و اما الاخبار في ذلك فكثيرة جدا اوردنا شطرا منها في تلك الرسالة المنفردة و يقرب من ستين خبرا او ازيد و يكفيك ما رواه في الكافي بسنده الي ابيالبختري عن ابيعبدالله عليه السلام قال ان العلماء ورثة الانبياء و ذاك ان الانبياء لميورثوا درهما و لا دينارا و انما اورثوا احاديث من احاديثهم [ص 87] فمن اخذ بشئ منها فقد اخذ حظا وافرا فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه فان فينا اهل البيت في كل خلف عدولا ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين و عن النبي صلي الله عليه و آله يحمل هذا الدين في كل قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين و تحريف الغالين و انتحال الجاهلين و قال الصادق عليه السلام طوبي للذين هم كما قال رسول الله صلي الله عليه و آله يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين ، و لاتزعم ان المراد بهم الائمة عليهم السلام فانه صرح ان في كل قرن عدول و الامام في كل قرن واحد هذا مع ان لحن الخبر صريح واضح في ان المراد غير الائمة عليهم السلام و هذا المقام ليس مقام كل من علم العربية و الاصول و الفقه فان من لميحز نقطة العلم و لميعرف موصوله و مفصوله لميقدر علي نفي تحريف كل من غلي في فنون المعارف و الحكم و الفضائل و المقامات فان لفظة الغالين جمع محلي بالالف و اللام يفيد العموم و لا مخصص فكيف يقدر صاحب العلوم الظاهرة العربية ان ينفي غلو الغلات و المفوضة لعنهم الله عن هذا الدين ابالقواعد الصرفية يدفعه ام بالقواعد النحوية ام بالمحسنات البيانية ام بالاشارات المعانية ام بالقواعد الاصولية ام بالمسائل الفقهية و كذا من لميطلع علي حقيقة العلم و لميستلن ما استوعره المترفون و لميأنس [ص 88] بما استوحش منه المكذبون لميقدر علي نفي انتحال المبطلين اذا انتحلوا امرا عظيما في الاسلام و اتوا باشباه خوارق العادات و امثال الكرامات و ادعوا نيابة خاصة او امامة و ليس به ابمثل الاصول و الفقه ينفون ذلك المبطل ابالنحو و الصرف و امثالهما يفعلون ذلك هيهات هيهات ،
لله تحت قباب العرش طائفة اخفاهم عن عيون الناس اجلالا
و قد اعدهم الله سبحانه لامثال هذه المهام العظيمة و يكشف بهم الضر و يدفع بهم المنتحلين و ينفي بهم الغالين و هم حملة الشرع المبين و مستنبطوا الدين المتين بهم يدفع الله عن البلاد و يرفع المحن عن العباد لولاهم لاندرست آثار النبوة و لانطمست رسوم الولاية و لو كان تلك المحن يرفع بهذه الرسوم لكان اعدل حفظة الدين الزنجاني الصرفي و محمد بن مالك النحوي و السكاكي و الفخر الرازي و مميتالدين بن الاعرابي و امثالهم و لكانوا هؤلاء من اعظم اسباب حفظ الدين و ضبط الشرع المبين هيهات هيهات هم والله
قوم فعلوا خيراً فعَلَوا و علي درج العليا درجوا
صحبوا الدنيا بجسومهم و اليه بانفسهم عرجوا
دخلوا فقراء الي الدنيا و كما دخلوا منها خرجوا
هم قوم استلانوا من اسرار آلمحمد سلام الله عليهم ما استوعره المترفون و انسوا بما استوحش منه المكذبون صحبوا الدنيا بابدان [ص 89] ارواحها معلقة بالملأ الاعلي اولئك خلفاؤ الله و الدعاة الي دينه و اين اولئك و كم اولئك اولئك الاقلون عددا الاعظمون خطرا بهم يحفظ الله حججه حتي يزرعوها في قلوب اشباههم و اذا اردت ان تحوز حظا وافرا من صفاتهم فراجع تلك الرسالة التي صنفناها في هذا الشأن حتي تحوز كثيرا من الحظ و النصيب و تفوز بالمعلي و الرقيب و يزيدك ايضاحا ما رواه في الكافي بسنده عن ابناذينة قال حدثنا غير واحد عن احدهما عليهما السلام انه قال لايكون العبد مؤمنا حتي يعرف الله و رسوله و الائمة كلهم و امام زمانه و يرد اليه و يسلم له ثم قال كيف يعرف الآخر و هو يجهل الاول ، و قد فرق بين امام الزمان الذي يجب ان يرد اليه و يسلم له و بين الائمة سلام الله عليهم و المراد بامام الزمان هو العالم العامل الكافل لايتام آلمحمد عليهم السلام في الزمان الذي يليه و الي هذا الامام الاشارة في دعاء رواه في بلد الامين بسنده عن يونس بن عبدالرحمن ففيه بعد الدعاء للقائم عليه السلام اللهم صل علي ولاة عهده و الائمة من بعده و بلغهم آمالهم و زد في آجالهم و اعز نصرهم و تمم لهم ما اسندت اليهم من امرك لهم و ثبت دعائمهم و اجعلنا لهم اعوانا و علي دينك انصارا الدعاء ، و في دعاء ثالث شعبان في صفة الحسين عليه السلام الممدود بالنصرة يوم الكرة المعوض من قتله ان الائمة من نسله و الشفاء في تربته و الفوز معه في اوبته [ص 90] و الاوصياء من عترته بعد قائمهم و غيبته حتي يدركوا الاوتار و يثاَروا الثار و يرضوا الجبار و يكونوا خير انصار صلي الله عليهم مع اختلاف الليل و النهار الدعاء ، الي غير ذلك من الاخبار الناصة الصريحة علي نوعهم و لانطيل الكلام بذكرها و يدلك علي اصنافهم ما رواه الشيخ عبدالله بن نورالله باسناده عن جابر بن يزيد الجعفي في حديث طويل انه قال جابر الحمد لله الذي من علي بمعرفتكم و الهمني فضلكم و وفقني لطاعتكم و موالاة وليكم و معاداة اعدائكم قال صلوات الله عليه يا جابر اوتدري ما المعرفة المعرفة اثبات التوحيد اولا ثم معرفة المعاني ثانيا ثم معرفة الابواب ثالثا ثم معرفة الامام رابعا ثم معرفة الاركان خامسا ثم معرفة النقباء سادسا ثم معرفة النجباء سابعا و هو قوله تعالي قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي و لو جئنا بمثله مددا و تلا ايضا و لو ان ما في الارض من شجرة اقلام و البحر يمده من بعده سبعة ابحر مانفدت كلمات الله ان الله عزيز حكيم ، بالجملة الاخبار تجوز الستين و لكني كثرة الاشغال تمنعني عن تسريدها و هي موجودة في تلك الرسالة ان شئت فراجع و لنكتف بما ذكرنا فاني اخاف ان يفوتني شرح باقي مسائلك لكوني علي جناح السفر .
قال سلمه الله تعالي : السابع - بينوا لي تأويل آية النور و حقيقة تلك الآية المنورة حتي نستفيض ببركات انفاسكم الشريفة [ص 91] و علومكم العظيمة اللطيفة و ما الوجه في ان الله سبحانه في تلك الآية المباركة قال مثل نوره كمشكوة فيها مصباح مع ان ظاهر المقام يقتضي ان يقال مثل نوره كمصباح في المشكوة و السلام .
اقول ان القرآن كلام الله تعالي و كلام كل متكلم دليل علمه و قد قال سبحانه فاعلموا انما انزل بعلم الله فهو بحر لاينزف و ليس له ساحل يعرف ظاهره انيق باطنه عميق لاينتهي عجايبه و لايستقصي غرايبه و له ظاهر ظاهر و ظاهر و باطن و باطن باطن و تأويل و باطن تأويل و له حد و مطلع و علم جميع العلماء منه و هو الماء الذي انزل من السماء فسالت اودية بقدرها و لكل وجه من هذه الوجوه نوع خاص من البيان منه ما يجوز بيانه و منه ما لايجوز و لما لمنكن بصدد الفرق بين هذه المقامات الستة و لميكن في بيانكم ما يدل علي السؤال عنها لمنذكرها و نذكر ما سألت و هو تأويل الآية خاصة .
قال الله سبحانه و تعالي الله نور السموات و الارض الله و هو علم للذات المستجمعة لجميع الصفات القدسية و الاضافية و الفعلية و هي التجلي الاعظم و الظهور الاكرم و هي الذات في الذوات و الذات في الذوات للذات و هي نور سموات العلل و ارض المعلولات و نور سموات النبوة و ارض الولاية و هكذا و النور هو الظاهر في نفسه و المظهر لغيره و تلك الذات العليا المقدسة هي الظاهرة في نفسها لانه لا ظهور الا لها و قد قال الحسين عليه السلام [ص 92] في دعاء عرفة ايكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك متي غبت حتي تحتاج الي دليل يدل عليك و متي بعدت حتي تكون الآثار هي التي توصلني اليك عميت عين لاتراك و لاتزال عليها رقيبا الدعاء ، فهو الظاهر في نفسه لفرط ظهوره و المظهر لغيره من فضل نوره و غيره نفس ظهوره من حيث هو هو و هو علي قسمين سماوات و ارض و المراد بالسموات مبادي العلل ايدي الرب و مظاهر الامر و مجالي الحكم و جهة الفاعل المقبول و المراد بالارض منتهيات المعلولات و الآثار و مهابط الانوار و مقام كثرة الاغيار و وجود الاكدار و جهة المفعول و القابل و الله سبحانه هو نورهما اي مظهرهما من الامكان الي الكون فاخترعهما لا من شئ و ابتدعهما لا لشئ و لا كشئ و لا في شئ فهو منيرهما و هاديهما سبل الاكوان و الاعيان و سبل رضاه و رجاه و خوفه و سبل العلم بالسلوك معه .
مثل نوره اي صفة نوره فان المثل محركة هو الصفة كقوله سبحانه مثل الجنة التي وعد المتقون فيها انهار الآية ، اي صفة الجنة و مثل نوره اي صفة نوره و الضمير راجع الي الله سبحانه او الي النور و هذا عجب من التفسير اما الاول فظاهر و السر في انه قال الله نورهما ثم قال مثل نوره فحمل في الاول و قال انه هو النور و اضاف في الثاني و اثبت الاثنينية اشعارا بان ذات الله سبحانه لايمثل له فانه ليس كمثله شئ و لا مثل له كما قال فلاتضربوا لله الامثال و انما [ص 93] المثل يؤتي لنوره اي ظهوره و صفته و انما ذلك كقولك زيد عدل و مثل عدله فنسبة العدل الي زيد لشدة ظهوره في العدالة و بالعدالة حتي صار كأنه العدل بنفسه ثم تقول مثل عدله اي عدله الظاهر به و فيه فقولك مثل عدله بعد قولك زيد عدل مبين للنسبة و ان النسبة لاجل شدة ظهوره في العدل و كذلك تقول الله نور السموات و الارض و النور مصدر قولك نار اي اوضح و هو متعد اي الله موضح السموات و الارض و حمل المصدر عليه لشدة ايضاحه و عدم موضح غيره سبحانه فهو منير السموات و الارض و مظهرهما لا غير و النور غيره و الحمل لتلاشيه في جنبه سبحانه و اختصاصه به و ظهوره فيه لا غيره فبعد ذلك تلتفت و تريد اثبات الاثنينية و تقديسه سبحانه و تسبيحه و تنزيهه عن كونه نورا و ان النور اثر فعله سبحانه فتقول مثل نوره اي مثل اظهاره السموات و الارض او مثل هداه و علمه الذي به هديٰهما هذا علي ان يكون الضمير راجعا الي الله و ان كان راجعا الي النور و هو الوجه الاعجب الاعلي الاعلي فالمراد صفة نور النور و علي ذلك يكون الحمل من باب الحمل الاشراقي الذي خصصنا بعلمه و هو انه لما كان التجلي الاعظم و النور الاجل الافخم مبدء الصدور الماحي للغيور متقربا اليه سبحانه بالتنفلات الكونية و الشرعية حتي تلاشي و اضمحل في جنب الذات المغيبة للصفات و خالف هواه و اتبع مولاه حتي بلغ مقام كنت سمعه الذي يسمع به [ص 94] و بصره الذي يبصر به و يده التي يبطش بها و مقام هو نحن و نحن هو جاز علي نحو الاشراق لزوال الافتراق و شدة الافتياق الي شرف التلاق و شحن بذلك الكتاب و السنة بما لا مزيد عليه فقال الله نور السموات و الارض صفة نور ذلك النور المضمحل المتلاشي الذي هو اجل من ان يكون له اسم و رسم بل هو غيب ممتنع لايدرك صفة نور ذلك النور ما يذكر و هي المقام الرابع و الظهور الساطع فالمقام الاول مقام الذات المعرب عنه باسم الله و المقام الثاني النور المحمول عليه و الثالث نوره المضاف اليه و الرابع صفة نوره و مثله فصفة ذلك النور كمشكوة فالمشكوة هي صفة النور و الزجاجة هي ذلك النور المضاف اليه و المصباح مثل النور المحمول عليه و النار التي في المصباح المشار اليها بقوله لو لمتمسسه نار هي آية الموضوع و السر المرفوع فالمشكوة هي صفة النور لا المصباح و المشبه في قوله سبحانه عين المشبه به كما هو شأن كلام الحكيم و به جري الكتاب و السنة و هو ابلغ في المطابقة اللايقة بصدقه و علمه سبحانه فعين المشكوة نفس صفة النور فالمشكوة التي هي صفة النور هي النفس القدسية و الزجاجة هي الروح الملكوتية و المصباح هو العقل و النار هو الفؤاد آية التوحيد و عنوان التفريد فمثل نوره سبحانه مشكوة اي نفس قدسية فيها مصباح العقل المصباح في زجاجة و هي الروح و لميقل فيها زجاجة فيها مصباح ليبين اضمحلال الزجاجة [ص 95] و فنائها في جنب المصباح حتي انها لمتكن و المصباح في المشكوة علي ما قال الشاعر :
رق الزجاج و رقت الخمر فتشاكلا فتشابه الامر
فكأنما خمر و لا قدح و كأنما قدح و لا خمر
فلشدة اضمحلال الزجاجة و تلاشيها في جنب المصباح كأنها لمتكن شيئا و اول ما يبدو في النظر هو المصباح و لذلك قال انا محمد و محمد انا ، و ذم الله قوما فقال يقطعون ما امر الله به ان يوصل فلشدة صفاء الزجاجة لمتكن في اول النظر ظاهرة كمشكوة فيها مصباح ، ثم التفت و قال المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري من شدة صفائها و لاجل ذلك يلتبس علي الناظرين وجودها و عدمها و بين الله سبحانه كذلك لاجل تفهيم هذه المقامات كقوله مارميت اذ رميت فاثبت و نفي لاجل الحكمة و بيان تردد الانية بين الوجود و العدم و البقاء و الفناء فقال فيها مصباح المصباح في زجاجة و هذا حال الروح فانها رقيقة برزخية بين العقل و النفس فان قستها مع العقل فهي نفسية صورية و ان قستها مع النفس فهي عقلية معنوية فاول ما يرفع الناظر النظر من المشكوة اي النفس يري العقل الذي هو المصباح فاذا جاز عن الزجاجة و وصل الي العقل اي المصباح علم ان الذي رأي اولا هو الزجاجة فيقول المصباح في زجاجة يوقد اي ذلك المصباح من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية و لا غربية [ص 96] و تلك الشجرة هي شجرة الباكورة في قول الحسن العسكري عليه السلام ان روح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدايقنا الباكورة ، و هي شجرة الخلد و شجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن و صبغ للآكلين و هي شجرة طوبي و سدرة المنتهي اصلها في بيت العظمة و لها فروع بعدد شئون الكبرياء و لفظة من لبيان المادة اي وقود ذلك المصباح و ما يشتعل فيه شجرة و ذلك كقولك صنعت الخاتم من فضة و تلك الشجرة هي نفس الزيتونة اذ جاء بها علي نحو البدلية و الزيتون في لغة العرب اسم للشجرة و الزيت اسم للدهن المستخرج من ثمر الزيتون فبين سبحانه ان وقود ذلك المصباح اي قابليته و انيته ناشئة من شجرة زيتونة و تلك الشجرة انية العقل و سميت بالشجرة لان لها رؤس و فنون و اغصان و اوراق بعدد ذرات المخلوقات و هي مباركة قد بارك علي ظاهرها سبعون نبيا و مباركة في تأويلها اذ منها تنزل جميع الامداد الكونية و الشرعية و هي محل مشية الله و مهبط ارادة الله ليست بشرقية اي امرية فان الامر هو صبح الازل المشار اليه في قول علي عليه السلام نور اشرق من صبح الازل فيلوح علي هياكل التوحيد آثاره ، و ليست بغربية تغيب فيها الانوار و تخفي فيها الآثار و انما هي بين المشرق و المغرب نابتة علي سواء طور النفس و جبل الانية يكاد زيتها يضيئ و لو لمتمسسه نار اي يكاد زيت تلك الزيتونة اي [ص 97] لطائف تلك الشجرة التي هي قابلية نار الامر و مظهر آثارها و مجلي انوارها تضيئ توجد و تكون فعالة في الوجود مشرقة في الغيوب و الشهود لغلبة ما فيها من الحرارة الكامنة المستعدة للبروز و الكمال و لو لمتمسسه نار الامر فعل الله سبحانه اي كاد ان يوجد قبل ان يتعلق به فعل الله سبحانه لغلبة استعداده للوجود و رجحان مقتضياته و عدم توقفه علي شئ غير بارئه نور علي نور اي نور المحمول علي نور المضاف فالنور الاول اشارة الي قوله الله نور و الثاني اشارة الي قوله مثل نوره اي مثل نور النور فالنور المضاف اليه علي نور المضاف مستول عليه مستو علي عرشه فالنور الاول هو الواسطة الكبري بين المبدء و المنتهي و النور الثاني هو تجلي النور الاول و انيته و نفسه و ظهوره و النور الاول المصباح ظهور النار الغيبية و صفتها و محمولها و النور الثاني هو الزجاجة المشرقة كأنها كوكب دري فنور المصباح علي نور الزجاجة و اما المشكوة فهي صفة النور الثاني و ظهوره و النور الاول هو العقل و النور الثاني هو الروح و النفس صفة الروح و محلها و مجليها يهدي الله لنوره من يشاء اي يجعل الله سبحانه ذلك الروح فيمن يشاء من عباده و هي المشار اليها بقوله اولئك كتب في قلوبهم الايمان و ايدهم بروح منه و ليست تلك الروح في كل احد اذ تلك الروح يعبد بها الرحمن و يكتسب بها الجنان و ليست هي حيوة كل حيوان و هي الناطقة القدسية [ص 98] المخصوصة بالانسان و يضرب الله الامثال للناس و الله بكل شئ عليم اي يظهر الله الصفات الدالة علي الموصوفات الغيبية و الآثار الدالة علي المؤثرات العلية لمنفعة الناس و اعتبارهم و اهتدائهم من العبودية الي الربوبية كما قال الصادق عليه السلام العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما خفي في الربوبية اصيب في العبودية و ما فقد في العبودية وجد في الربوبية قال الله سبحانه سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق اولميكف بربك انه علي كل شئ شهيد ، و قال الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا ، و انما هذا الاعتبار لمن نسي رسوم الديار و استأنس بالاغيار و توسخ مرآة قلبه بالاكدار و اما من كان ذاكرا للديار فلايحتاج الي امثال الاعتبار و قد اوضح الله ذلك في تفسير ظاهر الظاهر و قال و يضرب الله الامثال للناس اي للناسي عهد الله في الذر الاول حين خاطبهم مشافهة و قال الست بربكم قال الصادق عليه السلام ثبتت المعرفة و نسوا الموقف و سيذكرونه يوما ما ، و قد تعجب عن الناسين فقال اولميكف بربك انه علي كل شئ شهيد ثم بين الوجه في ذلك فقال الا انهم في مرية من لقاء ربهم ثم دلهم تحننا فقال الا انه بكل شئ محيط موجود في غيبتك و حضرتك ، و اما قوله و الله بكل شئ عليم يعلم كيف يهدي كل شئ الي نوره و ما حده و ما مقداره و كيف مشعره [ص 99] و كيف ينبغي ان يضرب المثل له و يوصف له ما لميعاينه و لميحط به علما بالجملة هذا تأويل الآية المذكورة في العالم الكبير .
و اما في العالم الصغير فالمشكوة هي صدر المؤمن و الزجاجة قلبه و المصباح روحه فروحه نور الله سبحانه و قلبه شعاع ذلك النور و صدره صفة النور كما مر من ان المشبه عين المشبه به الزجاجة اي قلب المؤمن كأنها كوكب دري يشرق بنور العلم و الايمان يوقد مصباح روحه من شجرة مباركة زيتونة اصلها محمد صلي الله عليه و آله و فرعها فاطمة عليها السلام و اغصانها الائمة عليهم السلام و اوراقها الشيعة و اثمارها علومهم فروح الشيعة من الدوحة الاحمدية خلقت من فاضل طينتهم و عجنت بماء ولايتهم و تلك الشجرة شجرة العقل الكلي فروح المؤمن ورقة من تلك الشجرة الكلية و هي شجرة مباركة زيتونة و وجه تسمية تلك الشجرة بالزيتونة لان الزيتون شجر مبارك قد بارك عليه سبعون نبيا منهم ابرهيم الخليل علي نبينا و آله و عليه السلام و هو كثير البركة يؤتدم بدهنها كما قال سبحانه تنبت بالدهن اي بمصاحبة الدهن و صبغ للآكلين و يسرج و يستضاء و يهتدي به في الظلمات و يوقد بحطبه و لاشتماله علي الدهن احسن ما يوقد به فيستضاء بحطبه و يصطلي به و يغسل الابريسم برماده و يؤخذ منه العصي يتوكأ عليها و يهش بها علي الغنم و هو مع ذلك اول شجرة نبتت بعد الطوفان و معدنه في الشام لا شرقية [ص 100] و لا غربية لان الشام بين المشرق و المغرب لايفيء عليه ظل شرق و لا ظل غرب فلاجل انه كذلك سمي شجرة العقل الكلي بالزيتونة لانه ايضا باكورة جنان الصاقورة و به اضيء جميع الاكوان و هو نور كل ذي نور يهتدي به الي مطلبه و لولا العقل كان الانسان في ظلمات الجنون و السفه لايهتدي الي شئ ابدا و هو ايضا مبارك قد شملت بركاته جميع الاكوان و به اصاب من اصاب خيرا في الدنيا و الآخرة و هو ينبت بالدهن لان الدهن هو افضل شئ في اظهار النور و الضوء و ذلك لانه برزخ بين الجامد الغير القابل للتكليس الشديد الكثافة الحاجب للضوء و النور و بين الذائب الغير الثابت في حر النار الطاير من وهجها و شدة حرها كالماء الذي يستحيل في النار هواء و يطير فيها فهو ماء سريع القبول للتكليس الا ان فيه غلظة و لزوجة و كثيف مايع فيتكلس برقته و لطافته و يظهر النار بغلظته و كثافته فهو بنفسه لا شرقية اي لا لطيفة في غاية اللطافة و لا غربية اي لا كثيفة في غاية الكثافة بل هو بين بين و ليس في الاشجار شجر بهذه الصفات و العقل ايضا برزخ بين غلظة الصورة و لطافة الحقيقة و هو معني له تحديد معنوي و لذلك يظهر انوار الامر و يتكلس دهن قابليته في نار الامر المستولية عليه و يشتعل فيه النار و مع ذلك له لزوجة التحديد المعنوي و كثافة انية رقيقة بها يظهر نور نار الامر فهو شجر الزيتون الذي هو بالبركات مشحون يكاد زيتها [ص 101] اي دهن الشجرة اي قابلية روح المؤمن يضيء و ينطق بالعلم و الحكمة و يشرق بالفعالية و اظهار الكوامن و لو لمتمسسه نار اشراق العقل الكلي عليه فان مصباح روح المؤمن يشتعل من مصباح العقل الكلي كالضوء من الضوء و كالسراج من السراج نور علي نور اي روح المؤمن علي قلبه مستو عليه استواء الرحمن علي عرشه و لذا روي قلب المؤمن عرش الرحمن و روي في القدسي ماوسعني ارضي و لا سمائي و وسعني قلب عبدي المؤمن ، يهدي الله لنوره من يشاء اي ان الله سبحانه ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الي النور و من لميجعل الله له نورا فما له من نور و يهدي الله سبحانه الي ذلك النور من يشاء اي الي ذلك المؤمن من يشاء و يضرب الامثال للناس يضرب ذلك المؤمن مثلا للحجة القائم في كل عصر حتي يهتدي الناس به الي امامهم فان المؤمن هو القرية الظاهرة المقدرة للسير فيها الي القري المباركة اي عقل المؤمن صفة العقل الكلي الشجرة المباركة الزيتونة و الله بكل شئ عليم يعلم حيث يجعل رسالته ، فافهم راشدا موفقا فاني مضطرب القلب متبلبل البال في هم الارتحال و ليس لي الآن لاكثر من ذلك مجال فاقتصرت في الجميع علي الاشارة و لوحت الي ما تريد في اثناء العبارة و الله خليفتي عليك و لا قوة الا بالله العلي العظيم .
قال سلمه الله : الثامن - لا شك ان الاشياء خلقت بالمشية [ص 102] و المشية بنفسها ما المراد بخلق المشية بنفسها و كيف يمكن صدور فعل من الفاعل بلا ربط و لا اتصال و لا تعلق انا لااتعقل ذلك بينوا لي جزاكم الله خيرا و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته و كتبه العبد الذليل حسن بن علي اليزدي الكثنوي عفي عنه .
اقول هذا آخر مسائله ايده الله ، اعلم ان الله سبحانه كان واحدا احدي المعني ليس فيه ذكر غيره لا بوجود و لا عدم و لا باثبات و لا نفي و ليس فيه جهة و جهة و حيث و حيث و اعتبار و اعتبار و انما هو ذات احدية ساذجة عن ذكر غيره امكانا و كونا و عينا فاول ما خلق خلق المشية من غير ان يتحرك بعد سكون و من غير ان ينطق بعد سكوت و من غير ان يستحيل بنفسه فعلا بعد ان كان ذاتا من غير ان يتغير عن كيانه فاذا خلق الفعل خلقه بنفسه اي بنفس ذلك الفعل لا بنفسه سبحانه فالباء في قوله خلقت المشية بنفسها ، لبيان الآلة المباشرة اي الآلة التي بها خلق الله المشية هي نفس المشية و الآلة التي بها خلق الله الاشياء هي المشية و ذلك لان الله سبحانه لاحدية ذاته و قدمه و عدم جواز التغير عليه لمتكن ذاته آلة ايجاد الاشياء و لاختلاف قوابل الخلق ابي ان يجري الاشياء الا بالاسباب و السبب الذي اجري به ساير الاشياء المشية و لما لميكن فوق المشية شئ اجريها بنفسها اي هي بنفسها يد الله سبحانه في خلقه اياها و قد ضرب الله في نفسك مثالا لذلك و هو انك تصلي و توجد الحركات [ص 103] و السكنات و الاقوال بالنية و هي عزيمتك علي الفعل الظاهري و لست توجد النية بنية اخري و عزيمة مقدمة عليها و انما توجد النية بنفسها ثم توجد الصلوة بالنية فكذلك اوجد الله المشية التي هي عزيمته علي ما يشاء بنفسها ثم اوجد الاشياء بتلك العزيمة .
و اما قولكم و كيف يمكن صدور فعل من الفاعل الي آخره ، فكيف يمكن غير ذلك فان الربط بين الذات و الفعل يوجب المحال و تركيب الذات و حدوثها فان الربط شئ لامحة فهو اما قديم او حادث فان كان قديما فيتعدد القدماء و هو محال و ان كان حادثا فهو اما نفس المشية او مخلوق بها فان كان مخلوقا بها لايكون رابطا بينها و بين القديم فان الرابط بينهما لا بد و ان يكون اعلي منها و ان كان نفسها فهي هي لا غيرها فكيف يمكن الربط بينهما و قد قال الرضا عليه السلام حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما ، فما كان حقا فهو حق احدي المعني و ليس له حيث ربطية و حيث ذاتية و ما كان خلق فهو اما مشية و اما مخلوق بها قال الله سبحانه له الخلق و الامر و كون شئ غير خالق و غير مخلوق و غير قديم و غير حادث و غير قائم بنفسه و غير قائم بغيره ابعد من الفطرة السليمة من احداث الفعل بلا ارتباط و احداث الحادث بلا ارتباط واجب و مع الارتباط ممتنع و انما عليك ان تعرف عدم ثالث بين الحق و الخلق و ليس لك ان تعرف الكيفوفة فانه لايجري عليه ما هو اجراه و لايعود فيه [ص 104] ما هو ابداه و هو سبحانه مكيف الكيف بمشيته فلايجري في مشيته الكيف قال الكاظم عليه السلام الارادة من المخلوق الضمير و ما يبدو له بعد ذلك من الفعل و اما من الله فارادته للفعل احداثه لا غير ذلك لانه لايروي و لايهم و لايتفكر و هذه الصفات منفية عنه و هي من صفات الخلق فارادة الله هي الفعل لا غير ذلك يقول له كن فيكون بلا لفظ و لا نطق بلسان و لا همة و لا تفكر و لا كيف لذلك كما انه لا كيف له انتهي ، و اما عدم الاتصال فلاجل ان الاتصال بين شيئين يوجب التصاق كل واحد منهما بالآخر و هو موجب خلط كل منهما بالآخر و امتزاج كل واحد بالآخر و كونهما في صقع واحد و تحديد كل واحد منهما و اما اذا كان الخلق غير موجود في صقع الخالق و الخالق غير محدود بحد المخلوق فكيف يمكن فرض الاتصال بينهما او الانفصال و هما يتحققان في المتصاقعين لا غيرهما و الواجب ممتنع في الحدث و الحدث ممتنع في الوجوب و كيف يتصل الشئ بالممتنع و اما التعلق فاسئلك هل المشية حادثة ام قديمة و لااظنك تقول بقدم المشية فان قلت بحدوث المشية فاسئلك هل حدث فيه سبحانه حال بسبب التعلق بالمشية الحادثة ام لميحدث فان لميحدث و كان سبحانه علي ما كان و هو الحق فلميتعلق بالحادث و احدث الحادث بلا تعلق و ان حدث فيه حال غير ما كان عليه فصار محلا للحوادث و صار متغير الاحوال و هو [ص 105] يجل عن ذلك تعالي الله عنه علوا كبيرا فاحدث الفعل بنفسه بلا ارتباط و لا اتصال و لا تعلق و لا كيف لذلك كما لا كيف له و لايذهبن بك المذاهب الباطلة و الآراء الفاسدة و الاهواء الكاسدة فتظن الربط بين الذات و خلقه فان هؤلاء ارادوا تصوير الذات مع الخلق و قاسوا الخالق بالخلق فاثبتوا له صفات الخلق و سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .
قد فرغ من تسويده مصنفه في زوال يوم الاحد سلخ شهر ذيقعدة الحرام من شهور سنة احدي و ستين بعد المأتين و الالف من الهجرة النبوية علي مهاجرها الصلوة و السلام حامدا مصليا مستغفرا .
تمت .