[ص 1] الرسالة في معرفة الشخص الكامل

[ص 2]

الرسالة في معرفة الشخص الكامل

من مصنفات المرحوم المبرور الشيخ علي البحريني رضوان اللّه عليه

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين و صلي اللّه علي محمد و آله الطيبين و رهطه المخلصين و لعنة اللّه علي اعدائهم اجمعين .

اما بعد - فيقول العبد الخاطئ الجاني علي بن الحسن الكرماني عفي اللّه عنهما ان الصديق الممجد و الشفيق المسدد المولي الجليل و السيد النبيل الفاضل العامل و التقي الرفيق الباذل الاخ البار الصادق الجناب الملا محمدصادق الگوكي سلمه اللّه و ابقاه و جعل اخراه خيرا من اولاه ارسل الي كتابا بعد ما مضي من حين وفات سيدنا الاستاد العلامة اعلي اللّه مقامه و رفع في الدارين اعلامه ثلاث سنين و طلب مني ان ادله علي كامل العصر و فريد الدهر و ذلك لانه سدده اللّه و سلمه من المعتقدين بلزوم وجود الكملين في كل عصر و حين لحفظ الدين و نفي تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين و من المسلمين بلزوم معرفتهم و ولايتهم و الاقتداء بهم كما وردت بذلك الاخبار المتكاثرة و الآثار المتضافرة عن اهل العصمة و الطهارة عليهم السلام فمنها ما روي عنهم عليهم السلام ان لنا في كل خلف عدولا ينفون عن ديننا تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين و عن احدهما عليهما السلام ان اللّه لم‌يدع الارض بغير عالم و لولا ذلك لم‌يعرف الحق من الباطل و عن ابي‌عبداللّه عليه السلام ان الارض لاتخلو الا و فيها امام كيما ان زاد المؤمنون شيئا ردهم و ان نقصوا شيئا اتمه لهم و عن علي بن محمد عليهما السلام لولا من يبقي بعد غيبة قائمكم عليه السلام من العلماء الداعين اليه و الدالين عليه و الذابين عن دينه بحجج اللّه و المنقذين لضعفاء عباد اللّه من شباك ابليس و مردته و من فخاخ النواصب لمابقي احد الا ارتد عن دين اللّه و لكنهم الذين يمسكون ازمة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكانها [ص 3] اولئك هم الافضلون عند اللّه و عن اميرالمؤمنين عليه السلام قال اللّهم انك لاتخلي ارضك من حجة لك علي خلقك و عن ابي‌عبداللّه عليه السلام قال في حديث من اصبح من هذه الامة لا امام له من اللّه عز و جل ظاهر عادل اصبح ضالا تائها و ان مات علي هذه الحالة مات ميتة كفر و نفاق و عن احدهما عليهما السلام قال لايكون العبد مؤمنا حتي يعرف اللّه و رسوله و الائمة عليهم السلام كلهم و امام زمانه و يرد اليه و يسلم له و في دعاء الاعتقاد المروي في صفة علي عليه السلام لااثق بالاعمال و ان زكت و لااراها منجية لي و ان صلحت الا بولايته و الايتمام به و الاقرار بفضائله و القبول من حملتها و التسليم لرواتها و عن ابي‌عبداللّه عليه السلام قال انكم لاتكونون صالحين حتي تعرفوا و لاتعرفوا حتي تصدقوا و لاتصدقوا حتي تسلموا ابوابا اربعة لايصلح اولها الا بآخرها ضل اصحاب الثلثة و تاهوا تيها بعيدا ان اللّه تبارك و تعالي لايقبل الا العمل الصالح و لايقبل اللّه الا الوفاء بالشروط و العهود فمن وفي للّه عز و جل بشرطه و استعمل ما وصف في عهده نال ما عنده و استكمل وعده ان اللّه تبارك و تعالي اجر ( اخبر . كتاب المبين ) آجر العباد بطرق الهدي و شرع لهم فيها المنار و اخبرهم كيف يسلكون فقال و اني لغفار لمن تاب و آمن و عمل صالحا ثم اهتدي و قال انما يتقبل اللّه من المتقين فمن اتقي اللّه فيما امره لقي اللّه مؤمنا بما جاء به محمد صلي اللّه عليه و آله هيهات هيهات فات قوم و ماتوا قبل ان يهتدوا و ظنوا انهم آمنوا و اشركوا من حيث لايعلمون انه من اتي البيوت من ابوابها اهتدي و من اخذ في غيرها فقد سلك طريق الردي وصل اللّه طاعة ولي امره بطاعة رسوله و طاعة رسوله بطاعته فمن ترك طاعة ولاة [ص 4] الامر لم‌يطع اللّه و لا رسوله و هو الاقرار بما انزل من عند اللّه عز و جل خذوا زينتكم عند كل مسجد و التمسوا البيوت التي اذن اللّه ان ترفع و يذكر فيها اسمه فانه اخبركم انهم رجال لاتلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر اللّه و اقام الصلوة و ايتاء الزكوة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب و الابصار ان اللّه قد استخلص الرسل لامره ثم استخلصهم مصدقين بذلك في نذره و ان من امة الا خلا فيها نذير تاه من جهل و اهتدي من ابصر و عقل ، الي غير ذلك من الاخبار و الآثار هي كثيرة لمن جاس (ظ) خلال الديار فهو سلمه اللّه تعالي بمقتضي تلك الروايات التي هي العقل المسموع و بمقتضي الآيات التي في الآفاق و الانفس العقل المطبوع اخذ في الطلب و اراد ان يتوسل الي اللّه بالوسيلة و السبب كما امره بذلك و قال يا ايها الذين آمنوا اتقوا اللّه و ابتغوا اليه الوسيلة و جاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون فاراد ان يطلب العلم و المعرفة بسيره في القري المشار اليها في قوله تعالي و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرة و قدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي و اياما آمنين فعلم سلمه اللّه ان الجاهل ليس له ان يفارق العالم و ان الناقص لاينبغي له ان يتباعد عن الكامل و علم ان الاعمي لايمشي من غير بصير و ان السالك في سبيل الباطن لايسير بغير دليل خبير فرأي سلمه اللّه في نفسه الداء و طلب الدواء و صار ظمآن فاشتهي الماء و ارجو اللّه سبحانه ان يرشده الي دليله و يهديه الي سبيله كما وعد في كتابه المستطاب هداية المجاهدين و الفرقان للمتقين حيث قال و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و قال يا ايها الذين آمنوا ان تتقوا اللّه يجعل لكم فرقانا و يكفر عنكم سيئاتكم و يغفر لكم و اللّه ذو الفضل العظيم فمن التقوي ان يجاهد [ص 5] العبد في طلب العالم الكامل الذي هو سبيل اللّه المصرح بها في قوله (ع) سبيل اللّه شيعتنا ، ليتعلم من علمه و يستكمل بكماله و اذا اتقي في طلب هذا الدليل و جاهد في السبيل يجعل له كما وعد فرقانا و هو التمسك و التوسل بالوسيلة و الدليل و التوصل الي السبيل الذي به يفرق بين الحق و الباطل و به يهتدي في ظلمات بر الظاهر و بحر الباطن و به يكفر اللّه عن عباده السيئات و يغفر لهم الذنوب و الخطيئات و اللّه ذو الفضل العظيم فرحم اللّه من يبتغي لنفسه الي ربه دليلا و غفر اللّه لمن يجاهد في اللّه و يطلب اليه سبيلا و طوبي لمن لايسير في ظلمات البر و البحر بغير سراج وهاج و لمن لايسلك من غير دليل في كل منهاج و العجب كل العجب من اناس يتخذون جاهلا لانفسهم دليلا و يجعلون ناقصا الي اللّه الكامل سبيلا فهؤلاء يسيرون في غير السبيل و يمشون في البوادي من غير دليل فمثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما اضائت ما حوله ذهب اللّه بنورهم و تركهم في ظلمات لايبصرون صم بكم عمي فهم لايرجعون يزعمون انهم من اهل الباطن و يظنون ان من اتخذوه لانفسهم دليلا هو الدليل و ان هو الا عجل جسد له خوار و ان هو الا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتي اذا جاءه لم‌يجده شيئا و وجد اللّه عنده فوفيه حسابه و اللّه سريع الحساب ثم العجب كل العجب من اناس آخرين تركوا طلب الكامل و لم‌يعتقدوا لزوم وجوده و لا وجوب اتباعه و قعدوا في بيوتهم مع خوالف الاماني و الآمال من العادات و الطبايع و الشهوات و لم‌يطلبوا لانفسهم الي اللّه دليلا و لم‌يبتغوا الي ربهم وسيلة و لا سبيلا فلايسألون عالما ليقل جهلهم و لايجالسون كاملا ليزول نقصانهم يأكلون و يشربون كالانعام مر الدهور و الاعوام و لايكتسبون شيئا في الدنيا الا الذنوب و الآثام ان دعاهم احد الي [ص 6] ولي من الاولياء شفقة و رحمة و تفضلا عليهم ليخرجوا من حضيض الجهل و الشقاوة الي اوج المعرفة و السعادة شمسوا شموس الدابة من القنطرة فكانهم حمر مستنفرة فرت من قسورة و ان ناداهم عالم من العلماء الاخيار الي علم او عمل ائتمارا لامر اللّه الملك الجبار استهزؤا به في الليل و النهار و انكروا عليه و اعرضوا عنه في الاعلان و الاسرار و ان اتفق لاحد منهم مجالسة بعض الاخيار و معاشرة بعض الابرار لم‌يسأله عنادا و ان اتفق السؤال لم‌يكن الا تعنتا و اذا اجابه العالم بعد السؤال او تكلم معه من غير سؤال بادر الي الانكار و الرد من غير ان يتدبر في خلال كلماته و معانيها و من دون ان يتفكر في مضامين عباراته و مبانيها فما لهؤلاء القوم لايكادون يفقهون حديثا لا لامر اللّه يعقلون و لا من اوليائه يقبلون و لقد جاءهم من الانباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة فماتغني النذر و هؤلاء من الناس اهل الظاهر الذين ينادون علي انفسهم بأنه لا حجة بينهم اليوم من عند اللّه و بأنهم لايعرفون كاملا و لايحتاجون اليه في عصرهم هذا كما قالت الامم السالفة بعد نبيهم و حجتهم ذلك و كفي بذلك دليلا علي ما هم عليه بالجملة فلما وصل الي كتابه بادرت الي الجواب راجيا من اللّه سبحانه التأييد و التسديد و الصواب فانه المسدد العزيز الوهاب .

فاعلم يا اخي في اللّه ان معرفة الشخص في زماننا هذا عسير جدا بل غير ممكن علي ما ينبغي لامثالنا و اقراننا لأن اللّه سبحانه اخفي صاحب هذا الامر اجلالا حتي حان زمان ظهوره و بلغ اوان بروز نوره و ذلك بعد استيناس الناس بالاسرار المكنونة و عدم استيحاشهم من الانوار المخزونة و حصول الاستعداد في قوابلهم للعلم و العمل و اما قبل ذلك فلايظهر الا بلباس العلم بحيث ان الناس يزعمون انه رجل من العلماء و الحكماء و الفقهاء فيعرفونه بالعلوم و الرسوم و الحكم و معرفة [ص 7] الحقايق و الدقايق لا بشيء آخر من المقامات الباطنية التي لايتحملها ابناء الزمان و لايعرفها المتصفون بالجهل و النقصان بل يستوحشون منها فضلا عن التحمل كما استوحش الذين من قبلهم فلو اطلعوا عليه لولوا منه فرارا و لملئوا منه رعبا و لنعم ما قيل في المقام :

و للّه تحت قباب الارض طائفة اخفاهم عن عيون الناس اجلالا

فلم‌يظهر احد منهم الي الآن الا بلباس العلم و لايظهر احد منهم ايضا في امثال هذه الازمنة و الآونة الا بذلك اللباس كما لم‌يظهر النبي صلي اللّه عليه و آله و الائمة عليهم السلام في هذا العالم الا كما سمعت و عرفت و اما ما سمعت و عرفت من ظهورهم عليهم السلام في هذا العالم لاهله فهو مظهر من مظاهرهم الدانية المناسبة لاهل ذلك الزمان و بحسبهم علي قدر طاقتهم من ظهور المعاني السفلي و الي ما ذكرت هيهنا يشير قول اميرالمؤمنين عليه صلوات المصلين في حديث النورانية حيث قال يا سلمان و يا جندب قالا لبيك يا اميرالمؤمنين قال انا امير كل مؤمن و مؤمنة ممن مضي و من بقي و ايدت بروح العظمة و انا تكلمت علي لسان عيسي بن مريم في المهد و انا آدم و انا نوح و انا ابراهيم و انا موسي و انا عيسي و انا محمد صلي اللّه عليه و آله انتقل في الصور كيف اشاء من رآني فقد رآهم و من رآهم فقد رآني و لو ظهرت للناس في صورة واحدة لهلك فيّ الناس و قالوا هو لايزول و لايتغير و انما انا عبد من عباد اللّه تعالي لاتسمونا اربابا و قولوا في فضلنا ما شئتم فانكم لن‌تبلغوا كنه ما جعله اللّه لنا و لا معشار العشر لأنا آيات اللّه و دلائله و حجج اللّه و خلفاؤه و امناء اللّه و ائمته و وجه اللّه و عين اللّه و لسان اللّه الحديث ، فلم‌يظهروا بصفة النجابة الكلية و لا بصفة النقابة الكلية و لا بصفة [ص 8] اخري فوق ذلك حتي يعرفهم الناس بذلك و ما يضاهيه و يكون الناس عامتهم مكلفين بهذه المعرفة بل ظهروا بصورة العلم و الحكمة و نطقوا كما نطق العلماء و سلكوا مسلكهم و استدلوا بما استدلوا و من حيث استدلوا و كما استدلوا و مع ذلك كله تري ما تري في الناس من الاستيحاش و من الرد و الانكار و عدم الاستيناس فليس اخفاء هؤلاء عن اعين الناس الا لطف من اللّه سبحانه بعباده الضعفاء الذين لايطيقون النظر الي عين الشمس في رابعة (ظ) النهار و لايتحملون غير ما يناسب رتبتهم و فهمهم من الاسرار كما روي عن آل‌محمد عليهم السلام لو علم ابوذر ما في قلب سلمان لكفره انتهي ، و لايطيقون اداء حقوق اخوانهم الذين هم اصغر ايمانا منهم فضلا عن الذين هم اكبر ايمانا و عن الحكماء و النجباء و النقباء و الائمة عليهم السلام فكما اخفي اللّه تعالي شخصهم بصفاته الخاصة و لم‌يظهره بين الرعية بعلاماته المخصوصة به هو ايضا يخفي نفسه كما شاء اللّه و اراد و لم‌يعرفه احد بغير اللباس المعروف الا من عرفه اللّه تعالي اياه بتفضل خاص و بصّره و ايده في دينه بتعليمات خاصة و تأييدات ناشئة من الفضل و اللّه ذو الفضل العظيم و مثل هذا قليل في زماننا هذا فان الناس قد اشتغلوا عن ذلك بتحصيل الدنيا الدانية و حطامه و اطمأنوا بما لديهم من الاموال و الاولاد و الرياسات فكل حزب بما لديهم فرحون فمن العباد من جاهد في طلبه حق الجهاد و طلب من اللّه تعالي معرفته و الوصول اليه بلسانه و اركانه و جنانه (ظ) فهو لايبعد وصوله الي مأموله لقوله عز و جل و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا فنحن بحول اللّه و قوته نتكلم في تعريفه كما شاء اللّه و اراد ببيان صفاته العامة و نشرع في توصيفه بعلاماته المطلقة و تلك في العالم الظاهر كثيرة لااحصيها فاني اذل و احقر من ان احصي جميع صفات [ص 9] الكملين و اذل و احقر من ان ادرك جميع علاماتهم لكني اذكر بعض ما عرفته من الاخبار و كلمات العلماء الاخيار مما يشهد بصحته العقل السليم و يبادر الي قبوله الطبع المستقيم فان ما لايدرك كله لايترك كله اعلم وفقك اللّه تعالي ان الانسان الكامل هو علامة الامام الكامل و سمته و آيته و الامام الكامل هو علامة النبي الكامل و سمته و النبي الكامل هو علامة اللّه الكامل و اسمه و صفته و سمته و انت تعلم ان اللّه سبحانه كامل لا نقص فيه بوجه من الوجوه فليس في ذاته الاحدية و لا في صفاته و لا في افعاله و لا في تجليه و نوره و ظهوره ما ينافي احديته و لا ما يخالف ازليته ابدا ابدا و هو عز و جل قد ظهر بين عباده و تجلي لهم بالكمال و الجمال لا بالعيب و النقصان و من البين ان من تجلي اللّه به اولا بين جميع المبروءات و لجميع المذروءات هو محمد صلي اللّه عليه و آله اول الموجودات و قطب الكائنات ثم الائمة الطاهرون و فاطمة الصديقة عليهم السلام الذين لهم جميع ما له صلي اللّه عليه و آله من الفضائل و الكمالات الا النبوة فتجلي اللّه سبحانه بهم عليهم السلام لخلقه و عرف بهم عليهم السلام نفسه اياهم كما تواتر بذلك الاخبار و الآثار و لذا لايعقل و لايجوز ان يكون في هؤلاء الابرار الاخيار صلوات اللّه عليهم اجمعين ما يتصف بالعيب و النقص و العجز و الجهل و السهو و النسيان اذ لو كان لزم ان يعرف اللّه نفسه لعباده بالنقصان و لزم ان يصف نفسه لهم بما ينافي الجمال و الكمال و تعالي اللّه عن ذلك علوا كبيرا و اما ما فيهم عليهم السلام حين ظهورهم للخلق و عند بروزهم للعباد في المراتب الخلقية الغيبية و الشهادية من التركيب و الاجزاء و الاستمداد و الاستفاضة و لوازم هذا العالم من التولد و التناسل و ما [ص 10] يشبه ذلك فليس يدل علي نقص في اللّه الاحد جل شأنه لان ذلك كله من لوازم الحدوث الممتنع عن الازل الممتنع عن الحدث فالحادث ان كان موجودا في محله و كان له ما ينبغي له في رتبته من المادة و الصورة و الكيان الثلثة و الكيفيات الاربعة او غير ذلك من لوازم الرتب كان هو هو و يقال عرف اللّه عز و جل نفسه له بالكمال و تجلي له بالجمال و اما اذا لم‌يكن هو هو و كان ممتنعا بحتا باتا فلمن يعرف نفسه بالكمال و لمن يتجلي و يصف نفسه بالجمال فاذا وجد الخلق و فرض وجوده في محله و جاء التعريف و صدق التوصيف يقال تجلي اللّه سبحانه له و عرف نفسه له و اذا صح ان يقال ذلك اذ لايكون ممتنعا في حده فلزم ان يكون له في رتبته ( رتبة . ظ ) التعريف لوازم تلك الرتبة الخلقية اذ الاحد بكنه ذاته القديمة لايظهر للخلق لامتناع الخلق معه فتعين ان يكون آية التعريف و آلة التوصيف خلقا في الوجود و ان لم‌يتصف بصفات الخلق في الوجدان و اذا تعين كونه خلقا فتعين ان يكون له ما يلزم الحادث من التركيب و الاجزاء و الاستفاضة و الاستمداد و لوازم هذا العالم في هذا العالم من التولد و الاكل و الشرب و امثال ذلك فهذه كلها نقص للأحد جل شانه و تنافي احديته و اما للحادث في مراتبه فليست هي بنقص له بل هي من اجزاء وجوده و كونه هو هو في محله فالنبي صلي اللّه عليه و آله و الائمة عليهم السلام في عرصة الامكان لهم عليهم السلام غاية الكمال الممكن في تلك العرصة و ذلك يستلزم كونهم عليهم السلام ممكنين و ذلك يستلزم الاجزاء و التركيب و الاستفاضة و اشباه ذلك و لاينافي ذلك كمالهم الامكاني و ان كان ينافي كمالهم الذي اليه الاشارة [ص 11] بقولهم عليهم السلام كنا بكينونته قبل مواقع صفات تمكين التكوين كائنين غير مكونين الحديث ، فليس ما يوجد فيهم عليهم السلام في عرصة الامكان من الاجزاء و الاستمداد منافيا لكمالهم الامكاني الذي عرف اللّه تعالي به نفسه للامكان و ليس ما يوجد فيهم عليهم السلام في هذه الدنيا من التولد و الاكل و الشرب و اشباه ذلك منافيا لنبوتهم و امامتهم و كمالهم عليهم السلام في هذا العالم لان اللّه سبحانه عرف نفسه في هذا العالم لبني‌آدم بهذا الكمال و لم‌يكن ينبغي بغير ذلك و ان كان ما لهم عليهم السلام في هذا العالم ينافي كمالهم الكينوني و لعلك عرفت مما ذكرت سبب استغفارهم عليهم السلام و وجه اعترافهم عليهم السلام بذنوب عجيبة مثل قوله عليه السلام عصيتك بيدي و عصيتك بلساني و عصيتك بفرجي ، و غير ذلك من فقرات الادعية و هم معصومون مطهرون عليهم السلام فوجه ذلك هو انهم عليهم السلام يرون اليد و الرجل و اللسان و العين و ساير الجوارح و الاكل و الشرب و ما يضاهي ذلك منافيا لكمال الاحد و الكمال الكينوني فيستغفرون و يعتذرون و يتداركون لانفسهم عليهم السلام بهذا الاستغفار و الاعتراف و ليس ينافي ذلك عصمتهم و كمالهم عليهم السلام في عرصة الامكان و في هذا العالم فهم عليهم السلام لكونهم سمة اللّه الكامل و علامته و آية تعريفه و آلة توصيفه عز و جل للخلق و بين الخلق يجب ان يكونوا معصومين من كل عيب يسمي بالعيب في عرصة الامكان و يجب ان يكونوا مطهرين من كل نقص يسمي بالنقص في رتبة الاكوان و منزهون من كل عيب و نقص يسمي بهما في عرصة الشرع و كذلك يكونون اذ من كمالهم عليهم السلام عرف كمال اللّه كما قالوا بنا عرف اللّه و لولانا ماعرف اللّه ففي الدعاء و بآياتك و علاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك [ص 12] و خلقك و في الزيارة عصمكم اللّه من الزلل و آمنكم من الفتن و اذهب عنكم الرجس و الدنس و طهركم تطهيرا ، و قد اجمعت الامة و الفرقة المحقة علي ان آية التطهير انما نزلت في محمد و آله الطاهرين صلوات اللّه عليه و عليهم اجمعين و لست الآن بصدد بيان ذلك و الا لكان اثباته ممكنا من وجوه شتي ثم لا شك و لا ريب في ان محمدا صلي اللّه عليه و آله و الائمة عليهم السلام قد ظهروا و تجلوا للناس في المراتب الدانية بنورهم و شعاعهم و ظهورهم لا بذاتهم و حقيقتهم عليهم السلام كما مرت الاشارة الي ذلك بقول اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث النورانية حيث قال و لو ظهرت للناس في صورة واحدة لهلك فيّ الناس و قالوا هو لايزول و لايتغير الحديث ، و نورهم و شعاعهم ليسا لهم عليهم السلام و لايدلان عليهم الا ان يكونا متصفين بصفتهم عليهم السلام فان الاثر مطابق لصفة مؤثره و النور موافق لظهور منيره فليس ظهورهم عليهم السلام للتعريف و التعرف الا بالكمال و الجمال و الا لم‌يكن التعريف و التوصيف موافقا للواقع و لم‌يكن النبي و الامام عليهما السلام معروفا بالكمال و لم‌يكن اللّه سبحانه معروفا بالجمال و تعالي اللّه عن ذلك علوا كبيرا و لعلك عرفت مما اشرت اليه ان النهي عن التسمية في زمان الغيبة كما ورد في اخبار متعددة يمكن ان يراد به النهي عن التصريح باعيان كملي الشيعة و اعلان شخصهم فانهم اسم امامهم و علامته و سمته لوجوب كونه صفة له عليه السلام اذ هو المفروض في المقام و خلافه خلاف المفروض فالكامل الذي هو صفة الامام عليه السلام و سمته و اسمه و علامته بين الرعية لا بد و ان يكون تابعا للامام عليه السلام في ذاته و صفاته و افعاله و احواله و مشايعا له عليه السلام في جميع مراتبه و علومه و عقايده و اعماله و من لم‌يكن [ص 13] كذلك لايصدق عليه اسم الشعاع بالمعني الخاص كما وردت بذلك الاخبار الكثيرة عن الائمة الاطهار عليهم السلام بحيث انهم عليهم السلام كانوا ينهون الناس عن ادعاء التشيع بالمعني الخاص و كانوا يزبرون (ظ) من ادعي ذلك من مواليهم و محبيهم عليهم السلام و كانوا ينكرون عليه اشد الانكار فليس كل من يقول بولايتهم عليهم السلام كاملا و لا مؤمنا كما روي عنهم عليهم السلام ليس كل من يقول بولايتنا مؤمنا و انما جعلوا انسا للمؤمنين انتهي ، بل الكامل كما ثبت هو الذي يقتدي بامامه و يشايعه و يتابعه في جميع ما ذكر بحيث لا فرق بينه و بينه كما قال الشاعر :

رق الزجاج و رقت الخمر فتشاكلا فتشابه الامر

فكأنما خمر و لا قدح و كأنما قدح و لا خمر

فلا فرق الا انه هو الشعاع و النور و التابع و العبد الذي لايملك لنفسه نفعا و لا ضرا و لا حيوة و الامام عليه السلام هو المنير و المتبوع و السيد و هو المالك لما ملكه و كفي بذلك فرقا بينه و بينه اذ النور لايصير منيرا و لا الصفة ذاتا ابدا تدبر يا اخي فيما ذكرت لك و تفطن بأن الغالي هو من يذهب بالنبي صلي اللّه عليه و آله الي رتبة الاحد جل شأنه او يذهب بالامام الي رتبة النبي صلي اللّه عليه و آله او يذهب بالشيعة الي رتبة الامام عليه السلام و اما من يعتقد في الشيعي بانه شيعي تابع للامام عليه السلام و شعاعه و ظهوره و لذا يثبت له الكمال و الجمال ليكون ذلك دليلا علي كمال امامه و جماله فاين غلوه و ان ذكر للشيعي الكامل من المدايح و الفضائل ما لم‌تسمعه الآذان و لم‌تره الاعين اماسمعت ما روي عن آل‌محمد عليهم السلام في سلمان من انه علم علم الاولين و الآخرين بل علم محمد و علي و انه انما صار من العلماء لانه رجل منا اهل البيت [ص 14] ، و روي ان نظير سلمان يكون في كل عصر فالمفروض في الكامل و من لوازم وجوده هو الاتصاف بصفات امامه و كونه كاملا قد ظهرت فيه الاسماء و الحروف الثمانية و العشرين و الا لم‌يكن شعاعا و لا صفة و لا علامة فمن اراد ان يعرفه فليعرفه بما عرف في امامه و منه من العلم و المعرفة و الحكمة و التقوي و الزهد و الاحاطة و العظمة و صفات الرب جل و علا و تربية الرعية و هيمنته عليهم و العفة و الطهارة و الذكاوة و غير ذلك و من ادعي الكمال و هو مخالف لامامه في العلوم و الاعمال و العقايد و الاحوال فقد ادعي ما ليس فيه و كذبته الشواهد من ظواهره و خوافيه و من ادعي الكمال و هو تابع لامامه في جميع الصفات و الافعال صدقه اللّه و صدقه الرسول (ص) و الاولياء و اهل الانصاف من الرعية و ان كذبه اهل الاعتساف و العداوة و الشقاوة و اما ما فيه من لوازم كونه شعاعا و تابعا للامام عليه السلام فرقا بينه و بينه عليه السلام كاستمداده منه عليه السلام و استفاضته و تعلمه منه عليه السلام فهو لاينافي كماله في رتبته كما كان استمداد محمد و الائمة صلي اللّه عليه و عليهم و استفاضتهم و تعلمهم من اللّه سبحانه غير مناف لكمالهم عليهم السلام في عرصة الامكان بل ذلك عين كمالهم و سبب وجودهم و بقائهم في عرصتهم عليهم السلام فالداني غاية كماله و نهاية جماله هو ان يستمد من العالي دائما و يتوجه اليه دائما و يتعلم منه دائما قال اللّه عز و جل حكاية عن عيسي بن مريم علي نبينا و آله و عليه السلام سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم فالانسان الكامل الذي يدل بكماله علي الامام الكامل و النبي الكامل و الرب الكامل يستمد في جميع الحالات من سيده و امامه و يتوجه في جميع المقامات [ص 15] الي مولاه و يوافق الكملين الذين عرفوا بالكمال في الاعصار السابقة في العلم و العمل و الصفات و الاخلاق و غير ذلك مما لم‌يذكر و لكن اهل العصر اكثرهم يسامحون في ذلك جهلا فيزعمون ان كل من يدعي الكمال هو كامل مع ما يرون فيه من الجهل و العجز و النقصان و الطبايع و العادات و الشهوات و قد شاع هذا الامر الشنيع بين الصوفية خذلهم اللّه حيث اتخذوا لانفسهم مراشد يتركون الصلوة و الصوم و الحج و سائر الفرائض و يشتغلون بالملاهي و السيئات ليلا و نهارا و لايعرفون شيئا من الكتاب و السنة فهل كان ذلك ديدن الانبياء ام كان شيمة الاولياء الاوصياء نعوذ باللّه من بوار العقل و قبح الزلل

فكل يدعي وصلا بليلي و ليلي لاتقر لهم بذاكا

و انما الكامل من كان متصفا بصفة الكاملين و تابعا لهم و لكن لاتزعمن ان كملي الشيعة يجب ان يكونوا متوافقين مع ساداتهم محمد و آله عليهم السلام في جميع الجزئيات في عالم الاجسام او غيره كالحسب و النسب و الشكل و الهيئة و السن و القبيلة و العشيرة و الآباء و الاجداد و اشباه ذلك فان بعض الامور من اعراض هذه الدنيا و ربما لايمكن فيه التوفق و ربما لاينبغي و ربما لايجوز و بعضها من خواص محمد و آله الطيبين و خصايصهم عليهم السلام التي خصهم اللّه تعالي بها في عباده و بلاده و فضلهم عليهم السلام بها علي جميع خلقه و ليست هي لغيرهم ابدا فهي كلها مستثناة لاختصاصها بهم عليهم السلام دون غيرهم ان وجدت جايزة جزئية لا واجبة كلية و كنسبهم عليهم السلام في هذه الدنيا فليس مثله لغيرهم عليهم السلام و كذلك سائر خصائصهم عليهم السلام و هي كثيرة لاتحصي فلاتطلبها من كملي شيعتهم عليهم السلام لانهم دون رتبتهم عليهم السلام كما لاتطلب خصايص الرب من الخلق و كما لاتطلب خصايص النبي صلي اللّه عليه و آله من الائمة عليهم السلام [ص 16] فمن الواجب للعارف البصير ان يضع لوازم كل رتبة فيها دون غيرها من الرتب و من لم‌يفعل ذلك و لم‌يحفظ المراتب فهو زنديق اما يغلو في دينه و اما يقصر و بالجملة قد ظهر مجملا مما مر نوع علامات الكامل و صفاته التي بها يعرف و تبين ان علاماته هي صفات الامام و متابعته و مشايعته اياه عليه السلام في كل مقام و مرام و ذلك يتبين بالتدبر في الكتاب و السنة و الانصاف و ترك الاعتساف و اما العلامات الجزئية و بعض الخصوصيات فاقول مع ما ذكرت من مراعات الخصائص و حفظ المراتب كلما فقد صاحب هذا الامر لايفقد امورا كثيرة يشهد بها العقل القويم و الطبع المستقيم اذكر بعضها تبصرة و تذكرة منها انه لايظهر و لايبرز من قبيلة معروفين بالرذالة و النذالة لان اللّه سبحانه لايجعل مخزن اسراره و محل انواره من خرج من بين الارذال و لايختار مرجع جميع عباده في بلاده من برز و تولد من الانذال ففي الحديث من خالط الانذال حقر و في حديث آخر مجالسة الانذال تميت القلوب الحديث ، هذا و من كان منهم يبعد ان يتصف بالصفات الممدوحة و يتخلق بالاخلاق الحسنة كالسخاء و الجود و الكرم و العفة و الوقار و الحلم و الصفح و امثال ذلك مما يلزم في مقام الرياسة و السياسة فينبغي ان يكون معلم الناس و من يدعوهم الي اللّه تعالي و من يجب مجالسته و معاشرته لجميع الاصناف من النجباء و الاشراف و لايقدح فيهم ان كانوا من اهل الشرك اذ ذلك ليس يدل علي كونهم من الارذال و الانذال الذين هم من اهل دنائة الطبع لما سمعت من خروج الكملين في سوالف الايام من بين اناس كانوا علي غير دين اللّه و لان اللّه سبحانه يقول يخرج الحي من الميت و يخرج الميت من الحي و كذا لايقدح فيهم ان كانوا عصاة غير زاهدين لان المعصوم من عصمه اللّه فلاينافي عصيانهم كماله لا عقلا [ص 17] و لا نقلا و لايقدح فيهم ايضا ان كانوا فقراء غير اغنياء و كذا ان كانوا من اهل الصنايع و المكاسب اذ كل ذلك لايدل علي كونهم من الانذال بل هو من لوازم اهل الشرف و الرفعة كما يظهر من بعض الاخبار و منها انه لايكون الا طاهر المولد اذ من في مولده مغمض يبعد ان يكون مواليا لاولياء اللّه فضلا عن ان يكون مؤمنا كاملا و ذلك لان القوابل الامكانية تسأل اللّه تعالي بلسان قابليتها ما يناسبها و يجانسها من الارواح ان كانت طيبة تسأل ارواحا طيبة لانها تجانسها و ان كانت خبيثة تطلب ارواحا خبيثة لانها تناسبها و لايمنعها اللّه الجواد الكريم عما تسأل كما قال كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ماكان عطاء ربك محظورا فمن خبث مولده بشيء مما ورد في الاخبار و الآثار و كان علي تلك الحال لايبلغ مبلغ الكمال و لايصير مظهر الرب المتعال و ان كان مدعيا للكمال و ظاهرا عنه بعض العجائب في الفعال اذ يكفي ذلك في الدلالة علي نقصانه و بطلانه للاخيار و منها انه لايكون الا تام الخلقة في بدنه من الاعضاء و الجوارح و الحواس و المدارك و المشاعر فان من في بدنه حين تولده شيء من الزيادة و النقصان خارج عن الاعتدال و الاستقامة البتة لما مر من وجوب المناسبة بين القوابل و المقبولات و لان الظاهر عنوان الباطن فمن تولد و لا يد له او لا رجل او يكون له يد زائدة او رجل زائدة و كذا العين و الاذن و الانف و الرأس و ساير الاعضاء لايحتمل ان يكون كاملا لان ذلك في بدنه دليل نقصان نفسه و خروجها عن الاعتدال و الاستقامة و كذا من تولد و لا شامة له او لا ذائقة له و كذا من تولد اصم او اعمي و ذلك لان صاحب هذا الامر لايفقد شيئا من العلوم و لايجهل رسما من الرسوم و من لا سمع له [ص 18] منذ تولده الي ان يموت لايحصل له العلوم التي تتعلق بالاصوات و الالحان و من لا بصر له عند تولده حتي يموت لايحصل له العلوم التي تتعلق بالهيئات و الاشكال و الالوان و كذلك الامر في سائر المدارك اذ كل واحد منها يتعلق بعلوم خاصة فان كان كانت و ان لم‌يكن لم‌تكن و لعلك تنبهت مما ذكرت بأن كل واحد من المشاعر لو كان ناقصا منحرفا في الاصل و كان الانحراف ذاتيا له كان كذلك ايضا لعين ما مر و اما اذا عرض عارض ثم تغير مشعر من مشاعره بمرض او علة فلا ضير اذ كان له المشاعر صحيحا و كان يدرك به الاشياء علي ما هي عليه ثم ذهب بالعوارض قال اللّه عز و جل في يعقوب النبي علي نبينا و آله و عليه السلام و ابيضت عيناه من الحزن و من هذا القبيل اذا نقص عضو من اعضائه بالعوارض و الآفات و العاهات كما اذا قطعت يده او رجله فلا ضير ايضا اذ ليس يدل ذلك علي نقصان الارواح و الانفس و لعلك تنبهت ايضا مما ذكرت بأن من كان في مشاعره البرزخية نقصان و اعوجاج لايحتمل ان يكون كاملا بطريق اولي كما اذا كان في خياله اختلال او كان فكره غير ثاقب او لم‌يكن دقيق النظر و لا حديد البصر اذ من كان كذلك لايستقيم في صوره الخيالية و لا في فهم النسب المثالية و لا فيما يدركه العالمة و لا فيما يستنبطه العاقلة و ليس فهم تلك العيوب و الامراض حظ جميع اصناف الناس فلايفهمون خطاء الافكار و اعوجاجها و لايشعرون انحراف الابصار و عدم اعتدالها الا من شاء اللّه فيعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا و يعرفون عيوب الاجسام و الابدان و لايفهمون عيوب البواطن و الارواح فهم عن الآخرة غافلون و لذا تري اغلب الناس لايميزون بين رجلين الا في اللباس و الصورة و الهيئة و اللون و اشباه ذلك من الظواهر و لست الآن بصدد [ص 19] بيان ذلك بل اردت بيان وجوب كون الكامل تام الخلقة في بدنه اولا فان الظاهر عنوان الباطن و منها ان لايكون في قيافته ما يدل علي خروجه من الاعتدال و الاستقامة مما ورد في اخبار آل‌محمد عليهم السلام ذمه فان من يكون تام الخلقة في الظاهر ربما يخرجه من الاعتدال ما يوجد في وجهه من الاعوجاج و الانحراف من حيث الهيئة و اللون و الوضع فمن في قيافته دليل قوي علي نقصان روحه من الادلة الواردة في الاخبار التي يعرفها القيافون من اولي الابصار لايحتمل ان يبلغ مبلغ الكمال فيصير مظهر امر اللّه ذي الجلال و الجمال و اما الاخبار الواردة في العلامات المذكورة فهي مضبوطة في مظانها من ارادها فليطلبها و اما ما يزعمه الجهال من الناس نقصا و قبحا مثل ان يكون لونه مائلا الي الصفرة او الي السواد او يكون اعجف او يكون سمينا او يكون جلده خشنا او ما يشبه ذلك فلا ضير فيه فان كل ذلك يختلف في كل احد باختلاف العوارض و لا اثر لها في الارواح و الذاتيات بل المأثور هو ان المؤمن قبيح المنظر كما روي عن اميرالمؤمنين عليه السلام حيث قال في حديث همام في صفة المؤمن زكي العمل قبيح المنظر ، و ذلك لان الجمال الظاهر هو من غلبة الرطوبة المنفعلة المطاوعة لفعل الفاعل في البدن فاذا طاوعت الرطوبات فعل الفاعل علي ما شاء و اراد صار البدن ناعما متصورا بصورة جميلة و اما اذا قلت الرطوبات بحرارة العقل و كثرة الاعمال و الرياضات و توارد الآلام و الاسقام و الهموم الدنيوية فالبدن ربما يصير خشنا و منظره قبيحا كما صرح بذلك اميرالمؤمنين عليه السلام و منها انه لايكون فيه شيء من الامراض التي ورد النهي عن مصاحبة صاحبها كالجذام و البرص و لا من الامراض التي يتعلق بها الشيطان و الارواح الخبيثة كالوسواس و الجنون و امثال ذلك فان اللّه سبحانه اجل و اكرم من ان يبتلي وليه الذي هو [ص 20] مخزن اسراره و مهبط انواره و مرجع جميع عباده في بلاده بمثل هذه الامراض فعن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام في حديث المناهي قال و كره ان يكلم الرجل مجذوما الا ان يكون بينه و بينه قدر ذراع و قال فر من المجذوم فرارك من الاسد و عن رسول اللّه صلي اللّه عليه و آله قال خمسة يجتنبون علي كل حال المجذوم و الابرص ( و الابرص و المجنون . فصل الخطاب ) و ولد الزنا و الاعرابي و عن عبداللّه بن سنان قال ذكرت لابي‌عبداللّه عليه السلام رجلا مبتلي بالوضوء و الصلوة و قلت له هو رجل عاقل فقال ابوعبداللّه عليه السلام و أي عقل له و هو يطيع الشيطان فقلت له و كيف يطيع الشيطان فقال سله هذا الذي يأتيه من اي شيء هو فانه يقول لك من عمل الشيطان انتهي ، و كذلك الكلام في الامراض التي تتنفر الطبايع المستقيمة عنها فانها ايضا مما لايبتلي ولي اللّه و حجته بها البتة و اما ما يروي في بدن ايوب علي نبينا و آله و عليه السلام من انه صار مدودا فهو مردود عند الفرقة الناجية غير مقبول ببداهة منافاته ما اراد اللّه سبحانه من ارسال الرسل و وضع الحجج بين خلقه و هو انه عز و جل لما احب ان يعرف و يعبد خلق الخلق علي ما هم عليه و فيه من الدرجات المختلفة كما قال هم درجات عند اللّه و خلق بينهم في كل درجة و قرن و زمن وليا و حجة و اختاره لنفسه و جعله سبيله و بابه و وجهه و امرهم بمعرفته و محبته و طاعته ليكون معرفته معرفته و محبته محبته و طاعته طاعته و لولا ذلك لماحصل فيهم الفائدة و الغاية من خلقتهم كما اشار الحجج عليهم السلام الي ذلك حيث [ص 21] قالوا بنا عرف اللّه فلولانا ماعرف اللّه بنا عبد اللّه و لولانا ماعبد اللّه و قالوا الا و نحن النذر الاولي و نذر الآخرة و الاولي و نذر كل زمان و اوان ، فالخلق مأمورون من عند اللّه ان يحبوا وليه و وجهه و بابه في كل قرن قرن و زمن زمن لتظهر منهم الغاية و هم مختلفون متفاوتون في الرتبة و الدرجة و الفهم و الاستقامة و النزاهة و النظافة و امثال ذلك كما عرفت فاذا كان في الحجة الظاهر بينهم من الامراض و الاعراض ما تتنفر عنه طبايعهم المستقيمة و تشمئز منه قلوب اولي النظافة و النزاهة منهم فكيف كان يمكن لهم ان يحبوه غاية المحبة و يجعلوه نصب اعينهم علي كل حال و كيف يمكن ان يكون ذاته احب اليهم من ذواتهم و صفاته احب اليهم من صفاتهم و اهله من اهلهم و كيف يمكن لهم ان لايفارقوه و لايغفلوا عنه و لايتخلفوا عنه في قول و لا في فعل فلايعقل ان يظهر ولي اللّه و مظهره في عصر من الاعصار و فيه ما تتنفر عنه طبايع اهل الاستقامة و النزاهة و النظافة و منها انه لايكون الا مليحا في اعماله و افعاله و منطقه و ضحكه و بكائه و اقباله الي الناس و ادباره عنهم و مجاورته و محاورته و امثال ذلك لانه انما وضع لتكميل الناس في ذلك و ما يضاهيه و لو لم‌يكن المكمل قويا فيما يريد تكميله لم‌يقدر علي التكميل البتة و لما مر هيهنا من ان جميع اصناف الناس مأمورون بمعاشرته و مجالسته و محبته و مودته و لايستقيم لهم ذلك و لايتمكنون من مودته ان لم‌يكن مليحا فان اولي الافهام و الطبايع المستقيمة لايقبلون بقلوبهم الي من لا ملاحة له في خلقه و منطقه و فعله و لايصبرون علي معاشرته و ان عاشروه يوما ما او اياما فقلوبهم عنه معرضة من حيث ما فيه من عدم الملاحة و ان كانت مقبلة اليه [ص 22] من حيوث اخر كاسلامه و موالاته و معاداته في اللّه عز و جل لكن جميع الناس لايعرفون الملاحة و غيرها في الجزئيات بانحرافهم و اعوجاج طبايعهم و لايميزون بين المليح و غيره فربما يستحسنون قبيحا و يستقبحون مليحا و لذا يعرضون عن رجل و يقبلون الي رجل علي حسب اهوائهم و آرائهم فليحذر الموالون لآل‌محمد عليهم السلام عن ان يجعلوا انفسهم موازين معرفة هذه الامور الدقيقة لأن الناقص لايصير نفسه الناقصة ميزان كل حق و باطل في كل مقام بل الواجب عليهم ان يجعلوا ميزانهم في ذلك و ما يضاهيه الكتاب و السنة و آثار الكملين و اعمالهم و افعالهم قال اللّه عز و جل اولئك الذين هدي اللّه فبهديهم اقتده و قال زنوا بالقسطاس المستقيم فاللّه سبحانه لايخل بالحكمة و لايترك الاولي و الاحسن و لايظهر بين بريته و لا لرعيته الا بما هو اجمل و اكمل فمن ادعي الكمال و افتقار جميع الناس اليه في العلم و العقل و الادب و هو غير مليح لاتصدقه في مدعاه اذ لم‌يصدقه اللّه بما اظهر منه و لايقدح فيما ذكرت من انه لايكون الا مليحا كون بعض الحجج املح من بعضهم الآخر فان للملاحة مراتب شتي كما قال النبي صلي اللّه عليه و آله انا املح من يوسف ، فالذي ينبغي في الحكمة هو ان يكون مرجع العباد املح اهل عصره لئلايكون لهم علي اللّه حجة في الادبار و الاقبال و ما يترتب عليهما من الطاعات و السيئات و منها انه لايكون في سن شبابه الا ذكيا فطنا سريع الانتقال مستعدا للاستكمال و الاشتعال بنور الايمان و نار الكمال اذ من لم‌يشتعل دهن قابليته بنار الايمان و المحبة و المعرفة في اوايل السن يبعد ان يشتعل بها في اواخره و في الكهولة باعتبار ضعف حرارة المحبة و الوداد الكامل حال الكهولة و الشيخوخة و باعتبار جفاف الرطوبة المنفعلة بفعل الفاعل المكمل حينئذ اللّهم الا ان يلاقي في اول سنه استادا كاملا يكمله [ص 23] فحينئذ يمكن ان تحفظ قابليته المستعدة بعد الشباب يد التدبير و آلات التقدير من الانحرافات و الاعوجاجات حتي تقع في يد الاستاد المكمل فيكمله حينئذ و بلغ حد الكمال الممكن في رتبته و ذلك لاينافي كماله و استعداد قابليته و سرعة انفعاله بتكميل المكمل اذ كانت قابليته مستعدة الا انه لم‌يكن له مكمل في اول سنه و لو كان لصار كاملا و اشتعل دهن قابليته فيه خلافا لمن لا استعداد له في دهن قابليته فانه و ان كان مجالسا للكامل ليلا و نهارا و معاشرا له خلوة و جلوة في اوايل سنه لايشتعل بنار الايمان و نور المحبة و المعرفة و الكمال كما ان الماء لايشتعل بالنار لمضادته معها و ان كان قريبا منها فمن كان من الناس يعاشر الكملين و يجالسهم ثلثين سنة او عشرين سنة او اربعين مثلا و كان يبرز منه في هذه الازمنة الطويلة آثار النقص و الجهل و العجز و امثال ذلك ثم ادعي انه صار كاملا بعد لم‌يقبل منه و لم‌يصدق فان القضيب الرطب ان لم‌يستقم حال كونه رطبا لايمكن عادة ان يستقيم حال كونه جافا نعم يصدق و يقبل منه ما لايبعد في حقه مثل ان يدعي انه صار مواليا او عالما من العلماء الظاهرين او فقيها من الفقهاء او زاهدا من الزهاد و امثال ذلك فان هذه الكمالات لاتحتاج الي قابلية مستعدة من جميع الحيوث و الجهات و لا الي دهن غير هذه الادهان المعروفة و اما ادعاء الكمال المنظور فلا فانه مقام جسيم و امر عظيم و صاحبه ربما يشتعل دهن قابليته في الصبي او في الشباب او قبل ذلك ان كان له من يكمله بل ربما يشتعل من غير ان يكمله مكمل في الظاهر و الي ذلك الاشارة بقوله عز و جل يكاد زيتها يضيء و لو لم‌تمسسه نار و انت قد سمعت احوال بعض الكملين الذين قد استكملوا من غير ان يكون لهم استاد في الظاهر و هذه العلامة التي [ص 24] ذكرتها في معرفة الكامل من انه لايكون الا سريع الانتقال و الاستكمال ليست بعلامة يعرفها كل احد في كل مقام الا اني رأيتها تدلك علي المقصود في كثير من الاحيان فذكرتها فاحفظها و راعها في الاشخاص تجدها علي ما ذكرت لك ان شاء اللّه و منها انه لايكون الا و له مشعر كل علم بحيث انه لو توجه الي علم النجوم مثلا لأدركه و كذلك لو توجه الي علم الهيئة او الي سائر العلوم من العلوم الرياضية و الطبيعية و الالهية و ذلك لان صاحب هذا الامر يقوم العوج في كل علم و يثقف الاود في كل فن بحيث انه لو وقع بين اهل علم اختلاف في شيء من مسائله من ظواهره و خوافيه فليرجعوا اليه و ليرفع الاختلاف من بينهم و الا لكانت الحكمة ناقصة و كان لاتقضي حوائج العباد في جميع البلاد و تعالي اللّه عن ذلك علوا كبيرا فلايجوز ان يكون فهمه قاصرا عن مشكلات كل علم و لا عن معضلات كل فن فضلا عن غيرها لما ذكرت و لان ذلك من لوازم الكمال و من علاماته و خلافه خلاف المفروض نعم يمكن ان لايتوجه الي شيء من العلوم لاشتغاله بامور اخر فيكون فاقدا له بالفعل و اما بعد التوجه و بعد الطلب فليس ان لايعرفه و لو بعد حين فمن ادعي الكمال المنظور و لم‌يكن له مدرك علم الفقه مثلا او لم‌يكن له مدرك علم النجوم او علم الهيئة او علم الحساب او علم الفلسفة او الطب او غير ذلك مع انه يطلبها و يتوجه اليها ليلا و نهارا لم‌يصدق في مدعاه و كذلك الكلام في سائر المدارك كمدرك الوداد و المحبة و امثال ذلك فان من لايكون ودودا لايقدر علي تأليف قلوب الناس و ايقافهم علي الموادة و المؤاخاة و ليس يقدر هو بنفسه علي محبة اللّه و مودته فضلا عن ان يكون مؤلفا و مكملا لسائر العباد فهذه بعض علامات الكامل و صفاته الظاهرة .

[ص 25] و اما الجزئيات و صفاته الباطنة فكثيرة لايمكن احصاؤها في هذا المختصر و بعضها مذكور في حديث همام المروي عن اميرالمؤمنين عليه السلام في صفات المؤمن ان شئت فراجع و ادني مراتبه التي فيه هو النفس الناطقة القدسية التي قواها خمسة و هي علم و حلم و ذكر و فكر و نباهة و لها خاصيتان و هما النزاهة و الحكمة كما روي عن اميرالمؤمنين عليه السلام و اما ما هو اعلي من ذلك من القوي و الخواص كالبقاء في الفناء و النعيم في الشقاء و الفقر في الغناء و العز في الذل و الصبر في البلاء و الرضاء و التسليم فهو من العلائم التي تدل علي خروجه من عرض الناس و كليته و لايعرفها الا الاقلون فراع ما ذكرت لك في معرفة الاشخاص و لاتمش في دينك كالاعمي و لاتكتف بالظنون و لاتستدل بما نشأت من الظنون و لاتعتقد كمال رجل بالظن و التخمين فان الظن لايغني من الحق شيئا و قال اللّه عز و جل فيمن قال في دينه بالظن و التخمين ان هم الا يظنون و ان هم الا يخرصون فانت يا اخي ان كنت تحب ان لاتكون منهم فاسع ان تعتقد ما كنت تعتقد به ببرهان قطعي من الكتاب و السنة و الآفاق و الانفس و ذلك لايحصل لك فيما كتبت الي و سألت الا بأن تستعمل الانصاف كما تفعل و ترك الاعتساف و الاستيناس باحد دون احد من الناس فان ذلك يعمي و يصم فمن استأنس برجل و نظر اليه من غير انصاف ربما يستحسن بعض ما فيه برأيه و عقله الناقص و من لم‌يستأنس برجل آخر و نظر اليه ربما لايستحسن بعض ما فيه و ذلك لان رأي العليل عليل فالاولي و الاحسن للطالب المجاهد هو ان يجعل خصال الكملين السابقين و صفاتهم و فعالهم نوعا نصب عينيه في جميع الموارد فحيثما وجدها تمسك بها و ايقن بان صاحبها هو وارثهم و وارث علمهم و حكمتهم [ص 26] و اوجب جميع الواجبات للطالب المجاهد الذي لاينبغي له ان يفارقه ساعة واحدة هو ان يكون نظره في معرفة كل حجة بل كل مسألة و شخص الي تسديد اللّه و رسوله و الائمة عليهم السلام فان ذلك دليل قطعي لايشوبه ظن و لا تخمين و برهان قاطع لايخرجه شيء عن حد القطع و اليقين و هو اصل البراهين القطعية و هو القول الفصل في المقام بل في كل مقام و مرام فمن ادعي الكمال المنظور و انت لاتعلم انه صادق ام كاذب انظر الي تسديد اللّه الشاهد العالم الحكيم القاهر القادر و تقريره فان هو صدقه في مدعاه و لم‌يظهر منه شيئا مخالفا لمدعاه لا في قبيلته و عشيرته و لا في مولده و لا في بدنه و لا في قيافته و لا في خصاله و لا في فعاله و لا في مشاعره و مداركه و لا في شيء آخر غير ما ذكرت فاعلم انه هو بالبرهان القاطع الذي لايعتريه شك و لا ريب و لا ظن و برهانك القطعي هو تسديده عز و جل و تقريره اياه فاذا تمسكت به بهذا البرهان و قال اللّه عز و جل لك يوم القيمة ءاللّه اذن لكم ام علي اللّه تفترون قلت في جوابه عز و جل انت اذنت لي يا رب اذ الرجل قام بين يديك و ادعي العلم و الكمال و انت لم‌تبطل امره و لم‌تظهر منه ما ينافي مدعاه منذ قام و ادعي الي ان قبضته اليك بل صدقته و قررته باظهار علامات الصدق و ابراز اماراته و قويته بالبراهين القطعية من كتابك و سنة نبيك صلي اللّه عليه و آله و آياتك في الآفاق و الانفس مع انك كنت وعدت في كتابك ابطال الباطل و ازهاقه و قلت ان اللّه لايصلح عمل المفسدين و قلت ما جئتم به السحر ان اللّه سيبطله و قلت [ص 27] جاء الحق و زهق الباطل ان الباطل كان زهوقا فليس للعبد العاجز الجاهل الناقص دليل اقوي و برهان اتقن في امر دينه من تسديد اللّه و تقريره و تأييده فخذ به و كن من الشاكرين و اعلم ان الانبياء و الرسل كانوا يثبتون رسالتهم و نبوتهم بهذا اماتقرأ قوله عز و جل و يقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفي باللّه شهيدا بيني و بينكم فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر ان الطالب المجاهد يجب ان يكون نظره الي تسديد اللّه و تقريره فاذا صدق ربه احدا صدقه و اذا كذب ربه احدا كذبه حتي لايخطئ في تصديقه و تكذيبه و لايندم يوم القيمة مما فعل و ليس له ان يعجل فيسبق ربه عز و جل في تصديق احد او تكذيب احد فيكون مصدقا لرجل قبل ان يصدقه اللّه او مكذبا لرجل قبل ان يكذبه اللّه بل يجب عليه ان ينتظر امر ربه عز و جل حتي يبين قال اللّه تعالي و لاتعجل بالقرآن من قبل ان يقضي اليك وحيه فلايضيقن صدرك يا اخي ان لم‌يبلغك خبر العالم الكامل و اثره في يومك هذا او في شهرك هذا او في سنتك هذه فانه سيبلغك كما شاء اللّه و اراد اذ للّه الحجة البالغة الا ان حجته عز و جل تبلغ العباد و البلاد متدرجة كما هو المعتاد في عصر كل نبي و وصي و ولي و حجة فربما كان يبلغ امر الحجة من عند اللّه رجلا واحدا و كان لم‌يبلغ غيره الا بعد ايام او شهور او سنين و ربما كان يبلغ امره بلدا واحدا و كان لم‌يبلغ سائر البلاد الا بعد سنة او سنتين او ازيد فلايجب ان يبلغ خبره كل احد في آن واحد و لا كل مكان في زمان واحد و لذا لايجوز لنا ان نعتقد عدمه ان لم‌يبلغنا اليوم امره و لا ان نفشل في الطلب و لا ان نيأس من روح اللّه لأن الحجة و [ص 28] العلم لاترتفع و الارض لاتخلو من عالم كما تواتر بذلك الاخبار و الآثار فنعلم بتصديق الانبياء و الاولياء و التسليم لهم ان خبره و علمه و كماله سيبلغنا لأن اللّه سبحانه بالغ امره و له الحجة البالغة فنرجوه مطمئنين بفضله و وعده ان يعرفنا و يبلغنا اياه و ندعوه عز و جل باسمائه التامة العامة الكافية و نسأله بحق محمد و آله الطيبين سلام اللّه عليهم اجمعين ان يوفقنا لقبول الحق في كل مرام و التسليم لأهله في كل مقام و ان يجنبنا الانكار و الاستكبار و الاعتساف و ترك الانصاف و يهدينا الي سواء السبيل فانه هو الهادي و الدليل و اكتفي بما ذكرت في هذه العجالة اعتمادا علي معرفة السائل سلمه اللّه تعالي و فهمه فان الجاهل لايتنبه بالف عبارة و العاقل يكفيه الاشارة و قد وافق ختم الرسالة علي يد مصنفها علي بن الحسن رحمه اللّه تعالي اواخر شهر ذي‌الحجة الحرام من شهور سنة احدي و تسعين بعد المأتين و الالف من الهجرة النبوية علي مهاجرها آلاف الصلوة و الثناء و التحية حامدا مصليا مستغفرا . تمت في سنة ١٢٩١ .

كتبه العبد العاصي محمد بن حسن الطباطبائي الجندقي في اربعة ( ٤ ) شهر رمضان المبارك في سنة ١٢٩٣ .