قال سلمه الله : و خضاب اليد بالحنا للرجال ما حكمه حرام او حلال .

اقول مطلق و الحمد لله لا بأس به و ليس تشبها بالنساء و هو مستحب و سنة و السيد الاستاد رفع الله شانه و انار برهانه كان يكره القاني منه .

قال وفقه الله : خلاصة الكلام ان تبين لي ما لا بد منه للمكلف حتي اجتنب البدع و التخريجات من امر الصلوة و الصوم و معاشرة الناس و تبين لي امورا يلزم العمل بها حتي لااخجل في يوم لاينفع مال و لا بنون و التمس تعجيل الجواب و تبين لي مستحبات يلزم العمل بها و يكون باعثا للوصول الي المطالب حتي لااكون في زمرة الهالكين .

اقول هذا سئوال مختصر و لكن قد جمع السئوال عن جميع الشرايع و السنن و لايستقصي جوابه الا بعد بيان جميع ما كلف الله العباد به و هو في هذه العجالة غير ممكن و لكنا قد كتبنا [ص 34] في نفي البدع و الاهواء و الآراء و التخريجات و بيان الحق في استنباط الاحكام كتابا منفردا جامعا مبوبا لطيفا و هو المسمي بفصل‌الخطاب و جعلنا له مقدمة بينا فيه الاصول الواردة عن الائمة عليهم السلام و هي قد تضمن الاخبار الواردة عن طرق اهل العصمة و الطهارة عليهم السلام في نفي تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين و بدع المبدعين و كفا بذلك الكتاب ذائدا عن الدين المبين و لم‌يجمع مثله في السالفين فلاتعرف البدع الا بعد الاطلاع علي ذلك الكتاب المستطاب و تلك البدع ليست بما يحصي او يمكن في هذه العجالة ان يستقصي و لو اكتفيت في طهارتك و صلوتك و صومك بما ذكرنا آنفا امنت البدع ان شاء الله و اما المسائل الحادثة فيتكفل بها كتابنا المسمي بالجامع فانه قد حاز المسائل المنصوصة و يصل اليكم ان شاء الله و اما معاشرة الناس و ما يلزم العمل به فانا قد كتبنا لبعض اخواننا دستورا مختصرا جامعا لطيفا يشتمل علي الحكم العلمية و العملية فرأينا ان نذكره هنا لذلك الجناب و لو اخذت به ان شاء الله لفزت بما فاز به الفائزون و هو :

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله و سلام علي عباده الذين اصطفي .

و بعد اعلم يا اخي و قرة عيني ان الظاهر وعاء الباطن و كل وعاء لا بد و ان يناسب ما اودع فيه و كل مودع لا بد و ان [ص 35] يكون له مناسبة مع وعائه و ان الله سبحانه حكيم قادر عدل فلايضع شيئا في غير موضع يليق به الاتري انه وضع روح السبع في جسد ذي انياب و مخالب و روح الطاير في جسد ذي اجنحة و رياش و روح الفرس في جسد ذي قوائم و حوافر و روح الانسان في جسد ذي ايد و اصابع فالحكيم العدل العالم بما خلق لايضع باطنا الا في ظاهر يليق به فالباطن الكامل لاينزل الا في جسد ظاهر كامل و الباطن الناقص لايستقر الا في ظاهر ناقص فالذي يبتغي الكمال ينبغي له ان يستكمل الظاهر اولا حتي ينزل اليه الامداد الكاملة و يستكمل بذلك الاتري ما علم الله نبيه صلي الله عليه و آله ان يقول لامته المدعين لمحبة الله التي هي اثر الكمال قال قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله و قال تعالي لو استقاموا علي الطريقة لاسقيناهم ماء غدقا و قال يا ايها الذين آمنوا ان تتقوا الله يجعل لكم فرقانا فان كنت تريد الكمال فاستكمل اولا ظاهرك و ذلك يحصل لك ان شاء الله بان توزع اوقاتك اثلاثا فتجعل ثلثا لتحصيل احكام الدين من العبادات و علم الاخلاق و علم المعرفة و صلواتك و نوافلك و اذكارك و مذاكرتك و مدارستك فمن ترك ذلك جهل ما به قوام الخلق و نظامهم و من جهل ما به قوامه فسوف يقع و تجعل ثلثا في تحصيل الدنيا من الوجوه المأمورة بها فان كنت ذا كسب فكسبك و ان كنت ذا زرع فزرعك و ان كنت [ص 36] ذا تجارة فتجارتك و يتعلق بهذا الثلث معاشرة الناس من اهل رحمك و الاخوان و غيرهم و مراودتهم و زيارتهم فمن لم‌يشتغل بالدنيا المأمورة و تحصيلها بعوض فيضطر الي تحصيلها بغير عوض و هو قسمان قسم بالاسترحام و الاستعطاف و هو التكدي و قسم بالقهر و الغلبة و ذلك قسمان اما بالعلانية فهو شيمة اهل الجور و اما بالخفية فهو شيمة اللصوص فاختر لنفسك ما يحلو و الطبع الكريم يأبي تحصيل الدنيا الا بعوض حتي لايمتن من احد و لايظلم احدا و تجعل ثلثا آخر في تدبير منزلك فان من لم‌يدبر منزله يذهب عياله ضياعا و ملعون من ضيع عياله و يذهب ما جمع في بيته من ماله و ما به قوامه كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لايقدر علي شئ و يذهب سعيه في الثلث السابق ضياعا و العمر اقصر من ذلك فدبر اهلك لقوله تعالي قوا انفسكم و اهليكم نارا و دبر خيلك و حميرك و دوابك و عبيدك و امائك فانك ان لم‌تتعب نفسك في ثلث اوقاتك في تدبيرك ستتعب في كل اوقاتك و يذهب عمرك باطلا فافد الثلثين بثلث تغنم فمن عمل بهذه الثلثة في ظاهره كمل ظاهره و بدت حكمته و استمتع به القريب و استفضله البعيد و رضيه الرب المجيد لانه عمل في الدنيا علي مقتضي غرض الله جل ذكره فاذا استكملت ظاهرك علي مقتضي ظاهر الانسانية المطابقة لغرض الله سبحانه نزل اليك الامداد الباطنية و حلت فيك النفس [ص 37] و قويت فأعن كمالها و استنزل حلولها بتعديل المزاج و تصحيح المنهاج كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام اذا اعتدل مزاجها و صح منهاجها و فارقت الاضداد فقد شارك بها السبع الشداد ، و اوصيك في تعديل المزاج بثلث ان عملت بها استغنيت عن الطبيب الا ان يبتليك الله ببلاء من خارج جسدك او شاء غير ذلك لاتأكل حتي تجوع فاذا اكلت فلاتشبع و لاتشرب حتي تظمأ فاذا شربت فلاترو و لاتأكل و لاتشرب الا من حلال فانك ان حفظت اكلك و شربك صح بدنك و اعتدل و صفي و قوي ثم تقدر علي طاعة ربك و اذا مرضت تركت السلوك الي ربك و بقيت مع الغابرين و اذا لم‌تجتنب الحرام قسي قلبك و اذا قسي لم‌يتعظ و من لم‌يتعظ لم‌يقبل و من لم‌يقبل ادبر و من ادبر حرم .

و اما تصحيح المنهاج فالمنهاج منهاجان منهاج الي الخلق و منهاج الي الخالق اما تصحيح منهاجك الي الخلق فاعلم ان الخلق علي ثلثة اصناف اخوان مصادقة و اخوان مكاشرة و اعادي اما اخوان المصادقة فعاشرهم كما تحب ان تعاشر و عاملهم كما تحب ان تعامل و اما اخوان المكاشرة فابذل لهم من نفسك و جاهك و مالك ما بذلوا لك و اما الاعداء فاحفظ نفسك و جاهك و مالك و اخوانك و اهلك عن شرهم و ضرهم بالمداراة و التقية بحفظ اليد و اللسان و العين و السمع فاحذر [ص 38] من ان تترك التقية عنهم حذارك من الاسد فان من ترك التقية اضر علي المؤمنين من الناصب الكافر و تارك التقية كقاتل الائمة عليهم السلام فاحفظ نفسك عنهم و عمن لايحفظ عنهم ، و اما المنهاج الي الرب جل جلاله فاوصيك فيه ايضا بثلث اسئل العلماء ما جهلت و اعمل بما علمت و ادم خدمة العلماء و لازمها فانهم سبيل الخالق و منهاجه فاذا اتيت بما ذكرت لك اعتدل المزاج و صح المنهاج و شاركت بها السبع الشداد و قوي فيك اثر النفس و كمل فاذا كمل الجسد و النفس نزلت اليك الامداد العقلانية فأعن كمالها بالعبادة فان العقل ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان و اوصيك في العبادة بثلث الاقتصاد و عدم تحميل النفس ما تنضجر و ادمان ما اخترت من العبادة و ابتغاء وجه الله حسب لا خوفا من نار و لا طمعا في جنة و لا قصد رياء و لا سمعة و لا عز في الدنيا و لا جلب حطامها فانك ان عبدت الله علي ما ذكرت اشتد فيك العقل و قوي فيك اثره و كمل فاذا كمل فيك الجسد و النفس و العقل تجلي لك ضياء المعرفة و اشرق عليك نور المحبة و صرت من الخصيصين الاخيار المنتجبين الابرار و الشيعة الاطهار و اوصيك في هذا المقام بواحدة قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ، الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملئكة الاتخافوا و لاتحزنوا و ابشروا بالجنة التي كنتم توعدون ، و استقم كما امرت و [ص 39] لاتتبع اهواء قوم قد ضلوا و اضلوا كثيرا و صدوا عن سواء السبيل فهذه مجمل ما اردت ابرازه اليك و لو استقاموا علي الطريقة لاسقيناهم ماء غدقا و لله امر هو بالغه و عسي الله ان يأتي من بعد ذلك امرا و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .

انتهي ما كتبت في وصية ذلك الاخ الصفي و ذكرت لذلك المولي الجليل الحميد و ان في ذلك لذكري لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد و ان شاء الله يكفيك ذلك الي ان يأتي بعد ذلك امرا .

و اما المستحبات التي تكون سببا للوصول الي المطالب فلااعلم شيئا افضل من النوافل فان اباجعفر عليه السلام قال ان الله جل جلاله قال مايتقرب الي عبدي بشئ احب الي مما افترضته عليه و انه ليتقرب الي بالنافلة حتي احبه فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و لسانه الذي ينطق به و يده التي يبطش بها ان دعاني اجبته و ان سألني اعطيته انتهي ، و النوافل هي كل ما ندب اليه في الشرع او سنه رسول الله صلي الله عليه و آله في جميع الاعمال و ان كان افضلها في الصلوة النوافل الراتبة فداوم علي السنن و الآداب ما استطعت و انما كتب الاصحاب رضوان الله عليهم اجمعين مشحونة بها و هي جميعها معمول بها مجوزة من جانب الائمة سلام الله عليهم اجمعين فاجتهد في العمل بها ما امكنك لكن من دون ان تحمل نفسك ما تضجره بل علي نحو الاقتصاد كما قال الله سبحانه [ص 40] و اقصد في مشيك يعني في مشيك الي الله سبحانه و داوم علي ما اخترت لنفسك سنة لا اقل و داوم علي قراءة القرآن كل يوم ما تتحمله و يمكنك مع فراغ البال في خلوة و اعطه لبك و قلبك و استشعر ان الله يخاطبك فتوجه اليه بكلك و اقرأه بصوت حسن و رقة و بكاء و سئوال الجنة عند آية تذكر فيها و الاستعاذة من النار عند آية تذكر فيها و انظر الي من نجي بما نجي فاعمل به و الي من هلك بما هلك فاجتنبه و اذكر الحسين عليه السلام كثيرا و ابك له ما استطعت فانه افضل ما يتقرب به العباد الي الله سبحانه و هو يرقق القلب و يذهب بدرنه و ينيره و اني ماعلمت في جميع ما يعمله العبد شيئا ادعي الي البر و العمل به و انهي عن الدنيا و السيئات اسرع تأثيرا و ازهي نورا و اوضح منهاجا من التفكر فعين لنفسك كل يوم ساعة تخلي في مكان لايكون فيه احد و لايصل اليه صوت و لو كنت تحت السماء و فضاء واسع فهو احب و ابلغ في الحاجة و لتكن علي حال لاتكون فيه نعسانا و لا كسلانا و لا ضجرا و لا ظمآنا و لا جوعانا و لايؤذيك حر و لا برد و لا شئ من الاخبثين بل ادفعهما عنك و تطهر و لتكن معتدلة النفس فارغ البال فتخلي في مكان خال كما وصفت لك و تفكر في امرك في الدنيا و الآخرة و في امر الدنيا و فنائها و في امر الآخرة و اقترابها و القبر و وحشته و الحساب و الميزان و الجنة و النار نظر معتبر مستوحش [ص 41] فان تفكر تلك الساعة التي تتفكر فيها يعادل عبادة ستين سنة و لا خير لك في عبادة لا تفكر فيها و لو داومت علي ذلك شهرا تجد من الخير ما لاتتركه ابدا و تختاره علي جميع امورك و المواظب علي التفكر يصير في حال لايزال متفكرا في خلاء او ملاء ماشيا او قاعدا يقظانا او نائما و لا بد ان امثل لك مثالا في بعض انواع التفكر لتقع علي الطريق ثم تمشي بنفسك ان شاء الله و التفكر انواع كثيرة :

نوع تتفكر في الذين كانوا قبلك من الاخوان و الخلان و الاقارب و الاباعد من ذوي المحبة او العدوان و سلاطين الزمان و ذوي الخدم و الحشم و القصور و البنيان كيف مضوا لسبيلهم و ماتوا و تواروا في قبورهم و رب رجل منهم كان في غفلة عن موته قبيل ان يستوفي اجله بساعة فالقي علي ظهره او مات عن امراض و آفات و بلايا و محن و الآن قد تفرقت اعضائهم و تبددت اوصالهم و تشتتت عروقهم و عظامهم و لحومهم و صاروا رميما تحت التراب و انقطعوا عن الاحباب و تذكر من تعرفه واحدا واحدا و تذكر اكله و شربه و كلامه و قعوده و مجلسه و قيامه و طول امله و كبره و فخره و عجبه و غفلته و تطاوله و ظلمه يوما فيوما و تخاطبه في قلبك اين عنك هذه الاحوال و كيف تركت تلك الآمال اين عنك تلك القصور و اين عنك تلك الدور كيف كنت تنفض عن ثيابك ذرات التراب و تتنظف و الآن صرت [ص 42] ترابا يتنظف عنك مثلك و اين عنك ذلك الكبر و الجلال و الخدم و الحشم و المال و صرت الآن في هذه الحال قد تنفر عنك الحبيب و تنزه عن قربك القريب و هكذا كل صفة صفة و حالة حالة تتفكر فيها علي الاعتبار و الاستيحاش ثم تصور نفسك مريضا ملقي علي قفاك قد احاط بك المتمرضون و من يهواك و تصور نفسك في حال السكرات و احاطة النسوان لاطمات بالشعور المنشرات و انت تتقلص رجلك تارة و يدك اخري قد عرق منك الجبين و دق منك العرنين و خفي لك الانين و يئس منك الطبيب و بكي عليك الحبيب و تنظر في يمينك و يسارك فلا احد يقدر علي رفع الحمام عنك و تصور انقطاعك حينئذ و تركك احب الناس اليك و اجل المال لديك ثم تصور نفسك ميتا ملقي علي السرير قد قعد علي يمينك الغسال و يصب عليك الماء و يقلبك يمينا و يسارا و تصور نفسك في كفنك و حنوطك ثم تصور نفسك محمولا علي النعش يهللون في اطرافك و يربعون نعشك فمن الناس من يفرح بموتك و منهم من يحزن و اقاربك و احبائك حولك يبكون قد يئسوا منك و هم ساعون في مواراتك ثم تصور نفسك و قد القوك في لحدك و واروك و تركوك فلا صديق قام معك و لا حميم بقي يونسك يتركونك في البرية و يرجعون اما نساؤك اللاتي كنت تلقي نفسك في المهالك لاجلهن فاخذن ثمن مالك و شغرن تحت رجل آخر و نسين عنك و اما اولادك الذين كنت [ص 43] تتعب لاجلهم و تقر عينك بهم فقد قسموا مالك و بيتك و صعب عليهم ان يقرأوا لك سورة او يصلوا لك صلوة و هكذا تعتبر من عدم وفائهم و استيثارهم مالك دونك فلايرضون ان يصلوك بعدك بفلس و انت صرت رمادا تحت التراب فلرب عن قريب تضرب علي قرنك المعاول او يغرز علي خدك المساحي فيزرعون عليك او يحفرون و يسمدون علي عينيك و يسقون عليك الارض فلم‌يبق منك خبر و لايذكر عنك اثر فاذا تفكرت في هذا الباب و امثاله انضجرت عن الدنيا و ما فيها و انقطعت عنها فلاتهتم بجمعها و ادخارها و تأخذ منها ان اخذت بلغة تبلغك الي شفير لحدك و تترك حبها و حب اهلها و التنافس بلباسها و مأكلها و مشربها و مركبها و عزتها و غرورها و فخرها و تتنفر من اهلها و تستوحش من مجاورتهم فاذا صرت كذلك فقد قطعت رأس الخطايا فان حب الدنيا رأس كل خطيئة فاذا قطعت رأس الخطايا ماتت و حييت سالما ان شاء الله في الدارين و هذا النوع من التفكر هو هادم اللذات و مميت الشهوات و مفرج الكربات و لو تفكرت يوما واحدا في هذا لابدي في نفسك اثرا ماكنت تحصله من الكتب العلمية و العملية سنين ،

و نوع آخر ان تقعد كما ذكرت لك و تمثل لنفسك القيمة و تنصب الموازين و تتصور منبر الوسيلة و حضور جميع الانبياء و الاولياء صفا صفا و الملئكة و تتصور الجنة في جهة مزخرفة بالنعيم الدائم [ص 44] الابد بحورها و قصورها و نعيمها و حبورها و تتصور جهنم في جهة مأججة بالنار الدائمة المقيمة بزفيرها و حميمها و حياتها و عقاربها و زقومها و نتنها و حرها و تتصور الملئكة الغلاظ الشداد و قد جاؤا اليك بان ربك يبغاك للحساب و قد ذهبوا بك الي قرب الميزان في حضور السلطان العالم بالاسرار و الاعلان الذي يعلم خائنة الاعين و ما تخفي الصدور ثم جاؤا بكتاب لايغادر صغيرة و لا كبيرة الا احصيها و تجد ما عملت حاضرا فتخرج لك قائمة من ذلك الكتاب قد عنون بما اغتاب فلان بن فلان المؤمنين و المسلمين فلم‌يغادر تصريحا و لا تلويحا الا و قد كتبه بيومه و ساعته و المغتاب و من اغتيب و تذكر ما اغتبت المسلمين في كل يوم و يوم و ساعة و ساعة كأنك تقرؤ من ذلك الكتاب فان نسيته انت ماكان ربك نسيا قد حفظه كما قال هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ثم تخرج قائمة اخري قد عنونت بما كذب فلان بن فلان و قد احصي كل كذبة كذبته في جد او هزل ثم تخرج قائمة اخري قد عنونت بما عيرت المسلمين او لمتهم و قائمة فيها عدد غفلاتك و قائمة عدد انفاسك في غير الطاعة و هكذا كل معصية قد عملتها و كل خطيئة قد ركبتها قد كتبت في قائمة معلومة صغيرها و كبيرها فتذكر كل نوع من معاصيك و ما تكرر منك في الايام و الليالي ثم تذكر ما تظن من اعمالك الحسنة مثلا صلوتك و حاسب [ص 45] كم سنة مضت من عمرك و الق منها نصفها او اكثر او اقل لانك كنت نائما ثم خذ الباقي و الق منها ايام عدم تكليفك و صباك ثم خذ الباقي و انظر في كل يوم كم صرفت من اوقاتك لصلوتك مثلا صلواتك الخمسة تبلغ ساعتين او ساعة و نصف و اجمع الساعات و اجعلها اياما ثم اجمع الايام و اجعلها شهورا و اجمع الشهور و اجعلها اعواما فتري انك في كل عمرك ماصرفت نفسك في طاعة الله الا في تلك المدة ثم انصف عند نفسك هل كنت توجهت الي الله في كل هذه الصلواة ساعة توجها لاتذكر فيها غيره و تريد بها وجهه خالصا و لو انصفت لم‌تجد فتري انه قد مضي منك عمر و لم‌تتوجه الي الله خالصا مخلصا طرفة عين و هكذا حاسب جميع اعمالك التي تحسبها صالحة و طاعة فلاتجد في كل عمرك لمحة واحدة كنت فيها خالصا متوجها الي الله سبحانه ثم تذكر ما يخاطبك الله سبحانه بعد ذلك اي عبد الم‌انعم عليك الم‌اعزك الم‌افهمك الم‌اطل عمرك في الدنيا الم‌ابعث اليك رسولا الم‌انزل اليك كتابا الم‌اعدك بالثواب و اوعدك بالعقاب الم‌ابين لك الحسن من القبيح الم‌اربك من حين كنت نطفة فعلقة فمضغة فعظاما فلحما و خلقا آخر الم‌اربك وليدا و اجريت في ثدي امك لك لبنا خالصا هنيئا سائغا مريئا الم‌اربك بعد ذلك و انعمت عليك ظاهرة و باطنة بما لاتحصي في بدنك و اعضائك و جوارحك و في عزك و اموالك و دفع [ص 46] الاذي عنك و الصحة و الامان اهذا كان جزائي ان تطيع عدوي في جميع عمرك تأكل رزقي و تعبد غيري الم‌اعهد اليكم يا بني آدم الاتعبدوا الشيطان انه لكم عدو مبين و ان اعبدوني اهذا كان وظيفة شكر احساني اهذا مقتضا انسانيتك ان ينزل عليك كل يوم مني انعام و احسان و يصعد الي كل يوم منك اساءة و عصيان ثم يقال انا قد جربناك في دار الدنيا سنين بالانذار و الاعذار و بلوناك بالحسنات و السيئات فلم‌نجد فيك خيرا خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه فاذا بزبانية جهنم اخذوك و زبنوك في سواء الجحيم ثم صبوا فوق رأسك من عذاب الحميم فمن فوق رأسك الي ما لا نهاية نار و هكذا من تحت رجلك و يمينك و يسارك و تصور احاطته النار بك و التفاف لهيبها عليك و دخولها في اجوافك و فمك و عرنينك و تصور تفقأ حدقة عينك في لهيبها و غليان دماغك و سيلانه من خيشومك و تشقق قرع رأسك و انتضاج لحم جسدك و سيلان الريم و الصديد عنه ثم يعاد جسدك مرة ثانية و يعذب ثانيا و هكذا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب و تصور انك كلما بكيت لو بكيت دما و صديدا و عليت نحيبا و عويلا يقال لك كانت الدنيا دار عمل و هذه الدار دار جزاء فلاينفعك بكاؤك هنا فانه عمل هلابكيت في دار الدنيا و كلما تستغفر و تسترحم و تستعطف يقال [ص 47] لك قد مضت دار العمل هلافعلت ذلك في دار الدنيا و هكذا ان يصبروا فالنار مثوي لهم و ان يستعتبوا فما هم من المعتبين فاذا تفكرت في هذا الباب و جزئياته يقشعر جلدك و تسيل دمعتك و يرق قلبك و تموت شهوتك و تضعف نفسك و تحزن حزنا صادقا و تبكي بكاء خائف علي نفسك و حيرتها و انقطاعها يومئذ فان اردت ان تعمل عملا هناك تنجو فقد انقضت دار العمل و بغير عمل فلا نجاة ثم تيقظ من فكرتك و انظر انك الآن في دار الدنيا موجود ينفعك العمل حينئذ و اغتنم حيوتك و ابك علي خطاياك و استغفر لها و تب الي الله من جميع تلك الذنوب و اسع ان يكتب تحت كل ذنب من ذنوبك استغفار و توبة و ندم و بكاء و اعلم ان التائب من الذنب كمن لا ذنب له فلاتقوم من مقامك يوم تتفكر في هذا النوع الا طيبا طاهرا كيوم ولدتك امك ، و اعلم يا اخي انه والله لا نجاة الا في طريقتنا انظر الي حقية هذه الطريقة و نورها فان علي كل حق حقيقة و علي كل صواب نورا و حقيقة طريقتنا اوضح من الشمس في رابعة النهار و لاجل هذا لايمضي علي المؤمنين الا قليل زمان و قد تغير خلقهم و علمهم و عملهم و اما القوم فقد اغتروا بالدنيا و زخارفها فلايكون همهم الا جمع الدنيا و رياستها و قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من اصحاب القبور ،

[ص 48] و نوع آخر ان تتفكر في مهانة نفسك انك كنت منيا نجسا قذرا قد اغتسل منك والداك حين خروجك منهما ثم كنت علقة قذرة و دما نجسا ثم صرت مضغة ثم خلقت فيك العظام و اللحم و غذيت بدم حيض امك حتي اذا خرجت الي دار الدنيا و انت لست الا زقا مملوا من العذرة و الدم و البول و النجاسات هذا لعاب فيك القذر و هذا اذي خيشومك الكثيف و هذا بطنك المملو من العذرة و البول و هذا جلدك الذي تحته دم نجس و ريم و صديد و هذا اوساخ ظاهر جلدك اولست الا قدرا او دكانا لحميا يطبخ فيه العذرة و يصير الاغذية اللطيفة عذرة و بولا نجسا و تنظف العذرة كل يوم بيدك مرتين او اكثر و تباشر ما يباشره الكناسون بيدك و لاتقدر ان تصبر علي ترك طبخ العذرة يوما واحدا و فلان او انت تفتخر علي الفقراء بانك تطبخ العذرة من الارز و خبز الحنطة مثلا و هو ثمرة مال الدنيا و ذلك الفقير يطبخه من خبز الشعير و هذا غاية فخرك و فخر الناس و ان جسدك هذا الذي تتنافس به و تلبسه من الين الثياب و احسنها ليس الا عصارة العذرة و البول و قد عصرها العروق ثم غلظها و صيرها لحما و جلدا و عظما فليس تمام جسدك الا عصارة العذرة الخبيثة المنجمدة و الغليظة و هل لعصارة العذرة فخر و كبر و عجب و هل ينبغي ان يلقي هذا الجسد في صدر المجلس و يليق ان يقام له و يعظم و يخدم و يكرم و يفخم و هل هذا [ص 49] الجسد الا كدودة تولدت في الكنيف و في بئر الغائط و هل لدودة الغائط عظم و كرامة و هل يليق به عجب و هل يجوز له ان يكابر جبار السماء و يعصيه و يتصرف في الملك و يكون له امر و فعل و تصرف و مقام ما هو و ما خطره ثم يصير بعد ذلك جيفة منتنة انتن من كل ميتة قد يأخذ خيشومه منه امه و ابوه و ولده و زوجته يوارونه تحت التراب لقبح منظره و شدة نتنه ثم يدود جسده و يسيل منه الريم و الصديد و القيح و ينتثر و يتلاشي و يضمحل فاوله نطفة قذرة و آخره جيفة نجسة و ما بين ذلك بئر غائط و بالوعة و هل يناسب ذلك ان ينشد في مدحه الاشعار و يكتب له العرايض و الذرايع و يسمي باسامي كبيرة عظيمة و يجتمع في اطرافه الناس و يكبر قدامه و يقرأ القرآن امامه و يجعل كلام الله له بمنزلة التطريق و التبعيد و يقام له و يقبل ايديه و ارجله انصف ربك هل تقتضي دودة المزبلة و عصارة العذرة كل ذلك و هو احد الكناسين الذين ينظفون مخرج العذرة كل يوم مرتين ما هذه الغفلة ما هذا التناسي فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا و ما كانوا بآياتنا يجحدون و انت لو تفكرت في هذا الباب هانت عليك نفسك و صغرت في عينك و بصرت بنفسك و بغيرك فاذا هانت عليك النفس قد امنت من كثير من العجب و الفخر و الكبر و الخيلاء حتي لو دق رأسك يوما بمطرقة ماترفع رأسك لاسيما اذا كان هذه الدودة عاصية لجبار السماء [ص 50] طاغية علي مالك الدنيا و الاخري فتقول اضرب فان رأسا عصي ربه حري بان يدق ،

و نوع آخر تتفكر انك كنت نطفة مهانة ضعيفة و قد راقبك ربك حتي جعلك علقة ثم رباك حتي جعلك مضغة ثم انعم عليك حتي جعلك عظاما ثم الطف بك حتي كساك لحما ثم نظر اليك برأفته و انشأك خلقا آخر و قد كنت في مكان لاتصل اليك يد حميم و لا قريب و كنت بنفسك عاجزا لاتعلم نفعا من ضر و لا خيرا من شر قد رزقك و توجه اليك و دفع عنك الضر و ساق اليك النفع حتي اخرجك الي دار الدنيا فاجري من فورك لبنا سائغا في ثدي امك و علمك المص و ثقب حلمة ثدي امك ثقبات صغيرة يجري في فيك اللبن قليلا قليلا لئلاتغص بشربه و مصه و لم‌يكن شئ آخر صالحا لك غير ذلك اللبن فاجراه لك من غير معالجة منك و لا كد و لا سعي منك و لا من غيرك ثم اذا علم ان الغذاء المايع لايقوي جسدك و لا بد لك من تماسك في جسدك لتتقوي و قد احتجت الي اغذية غليظة و احتجت الي طحنها خلق لك الاسنان و الطواحن حتي تمضغها و تطحنها ليصير صالحا للكيلوس و لمزاجك و بدنك كيف انعم عليك بما فيه صلاح بدنك و بقاؤه بما لم‌تكد له و لم‌تسع لاجله ثم صحح جسمك في المرضي و اعزك في الاذلاء و آواك في الضاحين و اخدمك في العانين و اطعمك في الجائعين و سقاك في الظمآنين و حملك [ص 51] في الراجلين ثم تشكر علي كل واحد واحد و تنظر في اطراف العالم كم من ملقي علي ظهره في سكرات الموت تتقلص رجله و يداه و يبكي عليه من يحبه و يهواه و انت في حال الحيوة فتشكر و كم ملقي علي فراشه يتقلب في وعكه لايعرف ليلا من نهار و هو متصرف في النار و انت صحيح فتشكر و كم من مكسورة به السفينة قد غرق في البحر تتقاذفه الامواج و تترامي به الاثباج و يغتمس في الماء مرة و يخرج اخري لا ملاح ينجيه و لا لوحة تغنيه قد عاين الموت بعينيه متلجلج بين داريه و لا محيص له عنه و انت صحيح في البر فتشكر و كم من مقطوع عليه في البراري مسلوب الثياب عاريا قد اخذته الرياح و الثلوج و تطاعنه ترك او بلوج قد وثقوا رجليه و قيدوا يديه فكبوه علي وجهه و ثقلوا علي ظهره و انت في امن و امان و صحب و بلدان فتشكر و كم من مبتلي بسلطان و قد احاطت به الجلاوزة و الغلمان قد تواردوا عليه السياط حتي قطعوا منه الانياط قصوا منه الاطراف و ضربوه بالاسياف و انت في عز و امان غير خائف من سلطان فتشكر و كم من جائع سغبان ملقي علي ظهره ظمآن قد سال من فيه اللعاب و يئس من الاحباب يتحسر لكسرة خبز شعير و ما له من تلاد و طارف قطمير و انت منعم بالموائد و الخوان مكرم بين الاخوان فتشكر و كم من مبتل بالجذام قد استأكلت منه اللحوم و العظام ترتعش من رؤيته [ص 52] الفرائص و تتنفر منه الخصائص و انت سليم معاف فتشكر و كم من ملدوغ سليم قد سري السم في عظامه و جعلها كالرميم ينادي بالويل و الثبور و هو كالسكران يمشي و يدور و انت صحيح سليم فتشكر و هكذا ساير انواع البلايا و المحن و سلامتك من تلك الفتن فاذا تفكرت في هذا النوع عظمت النعمة عندك و شكرت ربك و عرفت انه قد رحمك مع عظم خطاياك و كبر سيئاتك و هكذا ساير انواع التفكر و فيما ذكرت لك عبرة و ذكري لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد و ينفتح للمتفكر ابواب لايمكن حصرها و لا ضبطها و كفي لك بالتفكر داعيا للبر و زاجرا عن الشر و سببا للاعراض عن الدنيا و الزهد فيها و الاقبال الي الآخرة و الرغبة فيها و هذه الانواع و ما شاكلها تدعوك الي البر و العمل بها و تري اثرها حين تقوم من مفكرك و هي انجح شئ اعرفه و اولي شئ اصفه و لكن ينبغي مداومتك عليه و مواظبتك به حتي تحصل لك ملكة و يصير البر و الاعتدال لك خلقا ذاتيا و اما التفكر الذي يزيد في العلم فهو التفكر في الآفاق و الانفس و ما خلق الله من شئ بنظر التعلم و ملاحظة آثار القدرة و لتدخلن في هذا الباب من حيث اوقفوك عليه في الآثار و الاخبار و لاتمل اذا لم‌تفهم زمانا شيئا فانك اذا داومت ينفتح لك الباب فقد جربنا و جرب اسلافنا ذلك فبعد زمان قليل ينفتح الباب و لتنظر في الآفاق نظر متعلم [ص 53] و اعلم انه كتاب تكويني فيه آيات محكمات هن ام الكتاب و اخر متشابهات فاردد متشابهاته الي محكماته و لاتعتن بما فهمت حتي تطلب عليه شاهدا من الكتاب و السنة و تجده فان ما لم‌يأنس الانسان بقراءة خطه و لغته يشتبه عليه كثيرا و كفا بالآفاق لك كتابا كبيرا ناصحا مشفقا صدوقا لايضل و لاينسي و لاتحتاج معه الي كتاب و يدعوك الي فهم لغته كتبنا و امثالنا فانك لو تعاطيتها و تدبرت فيما نضرب من الامثال و نستشهد بآيات كتاب الآفاق تستأنس بخطها و تفهم شيئا بعد شئ لغتها فالتزم بما ذكرت لك تترقي الي درجات السابقين في زمان قليل و تفوز بالعلم و العمل و لو وفقت لملاقاتكم لاوجدتكم امورا يسهل العسير و يلين الشديد ان وجدت منكم جدا و تشميرا في تحصيل العلم و العمل و الادبار عن الدنيا و السعي الي الآخرة .

قال وفقه الله : هذه المسائل كانت في الفروع و بين لي اصول العقايد الضرورية حتي تصير عقايدي ايضا علي وفق شريعة سيد المرسلين عليه و آله صلوات المصلين و ان كان عندي كتب السيد رفع الله شانه و انار برهانه و انا مشتغل بتصحيح العقايد بمطالعة تلك الكتب و لكن بين لي امورا اخر ما تري صلاحي في الزيادة و الخلاصة ان تبين لي ما تري صلاحي ان اصرف عمري فيه .

اقول ليس وراء عبادان قرية و ان كتب السيد رفع الله شأنه [ص 54] و انار برهانه و كتب الشيخ اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه متكفلة بذلك بما لا مزيد عليه فيما يتحمله الزمان و اما ما حدث من تحمل الزمان بعدهما فقد اشارا اليه و لوحا في كتبهما بما يعرفه العالم بلغتهم ليكون شاهدا لمن يأتي بعدهما و يحتاج الي الاحتجاج علي اتباعهما بقولهما حتي يسلموا و لكن هو مودوع عند اهله يعرفه الي ان يحتاج الي ابرازه و ذلك يحتاج الي شرح و بسط و ليس لي اقبال عجالة ان ابسط ما يليق بهذا الزمان و لكني كتبت في ذلك رسائل عديدة في اجوبة المسائل و عسي ان يصل اليكم شئ منها و من طلب شيئا و جد وجد و اما ما تصرف عمرك فيه فقد بينا و لو علي وجه الاختصار انه لا شئ يصرف فيه العمر مما ينفع الانسان الا العلم و العمل و قد كتبنا لك سبيلهما و اختصر لك هنا ايضا مقالا آخر اعلم ان العلم علمان علم حق و علم باطل فالاول هو علم الله سبحانه و لم‌يستودعه عند احد الا عند نبيه محمد صلي الله عليه و آله فانه الذي كان يوحي اليه و ينزل اليه الملك فمن ادعي علما لم‌يستند اليه صلي الله عليه و آله فهو باطل ليس من الله و لا الي الله فان محمدا خاتم النبيين و لا نبي بعده و لم‌يوح الي غيره و الانبياء السلف ايضا كان يوحي اليهم من فضل وحي محمد صلي الله عليه و آله بحسب ذلك الزمان فمنه ما بقي و منه ما قد نسخ و قد جمع لمحمد صلي الله عليه و آله علم الاولين و الآخرين [ص 55] فلا حاجة الي علم السلف و هو صلي الله عليه و آله لم‌يودع علمه الا عليا و الائمة من بعده واحدا بعد واحد فمن ادعي علما و لم‌يأخذ عنهم فهو باطل لان النبي صلي الله عليه و آله لم‌يودع علمه غيرهم و ان برز اليهم شئ فلايغني عنهم شيئا الا بانضمام علم اهل البيت عليهم السلام اليه فان لما برز عنه ناسخ و منسوخ و محكم و متشابه و عام و خاص و مرسل و محدود و لم‌يجمع علم ذلك كله الا الائمة عليهم السلام مع اختلاف النقلة و الحملة و تحمل الفسقة و تحريفهم لتلك العلوم و دسهم و عدم ضبطهم فلا علم الا من اهل بيت نبيك عليهم السلام فلاتاخذ الا عنهم تكن منهم و ادخل تلك البيوت التي اذن الله ان ترفع من ابوابها و ابوابهم الذين سماهم ابوعبدالله عليه السلام فقال انظروا الي علمكم هذا عمن تأخذونه فان فينا اهل البيت في كل خلف عدولا ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين و قال ابوعبدالله عليه السلام من دان الله بغير سماع عن صادق الزمه الله و من ادعي سماعا من غير الباب الذي فتحه الله فهو مشرك و ذلك الباب المأمون علي سر الله المكنون ، فاذا عرفت ان لهم بابا يجب الاخذ عنه فميزهم بحديث ابي‌عبدالله عليه السلام قال في حديث طويل ان عوام اليهود كانوا قد عرفوا علمائهم بالكذب الصريح و باكل الحرام و الرشا و بتغيير الاحكام عن واجبها بالشفاعات و العنايات و المصانعات و عرفوهم بالتعصب [ص 56] الشديد الذي يفارقون به اديانهم و انهم اذا تعصبوا ازالوا حقوق من تعصبوا عليه و اعطوا ما لايستحقه من تعصبوا له من اموال غيرهم و ظلموهم من اجلهم و عرفوهم يقارفون المحرمات و اضطروا بمعارف قلوبهم الي ان من فعل ما يفعلونه فهو فاسق و لايجوز ان يصدق علي الله و لا علي الوسائط بين الخلق و بين الله فلذلك ذمهم لما قلدوا من عرفوا و من قد علموا انه لايجوز قبول خبره و لا تصديقه في حكايته و لا العمل بما يؤديه اليهم عمن لم‌يشاهدوه و وجب عليهم النظر بانفسهم في امر رسول الله صلي الله عليه و آله اذا كانت دلائله اوضح من ان تخفي و اشهر من ان لاتظهر لهم و كذلك عوام امتنا اذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر و العصبية الشديدة و التكالب علي حطام الدنيا و حرامها و اهلاك من يتعصبون عليه و ان كان لاصلاح امره مستحقا و بالترفرف بالبر و الاحسان علي من تعصبوا له و ان كان للاذلال و الاهانة مستحقا فمن قلد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الذين ذمهم الله تعالي بالتقليد لفسقة فقهائهم فاما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا علي هواه مطيعا لامر مولاه فللعوام ان يقلدوه و ذلك لايكون الا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم فاما من ركب من القبايح و الفواحش مراكب فسقة فقهاء العامة فلاتقبلوا منهم عنا شيئا و لا كرامة الخبر ، فاذا عرفت ذلك فاعلم انه قال ابوجعفر الثاني عليه السلام من [ص 57] اصغي الي ناطق فقد عبده فان كان الناطق من الله فقد عبد الله و ان كان الناطق ينطق عن لسان ابليس فقد عبد ابليس انتهي ، فانظر الي علمك الذي تأخذه عمن تاخذه هل ينطق الناطق عن لسان ابليس ام عن لسان الله فان كان ينطق عن لسان ابليس فاياك و اياه فان الشياطين ليوحون الي اوليائهم ليجادلوكم و ان اطعتموهم انكم اذا لمشركون ، و اعلم ان الشيطان قد يقرؤ آيات الكتاب و قد يقرؤ الاحاديث فان الصياد ما لم‌ينبذ حبة اي ما يحبه الصيد لم‌يقع الصيد في شباكه الاتري انه في صيد العصفور ينبذ دخنا و في صيد السباع ينبذ لحما و هكذا فاذا اراد الشيطان صيدك دفن شباكه في قلب اوليائه و صدرهم بل هم بانفسهم شباكه قد دفنه في ارض النفاق و القي حبا فاذا اراد صيد شيعي لا بد و ان يلقي طعامه و هو اخبار اهل البيت عليهم السلام و بعض فضائلهم مما يكون حجة عليه فيلقي من تلك الاخبار حتي تستأنس و شباكه مدفون في تراب النفاق لاتراه و انما تري ظاهر اسلام و احاديث و علوم و هي الحب فتدنو اليها لتأكلها فاذا قد قام الشباك و خنقك و الزمك الكفر و الشرك و هو الذي قال ابوجعفر عليه السلام ان كان الناطق ينطق عن لسان ابليس فقد عبد ابليس و ذلك قوله تعالي و مايؤمن اكثرهم بالله الا و هم مشركون اي يطيعون من ينطق عن لسان ابليس فيصير اطاعتهم له عبادة للشيطان فيصيرون [ص 58] مشركين او يؤمنون فيبتدعون رأيا لم‌يسمعوه عن ائمتهم فيشركون بذلك فقد قيل لابي‌عبدالله عليه السلام ما ادني ما يصير به العبد كافرا فقال ان يقول لهذه الحصاة انها نواة و يبرؤ ممن خالفه علي ذلك و يدين بالبراءة ممن قال بغير قوله فهذا ناصب قد اشرك بالله و كفر من حيث لايعلم انتهي ، فاذا يا اخي الذي يقول من عند نفسه و بعقله من دون استناد الي كتاب او سنة فلايأمن ان يقول لحصاة انه نواة فاذا احب علي قوله و ابغض من خالفه فلعله يخالفه محمد و علي و الائمة عليهم السلام و الانبياء و الملئكة و الاولياء فانهم مع الحق و الحق معهم فاذا ابغض من خالفه صار بغيضا لهم فاذا كان هذا في حصاة كذلك فكيف اذا وضع اصلا يتفرع عليه الف حكم من احكام الدين و ليس علي ذلك الاصل نص و لا اثر في الكتاب و السنة ايؤمن ذلك الشرك علي نفسه ابدا و هل يؤمن من اتبعه عبادة الشيطان و هل الكافر لسان الله او لسان ابليس فلايغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأويهم جهنم و بئس المهاد و اعلم ان عليا عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله ستفترق امتي علي ثلث و سبعين فرقة فرقة منها ناجية و الباقون هالكون و الناجون الذين يتمسكون بولايتكم و يقتبسون من علمكم و لايعملون برأيهم فاولئك ما عليهم من سبيل انتهي ، و اعلم ان كل مسئلة طرقت سمعك او قالها لك قائل فاسئل قائلها [ص 59] عن شاهد عليه من كتاب و سنة فان اتي لك به فاقبله و الا فاضربه علي عرض الحائط فانه رأيه و هواه و كيف لاتعمل بذلك في حديث العلماء و ما ينسب اليهم و قد امرت ان تعمل بذلك فيما يروي عنهم و ان لاتقبل عليهم ما ليس عليه دليل من كتاب او سنة فقد قال ابوعبدالله اذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب الله او من قول رسول الله و الا فالذي جاءكم به اولي به ، فاذا كان الامر فيما يروي عن الائمة عليهم السلام هكذا فكلام غيرهم اولي بذلك فما وجدت لقول قائل شاهدا من كتاب الله او من قول رسول الله و اهل بيته عليهم السلام فاقبله و الا فرده الي قائله فانه اولي و لاتصغ اليه فتشرك بالله العلي العظيم و قد امرت بذلك و امرك الصادق عليه السلام فقال دع الرأي و القياس و ما قال قوم في دين الله ليس له برهان و قال اياك ان تنصب رجلا دون الحجة فتصدقه في كل ما يقول ، ثم العلوم التي ينبغي لك تحصيلها فتعلم العربية و لاتكثر من النحو فانه يقسو القلب فانه قال ابوعبدالله عليه السلام تعلموا العربية فانها كلام الله الذي يكلم به خلقه و عن موسي بن جعفر عن آبائه عليهم السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله من انهمك في طلب النحو سلب منه الخشوع ، و تعلم علم القراءة فقد قال رسول الله صلي الله عليه و آله تعلموا القرآن بعربيته ، و تعلم علم الحكمة و معرفة الله و صفاته و اسمائه و ما [ص 60] كلفك به و ما تدفع به شبه الجاحدين فقد قال ابوعبدالله عليه السلام وجدت علم الناس كلهم في اربع اولها ان تعرف ربك و الثاني ان تعرف ما صنع بك و الثالث ان تعرف ما اراد منك و الرابع ان تعرف ما يخرجك عن دينك ، و تعلم الكتاب و السنة علي ما فسرهما الائمة عليهم السلام لقول رسول الله صلي الله عليه و آله انما العلم ثلثة علم آية محكمة او فريضة عادلة او سنة قائمة و ما خلاهن فهو فضل و قال ماانعم الله عز و جل علي عبد بعد الايمان بالله افضل من العلم بكتاب الله و معرفته بتأويله ، و تعلم فضايل آل‌محمد عليهم السلام لقول الصادق عليه السلام في قوله تعالي : و من يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا ، قال هي طاعة الله و معرفة الامام ، و تفقه في الدين و لاتكن اعرابيا فقد قال ابوعبدالله عليه السلام عليكم بالتفقه في دين الله و لاتكونوا اعرابا ، و اياك و علم النجوم مع الاعتقاد بها و الكهانة و السحر فقد قال ابوعبدالله عليه السلام المنجم كالكاهن و الكاهن كالساحر و الساحر كالكافر و الكافر في النار ، و اياك و كتب العامة و اصحاب الرأي و مصنفاتهم و احاديثهم و اخبارهم و علومهم مطلقا فقد قيل لابي‌عبدالله عليه السلام انا نأتي هؤلاء المخالفين فنسمع منهم الحديث يكون حجة لنا عليهم قال لاتأتهم و لاتسمع منهم لعنهم الله و لعن مللهم المشركة ، و اياك و علم الكلام ثم اياك فقد قال ابوعبدالله عليه السلام ويل لاصحاب الكلام يقولون هذا ينقاد و هذا لاينقاد [ص 61] و هذا ينساق و هذا لاينساق و هذا نعقله و هذا لانعقله و قال ان الكلام و الخصومات تفسد النية و تمحق الدين و قال متكلموا هذه العصابة من شرار من هم منهم ، و اياك و هذه المباحثات المتعارفة في زماننا و المجادلات فقد قال رسول الله صلي الله عليه و آله لعن الله المجادلين في دين الله علي لسان سبعين نبيا و من جادل في آيات الله كفر قال الله : و مايجادل في آيات الله الا الذين كفروا ، و قال ابوعبدالله عليه السلام اياكم و الخصومة في الدين فانها تشغل القلب عن ذكر الله و تورث النفاق و تكسب الضغاين و تستجيز الكذب و في رواية انها تورث الشك و تحبط العمل و تردي صاحبها و عسي ان يتكلم الرجل في الشئ فلايغفر له و قال رجل للحسين بن علي عليه السلام اجلس حتي نتناظر في الدين فقال يا هذا انا بصير بديني مكشوف علي هداي فان كنت جاهلا بدينك فاذهب و اطلبه ما لي و للمماراة و ان الشيطان ليوسوس للرجل و يناجيه و يقول تناظر الناس في الدين كيلايظنوا بك العجز و الجهل و قال رسول الله صلي الله عليه و آله اورع الناس من ترك المراء و ان كان محقا و قال ابوجعفر عليه السلام ان شيعتنا الخُرْس ، و اياك و علم المنطق فانه فتنة كل مفتون لين المس مر المذاق و هو من علم النصاري و قد ترجم في الاسلام في عصر مأمون لعنه الله و قد ترجمه يحيي بن اكثم و فيه من الكفر و الزندقة ما لايحصي و قد اثبتنا ابطاله في مباحثاتنا حتي [ص 62] صار اوضح من الشمس في رابعة النهار و هو مما لم‌ينزل الله به من سلطان و لو كان هذا من دين الله او شرطا فيه لمااخل به رسول الله صلي الله عليه و آله و هو بدعة في الاسلام و قد قال رسول الله صلي الله عليه و آله شر الامور محدثاتها و كل محدث بدعة و كل بدعة ضلالة ،

و اما العمل فهو استعمال العلم الذي امرت بتحصيله و اجعله لله سبحانه فان المرائي مشرك و يحول يوم القيمة الي من عمل له و اعلم ان العلم يهتف بالعمل فان اجابه و الا ارتحل و العمل يوسع الصدر للعلم فمن لم‌يعمل و كثر علمه سلط عليه الشيطان فقد قال علي بن الحسين عليهما السلام اذا سمعتم فاستعملوه و ليتسع قلوبكم فان العلم اذا كثر في قلب رجل لايحتمله قدر الشيطان عليه و قال ايها الناس اذا علمتم فاعملوا بما علمتم لعلكم تهتدون و قال مكتوب في الانجيل لاتطلبوا علم ما لاتعملون و لماتعملوا بما علمتم فان العلم اذا لم‌يعمل به لم‌يزدد صاحبه الا كفرا و لم‌يزدد من الله الا بعدا و قال ابوعبدالله عليه السلام لايقبل الله عز و جل عملا الا بمعرفة و لا معرفة الا بعمل و قال العلم مقرون بالعمل فمن علم عمل و من عمل علم فالذي لا عمل معه ليس بعلم فان ترك العمل مع الخشية محال و قد قال السجاد عليه السلام لا علم الا خشيتك و قال ليس لمن لم‌يخشك علم ، و قال انما يخشي الله من عباده العلموٰاء فمن لم‌يعمل لم‌يخش و من [ص 63] لم‌يخش ليس بعالم و انما هو صورة علم و هي حجة عليه لا له و العلم نور و ذلك النور نور الخشية فالتاركون للعمل ليسوا بعلماء ابدا باصطلاح اهل البيت عليهم السلام و اصطلاح من اتبعهم باحسان .

هذا مجمل ما اردت لك من النصح فيما ينبغي لك و اعلم ان لا كل ما يعلم يقال و لا كل ما يقال حان وقته و لا كل ما حان وقته حضر اهله و لا كل ما حضر اهله فقد مانعه و اعلم ان لكل شئ اجلا لايعدوه و وقتا لايتجاوزه و لكل امر مقر و لكل شئ مستقر و لاينبغي الكشف عن كل شئ علي التعيين و ستعلمن نبأه بعد حين و فيما ذكرت لك عجالة غنية لك الي ان يحدث الله بعد ذلك امرا و اسئل الله ربي ان يثبتني و اياكم بالقول الثابت في الحيوة الدنيا و في الآخرة و ان يهدينا لما اختلف فيه من الحق باذنه انه يهدي من يشاء الي صراط مستقيم و ان يستعملنا فيما هدانا و يعلمنا ما حجب علمه عنا و السلام عليكم و علي من قبلكم من اهل الهداية و الاستبصار و رحمة الله و بركاته .

كتبه العبد الاثيم كريم بن ابرهيم و قد فرغ من تسويده يوم السبت العشرين من شهر جمادي الثانية من شهور سنة ستين بعد المأتين و الالف حامدا مصليا مستغفرا و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين .

تمت .