذلك لان الشيعة مقام النور و هو مقام الاثر فلايكون انزل من مقام الاثر شئ و لذا قال ان اركان الايمان اربعة فافهم فلما غاب الامام (ع) جعل له نواب اربعة في الغيبة الصغري التي مدتها سبعون سنة و قال للناس كل من خالف عثمان بن سعيد او محمد بن عثمان او حسين بن روح او علي بن محمد السيمري خرج عن الدين و هؤلاء الاربعة كان كل واحد منهم بعد واحد في تلك المدة و لهذا خرج جم غفير من الايمان الصوري بمخالفتهم للنواب المخصوصين المذكورين كالشلمغانية و الحلاجية و الخطابية و ادعوا هم انهم نواب الامام عليه السلام خرج في لعنهم توقيع منه (ع) فلما تمت هذه المدة اي مدة الغيبة الصغري و غاب عليه السلام بالغيبة الكبري اختبرهم بالنواب العام ليكون الاختبار اعظم و اعظم ( فلما تمت هذه المدة اي مدة الغيبة الصغري في عهد الاربعة من ابتداء الاول الي آخرهم الرابع غاب اثره (ع) مطلقا بالغيبة الكبري و وقعت ممتدة الي زمن الفرج و بيان الفلج و تثقيف الاود و العوج اختبر (ع) الناس بالنائب العام مدي الدهر و الاعوام ليكون الاختبار و الامتحان اعظم و اعظم و الفتنة صماء صيلم يسقط فيها كل بطانة و وليجة لاينجو من لجتهما الا من اختاره من خاصة شيعته بحق السمات و صدق الصفات من غير انتحال و لا دعوي بلا تكلف و لا عدوي خ‌ل ) [ص 249] لان النائب العام من غير تخصيص احد و لا تعيين انسب الي الحكمة و اقرب الي المصلحة بخلاف النواب الخاصة لان فيهم نوع الجاء ( و الزام يتراءي خ‌ل ) الاتري ان كل من خالفهم خرج توقيع في لعنه فهم كانوا لايخالفون النواب الخاصة خوفا من اللعن و هو نوع من الالجاء ورد ان الامام (ع) لما غاب ثانيا سألوا عنه عن النائب (ع) ( النائب بعد الاربعة خ‌ل ) قال (ع) في جواب السائل : لله امر هو بالغه ، فلما كان كذلك اشتد الامر فالامتياز صار بالصفات و العلامات قال عليه السلام في توقيعه المبارك اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الي رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم و انا حجة الله ه‍ ، و النائب في غيبة الامام عليه السلام نوعان خاص و عام و اما النواب الخاصة فكالنحويين في النحو و الصرفيين في الصرف كسيبويه و خليل بن احمد و الكسائي و غيرهم في اللغة و اهل الصنايع و الحرف كالصياغة و الخياطة و الصباغة و النجارة و غيرها من لطائف صنايع الافرنج و الاطباء من اليهود و النصاري فكلهم من حيث ذلك الحق الذي عندهم نائب الامام عليه السلام بحيث رده من جهة علمه او ابطال علمه ( عمله خ‌ل ) و اعدامه رد علي الامام (ع) لفاقة الخلق الي ذلك العلم و تلك الحرفة ايضا علم لانه بالبديهة من لم‌يعرف علم النجارة و نحوها و اوضاعها و اصولها لم‌يعمل و لايقدر علي فعله ابدا و عند هذا يبطل اساس العالم و يعطل تمدن بني آدم فالعلوم كلها من الامام (ع) قال (ع) يا ابن‌عباس لن‌تجد حقا بيد احد الا بتعليمي و تعليم علي (ع) الخ و قال (ع) ان ذكر الخير كنتم اوله و اصله و فرعه و معدنه و مأويه و قال (ع) و اشهد ان الحق معكم و فيكم و منكم و اليكم و قال (ع) ان لنا اوعية من العلم نملأها علما لتنقلوا ( لتنقل ظ ) اليكم خذوها فصفوها فنكبوا الاوعية فانها اوعية سوء ه‍ ، لايتوهم ان هؤلاء المخالفين هم المرجع للناس لان مرجعيتهم لهذا الحق من باب ان الضرورات تبيح المحظورات و [ص 250] هذا انما يكون كذلك في دولة الباطل و اما عند رجوع دولة الحق فلايحتاج احد الي احد من هؤلاء قط و قولنا ان رد هذه الصنايع من حيث علمها رد علي الامام (ع) معناه ان الصنايع كلها واجبة وجوبا كفائيا اتفاقا فاذا علمت ذلك فاعلم ان الطب و النجوم و الفقه من هذا القبيل يعني حاملها من النواب الخاصة ليس لهم التعدي من علومهم الي غيرها لان كل واحد منهم قوله حجة في علمه لا في آخر الا اذا علم الآخر ( و اتقنه خ‌ل ) قال (ع) انظروا الي رجل منكم يعرف شيئا من قضايانا فارضوا به حكما فاني قد جعلته عليكم حاكما ، هذا في رواية ابي‌خديجة و هو عام يشمل جميع من يعلم شيئا من العلوم و الصناعات سواء كان صياغة او خياطة فقها او اصولا نحوا او صرفا الي غير ذلك من العلوم لايقال ان هذه الرواية دليل التجزي في الاجتهاد لانا قلنا ان التجزي غير معقول لان ادلة الفقه و اصوله واحدة في جميع عنواناته من كتاب الطهارة الي الديات فعلي هذا من عرف استنباط كتاب الطهارة و رد الفروع فيها علي اصولها يعرف ذلك في مسألة النكاح ايضا لاتحاد طريق الاستنباط و اسبابه من القواعد الاصولية و لو اريد بالتجزي هو الذي لم‌يكن عنده جميع مسائل الفقه حاضرة لقلنا اذا كل احد متجزي لانه من المحالات ان يعلم احد من الرعية الفقه بجميع فروعه و شقوقه فهؤلاء الذين ذكرناهم كلهم ( من تأويل مضمون رواية ابي‌خديجة خ‌ل ) نواب خاصة للامام (ع) في خصوص فنون علومهم و صناعاتهم و اما النائب العام فهو عالم جامع لجميع ما يحتاج اليه الناس من العلوم و التكاليف و ليس هذا امر مشكل و انما هو رجل شيعي باق علي صرافة تشيعه ( فطرته خ‌ل ) من دون عروض لطخ عليه لانه نور الامام (ع) [ص 251] و ظاهره (ع) ( و وجهه (ع) خ‌ل ) و هو علي الفطرة المستقيمة المعتدلة مظهر للامام (ع) كالبلورة في الاحراق و التأثير يعرف جميع الصنايع و الحرف و يعلم جميع العلوم التي بين يدي الناس و غيرها فيجري عليه احكام الامام (ع) من التسليم و الانقطاع اليه و الانقياد له و التلقي و الاخذ عنه و القبول منه و هو الذي قال (ع) كما في الكافي انظروا الي رجل منكم ممن قد روي حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف احكامنا فارضوا به حكما فاني قد جعلته عليكم حاكما ، الي ان قال الراد عليه كالراد علينا و الراد علينا كالراد علي الله و هو في حد الشرك بالله انتهي ، و هذا النائب هو الذي يعرف الاحكام و الشرايع كلها لان ( قوله (ع) خ‌ل ) احكامنا جمع مضاف يفيد العموم بخلاف حديث ابي‌خديجة كما سبق لانه نص في خصوص معرفة بعض من قضاياهم فهذا العام التام و النائب العام الذي برهانه و دليله في كلما يدعيه الامور الخمس المذكورة سابقا و هي الكتاب و السنة و العقل و المذهب و الآفاق حق و حجة كما مر فيجب ان يؤخذ عنه و يسلم له و اليه و لولا هذا علي الحق و الصدق فعلي الله سبحانه ان يفضحه و الا لزم الاغراء بالباطل تعالي ربي عن ذلك علوا كبيرا ، و صلي الله علي محمد و آله .

[ص 252]
اليوم الثلثون من شهر رمضان من سنة

١٢٥٧

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالي : ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا و هدي للعالمين فيه آيات بينات مقام ابرهيم و من دخله كان آمنا و لله علي الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا و من كفر فان الله غني عن العالمين .

كان كلامنا في بيان كيفية معرفة دخول هذا البيت بيت العلم و الشرف و المعرفة و الكمال و قلنا ان معرفة الاركان الاربعة شرط دخوله و الاركان هو الاقرار بالرب تعالي و الاقرار بالنبي و الوصي و الشيعة و اما الثلثة الاول فقد تبين امرها و ظهر في هذه المدة المتمادية و اما معرفة الشيعة فهي معلومة اجمالا عند الناس بانه له (ع) شيعة و نحن نريد معرفته تفصيلا في الجملة لان معرفته من اركان التوحيد فمن انكره خرج عن الدين لان كل واحد من الاربعة في الاقرار و الانكار حكم لا اله الا الله فمن انكر الشيعة انكر لا اله الا الله و المنكر كافر و لا ريب ان الشيعة اما من الشعاع كما قال (ع) انما سميت الشيعة شيعة لانهم خلقوا من فاضل شعاعنا ، او من المشايعة بمعني المتابعة و الاول اولي بل كلاهما واحد لانه لما ثبت ان الشيعة نور الامام مخلوق من نوره (ع) لا شك ان النور تابع للمنير لايتخلف عنه ابدا في حال من الحالات و لا ريب ان الامام الناقص بلا نور له دليل نقص علي الله تعالي فيجب محبة من يحب الامام (ع) و لا ريب ان كل من احب احدا يحب محبيه و الا فلا كما ان معوية سموه خال المؤمنين لان اخته بنت ابي‌سفيان زوجة النبي (ص) و هي ام المؤمنين فصار اخوها خال المؤمنين فاذا عرفت ذلك اعلم انه لا شك و لا ريب ان بنت ابي‌سفيان ليست اعرف من عايشة بنت ابي‌بكر قط و لا شك ان ابن ابي‌سفيان معوية ليس اعرف من محمد بن ابي‌بكر قطعا فلماذا ماسموا [ص 253] محمدا خال المؤمنين لان اخته ام المؤمنين و العلة في ذلك هي انه كان محمد محبا لعلي (ع) بخلاف معوية و لهذا لم‌يسموا محمدا بخال المؤمنين مع انه اولي و اقرب بهذا الاسم كما عرفت و الشيعة علي قسمين قسم يعصي باعتبار عروض اللطخ عليه و قسم لايعصي و ماعرضه اللطخ بل انما هو علي صرافته من الفطرة المستقيمة المعتدلة الالهية و هو باق علي نورانيته و حرمته من غير تغيير الفطرة التي خلقها الله عليها فاما القسم الاول فانكاره متوقف علي النية و القصد لانه ان انكره منكر بقصد انه عاص و بملاحظة انه خالف الامام عليه السلام او يعزره او يحد عليه من الحدود الشرعية فلايلزم من هذا ( عليه خ‌ل ) شئ بل انما هو من مقتضي ايمانه و ان انكره بملاحظة انه من شيعة علي (ع) و انه خلق من نوره فهو كافر قطعا و هو ناصبي كما في معاني‌الاخبار عن الصادق (ع) قال ليس الناصب من نصب لنا اهل البيت لانك لاتجد رجلا يقول انا ابغض محمدا و آل‌محمد و لكن الناصب من نصب لكم و هو يعلم انكم تتولونا و تتبرؤن من اعداءنا . و في باب نوادر العلل عن ابن‌سنان عنه (ص) مثله و في الروضة عن عبدالله بن المغيرة قال قلت لابي‌الحسن عليه السلام ان لي جارين احدهما ناصب و الآخر زيدي و لا بد من معاشرتهما فمن اعاشر فقال هما سيان من كذب بآية من كتاب الله فقد نبذ الاسلام وراء ظهره و هو المكذب بجميع القرآن و الانبياء و المرسلين قال ثم قال (ع) ان هذا نصب لك و هذا الزيدي نصب لنا ه‍ ، و في نوادر علل‌الشرايع في الصحيح عن ابن‌فرقد قال قلت للصادق (ع) ما تقول في قتل الناصب قال [ص 254] (ع) حلال الدم و لكن اتقي عليك فان قدرت ان تقلب عليه حايطا او تغرقه في ماء لكيلايشهد به عليك فافعل قلت فما تري في ماله قال (ع) توه ما قدرت عليه ه‍ ، و في مكاسب التهذيب عن الصادق (ع) قال مال الناصب و كل شئ يملكه حلال الا امرأته فان نكاح اهل الشرك جايز و لولا انا نخاف عليكم ان يقتل رجل منكم برجل منهم و رجل منكم خير من مائة‌الف منهم لامرناكم بالقتل لهم و في باب الخمس منه في الصحيح عن الصادق (ع) قال خذ مال الناصب حيث وجدته و ادفع الينا الخمس و عن ابي‌بصير عن الصادق (ع) ذبيحة الناصب لاتحل ه‍ ، و عن ابي‌بصير قال سألت اباعبدالله (ع) عن الرجل يشتري اللحم من السوق و عنده من يذبح و يبيع من اخوانه فيتعمد الشراء من النصاب فقال (ع) اي شئ تسألني ان اقول مايأكل الا مثل الميتة و الدم و لحم الخنزير قلت سبحان الله مثل الميتة و الدم و لحم الخنزير فقال عليه السلام نعم و اعظم عند الله من ذلك ه‍ ، و في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم عن احدهما (ع) قال ان كان جاحدا للحق فقل اللهم املأ جوفه نارا و قبره نارا و سلط عليه الحيات و العقارب و من ذلك قوله عليه السلام فمن رد عليكم فهو في اسفل درك من الجحيم ، كما اشار تعالي بقوله : ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار ، انتهي و في الامالي للصدوق (ره) بسند قوي عن الصادق عليه السلام حيث قال (ع) من احب كافرا فقد ابغض الله و من ابغض كافرا فقد احب الله ثم قال صديق عدو الله عدو الله و في مثالب‌النواصب لابن‌شهراشوب (ره) عن الصادق (ع) من احب كافرا فهو [ص 255] كافر ه‍ ، و عنه عليه السلام من جالس لنا عائبا او مدح لنا قاليا او وصل لنا قاطعا او والي لنا عدوا فقد كفر بالذي انزل السبع المثاني و القرآن العظيم ه‍ ، و في كتاب علل‌الشرايع في الصحيح و الكافي ايضا في الحسن عن الصادق عليه السلام عن علي (ع) انه قال ادني ما يكون به العبد كافرا من زعم ان شيئا نهي الله عنه ان الله امر به و نصبه دينا يتولي عليه و زعم انه يعبد الذي امره به و انما يعبد الشيطان ه‍ ، و في كتاب الزكوة من التهذيب في الصحيح عن عمر بن يزيد قال سألته عن الصدقة علي النصاب و الزيدية فقال لاتصدق عليهم بشئ و لاتسقهم من الماء ( ان استطعت خ‌ل ) و قال (ع) الزيدية هم النصاب و في الكافي عن ابي‌جعفر عليه السلام و اما النصاب من اهل القبلة فانه يخد لهم خدا الي النار الي ان قال ثم قيل لهم اين ما كنتم تدعون من دون الله اين امامكم الذي اتخذتموه دون الامام الذي جعله الله للناس اماما ه‍ ، و بالجملة الروايات في النصب كثيرة بان الناصبي هو الذي نصب لشيعتنا من حيث انه شيعتنا لا من جهة عصيانه و اما القسم الثاني من الشيعة فهم الذين انكارهم انكار الامام (ع) من دون تقييد بالقصد و عدمه كما يدل عليه ما ورد عنه (ع) ان الناصب من نصب لشيعتنا و انت كما تري لا تفصيل فيه بوجه مثال هذين القسمين و نظيرهما هو ان لفظ فرعون و هامان و الشيطان من القرآن ان كتبته لا بقصد القرآن فالاستخفاف به جايز من دون اشكال بل يوجب الاجر و الثواب و ان كتبته بقصد انه من القرآن ثم استخف به واحد من الناس المكلفين العياذ بالله كان كافرا خارجا عن الاسلام قطعا و اما [ص 256] المثال للقسم الآخر من الشيعة الذين انكارهم مطلقا كفر فكما اذا كتبته في قوله تعالي يا هامان ابن لي صرحا لعلي ابلغ الاسباب اسباب السموات فاطلع الي اله موسي و اني لاظنه كاذبا لانه من غير قصد دال بنظمه علي انه قرآن سواء قصدته انه منه ام لم‌تقصد و كقوله تعالي يوسف اعرض عن هذا و استغفري لذنبك مثلا لانه بنظمه لايدل الا انه قرآن مثال آخر هو ان التربة الحسينية صلي الله علي ساكنيها نوعان احدهما تربة تأخذها من كل موضع من هذه الاربع فراسخ المعينة في اربع فراسخ فان ذلك لايكون تربة الا بالقصد فلو لم‌تقصدها بنية التربة فلا حرمة لها فلهذا يصنع منها كوزا و اباريق و سنابل و قصعات و يبنون عليها مستراحا و يحفرون كنيفا و اما اذا اخذتها بنية التربة فيجب عليك حينئذ احترامه فان المستخف بها اذا كافر و هذا النوع من التربة يحتاج في امتيازها الي مخصص و هو النية كما اشرت و اما التي لايحتاج الي مخصص خارجي فاختصاصها بنفسها كتربة الحائر اذ لا مدخلية فيها للقصد بوجه من الوجوه فمن اخذ من تربة من الحائر المقدس الحسيني (ع) ثم استخف بها كفر و خرج من الدين المبين قطعا و هذا القسم من التربة مثال للشيعة الذي هو باق علي الفطرة دال علي الامام (ع) ظاهرا و باطنا علما و عملا خلقا و خلقا فلايقول الا ما قالوا و لايفعل الا ما فعلوا (ع) هم عليهم السلام فاذا كان الامر كذلك يكون انكاره انكار الامام (ع) ضرورة انه ليس ( عنده خ‌ل ) شئ ابدا بل كل ما منه و له و به ثم عنه و عليه و فيه بل نفسه انما هو من امامه (ع) و ذلك كصورة المرآة بالنسبة الي الشاخص و بالجملة ان الشيعة الذين هم علي الاستقامة [ص 257] الاولية الالهية الغير المتغيرة بوجه من الوجوه فانكار مثل هؤلاء من الشيعة و جحدهم انكار الامام (ع) بل انكار الرسول بل انكاره انكار الحق تعالي و لهذا الشيعة الذي انكاره كفر علامات في خلقه و وجوده ثم له علامات في خلقه ثم له علامات في علمه و عمله و اما العلامة الواقعة في خلقه فان لايكون طويلا شاهقا و لا قصيرا لاصقا عريا عن الامراض و العوارض اللطخية و العيوب الجسدانية من العمي و العرج و الحول و الصمم و الخرس و يكون مستوي الخلقة متناسب الاعضاء بين السمن و الهزال بل اذا كان اقرب الي الهزال انسب ثم يكون في القوة و النشاط علي احسن ما يكون كما كان ذلك الجناب المستطاب شيخنا (ره) و ذلك اني قد رأيت منه من اعتدال مزاجه ما لا خطر علي قلب بشر و هو انه (ره) بعد ما كان قد مضي من عمره سبعون (ظ) سنة انكسر ذات يوم سنه الشريف ثم بعد الحين نبت السن شيئا فشيئا حتي ساوي مع السنين الاخري فصار مثل ما كان من قبل و لايتوهم متوهم ان السن وقع ثم نبت اذ انه امر واقع لا استعجاب فيه بل انما انكسر ثم اعتدل بالنبت هذا و قد كان ذلك الجناب (ره) في آخر عمره عدلا مستقيما منتصب القامة من دون تقوس الظهر و لا تحدبه ثم انه (ره) لم‌يكن فشلا و لا كسلا في جميع حالاته و آناته في ايامه و لياليه بل كان طبعه الشريف كطبع الشباب نشيطا قويا مقبلا في ما اراد الله منه من امر الدنيا و الآخرة و اما خلقه اعلي الله مقامه فلايحد و لايحصي لايحيط به الا من خلقه و ابدعه و اجمال ذلك اشارة انه (ره) كان مسلما عند المخالف و المؤالف و المحب و [ص 258] المبغض من دون نكير من احد من آحاد الناس و هو (ره) لم‌يكن عجولا و لا حقودا و لا حسودا و لا سبابا و لا عيابا و لا مغتابا كان يكره الرفعة طويل الغم في امر آخرته بعيد الهم في امر دنياه كثير الصمت في التفكر في امر الله و آياته الآفاقية و الانفسية و قد كان (ره) وقورا ذكورا صبورا شكورا و انه مغموم بفكره مسرور بفقره سهل الخليقة لين العريكة كما زبر في خبر همام السابق فراجع اليه فانه تمام الوصف و قد كان هو (ره) جامعا كل ما وصفه (ع) في ذلك الخبر من رآه (ره) فقد وجد فيه ما اخبره عنه (ره) و اما لونه قدس سره فمرة يعلو بياضا و اخري صفرة و اخري حمرة فاما البياض فانه لون الخائفين الناظرين الي الصدر في مقام العلم انما يخشي الله من عباده العلماء و اما الحمرة فهو لون المشتاقين الراجين الي الله الي فضله و كرمه تعالي و اما الصفرة فهو لون المحبين ضرورة ان حرارة المحبة تحرق الرطوبات حتي تظهر الصفرة اثرها علي الوجه قال الصادق عليه السلام فاذا تحقق العلم في الصدر خاف و اذا صح الخوف هرب فاذا هرب نجا و اذا اشرق نور اليقين في القلب شاهد الفضل و اذا تمكن من رؤية الفضل رجي و اذا وجد الرجا طلب و اذا وفق للطلب وجد و اذا انجلي ضياء المعرفة في الفؤاد هاج ريح المحبة و استأنس في ظلال المحبوب و باشر اوامره و اجتنب نواهيه و اختارهما علي كل شئ الحديث ، و اما عمله فانه كان يعمل بجميع ما ورد من الشرع ثم لايفعل الا الراجح و لايشذ عنه عمل الا فعله و اما علمه فيأتي بما يحتاج اليه جميع الخلق ( من المكلفين خ‌ل ) من امة سيد المرسلين من جميع العلوم حتي يتمكن من رد المدلسين [ص 259] المموهين المشككين في هذا الدين و لئلايتطرق شبهة من الملاحدة و الصوفية و الخارجين عن طريقة الاسلام في هذا المذهب المحبوب المتين ضرورة ان جهات طرق الشبهات كثيرة كما تري ان بعضا اوردوا الشبهة في هذا الدين من علم الجفر و آخرون اوردوا شبهة من علم الحروف و الهيئة ثم النجوم و نحوها و لا ريب ان وجود مثل هذا العالم الجامع المحيط واجب وجوبا كفائيا اجماعا من الفرقة المحقة و هذا العالم هو الذي اخبر عنه (ع) حيث قال ان لنا في كل خلف عدولا ينفون عن ديننا تحريف الغالين و انتحال المبطلين ، اتيان العدول جمعا دليل واضح علي ان المراد منهم ليس الا الشيعة من الرعية لانه لو كان المراد من العدول هو الامام (ع) لكان يقول عدلا بالافراد ضرورة ان الامام (ع) في كل زمان لا بد ان يكون واحدا لانه آية الله و وجهه كما فصلناه في محله و اما هذا العالم الرباني و النور الصمداني فلايتكلم في مسألة من المسائل اصولية او فروعية الا و يلاحظ امورا خمسة الكتاب و السنة و العقل و العالم و المذهب يعني استدلاله في اثبات المسألة بالخمسة كلها فانه لم‌يكتف بواحدة منها كما هو شأن غيره من العلماء فلولا هذا الرجل البصير المحيط المحتاط الدقيق في العلم حقا للزم الاغراء بالباطل و ذلك كما تري يوجب النقص في الصانع الكامل الخبير العالم القدير تعالي شأنه عن النقصان ثم لولا هو علي الصراط المستقيم فعلي الاسلام السلام فما لكم كيف تحكمون و الحاصل هذا العالم الرباني الذي سمعت وصفه من خلقه و خلقه و علمه و عمله لايقول الا ما قاله كتاب الله و ما قاله آل الله نعم ما [ص 260] قال آل‌محمد قلنا و ما دانوا دنا ورد انه يستحب لكل مؤمن شيعي ان يقول في صبيحة كل يوم (( ما قال آل‌محمد قلنا و ما دانوا دنا )) فعلي هذا كل ما اخبرك هذا العالم من العلوم و المسائل يجب الاذعان به و التسليم له و الاخذ منه لانه ماقال الا ما قاله الحق ، و اما نسبة بعض العبائر الي جناب هذا العالم البدل النحرير كعبارة مسألة المعراج و عبارة مسألة المعاد و نحوها فانا قد فصلنا سابقا و برهنا بما لا مزيد عليه و نشير الآن ايضا الي بطلان ما اوردوا عليه (ره) فنقول ان ضرورة المسلمين قد قامت علي تقديم النص علي الظاهر لان النص يفيد القطع و الظاهر يفيد الظن فاين التعارض بينهما اذا كما ان المرافعات كلها تدور علي هذا النهج ثم ان القرطاس و العبارة لا عبرة بها (ظ) اصلا اتفاقا هذا مع ان كلام ذلك العلامة الرباني و الفريد الوحداني ليس منهلا لكل وارد و لا مشرعا لكل خائض فسبيل فهم كلامه (ره) كسبيل فهم الاصطلاحات الخاصة من سائر العلماء فمن اراده طلبه من مظانه و لكن الناس لما رأوه عالما متبحرا ورعا عدلا متقيا علي كمال ما ينبغي و ارادوا صرف وجوه الناس منه و لم‌يتمكنوا من تفسيقه و نقض عدالته بوجه من الوجوه حيث ان كل احد من الناس من عوامهم و خواصهم كانوا يعرفونه بانه ازهد اهل زمانه و اعبدهم و اتقاهم ثم اعرفهم و اعلمهم كفروه مع ان ذلك المرحوم اعلي الله مقامه مااتي مما اتي من الاعتقادات الا ما عليه الفرقة المحقة من العقائد و الفروع كما قامت عليه ضرورتهم من صحة الكتاب و السنة و العقل و المذهب يا عجبا من قوم اذا قرأت عليهم كتابهم من قواعد متينة كقاعدة تقدم النص علي الظاهر يقولون في الجواب نعم و لكنه في قلبك شئ غير ما في لسانك فاقول [ص 261] قلت لهم يا قوم نحن معكم لانخلو من احد الامور ان كنتم انتم شاكين في حقي من ديني فاني انا اشهد بما قاله المسلمون قاطبة ثم اعلن بما اعتقده الشيعة و المؤمنون جميعا ثم ابرأ مما نسبوا الي من الاباطيل فلما قلت لهم ذلك قالوا باطنك وراء ظاهر لسانك فقلت في جوابهم ما قال الله تعالي في كتابه و لاتقولوا لمن القي اليكم السلام لست مؤمنا ثم قلت لهم ثانيا يا قوم ماكان ديدن رسول الله (ص) و طريقته مع المسلمين الا بالاكتفاء بالظاهر مع علمه (ص) بباطن قلوبهم و ثالثا ان تكليف ظاهر الاسلام ليس الا باللسان دون الجنان و هذا القدر ضروري ( اتفاقي خ‌ل ) بين الامة بل ان نبينا (ص) كان يزيد لهؤلاء الذين يعلم نفاقهم بالنعم و الاكرام بما لا مزيد عليه و ذلك معروف من المذهب و مسطور في الكتب ثم قلت يا معشر العلماء اذا كنتم لاترضون مني بمفاد قوله و لاتقولوا لمن القي اليكم السلام لست مؤمنا و لاترضون في حقي بما كان عليه عمل رسول الله (ص) و طريقته و لاتعملون بما عمل به الفرقة المحقة و لاتقبلون نصي علي ما انا عليه مما اخبره عن ضميري فما انتم مني اذا في النسبة الا كما نقل عن رجل بالنسبة الي مولينا الصادق (ع) في قضيته و هي ان واحدا من الصحابة جاء عند رجل فقال له يا فلان اذهب بنا الي جعفر بن محمد الصادق (ع) قال الرجل ان جعفر بن محمد ضعيف الحديث ، مرة يقول بقول القدرية و تارة بقول المجبرة و اخري بقول الدهرية و مرة بمقالة الحرورية ثم المجسمة و المشبهة و هكذا فليس له طريق واحد و ورد ان رجلا اتي الي الصادق (ع) قال له الصادق (ع) من انت يا ايها الرجل قال انا رجل احضر مجلس [ص 262] العلماء ثم آخذ منهم مسائل فقال (ع) اي شئ عندك من الاخبار الآن قال الرجل انه قد اخبرني سفيان الثوري ان جعفر بن محمد يقول ان الله تعالي قاعد علي العرش و قد فضل منه تعالي من كل جانب من العرش اربع اصابع ثم قال (ع) يا ايها الرجل اخبرني بغير هذا مما عندك قال اخبرني السفيان ان جعفر بن محمد (ع) يقول ان رسول الله (ص) رأي ربه ليلة المعراج علي صورة امرد مجعد قطط رجلاه علي الخضرة ثم ذكر من هذا القبيل كثيرا من المفتريات و الاباطيل كما يذكر اعداؤهم الذين شأنهم هذا بل يذكرون ما يتحير منه العقول و تضطرب منه آراء الثبت الفحول فلما سمع مولينا جعفر بن محمد (ع) هذه الاخبار المكذوبة عليه قال (ع) يا فلان هل تعرف جعفر بن محمد اذا رأيته قال الرجل لا فقال (ع) فاذا اخبرك جعفر بن محمد باني ماقلت كذا و كذا ثم يتبرء مما نسبت اليه فما تقول اذا في حق جعفر بن محمد قال الرجل انكر عليه فاقول له اني لااقبل منك ما تقوله من التكذيب و الابراء فانه قد اخبرني ثقة عدل و هو سفيان الثوري الذي ( هو ظ ) اعدل و اوثق منك ، و بالجملة لما اظهرت ما كنت معتقدا في ضميري من الاعتقادات الصحيحة التي عليها المذهب و الدين و لم‌يقبلوا مني بل قالوا في جوابي ان ما في قلبك غير ما في لسانك قلت في جوابهم هل الله عالم بالقلوب التي خلقها ثم ترضون حكم الله بيننا و بينكم فتعالوا نبتهل في الخلأ او الملأ في مشهد الحسين (ع) ( او بحضرة علي (ع) خ‌ل ) او في غيره ثم قلت لهم اعلموا انه لايتم الدعاء الا و ان واحدا منا ميت فلما قلت لهم تعالوا نبتهل فنجعل لعنة الله علي القوم [ص 263] الكاذبين اعرضوا و لم‌يقبلوا و ذلك لانهم مايتمنون الموت بما قدمت ايديهم و الله عليم بالظالمين ثم ازدادوا في الانكار علي تحصيل هذا العلم الشريف مع انه واجب كفاية بل نقول ان هذا العلم لايخلو اما مستحب تحصيله فلايجوز لاحد ان يمنع عنه او واجب فحرام منعه مع ان الله تعالي خلق الخلق للمعرفة كما في الحديث القدسي سأله تعالي داود النبي (ع) فقال يا رب لم خلقت الخلق قال تعالي يا داود كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف ، فمن منع عن تحصيل المعرفة فقد نقض غرض الحكيم تعالي واجبا كانت المعرفة او مستحبة فان قلت ان الرادين عليكم اجتهدوا فيكم فماوجدوكم الا علي الضلالة و البطلان فافتوا بما عرفوا من جهدهم فهم علي هذا مصيبون في الحكم كما لو ان رجلا اجتهد في المقدمات البديهية و بذل جهده حتي يحصل له نتيجة هي ان الله جسم فانه حينئذ مصيب في النتيجة لانه قد اتي بما هو طريق الاحتياج في الاجتهاد في معرفة ربه بما لا مزيد عليه فلولا هذا علي الحق فيما حصل له من النتيجة لكان التكليف بما لايطاق و ذلك بديهي البطلان عند جميع الامة فلما ثبت بطلان التكليف بما لايطاق مع ما اتي المجاهد مما يحتاج الفحص اليه في تحصيل المسألة و استنباطها صح ما حصل له من النتيجة ضرورة انه تفحص علي قدر الوسع و الطاقة علي كمال بذله و فحصه و بحثه فلا بد من الوصول الي ما اريد منه قلت قال تعالي و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و لا ريب ان الله تعالي لايغري بالباطل و لايهمل الناس سدي ثم لايظهر لهم ربهم ما هو خلاف ما عليه المذهب قط مع كمال [ص 264] البحث و الجهاد عن المطلوب و الا لم‌يكن هو تعالي حكيما بل لم‌يكن عالما بعبده مما اراد بطلبه من وجهه او علم بالمطلوب و لكنه عاجز عن الايصال و ذلك كله نقص في حق الكامل العالم القدير ثم نقول لو كان قول المجاهد صحيحا في بحثه و فحصه و اجتهاده يلزم تكذيب الحق سبحانه لو لم‌يهده الي سبيل المطلوب الواقعي الذي اراده من عبده المجاهد فبناء علي هذا دار الامر بين تصديقه تعالي حيث قال و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و بين تصديق المجاهد فاختر لنفسك ما يحلو و لا ريب في ان نسبة الكذب و التقصير الي المجاهد اولي من نسبته اليه تعالي فان قلت ان المجاهد لما جاهد في الغاية و النهاية ثم حصل في عرفانه تعالي انه جسم بالدليل و البرهان قلت ان المذهب في المسألة التي تنافيه ينادي باعلي صوته علي فسادها فمخالفة المسألة مع المذهب اقوي دليل علي بطلانها بل اوضح بيان علي عدم المجاهدة البالغة و بذل الهمة علي كمال ما ينبغي فيها ، ما اشبه قولك مع قول ذلك الرجل المخالف اذ قال في مسألة المسح في الوضوء بالغسل و المسح انه قد اختلف بين الله و بين ابي‌حنيفة و الحاصل من جميع ما قلنا هو انه لايخفي عليك حال مخالفي شيخنا العلامة اعلي الله مقامه فانهم بين احد امرين الفسق او الكفر بيان ذلك هو ان الانكار عليه (ره) ان كان لاجل الدنيا و هوي النفس ظاهرا و هو معتقد في قلبه و لبه بان ما اتي به الشيخ المرحوم هو ما اتي به الرسول و اخبر به زوج البتول بل هو قول الله و حكمه و هو مع ذلك ينفي لغرض دنياوي لسانا هذا فاسق غير عادل و ان كان انكاره [ص 265] و رده ما اتي به الشيخ الجليل لاجل جهله بما عليه المسلمون و المؤمنون من ضروريات الدين و ما اتي به سيد المرسلين و اكده الاوصياء المرضيون الائمة الطاهرون فقد كفر المنكر كفر الجاهلية الاولي ، و صلي الله علي محمد و آله ثم شيعتهم التابعين ابد الآبدين .

* * * * *

وقوع الفراغ عن النسخة الاصلية يوم الخميس الثامن و العشرون من شهر ذي‌القعدة الحرام من شهور سنة اثنين و سبعين و مأتين بعد الالف ( ١٢٧٢ ) .

تمت .