[ص 32] الفائدة الخامسة - في بيان معني زيد قام قياما و فيها ذكر نتف من المعارف و نكت من المعالم .
اعلم ان زيدا اسم لمرجع جميع الصفات و مجمع تمام الاشارات و هو فعل الذات الذي به ظهر في المظاهر و تقلب في المقامات فانه لا ظهور لذاته باي وجه الا بفعله و آياته و آثاره و ظهوراته و تنزلاته فالظاهر الذي يجمع جميع ما ينسب الي زيد هو زيد و هو الفعل فانه هو الذي يصدق في حقه ايجاد مصانع زيد و ابراز آثاره و هو الظاهر فيها لا غير مثلا الخياط و النجار و البزاز و الحجار كل ذلك صفات متباينة سارية في جميعها الحركة الايجادية المطلقة سريان ايجاد و اصدار لا ركن و ظهور و تلك هو الفعل المشار اليه بانه مظهر جميع الصفات و الظاهر فيها هو الزيد لا الذات فانه لا اسم له و لا رسم و ان تعجب متعجب و استوحش مستوحش عن ذلك فاومن روعته و اخرج عجبه بانه هل سميتم بزيد من عرفتموه ام من لمتعرفوه بل سميتم من عرفتموه ثم هل عرفتم الظاهر لكم ام الغائب عنكم بل الظاهر لكم ثم هل الظاهر غير من ظهر ام هو بل هو ثم هل ظهر بفعله ام بغيره بل بفعله ثم هل ظهر غير حركة ايجادية تلبست بالظهور فكان الظهور ام هي بل هي فاذا الظاهر في الظهور هو الحركة الايجادية المسماة بالفعل و مانريد بالظاهر الا الظاهر في الظهور و مانسمي زيدا الا اياه و ان هو الا هي ثم ظهور زيد يتفاوت بحسب المراتب فظهوره لنفسه و ذاته بذاته و لفعله [ص 33] بنفسه و لآثاره بانفسها و لساير الاشخاص فبحسب مراتبهم بذاتهم و آثارهم و مظاهرهم كل بحسبه و قام فعل لزيد و مرادنا بزيد هيهنا الذات و ان كان لايقع عليه و انما يقع علي عنوانه و مظهره و هو اي الفعل قائم بزيد قيام صدور و قائم بركنيه اي الحركة الايجادية الخاصة و مظهرها الذي هو القيام الفعلي قيام ركن و تلك الحركة قائمة بالقيام قيام ظهور و ذلك القيام قائم بها قيام تحقق فلو لا الحركة لماتحقق القيام و لولاه لماظهرت و لولاهما لماتقوم الفعل و لولا الذات لماصدر و صفة صدور الحركة علي ما ظهر في آثارها و ذلك لان الخلق علي نظم واحد و شريعة واحدة لايتخلف شئ منه عن شئ و ذلك تقدير العزيز العليم ماتري في خلق الرحمن من تفاوت الا انها في بعض المقامات مجملة و في بعضها مفصلة و في بعضها اشد ظهورا و بروزا و في بعضها اخفي بيانا و لولا ذلك لبطل التعريف و التعرف ، الحاصل صفة صدورها علي ما ظهر في آثارها ان الذات احدث حركة بتلك الحركة و المحدث هو هي و اظهرها بها فيها فوقع منها شبح منفصل هو عينها فكان الفعل علي ذلك و لما كانت تلك الحركة التي هي الفعل بسيطة لا تكثر فيها لانه اثر الذات و الاثر يشابه صفة مؤثره توحدت هذه الجهات و الحيثيات و اذا شئت تشريح ذلك في المفصلات حتي يظهر لك فانظر في قام تراه مركبا من شيئين مغايرين علي حسب ما بينا و تراهما مغايران للشبح المنفصل و القائم تراه غيرهما من حيث و هكذا و نحن لما راينا هذا في التفصيل حكمنا في الاجمال ايضا علي حسبه فكان كله نفسه ثم اعلم ان [ص 34] مرادنا من كون الفعل اثر الذات مع انا نقول ان الحدث و المحدث و حدث و المحدث كلها نفسه ان زيدا قد ظهر و ظهر فعل منه في صفة و هي نفسه فوقع شبح ذلك الشبح و الفعل في مرآتهما بهما فكان الفعل و وجد و الظاهر هو زيد بفعله لانه لايتصور بغير ذلك و ذلك لما نري في آثاره الدالة عليه حيث يظهر المؤثر في صفة ثم يقع منه شبح منفصل في المرآة و هو اثره فاستدللنا علي ما هنالك بما هيهنا اما قولنا في صفة و هي نفسه اي نفس الفعل و المراد بها الظهور الذي ظهر فيه و هو غير زيد لانه مخلوق له و لولا ذلك لكان زيد ظاهرا و ان لميظهر يعني كان موجبا في ظهوره و المشهود خلافه فانه كان كامنا ثم ظهر فانه يشابه صفة مؤثره و هو هكذا كما هو ظاهر فاذا صار الظهور حادثا فقد حدث بفعل و لما كان الفعل اثره اي شبحه المنفصل كان اي الظهور نفسه اي الفعل فانه خلق بنفسه فظهر ان الظاهر في الظهور هو الفعل اي الحركة الايجادية التي هي نفس الظهور فان الذات لاينزل الي الحادث فيظهر و لايرتقي اليه الحادث فيلحق به و هذا معني قولي ان الظاهر هو زيد بفعله فالفعل هو الحركة الايجادية الظاهرة بنفسها في الظهور الذي هو نفسها و هي الشبح المنفصل عن ذلك الظهور و الحركة و هما نفسها فان هناك عالم البساطة لا تكثر فيها فيتخلف شئ عن شئ بل كله شئ واحد بلا تعدد و اما صفة ظهور الحركة في الرؤس المتولدة من نكاح ارض القوابل ان الحركة نفسها هي الانتقال المبهم الي جهة ما فاذا تحركت نحو اليمين لمتخرج عن صفتها فانها هي حركة الي نحو ما [ص 35] و كذا اذا تحركت نحو الشمال او الي جهة الطول او الي جهة العرض ففي كل ذلك و غيرها اذا ظهرت لمتخرج عما هي عليه و لا تعدد في كل ذلك بالنسبة الي نفس الحركة فانها تشملها كلها الحركة المطلقة و انما التعدد في الرؤس بعضها بالنسبة الي بعض كما ان الحركة نحو اليمين غير الحركة نحو الشمال و هما غير الحركة نحو الطول و هي غير الحركة نحو العرض و كل هذه رؤس تولدت من نكاح الحركة ارض الجهات متغايرة متمايزة بعضها عن بعض و تلك الصفة اي الطول او العرض او غيرهما مخلوقة بالفعل الذي هو نفسها و هي نفسه اي كانت في صلبه فظهرت بعد ما نكح ارض القوابل فلا تمايز لها في نفس الفعل فانها كلها حركة مثلا الحركة لا تمايز فيها مبهمة فاذا نكحت ارض الالف و امها تظهر لها اي للحركة ولد طويل القامة مركب من جهتين جهة الحركة المبهمة و جهة التعين فيقع منه شبح في ارض امكان الالف فيتناكحان علي سنة ربهما فيتولد منهما الالف فيكون مادته متعلقا للحركة و صورته متعلقا بالشبح المتصل بها و اما القيام فهو مفعول مقيد بخلاف ما قاله اهل النحو فانه مقيد مشروط بشئ الذي هو الفعل و لولاه لميحصل و بلا شئ فانه ليس له ذكر قبل وجوده و خلق ابتداء لا من مادة سابقة فالمفعول المطلق هو الفعل فانه مفعول بلا شرط بل خلق بنفسه و هو اي القيام الشبح المنفصل من الفعل اثر قام الذي هو فعل زيد و قائم به قيام صدور و هو مظهره لغيره يعرفه به و هو وجهه الذي من اراده يقبل اليه و هو الباب الذي يدخل منه من اراد الدخول [ص 36] عليه و هو تاكيد فعله و اول صادر عنه و هو الذي يشابه هيئته هيئته من حيث التعلق به و هو مركب من جهتين جهة من فعله و جهة من نفسه اما الاولي فهي جهة مفعوليته و اثريته له و تاكيديته لهيئة فعله و اما جهته الثانية فهي جهة استغنائه عنه و انيته اماتري ان مادة قيامه التي هي ترتب الاعضاء بعضها علي بعض مبهمة توجد في قعود و ليكن صورته التي هي الترتب الخاص لميوجد في قعوده فمن هيهنا يعلم ان له جهتين و ان مادته منسوبة الي نفس الحركة لابهامها و صورته راجعة الي نفس الشبح المتصل بالفعل للقيام ثم يظهر آثار زيد و آثار آثاره و هلم جرا من هذا القيام فهو باب الابواب و فوارة الامدادات كما انه يظهر به في المرآة فيقع الشبح فيها و تقابل بها اخري فيقع فيها و هكذا الي ما لا نهاية له فافهم ذلك و خض في اغماره تستخرج الدرر الزاهرة الباهرة و تورط في زخاره تطلع اللآلي الرطبة فانه بحر لايساجل و يم لايساحل و سر في ارجائه تجني ازهار قد عبق الجو رياها و امش في اطرافه تستنشق نشرا قد ملأ الكون طيبها فانه روضة من روضات الجنان و دوحة من دوحات الرضوان و كتب ذلك كريم بن ابرهيم في يوم الاربعاء لست بقين من صفر المظفر من شهور سنة ١٢٤٧ في بعض قري كرمان صانه الله عن الحدثان حامدا مصليا مستغفرا .
[ص 37] الفائدة السادسة - في بيان امتناع معرفته سبحانه من حيث الكنه بل امتناع وقوع شئ من العبارات و الاشارات و الادراكات عليه سبحانه و تعالي .
اعلم ان الله سبحانه كان و لميكن معه شئ كما هو الآن فخلق الخلق لكي يعرف بهم و يعرفوه و ما خلقهم من اصول ازلية و لا اركان قديمة بل خلقهم لا من شئ من غير همامة و روية فاول مذاكر الاشياء الذي هو مادتهم و بدئهم المسمي بالفؤاد هو من عالم الامكان و الحدوث فليس بشئ منهم ذكر قبل وجودهم الذي هو ذلك الفؤاد و الا لكانوا قديما و لايدرك الشئ ما فوقه فان الادراك فرع الاحاطة و هو محاط فانتهي المخلوق الي مثله و الجاءه الطلب الي شكله و الطريق الي الازل مسدود و الطلب له مردود فانحصر المعرفة في المظاهر و الآيات و الآثار و المقامات و كل ذلك حادث ممكن و كذلك يجري الحكم في الحوادث لكون بعضهم اعلي من بعض و كون بعضها مؤثرا لبعض و لايمكن للاثر ان يدرك المؤثر لما ذكرنا فلذلك لميحط كل شخص منهم الا به و بمن دونه في الرتبة فاما من دونه فلميكن له آية علي من فوقه و اما نفسه فما كان من السبحات فكذلك فانها اما آثاره و اما تنزلاته و كل ذلك يمتنع استعماله هنالك فانحصر الامر في الفؤاد الذي هو اعلي مذاكره و آية مؤثره فيه يتمكن من معرفة ربه علي حسبه و لميعرف الا نفسه فمن عرف نفسه عرف ربه علي ما ظهر له به لانه تاكيد للفعل من حيث التعلق به و هيئته تشابه هيئته فاذا ليس كمثله شئ و هو السميع البصير [ص 38] فكل ما يصفه الرجل لربه هو علي ما ظهر له به و وصف نفسه به و هو ليس كمثله شئ و لا عبارة عنه و لا اسم له و لا رسم فان كل ذلك للتمييز عن الاغيار عند ملاحظتها و هناك مفقودة ليس عنها ذكر فمتي يذكر شئ باحدي المذاكر و يطلق لفظ او يفرض فرض او يعتبر اعتبار او يجوز تجويز او تشار اشارة لميكن عنه بشئ و لايقع منها شئ فان كل ذلك دونه و هناك هو هو لا غير منفية عنه الحدود و معفية فيه الرسوم فكل ما يوجد من الاسماء و الصفات و الاوصاف تطلق عليه فهو اما اثره و ينسب الي عنوانه و اما يراد منه عنوانه من حيث من حيث نفي الضد فان الصفة للتمييز و هو مفقود هناك لعدم وجود خلافه معه و اذا كان للتمييز عن خلقه فالمميز عن الخلق ايضا خلق لان التمييز من صفات الحوادث فلاتقع عليه تلك الصفة ايضا فكمال التوحيد نفي الصفات عنه لان الاثبات كما ذكرنا فرع التمييز و هذا هو حقيقة الاخراج عن الحدين الذي عليه بناء المعرفة لانه لميثبت له صفة فيشبهه بخلقه و لميعطله عن صفاته فان النفي ايضا شئ و صفة فما يوجد في كلماتهم عليهم السلام من الاثبات فلها معنيان اثبات صفة علي ظاهره فهو للعوام من شيعتهم فلولا ذلك كانوا يرغمون انه لا شئ و نفي ضد فهو لخواص شيعتهم و هذا ايضا نوع من الاثبات فان النفي شئ كما روي عن الصادق عليه و انه سبحانه لميجر عليه نفي و لا اثبات فانه لايجري عليه ما هو اجراه و لايعود اليه ما هو ابداه بل و لايقع علي عنواناته و مظاهره ايضا هو هو لا اله الا هو سبحان ربك رب العزة عما يصفون و [ص 39] سلام علي المرسلين فانهم لميثبتوا له صفة علي نفي او اثبات اما الاثبات فقد ظهر و اما النفي فانه فرع تصور المنفي و هو لايمكن في عنوانه فما يري من اثبات او نفي انما هو علي ما يظهر من آياته الآفاقية و الانفسية بحسب مراتبها فاحد يري العلم في نفسه كمالا و عدمه نقصا فيثبت له العلم و احد يري المعلمة فرع التمييز و يراه نقصا و كذا يري نفي العلم ايضا نقصا ينفي ضده حذرا عن الاثبات و احد يري النفي و الاثبات كليهما نقصا فانهما من صفات المخلوقين فلايثبت و لاينفي و هذا اقل غايلة و ان كان كلها من مدارك الحوادث و لايقع عليه و لا عنوانه شئ منها و تزدريها عين من هو فوقها كما تستوهن امر الذرة حيث تثبت لربها زبانيتين لما تراهما كمالا لنفسها و لاتتفاوت معك فانك تثبت له من كمالك الجسمي سمعا و بصرا و يدا و لسانا و امثالها و من كمالك الروحاني علما و ادراكا و شعورا و قدرة و حيوة و ايضا لما ارادوا التعبير عن احاطته تعالي بالمخلوق و كان في خلقه اصواتا عبروا عن ادراكه سبحانه اياها بالسمع علي ما فيهم و عبروا عن كمال الذات بهذه الصفة انه سميع و هكذا ساير الصفات و هو في رتبة ذاته هو و كل هذه غيره لايقع عليه و لا علي عنوانه فان كل هذه الكمالات بالنسبة الي اختلاف الخلق كان منهم الوانا و اشكالا و ادراكه تعالي اياها سمي بالبصر و منهم اصواتا و ادراكه اياها سمي بالسمع و لما كانوا حاضرا عند الله ثابتا في ملكه سموا ادراكه اياها علما و هو هو لا اله الا هو كامل في رتبة ذاته من غير هذه العبارات دراك بفعله لخلقه فاختلاف الاسماء باختلاف [ص 40] الخلق لا باختلاف فعله كما ان ذاتك ليس بعضه سمع و بعضه بصر و بعضه علم كامل في جميع ذلك و لفظ الجمع هناك للتعبير و لا جمع هناك بل هو هو فاذا وجد مبصر يقع بصرك عليه او وجد مسموع يقع سمعك عليه و لهذا يقال انك سميع و بصير و انت انت لا غير و لايقع عليك شئ من هذه الاسماء بل كل هذا تعبير لصفات رؤس تعلقات كمالك الفعلي من حيث المتعلق و مرجع الاسماء فعلك فانه لميظهر مدركا للمسموعات الا بفعله و هكذا فافهم فكمال التوحيد نفي الصفات عنه حتي النفي و الا فقد يقع في الهلكات و يقتحم في العقبات او تهوي به الريح في مكان سحيق فيضل و لايهتدي اذا ابدا فافهم ذلك فانه نور لايحتمله كل عين و جوهر لايكتنزه كل صدر و كأني بقائل يقول فاذا نفيته عن ذاته و لمتقر بشئ فاجيبه بقولي ايها الطالب الراغب ان شان الاسرار المكنونة فوق رتبتك و شانك فلاترد مورد هذه الامور فانه لا طاقة لك علي شرب هذا الشراب المختوم ثم ان اصررت علي البيان و ابيت الا العيان فقف حتي اسقيك من الحبات و لاتطمع ما في الكؤس و الاباريق و كتب ذلك كريم بن ابرهيم في يوم الاحد ليومين بقين من شهر الصفر في بعض قري محروسة كرمان و كان ذلك في سنة ١٢٤٧ حامدا مصليا مستغفرا .
[ص 41] الفائدة السابعة - في سر التكليف ببيان شريف و تحقيق لطيف .
اعلم ان كل شئ في هذا العالم يحتاج الي المدد عن المبدء الاصلي لعدم قوامه الا به كالنور من السراج و لايصل اليه المدد الا اذا سئل كيف ما سئل فان الله لايجبر احدا علي شئ لعدم احتياجه الي خلقه و هذا المدد كماء جار و المستمدين كاشجار نابتة علي شفيرها صنوان و غير صنوان يسقي بماء واحد علي قدر عطشها و علي مزاج طبعها فواحدة حلوة و واحدة مرة و هكذا علي اختلاف طباعها و امزجتها و لايتغير المدد الا بتغير الاستمداد بل في بطنه اي المستمد ذلك بان الله لميك مغيرا نعمة انعمها علي قوم حتي يغيروا ما بانفسهم فاذا تغير الشئ عن حاله يتغير عن استمداده و اذا تغير استمداده تغير مدده و هذا يحصل بمطلق التغير الا ان بعضها اشد ظهورا و بروزا و بعضها اخفي بيانا و كذلك للشئ اركان و اصول و فروع و فروع فروع و هكذا مثلا اذا اصاب داء علي طرف ورقة الشجر حصل التغير للشجر و لكن لايتلبس به الشجر بل تلك الطرف من تلك الورقة بعينها بخلاف ان يحصل الداء في الدوحة فانه يتلبس عنده جميع الاوراق و الفروع و الغصون و لكن لايتلبس عترة الاصل و اذا اصاب الداء مثلا الاصل يتلبس الاصل و الدوحة و العترة و الافنان و الاوراق باجمعها و يحصل تغير كلي فاذا عرفت شئون التغير اعرف ان المدد يتغير بحسب ذلك التغير حرفا بحرف و لايحتاج الي تفصيل آخر فاذا ربما يحصل التغير بحيث يخرج الشئ عن [ص 42] نوعه فربما يخرج الانسان عما كان عليه من انسانيته فيصير حيوانا و الحيوان نباتا و النبات معدنا و المعدن جمادا كما صار في عالم الشهادة رجال قردة و خنازير و يموت الحيوان و يصير نباتا و يتهشم النبات فيكون جمادا او يصير معدنا و يتفتت المعدن فيكون جمادا او يترقي كل واحد علي العكس و لا شك ان كل هذه التغيرات لايكون الا باسباب يعتريه و لايعلم تلك الاسباب احد الا من احاط بها و بمسبباتها كلها و يعرف كمها و كيفها علي اتم ما يكون فانا نري الطبيب الحاذق المتفرد في عصره بل في الدهر بحذافيره لايعلم جميع ما يحتاج في صناعته حتي يخفي عليه كثير منها فقد روي عن ارسطوطاليس انه قال حين احتضاره ماعلمت ان الروح هي المزاج فتفني او جوهرة خارجة فتبقي فكيف تري باسباب تغيرات جميع العالم بجميع شئونها ثم لا شك ان الله تعالي خلق الخلق كلها لها برحمته منه لينالوا بذلك كراماته و عناياته و يتفضل عليهم و يسئلوه فيجيبهم و ينعم عليهم فيشكروه و لا سبب له غير هذا و هذه العلة تقتضي انه خلقهم للبقاء لا للفناء فانه مجيب لمن دعاه و ممد لمن استمده لايمنع رفده سائليه و لايصرف عطاءه عن وافديه و قد سئله الخلق بلسان افتقارها الايجاد فخلقها و لميرفع عنهم هذا الاضطرار و لنيرفع ابدا و هو مجيب المضطر اذا دعاه فلا باعث لافنائهم عنه لان الله لايغير ما بقوم حتي يغيروا ما بانفسهم و هم لايقدرون علي صرف الفقر و تغييرها عن انفسهم ابدا و قال قل مايعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم فلاينقطع عنهم الفيض ابدا [ص 43] و ان قلت كيف ما كانوا في اوقات و هم فقراء اقول هل اتي علي الانسان حين من الدهر لميكن شيئا مذكورا فافهم فهم باقون بابقاء الله تعالي لا ببقائه فانه مختار و لايلجأ السائل المعطي الي العطاء ( الا الاعطاء خ ) ثم الفيض فيضان فيض اولي هو جبر الكسر و سد الجوع و ما زاد فهو بسؤال ثان فالثاني خاص و الاول عام فاذا سمعت ذلك اعلم انه كل من يخالف هذه الغاية يستمد علي حسب ما عليه و يمده الله علي حسب سؤاله و كل من اصاب يستمد علي حسب ماله و يمده الله علي حسبه و كما مر لايعلم تلك الاسباب المغيرة للسؤال المغير للمدد الا من يحيط بكل الاسباب و المسببات و لما خلق الخلق علي طبقات و مراتب لا محالة يحيط العالي بالسافل علي ما هو عليه في الحديث ما معناه في معني الوحي ان جبرئيل ياخذ من عزرائيل و هو من ميكائيل و هو من الروح و يقع في قلب الروح من الله و عن الحجة في تلو قوله تعالي و ماتشاؤن الا ان يشاء الله قلوبكم اوعية لمشية الله ماتشاؤن الا ان يشاء الله ، الحاصل فيعرف العالي اسباب السافل مشروحة و علله مبينة لا العكس فكل طبقة عالمون بتحتهم و جاهلون بفوقهم و بانفسهم الا ان يكونوا اولي الافئدة فانهم عالمون بتلك الاسباب و لكن اني لهم ذلك الا بطاعة الله الموقوفة باتباع الرسل نعم اذا زكيهم الرسول حتي وصلوا الي تلك الرتبة عرفوها فهذا الجهل ايضا فقر مستمد بلسانه للوجود التشريعي كما كان الفقر الاولي مستمدا بلسانه الشرع الوجودي و في كليهما يكون الحاصل لامر الله اليهم من هو فوقهم لا غير فالذي فوقهم [ص 44] محل لمشية الله فيهم في الشرع الوجودي و الوجود الشرعي كليهما فبسؤالهم هذا امدهم الله بما امدهم و ارسل اليهم رسولا مباركا من انفسهم ليتمكن لهم التلقي عنه يتلو عليهم آياته و يزكيهم و يعلمهم الكتاب و الحكمة فمن اتقي و آثر قوله علي هواه نجي و من تخلف عنه هلك يعني اصابه مقتضي عمله فهذا رضي الله و هذا سخطه و هذا طاعته و هذا معصيته و هذا ثواب الله و هذا عقابه هو لايتفكر و لايتروي و لايهم و لاياسف و لايرق لايضره ظلم من ظلم و لاتنفعه طاعة من اطاعه بل دار الخلق في الخلق لا غير و هذا التغير يتفاوت بحسب المراتب فاما يتغير ما في ظاهر الصدر و القلب فيقتضي تغير مدد عالم الاجسام فان الصدر محل الاوهام و الخيالات و التصورات و العلوم و ظاهر القلب برزخ بين عالم المعني و عالم الصورة و كل هذه مستمدة من الافلاك ظواهرها كما هو مبرهن في محله و سيجيء شئ منه و اما يتغير باطنهما فيقتضي تغير عالم البرزخ الذي هو باطن الافلاك الممد لباطنهما و اما يتغير الذوات فيقتضي التغير في الآخرة التي هي باطن الباطن لمجانستهما و كل ذلك ظاهر بدليل الحكمة فانه قبل التغير كان مستمدا مما هو من جنسه فعند التغير ايضا كذلك و ان شئت الدليل فاصغ باذن واعية و انظر بعين حديدة فانه يمر عليك كالبرق الخاطف او النباءة الخفية ثم احفظه و كن من الشاكرين .
اعلم انه ما من شئ في الارض و لا في السماء و لا فوقها و لا تحتها و لا ما بينها الا و سار فيها امر الله لايعزب عنه مثقال ذرة منها و لايتحرك متحرك الا باذنه و لكن [ص 45] الله سبحانه يحرك كل شئ بمحرك من جنسها و هو مقلب الاحوال من دون طفرة من العالم الاعلي الي الاسفل و اذا اراد الله سبحانه شيئا في عالم ينزل من الخزائن التي عنده امره الي ان يصل الي الشئ مثلا اذا اراد الله ان يلهمك حقيقة شئ لايستعمل يدك و لا نفسك و لا عقلك بل فؤادك و اذا اراد ان يفهمك معني لايستعمل يدك و لانفسك بل ينزل امره الي الفؤاد ثم الي العقل و اذا اراد ان يفهمك صورة ينزل امره الي الفؤاد ثم الي العقل ثم الي النفس و لايستعمل يدك و اذا اراد خلق حرف مكتوب ينزل امره في كل خزانة مما ذكرنا الي ان يصل الي يدك فلنقبض العنان فان للحيطان آذان و نعود الي ما كنا فيه فمن اصلح الله ذاته و لكن قلبه و صدره فاسدان لايعذب في الآخرة بل في البرزخ و الدنيا و من اصلح الله ذاته و قلبه و صدره فاسدة فلايعذب في الآخرة و لا البرزخ و من اصلح الله ذاته و قلبه و صدره فيلقي ربه نقي الكف عن جميع الموبقات و هو من الفائزين ثم من افسد ذاته و اصلح الله قلبه و صدره يتمتع في الدنيا قليلا و يخفف عنه العذاب في البرزخ ثم يجيء الآخرة ملوما مذموما و من افسد ذاته و قلبه و اصلح الله صدره فيتمتع في الدنيا ثم يؤب الي سوء المنقلب و بئس المصير و من افسد ذاته و قلبه و صدره فاولئك الذين خسروا انفسهم في الدنيا و الآخرة ذلك هو الخسران المبين فافهم و اعتبر و كن من الشاكرين و الحمد لله رب العالمين و كتب ذلك كريم بن ابرهيم حامدا مصليا مستغفرا في شهر رجب المرجب من سني ( سنة خ ) سبع و اربعين بعد المأتين و الالف .
[ص 46] الفائدة الثامنة - في بيان مراتب التوحيد علي سبيل الاشارة و تهذيب العبارة .
اعلم ان مراتب التوحيد اربع و مرجعها الي واحدة اما الاربع مراتب فهي توحيد الذات و توحيد الصفات و توحيد الافعال و توحيد العبادة و هذه ربما يسمي بتوحيد جمع الجمع علي لسان بعضهم كما سيتضح لك انشاء الله تعالي .
اما توحيد الذات فبان توحده بكل جهة و حيث و اعتبار و فرض فلاتقول فيه بحيث و حيث و من جهة و جهة و باعتبار و اعتبار و علي فرض و فرض و غير ذلك فان كل ذلك حوادث ممتنعة عن القدم و الله سبحانه قديم خالق كل حادث و لايجري عليه ما هو اجراه و لايعود فيه ما هو ابداه و لا شك في كون تلك الاشياء حادثة فانها موهومة و كل موهوم حادث و كل واحد مميز عن صاحبه و التميز شاهد الحدوث فان التميز لايكون الا في شيئين ذوي رتبة واحدة تجمعهما تلك الرتبة و يفرقهما المميز و هذا يستلزم التركيب المستلزم للحدوث الممتنع من القدم و هذا هو التوحيد الخالص الواجب علي كل احد و ما سوي ذلك شرك و كفر و زندقة و بذلك انزلت الكتب و ارسلت الرسل و دعيت العباد و ورث الاخبار و شهدت الاعتبار من اخذه نجي و من تخلف هوي قال الله سبحانه قل هو الله احد الله الصمد لميلد و لميولد و لميكن له كفوا احد و معني الاحد هو الذي ذكرنا لا غير و الواحد صفة الاحد صفة فعليا لا ذاتيا و صفة الواحد الوحدانية و هي ظهوره و الواحد هو الظاهر فيها و هو الرابع و السادس [ص 47] في قوله تعالي ما من نجوي ثلثة الا هو رابعهم و لا خمسة الا هو سادسهم و لا ادني من ذلك و لا اكثر الا هو معهم بخلاف الاحد فانه لايصير سادسا و لا رابعا و الواحد اسم الفاعل كالضارب و القائم و القاعد و بذلك يوصف الله بالواحد و السادس و الخامس و لايوصف بالستة و الخمسة كما يوصف بالاحد و الاحد مع ذلك لايقع الا علي العنوان و لايجوز البيان اكثر من هذا .
و اما توحيد الصفات فبان تعرف ان مرجع جميع الصفات الذاتية الي الذات فلولا ذلك لكان الذات متعددا بتعدد اسمائه فمعني السميع هو معني البصير و بالعكس و هكذا سائر الصفات و لاتتعجب من هذا فانك تصف زيدا بالبصير و السميع و معناهما زيد و هو واحد و كذا مرجع الصفات الفعلية الي فعله سبحانه و هو واحد بلا اختلاف و لا تكثر فهو الخالق و الرازق و المحيي و المميت من غير تفاوت فيه من نفسه و ايضا لاتستوحش من هذا فان زيدا يكتب بحركة يده و يخيط و يزرع و ينجر من دون تفاوت في الحركة و انما التفاوت من متعلقاتها و ان اردت ان يتضح لك انظر في مدارات الساعة فان واحدا يدور ذات اليمين و واحدا ذات الشمال و واحدا علي الفوق و واحدا علي التحت بحركة واحدة و توحيدك لله في هذه الرتبة من جهتين الاولي ان لاتمثله في هذه الصفات باحد و لا تشبهه كما قال الله تعالي ليس كمثله شئ و هو السميع البصير و الثانية ان ترجع كل ذلك الي واحد من دون تعدد فالذاتيات كما مر و الفعليات كما قال الله تعالي و ما امرنا الا واحدة كلمح بالبصر .
[ص 48] و اما توحيد الافعال فبان تعرف انه لاتدخل شئ في ملك الله الا بالله و لايحدث محدث الا بالله لا شريك له في خلقه و لا معين له في ملكه قل الله خالق كل شئ فكل ما يقع عليه اسم شئ فهو مخلوق ماخلا الله هو الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شئ ، ضرب لكم مثلا من انفسكم هل لكم من ما ملكت ايمانكم من شركاء فيما رزقناكم فانتم فيه سواء فافهم و اعتبر و لايجوز البسط اكثر من هذا فان الناس غالبا قائلون بمجملات المثال فاذا ابسطت انكروها .
و اما توحيد العبادة فبان تعبد الله وحده و لاتشرك به شيئا و لاتتحرك و لاتسكن الا له و لا تعمل لغيره ابدا و لاترجو غيره و لاتخاف سواه و لاتحب دونه شيئا و امثال ذلك فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لايشرك بعبادة ربه احدا .
و اما كون هذا جمع الجمع علي اصطلاحهم فانه فرع التوحيد الذاتي و توحيد الصفات و الافعال فمن اشرك في توحيد الذات لميمكنه توحيد العبادة و كذلك الصفات و الافعال و اما ما ذكرنا في صدر الفائدة من رجوع الكل الي واحدة فهو توحيد الذات فمن عرفه عرف ما سواه و من انكره انكر ما دونه فان من عرف الله بالاحدية عرف فعله بالواحدية فانه صفة الاحد دون الثاني و الثالث و غيرهما و من عرفهما عرف الصفات بحذافيرها فان ما سوي الله مخلوق بفعل الله فلايشابه المخلوق الخالق و من عرفها لميشرك بربه احدا فافهم و اعتبر و كن من الشاكرين و كتب هذه كريم بن ابرهيم في ليلة الاربعاء لاحدي و عشرين خلت من شهر شعبان من سني ( سنة خ ) سبع و اربعين بعد المأتين و الالف في محروسة كرمان صانها الله عن طوارق الحدثان .