فصل - في دليل الموعظة الحسنة علي وجوب التسديد في الحكمة و انت لاتنال حظا من هذا الدليل الا ان تنصف نفسك في المحاكمة و لاتخاطر بها و لاتجور عليها في الحكم و لاتجري علي قواعدك التي انست نفسك بها بل تجري علي فطرتك الغير المغيرة التي فطرك الله عليها فاستمع لما اقول و احكم بيني و بينك بعقلك فاقول هل ربك تعالي قدره كامل في افعاله و مقادير امره و خلقه ام ناقص ليس لك ان تقول انه ناقص فاذا كان كاملا هل يجوز ان يترك [ص 255] الاولي في خلقه و هو لا من شئ كون ما قد كان و ابدع الخلق ابداعا و اخترعه اختراعا ام لا ليس لك ان تقول انه يترك الاولي و الاحسن و الاكمل و هو قد عاقب انبياءه و رسله علي ترك الاولي و عاب عليهم و يقول اتأمرون الناس بالبر و تنسون انفسكم فان كان ترك الاولي نقصا في كمالهم و حكمتهم مع انهم لايملكون لانفسهم نفعا و لا ضرا و لا موتا و لا حيوة و لا نشورا كيف يجوز صدوره عن الله سبحانه مع علمه و حكمته و قدرته و كماله لااظن عاقلا يجوز ذلك علي ربه و هو يعتذر اليه من ترك الاولي في افعاله و يستغفره ان كان عارفا بحق الله تعالي فان اعترف بان الرب الحكيم العليم القدير الغني لايفعل ما هو خلاف الاولي و الاكمل نسأله هل الاكمل و الاحسن ان يكون المكلفون في دينهم و ما اراد الله منهم متزلزلين مضطربين غير مطمئنين ظانين خارصين لايدرون اصابوا ام اخطأوا ام الاكمل و الاحسن و الاولي ان يكونوا علي بصيرة من امرهم و هدي من ربهم ساكني النفس ثلجي الفؤاد مطمئني القلب عارفين بصيرين لااظن عاقلا في الدنيا يقول ان الاحسن هو الشق الاول في امر من الامور فضلا عن الدين فان في التزلزل و الاضطراب تعب النفس و حيرتها و مرضها فان القلب ما لم‌يصب الحق مترجرج غير ساكن يكاد يخرج من حلقوم الانسان فان اصاب الحق و عرفه قر و سكن و استراح من التعب و النصب البتة فعن ابي‌عبدالله عليه السلام قال ان القلب ليرجج فيما بين الصدر و الحنجرة حتي يعقد علي الايمان فاذا عقد علي الايمان قر و ذلك قول الله عز و جل و من يؤمن بالله يهد قلبه ، و عنه عليه السلام ان القلب ليتجلجل في الجوف يطلب الحق فاذا اصابه اطمأن و قر ثم تلا ابوعبدالله عليه السلام هذه الآية فمن يرد [ص 256] الله ان يهديه الي قوله كأنما يصعد في السماء ، فلايمكن نفسا ان يرجح التعب و النصب و الحيرة و الاضطراب لنفسه فاختيار اليقين للنفس امر جبلي فطري و لذلك تشتاقه ابدا و ترتجيه و تعرف ان به حيوتها و من التعب و الاضطراب هلاكها لاسيما اذا سمعت ان من وراء هذه الدار دارا و من عمل بامور نال الراحة الابدية و من عمل بامور نال التعب الابدية فتشتاق الي ان تعرف تلك الامور الاولة عن علم حتي تكتسبها و الامور الثانية حتي تجتنبها البتة و لاتستقر الا باليقين فالاولي و الاحسن للخلق اليقين و المعرفة و البصيرة بالامور و اما من حيث الرب فلا شك ان باليقين يقوم الحجة ما لايقوم بالشك و الظن و لله الحجة البالغة و فيه لله من اكمال الدين و اتمام النعمة و اظهار الجلال و العظمة و القدرة ما ليس في الشك ابدا فوجب في حكمة من لايترك الاكمل و الاحسن و الاولي ان لايؤثر علي اليقين شيئا في الدين و لايكتفي بالحدس و التخمين في امور المكلفين و في حجته القائمة بالانبياء و المرسلين فمحال ان يصدر من الله سبحانه في شئ من امر دينه ما هو مرجوح و قبيح في نظر كل عاقل و كذا محال ان يغلبه في حكمه من احدثه لا من شئ فيعارضه و يمنعه عن اجراء افعاله علي نهج الحكمة و الصواب فلو جاز ذلك عليه لجاز ان يمنعه خلقه عن حكمته حتي يجري افعاله علي اللغو و العبث المحض نعوذ بالله فيبطل التوحيد و المعرفة رأسا فالذي خلقه الله لا من شئ بما شاء كيف شاء محال ان يغلبه فيما شاء فظهر انه محال ان يصدر من الله سبحانه المرجوح و النقص الذي يعرفه خلقه بالقبح و قبح الله به خلقه و عاقب انبياءه عليه و لااظن عاقلا في الدنيا يقدر ان يرد هذا البرهان الذي هو كالعيان فان قيل و انا اتكلف لهم و هم لايعلمون هذه الامور [ص 257] ان الاصل الاولي هو ما ذكرت و الاولي الاكمل هو ما قررت و لكن الله سبحانه اجري افعاله علي الاختيار دون الاكراه و الاجبار و مقتضي الاختيار ان لايمنع الكفار عن مقتضي اختيارهم كما لم‌يمنع فان لم‌يمنع جروا علي طبايعهم و مقتضي عنادهم و سعوا في اطفاء امر الدين و اخماد نور الشرع المبين و غصبوا خلافة سيد الوصيين فخفيت الاعلام و عفت الرسوم و اظطلمت السبل فزال اليقين و بقي الظن و التخمين فنحن لحرماننا عن نور اليقين و تعذر وصولنا اليه في هذه الطخية العمياء تشبثنا بذيل اقرب الامور اليه و تعبدنا بالتمسك باشبه الاشياء به و هو الظن فالظن يومنا هذا خليفة اليقين و من اضطر غير باغ و لا عاد فلا اثم عليه قلت اسألك عن مجري افعال الله سبحانه هل في الحق و الباطل علي السواء او هو في الباطل حسب بل نسبة الكل اليه سبحانه علي السواء و ليس اجراء افعاله علي الاختيار بحيث ينقلب افعاله الي القبيح و الفساد و العبث نعوذ بالله و الذي ينشئ الخلق انشاء و يبتدؤه ابتداء و هو حكيم يخلقه بحيث يكون علي نحو الاختيار و لايلزم في ملكه ما ينافي الكمال و النقص و لايلزم عليه عائبة فهو يجري افعاله علي الاختيار و الحكمة اي علي حسب قوابل الخلق و الحكمة و من خلقه الابرار و اهل الانوار كما ان منهم الفجار و اهل الظلمة و الاشرار و لن‌يغلب مقتضي قوابل الاشرار مقتضي قوابل الابرار حتي يفنوهم عن آخرهم و يستأصلوهم لله العزة و لرسوله و للمؤمنين و في زيارة الحسين عليه السلام لا مغلوب و الله ناصرك و لا ذليل و الله معزك ، غاية الامر للباطل جولة اليس للحق دولة و انما الباطل كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الارض ما لها من قرار و اما الحق فهو كلمة طيبة كشجرة طيبة اصلها ثابت و فرعها في السماء [ص 258] تؤتي اكلها كل حين باذن ربها فكما يجري الله سبحانه افعاله في الكفار بالاختيار يجريه في الابرار ايضا بالاختيار و قوابل الابرار مستندة الي نور الجبار و مشية القهار فلن‌تغلب و لن‌تضمحل و ليس يترك الله الدنيا في يد ابليس و جنوده يلعبون بها كيف ما يشاؤن بل لا بد و ان يكون الخلق مع كونه علي نهج الاختيار علي نهج الحكمة و الصواب الاتري ان الله سبحانه لو اجري مشيته علي حسب ميل الكفار لكان ميلهم ان يفني الابرار رأسا و لكن منعت حكمته ذلك و لم‌يخلق خلقه بحيث يكون في قدرة الاشرار افناء الابرار رأسا فمن خلقهم كذا كان الاولي في فعله ان لايخلقهم بحيث يغلبوا الابرار و يدحضوا حجتهم و يبطلوا امرهم الاتري ان الشيطان مع شدة عداوته ليس له سلطان علي الذين آمنوا و علي ربهم يتوكلون اولاتري ان الخلق مع كونهم مختارين كل واحد منهم لازم مكانه و حده لايقدر علي التجاوز عنه و التحول لئلايبطل حكمة الله و حجج الله و بيناته فجعل خلقه قوي الاختيار فيما يسألهم عنه و ضعيف الاختيار فيما قضي عليهم ليستوفي اختيارهم و جري افعاله علي نهج الحكمة و الصواب فليس للخلق ان يغيروا حكمته و متقن صنعه باختيارهم و ماكان لمؤمن و لا مؤمنة اذا قضي الله و رسوله امرا ان يكون لهم الخيرة من امرهم و هو سبحانه يسألهم عما كلفهم و لايسألهم عما قضي عليهم فلا خيار لهم مع الاختيار في المقضيات و من المقضيات التي لولاها للزم العبث وجود حجة في كل عصر شاهد مطلع حافظ للشرع و الدين عن تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين مظهر للحق و اليقين علي ما اراد الله من المكلفين سواء كان في الامر الاولي او الثانوي فاذا صار لله سبحانه لكل حال من الخلق حكم لايحصل مانع من [ص 259] ايصال الحكم ابدا فانه علي فرض غلبة الكفار في الديار و طموس الآثار لله سبحانه حكم لهذه الحال في هذه الحال و هو قادر ان يوصله الي عبده باسباب لايعارضها شر الاشرار و كيد الفجار فان كان عنه مانع في الظاهر ليس عنه مانع في الباطن فان كان ابليس اللعين بعنقه المنكسر يقدر علي القاء الشبهة في قلوب اهل الشرق و الغرب كيف لايقدر الامام الغالب القاهر علي القاء الحق في قلوب المجاهدين و ان كان الشيطان يقدر ان يضل اهل المشرق و المغرب و يوسوس في صدورهم كيف لايقدر حجة الله القاهر علي هداية الطالبين و نفث الحق في قلوبهم و كما لايشترط في تصرف الشيطان رؤية الخلق له لايشترط في تصرف الامام رؤيتهم له و كما لايشترط في اغواء الشيطان اهل البلاد التي الغالب عليها الحق و اهله بل ليس فيها مخالف عدم كون اهل الحق فيها لانه لخفائه مصون عن بأسهم لايشترط في هداية الامام اهل الحق الي الحق في بلاد يكون الغالب عليها المخالف عدم كون المخالف فيها لانه لغيبته مصون عن شرهم و كيدهم و ان قلت ان كان هو مصونا عن شرهم علي نفسه و لكن شيعته ليست مصونة عن شر الناس اذا عملت بالحق قلت فاذا الشيعة في حال التقية و حكمهم في تلك الحال التقية و علي الامام ان يهديهم الي حكم يناسب حال التقية و هو حكمه اليقيني من الله سبحانه فعلي الامام ان يهديهم الي الله سبحانه و يمرضهم في كل حال و يسقيهم ما يناسبه في كل يوم و اما الخلو عن التمريض و سقي الدواء فهو مهلك للعبد و لايقوم لله عليه حجة و يلزم القبيح في الحكمة مع امكان جري افعاله سبحانه علي ما هو الراجح الاكمل هذا و قد اخبروا عن انفسهم بما قلت في الكتاب و السنة فهل عندكم من علم علي خلاف ذلك فتخرجوه لنا ان تتبعون الا الظن و ان انتم [ص 260] الا تخرصون فجري الافعال علي الاختيار لاينافي هداية الخلق فالكفار جروا علي الاختيار و محوا الآثار و خربوا الديار اليس حجة الله باقيا شاهدا قادرا قاهرا اليس بيده الامر و الملك اليس يقدر علي تجديد الآثار و تعمير الديار و اقامة القرائن و تقليب القلوب و تقريب البعيد و تبعيد القريب و تقوية الضعيف و تضعيف القوي و تقويم العوج و تثقيف الاود و القاء اصول و قواعد و ايقاع اشارات و لحون و ايماءات و الهامات و تنبيهات لايتنبه بها الاعداء ليمحوها و لايدركها عقولهم فيطمسوها فيتصرفون بما ذكرنا و امثال ذلك في الغيب الذي لا مانع منه دون الظاهر الذي فيه الموانع فيترك الله سبحانه الاعداء حتي يبدوا كوامن صدورهم و مستجنات قلوبهم و يؤيد الحجة علي اقامة القرائن في مقابلهم و احداث الشواهد بازائهم و تقويم عقول الشيعة بحذائهم و الهامهم و تعليمهم من الباطن فينال كل حظه من الكتاب فاذا كان الامران ممكنين لازمين اجتماعا يدبر الله سبحانه تدبيرا حتي يأتيا جميعا و يجريا جميعا في الملك بلا تعارض فلاجل ذلك لما نصب النبي صلي الله عليه و آله خليفته لحفظ الدين عن شر الشياطين انزل من كتابه اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلاتخشوهم و اخشون اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا و قال سبحانه شاهدا علي الجمع بين الامرين و ماارسلنا من رسول و لا نبي الا اذا تمني القي الشيطان في امنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته و الله عليم حكيم فالشيطان لايمنع عن مقتضي طبعه لوجود الاختيار و اما ابقاء الله سبحانه عليه فليس من العدل و لا بد و ان ينسخ ما يلقي الشيطان لئلاتبطل حجج الله و بيناته و انما جعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض و القاسية [ص 261] قلوبهم و لتصغي اليه افئدة الذين لايؤمنون بالآخرة و ليرضوه و ليقترفوا ما هم مقترفون و جعل النسخ ليهدي الذين آمنوا الي صراط مستقيم فالمؤمنون يستيقنون بحقهم و الكافرون يتبعون الظن و يخرصون ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة فتبين ان جري الكفار علي حسب اختيارهم لايكون سبب انطماس اعلام الدين و خمود نور الشرع المبين كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ماكان عطاء ربك محظورا فلو خربت انت بناء و اعدته انا فقد نال كل منا حظه و اظهر كل منا مقتضي جبلته و يجزي الله الذين اساؤا بما عملوا و يجزي الذين احسنوا بالحسني كما قال الله سبحانه قالوا حرقوه و انصروا آلهتكم ان كنتم فاعلين قلنا يا نار كوني بردا و سلاما علي ابرهيم و ارادوا به كيدا فجعلناهم الاخسرين و كقوله و مكروا مكرا و مكرنا مكرا و هم لايشعرون فجاء الاختيار و الاختبار و تبين الحق لاهل الاعتبار و ان قيل ان مقتضي عالم اللطخ و الخلط ان لايكون الحق خالصا عن شوب الباطل و الباطل عن شوب الحق و مقتضي عدم الصرافة ان لايكون الحق ابلج المنهاج واضح الفجاج يحصل منه اليقين الخالص عن شوب الشك بل مقتضاه ان يكون في كل حق احتمال باطل و في كل باطل احتمال حق غاية الامر يكون الحق راجحا لغلبته دائما و يكشف عن هذا الشوب قول اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث فلو ان الباطل خلص لم‌يخف علي ذي حجي و لو ان الحق خلص لم‌يكن اختلاف و لكن يؤخذ من هذا ضغث و من هذا ضغث فيمزجان جميعا فيجيئان معا فهنالك استحوذ الشيطان علي اوليائه و نجا الذين سبقت لهم من الله الحسني انتهي ، فاذا لم‌يكن في هذه الازمنة حق محض خالص عن شوب الباطل و احتماله ينبغي ان [ص 262] يكون باب العلم مسدودا و يكون العمل بالظن متعينا قلت ان مقتضي العالم من حيث نفسه كذلك يكون حقه ممزوجا بباطله و نوره مشوبا بظلمته بلا شك و هذا من طبيعة العالم محسوس و مقتضي ذلك ان يكون الغلبة للباطل و احتماله ما كان الظلمة غالبة علي النور و الباطل غالبا علي الحق و مقتضاه ان يكون الظن و الرجحان و الغلبة للباطل لضعف النور و قوة الظلمة و ان يزداد النور قوة شيئا بعد شئ الي ان يغلب النور عند ظهور دولة الحق ثم يزداد الي ان يذهب الظلمة بكليته و يظهر النور الخالص في رجعة محمد صلي الله عليه و آله فهنالك يحصل اليقين بالحق و اما زمان الظن فهو زمان ظهور الامام و اما هذه الازمنة فهي زمان الظن بالباطل و مقتضي ذلك ان يكون قوة الباطل كلما ذهبت قهقري اشد فيكون في زمان النبي و الائمة قوة الباطل اشد و اشد فلو ترك الله العالم بصرافة طبعه لكان كذلك و قد بينا في اول الكتاب ذلك و لما كان ينبغي ان يظهر حق في هذه الازمنة و القطعيات الحقة لاتحصي كثرة بل في كل مسئلة الا نادرا جدا حد قطعي لا شك فيه و انما الاختلاف الواقع في جواز الضد اي ضد الامر القطعي فيها فلو شاء انسان ان يمشي في كل مسئلة امكنه اللهم الا في قليل من المسائل نادر جدا جدا فتبين ان الله سبحانه لم‌يترك العالم بصرافته كما مر في القدسي لم‌اكن اترك ابليس يضل الناس و ليس في الارض حجة داع الي و هاد الي سبيلي و عارف بامري و اني قد قضيت لكل قوم هاديا اهدي به السعداء و يكون حجة علي الاشقياء انتهي ، و له الحجة البالغة ليهلك من هلك بعد البينة و يحيي من حي بعد البينة و قال ان الظن لايغني من الحق شيئا فطبع العالم و ان كان كذلك لكن خلق في كل عصر حجة يعلن الحق و يرد كيد الكائدين [ص 263] ففي الكافي عن معوية بن وهب قال سمعت اباعبدالله عليه السلام يقول قال رسول الله صلي الله عليه و آله ان لكل بدعة بعدي يكاد بها الايمان وليا من اهل بيتي موكلا يذب عنه و ينطق بالهام من الله و يعلن الحق و ينوره و يرد كيد الكائدين يعبر عن الضعفاء فاعتبروا يا اولي الابصار و توكلوا علي الله ، و كثيرا ما كان يقول الصادق عليه السلام :

علم المحجة واضح لمريده و اري القلوب عن المحجة في عمي

و لقد عجبت لهالك و نجاته موجودة و لقد عجبت لمن نجا

و قال عليه السلام من شك و ظن فاقام علي احدهما فقد حبط عمله ان حجة الله هي الحجة الواضحة و في الجامعة جاهدتم في الله حق جهاده حتي اعلنتم دعوته و بينتم فرائضه و اقمتم حدوده و نشرتم شرايع احكامه و سننتم سنته و صرتم في ذلك منه الي الرضا و عن ابي‌جعفر عليه السلام ان القرآن شاهد الحق و محمد صلي الله عليه و آله لذلك مستقر فمن اتخذ سببا الي سبب الله لم‌يقطع به الاسباب و من اتخذ غير ذلك سببا مع كل كذاب فاتقوا الله فان الله قد اوضح لكم اعلام دينكم و منار هداكم فلاتأخذوا امركم بالوهن و لا اديانكم هزؤا فتدحض اعمالكم و تخطأ سبيلكم و لاتكونوا في حزب الشيطان فتضلوا يهلك من هلك و يحيي من حي و علي الله البيان بين لكم فاهتدوا و بقول العلماء فانتفعوا و السبيل في ذلك الي الله فمن يهد الله فهو المهتدي و من يضلل فلن‌تجد له وليا مرشدا ، و لازال الله سبحانه يوبخ الامم و يقول و مااختلفوا الا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم و ينهي عن اتباع غير العلم فيقول و لاتقف ما ليس لك به علم الي غير ذلك و قد اوردنا في الباب الاول فصلين في الآيات و الاخبار [ص 264] في هذا المعني فراجع و طال ما يقول آل‌محمد عليهم السلام ان الناس في سعة ما لم‌يعلموا ، و قد اوردنا بابا من جنس هذا الخبر في فصل الخطاب فلو كان الله سبحانه يدع العالم بطبيعته لكان كما قلت و لكن لم‌يتركه و يشهد بذلك ادلة الكتاب و السنة المتواترة كما مر فلاجل ذلك نهي عن الظن كل هذا بالجملة ان بالظن لايقوم حجة علي العباد و لاتكون الحجة بالغة و لايترك الله الاولي و لايخالف الاكمل الاحسن و لذلك احتاجت الانبياء الي المعجزات و العصمة و الآيات البينات و احتاجت الاوصياء الي المعجزات و النصوص الجليات هذا و نحن نقول ان الطبيعة التي قلت تجري في الحكم الاولي و فيه الامر كما قلت و اما الحكم الثانوي فلله سبحانه حكم بين بمقتضي تلك الحال و ذلك لايعقل خفاؤه في حال من الاحوال فعلي فرض طموس الاعلام و خفاء الآثار لله سبحانه حكم بين يناسب تلك الحال و يمكن الخلق الوصول اليه كما انك تدعي القطع في جواز العمل بالظن عند سد باب العلم فلو كان باب العلم بالتكليف الثانوي ايضا مسدودا لكان ادعاؤك هذا القطع ايضا باطلا نعم ينسد باب العلم بالكلية عند صعود محمد و آل‌محمد عليهم السلام قبيل نفخ الصور باربعين يوما فيبقون بلا شعور بالجملة لعمري ان ظهور ان حجة الله لايقوم الا بالعلم و ان الظن لايغني من الحق شيئا في الكتاب و السنة اظهر من الشمس و ابين من الامس و لكن القوم غفلوا عن سبب اليقين و نظروا الي صرف طبيعة العالم فابتلوا بالظن و التخمين و لعمري لو انصفوا ليس اليوم علي ما يقولون الا شك و ريب في اغلب المسائل و اما مع اسباب اليقين و هو وجود الامام الحق المبين المعلن للحق الراد لكيد الكائدين فلا خرص و لا تخمين و هو كما بينا اكمل و اولي و احسن و الله الكامل [ص 265] جل جلاله لايترك الكامل الي الناقص و لايخالف الاولي فالحجة هو آية الله و نور الله و دليل الله و برهان الله و شاهد الله و موضع مشية الله يقدر علي تقريب كل بعيد و تبعيد كل قريب الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الي النور و الذين كفروا اولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور الي الظلمات اولئك اصحاب النار هم فيها خالدون و قد قال اميرالمؤمنين عليه السلام ان الحق و الباطل يمزجان و لم‌يقل يشتبهان علي من جاهد في الله و استنبط من آل الله و سأل اهل الذكر و انقطع اليهم و استسقي بئر علومهم صلوات الله عليهم قال الله سبحانه الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و قال و لو ردوه الي الله و الرسول و الي اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم و لو كان الحق و الباطل ممزوجين مشتبهين لماذم قوما و قال ما لهم به من علم الا اتباع الظن و لم‌يقل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا و لم‌يقل و لاتقف ما ليس لك به علم و قد مر ما يكشف عنه بما لا مزيد عليه فراجع و نكتفي هيهنا ايضا بما ذكرناه لتراكم الاشغال و تبلبل البال .

فصل - في الاستدلال علي التسديد بالمجادلة بالتي هي احسن و هو الدليل الذي ملأ القوم به طروسهم و زينوا به دروسهم و سموه علما و غفلوا عما سواه و قد مر كثيرا في هذا الكتاب و لكن نذكر هنا منه ما تيسر لئلايخلو هذا الباب من كتابنا هذا منه ايضا و يعلم كل اناس مشربهم . اعلم انا علمنا بعد التتبع و الاستقراء ان الله سبحانه خلقنا خلقة مبانة عن ساير الحيوانات مدني الطبع لانقدر علي ان نعيش فذاً فرادي فلا بد لنا من ان نجتمع في المدن و نتجاور فوجا فوجا حتي يتحمل كل منا عن الآخر بعض [ص 266] حاجته فاذا اجتمعنا و تجاورنا و نحن مختلفوا الدواعي و الشهوات و الطبايع اختلفنا و تجاذبنا و تدافعنا فتشاجرنا و تنازعنا فتقاتلنا و فنينا عن آخرنا و لا بد لنا من حاكم عدل قسط من الله سبحانه كما حققناه في محاله مفصلا و ان الله سبحانه مذ خلقنا لم‌يخلنا من حاكم عدل و هو النبي و الامام و جعله قبل الخلق لئلايكون الخلق ساعة في الدنيا بلا حاكم آمر بالمعروف ناه عن المنكر فجعل بديع فطرته و اول بريته نبيا ثم ارسل الرسل تتري و نصب بعد الرسل اوصياءهم و علمنا ايضا ان لله سبحانه رضا و سخطا و علمنا انا خلقنا جهالا لحكمة علمها الله و رضاء الله فيما يصلح الخلق في الدنيا و الآخرة و سخطه فيما يفسد الخلق في الدنيا و الآخرة و هو غني لاينفعه طاعتنا و لايضره معصيتنا و لايعرف مصالح الخلق و مفاسده الا الذي خلقه فنحتاج الي من يأخذها عن الله و يبلغها الينا و هم الانبياء و الرسل و لا بد و ان يكون بعدهم من يحفظ دينهم و يعلم من يأتي من امتهم لئلايضيع من في اصلاب الرجال و ارحام النساء و لايسع الامة حفظ الدين و الا لكان كل منهم قابلا لخلافة الانبياء و هذا معلوم من اصول الشيعة و به بانوا عن العامة فلاجل ذلك وضع الله في كل عصر حجة عالما بالمفاسد و المصالح داعيا اليه حاكما بين الخلق و امر بطاعتهم فقال اطيعوا الله و اطيعوا الرسول و اولي الامر منكم و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و تلك العلة الموجبة لنصب الحجج موجودة في اولنا و آخرنا فوجب في كل عصر حجة حافظ للدين مؤد عن الله ما اراده من الخلق اجمعين فلو ترك الله هذا الدين بايدي المنتحلين لجري علينا بعد الغيبة ما جري علي العامة العمياء و لم‌يكن بيننا فرق و كان ينمحق الدين بالكلية بتأويل الجاهلين و تحريف المحرفين و دس الداسين و تغيير المغيرين [ص 267] و نسيان الناسين و خطاء الخاطئين و عمد الملبسين و الذين يجسرون علي الحكم بغير ما انزل الله رب العالمين فلم‌يقم للدين عمود و لم‌يخضر له عود و انا احتجنا الي الامام بعد النبي لاجل ذلك يوم اول و انا اليوم اليه احوج في فقد نبينا و كثرة عدونا و قلة عددنا و شدة الفتن بنا و تظاهر الزمان علينا و تراكم الشكوك و الشبهات في ديننا فنحن اليوم الي وجود حجة داع الي الله معرف لهداه ملهم لرضاه مسدد لمن تولاه حافظ دين مولاه احوج و احوج و لايحتاج في ذلك الي رؤيتنا له فانه بنفسه شاهد علينا قادر قاهر مأمور من عند الله معصوم مطهر لايعصي الله فيما نهي و امر يقدر علي اقامة الحق و احقاقه و اماتة الباطل و ازهاقه و لا مانع من ذلك فانه لايخاف علي نفسه من التصرف و هو غايب لايناله الايدي و الابصار و ان كان يخاف علينا فلا خوف علينا من مطلق التصرف و لو بصرفنا الي ما يوافق اعداءنا بالبداهة و انما الخوف علينا من حملنا علي خلاف ما عليه اعداؤنا فان حملنا علي موافقتهم فهو حكم الله في حقنا و هو الحكم الثانوي قال ابوجعفر عليه السلام لزياد يا زياد ما تقول لو افتينا رجلا ممن يتولانا بشئ من التقية قال قلت انت اعلم جعلت فداك قال ان اخذ به اوجر و ان تركه والله اثم ، فاذا كان و لم‌يكن مانع لهم عن الفتوي بموافقة العامة في ظهورهم و كان هو دين الله و مخالفه آثم كيف يكون مانع من التصرف كذلك في حال غيبتهم و هم لايخافون علي انفسهم و لا علي شيعتهم فاذا كان المقتضي للتصرف موجودا و هو حاجة الخلق الي معرف للدين و وجود المعرف و شهادته و قدرته و تكليفه و عصمته و المانع مفقودا و هو الخوف علي نفسه او علي شيعته و الله سبحانه غني جواد غير بخيل فلايجوز في الحكمة تخلف ايجاد التصرف ابدا و من انكر ذلك [ص 268] منا ليس له دليل علي وجوب وجود امام بعد النبي و ليس له حجة علي العامة فان كان نصبه ذلك اليوم واجبا لحفظ الدين فوجب عليه الحفظ ان لم‌يمنع عنه مانع و قد عرفت انه ان جاء المانع عن التصرف علي طبق الحكم الاولي ليس مانع عن التصرف علي طبق الحكم الثانوي فاذا وجد المقتضي و فقد المانع وجب الوجود فان الله جواد لا بخل فيه فبذلك قلنا ان الامام يتصرف فاذا تصرف تصرف بالقسط و العدل و الحق و الوجه الاكمل فانه معصوم لايترك الاولي فيعرف الحق بما لا مزيد عليه و ليس تعريف احسن منه و ابلغ فاذا نفخ في ابدان ايماننا هذا الروح لانخشي غير الله و نخشي الله و نتقيه و لانشك فيما بايدينا من امر و نعلم قطعا جزما ان كلما سكت امامنا عن ردعه هو حق لا مرية فيه و لا ريب يعتريه و هو مقرر منه فبذلك نحصل اليقين بصدور اخبار لم‌يظهر كذبها و بصحة كل ما فهمنا منها بعد المجاهدة و استفراغ الوسع اذا دخلنا البيت من بابه و اما ساير الاستنباطات العقلية باصطلاحهم و الاجتهادات و المقائيس و المصالح و الاستحسانات و ما يستنبط من اصول ماانزل الله بها من سلطان و ما يحصل منه الظنون المطلقة فان وافق الكتاب و السنة فالغناء عنها بين و ان خالف الكتاب و السنة فالاجتهاد في مقابلة حكم الله و حكم رسوله من افحش الفواحش و ماكان لمؤمن و لا مؤمنة اذا قضي الله و رسوله امرا ان يكون لهم الخيرة من امرهم و ان لم‌يوافق و لم‌يخالف و لم‌تجد الحكم في الكتاب و السنة بعد الجد فهو مما سكت الله سبحانه عنه بالنسبة اليك فاسكتوا عما سكت الله و ابهموا ما ابهمه الله يا ايها الذين آمنوا لاتقدموا بين يدي الله و رسوله ، لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون فهنالك وجب عليك السكوت كما روي لايسعكم فيما ينزل [ص 269] بكم مما لاتعلمون الا الكف عنه و التثبت و الرد الي ائمة الهدي و روي اذا جاءكم ما تعلمون فقولوا و اذا جاءكم ما لاتعلمون فها ، الي غير ذلك من روايات مرت و روي كل شئ لك مطلق حتي يرد فيه نص ، و العبد بين يدي مولاه يجب ان يكون كالميت بين يدي الغسال و تحسبهم ايقاظا و هم رقود و نقلبهم ذات اليمين و ذات الشمال فانقطع مواضع الاجتهاد و الحاجة الي الرأي و النظر جملة و اما مواضع الشبهة فهي المواضع التي يقوم عليها دليلان من الادلة الشرعية و لايمكن البت علي احدهما و لانعلم ايهما الحق فهنالك يجب علينا الوقوف و الرد الي ائمة الهدي عليهم السلام حتي يحملونا علي القصد بالعيان عند امكانه او البيان ان لم‌يمكن العيان و اما المواضع التي لا دليل فيها مطلقا من كتاب او سنة او اجماع او بداهة عقل فذلك هو المجهول الحكم و الناس في سعة ما لم‌يعلموا و ليس عليه فيه احتياط و لاتحر فانه مما سكت الله عنه رحمة من غير نسيان و لاينبغي التكلف فيها و التجري علي الله و ايجاب ما لم‌يوجب و ان قلت ربما يحصل موضع لا نص فيه و لا بد للانسان من ان يفصل فيه القول لرفع النزاع او الحرج قلت صاحب الشرع ارأف بعباده و ابصر بخلقه فلو عرف انه يلزم ذلك لبين و اوضح لنا ذلك هذا و لنا مندوحة في المعاملات بالصلح و في العبادات بالاحتياط فلانحتاج الي التجري علي الله و القول بالرأي و الحمد لله ففذلكة القول في الباب انا عرفنا بعد ما من الله علينا بمعرفة النبي صلي الله عليه و آله بالنبوة و صدقناه بتصديق الله سبحانه اياه و عدم ادحاض حجته و ابطال امره و نقض دعواه و عرفنا التصديق بان جميع خلق الله جل جلاله اسباب له و محال رؤس مشيته و السنة ارادته يفعل ما يشاء بما يشاء كيف يشاء فبالنار هو يحرق و بالماء [ص 270] هو يغرق و بالشمس هو ينور و بالتراب هو يستر قل الله خالق كل شئ و ابي الله ان يجري الاشياء الا باسبابها فاذا قام محمد صلي الله عليه و آله بين يديه يدعي النبوة و اتي بما بهر العقول و لم‌يحرك الله رأسا من رؤس مشيته في ابطال حجته و لم‌يقم سببا من اسباب ارادته في ابطال امره و لم‌ينطق بقليل و لا كثير بلسان من السنة ادائه في الآفاق عرفنا انه صادق صدقه الله سبحانه كما اعرفك و اعرف تقريرك بسكون لسانك و يدك و جوارحك عن الردع و استدل بها علي رضاك و لو لم‌تكن راضيا لحركت لسانا او يدا فافهم فلما ان اسكت الله سبحانه خلق السموات و الارض عن ردعه علمنا انه صدقه و لعمري لولا هذا الروح القدسي في المسائل لم‌يكن يفيد قطعا شئ مما يقولون و يحتمل في كل دليل منهم ما يحتمله المنكر و يتكلف من يريد ان يلزم الخصماء بالادلة الدنياوية فصدقنا النبي صلي الله عليه و آله بشهادة الله و نقول له يوم القيمة انت شهدت نبوته بافصح بيان و كل لسان فصدقناك ثم صدقنا القرآن انه من الله سبحانه لاخباره صلي الله عليه و آله انه من الله و لسكوت الله عن اقامة مثله مع تحديه و جعله عجز الخلق عن مثله دليل صدقه و لم‌يقم في العالمين احدا يأتي بمثله و لايحتمل في دليلنا لعله اتي بمثله احد و لم‌يفش خوفا فان الله هو الآتي ان اتي و هو المفشي و هو لايخاف و لايمنعه مانع و لايغري بالباطل ثم صدقنا احكامه باخباره صلي الله عليه و آله لصحة نبوته و بقوله تعالي لو تقول علينا بعض الاقاويل الآية ، ثم عرفنا لغة الكتاب و السنة بان المعني الحقيقي هو روح اللفظ و اللفظ هو جسده كما روي المعني في اللفظ كالروح في الجسد و الله سبحانه العدل الغني العليم الحكيم لايضع الشئ في غير موضعه و لايجعل الجسد [ص 271] لغير روحه و لو استعمل اللفظ في غير معناه الحقيقي من غير نصب قرينة و صارف لكان لغوا محضا و ابهاما صرفا و لعدم فائدة التلفظ بالكلية و هو لايصدر من الحكيم البتة فالاصل في الاستعمال الحقيقة فلو اراد الله سبحانه غير المعني الحقيقي لنصب له قرينة البتة و نعرف المعني الحقيقي باتفاق اهل اللغة و اخبار الآحاد منهم مع القرائن الدالة المورثة للعلم العادي و موارد الاستعمالات التي هي السنة اداء الله و ان اشتبه في موضع نتوقف لان الله لو اراد ان نعرفه لنصب له ادلة و اعلاما نعرفه فنبهم ما ابهمه الله و نتوقف فيما لم‌يرد الله ان نعرفه و كذلك الفاظ السنة فان النبي صلي الله عليه و آله عليم حكيم ينطق للتفهيم و التعليم ثم عرفنا مرادات الله و مرادات رسوله صلي الله عليه و آله بانهما لو ارادا غير ما يفهم من لغة التخاطب و هما نطقا للتفهيم و التعليم لنصبا قرينة و بانهما لو لم‌ينصبا قرينة و ارادا غير الظاهر لكان الكلام مبهما صرفا مترددا بين مرادات لا نهاية لها و كان لغوا محضا و لايصدر اللغو من الحكيم فليس ان ظواهرها مظنونة و الظن مجوز لانه نظر من ينظر في الاشياء من حيث هي بل هي قطعية بتقرير الله و تقرير رسوله صلي الله عليه و آله و القول بانه يحتمل ان كانت قرينة صارفة و خفيت قول من يظن موت العالم و عدم حجة شاهد مطلع حافظ فالنبي المبعوث علي اهل كل عصر الواجب عليه الابلاغ لايخص قوما بقرينة و يخفي عن قوم و هو يريد منهم ما اراد من القوم الاول فيكلفهم بما لايطيقون نعوذ بالله و الرب الحكم العدل اجل من ان يفعل ثم عرفنا عدم العوارض التي ذكرناها في كتاب الله بتقرير الله و تقرير رسوله صلي الله عليه و آله فما كان من الكتاب مجمعا علي تأويله و بقاء حكمه اخذنا به و ما لم‌يكن كذلك و كان [ص 272] في تفسيره سنة موجبة للعلم او العمل اخذنا به و ما لم‌يكن كذلك و كان منه موافقا للعقل المستنير القطعي اخذنا به و ما لم‌يكن كذا و كان في تفسيره سنة مقررة اخذنا به و ما لم‌يكن كذا و كان ظاهرا في معني اخذنا به لانهم لو ارادوا غير ذلك لنصبوا قرينة لما مر و ما كان منه متشابها توقفنا فيه و رددناه الي الله و رسوله و آمنا به لانه حق ايا كان فرجع القول الي ان ظواهر الكتاب ان لم‌يصرف عنها صارف عن الحجج الاطياب حجة بلا ارتياب و لولا التقرير الذي هو بصر كل ضرير لكان كثرة عوارض الكلام علي ما رويناه في فصل الخطاب تمنع عن العمل بغير المجمع عليه منه و المحفوف بالقرائن القطعية و رجع القول الي انه لايجوز العمل بشئ من الكتاب الا بتفسير الحجج الاطياب قولا او فعلا او تقريرا و علي هذا يجمع جميع الاخبار فصح ان علمه عندهم و تفسيره حرام علي غيرهم و وجب اخذه عنهم و الرجوع اليهم انظر الي العلم الحق كيف يجمع الاخبار التي هي في بادي الرأي مختلفة و معاذ الله ان يكون في كلام الذين هم من عند الله اختلاف و اما السنة المروية عن النبي صلي الله عليه و آله فلها ايضا عوارض كعوارض الكتاب حرفا بحرف و لايعرف منها شئ الا بتقريره و تقرير اوصيائه فما كان منها مجمعا عليه لا اختلاف فيه ففيه الحجة و ما لم‌يكن كذلك و كان متواترا معني ففيه الحجة او لفظا فكالكتاب و ما لم‌يكن كذلك و روي عن طرق الثقات و كان محفوفا بالقرائن القطعية فكالكتاب عملا اجماعا و ما لم‌يكن محفوفا بالقرائن القطعية فكذلك ان لم‌يخالف الضرورة او البداهة و هذا و ان كان عند قوم مظنونا فعندنا مقطوع به ما لم‌يدل دليل علي كذب نسبته اليه فهو اما صحيح صدوري او تقريري و يجب العمل به اجماعا و خروج من ترك [ص 273] اخبار الآحاد رأسا غير مضر لقيام الاجماع قبلهم و بعدهم علي العمل باخبار الثقات و ان كانوا آحادا و ما لم‌يكن عن ثقة و ادعي صحة صدوره و لم‌يكذبه ضرورة و لا بديهة و لا خبر محفوف بقرائن قطعية و لا خبر ثقة فذلك مما وقع التقرير عليه فانه منسوب الي الحجة مروي عنه في حضوره و هو القادر المطلع المأمور بدمغ كل قرن باطل نجم كائنا ما كان بالغا ما بلغ فخلص من ذلك ان كل ما روي عنه صلي الله عليه و آله فانما هو في حضوره فان كان كذبا ردع عنه و ما كان صدقا صدقه فنحن نعمل بكل سنة لم‌نعرف كذبه باصح منه لانه مقرر حق فاجتمع علي ذلك معاني الاخبار من ان السنة يجب العمل بها و لايمكن العمل بها و اما اخبار العترة الطاهرة ففيها ايضا عوارض كالكتاب و السنة و القول بانه فيها ليس عوارض لانهم شراح الكتاب و السنة اشتباه محض فما من عارض عرض الكتاب و السنة الا و قد عرض الاخبار ايضا فالعمل بها ايضا محتاج الي التقرير فكل خبر مروي ادعي صحته لم‌يكذبه ما هو اصح منه و اسبق هو صحيح اما صدورا او تقريرا و لعمري لولا التقرير لكان الاحتمالات التي ذكرها الاصوليون قليلا من كثير و لعمري هي في فتن هذه الدنيا و عوارضها لم‌تكن تفيد الا شكا و القول بافادتها الظن مسامحة و اغماض او خوف و الا اني و اني نحن نشاهد عيانا ان الخبر لايصلنا من جانب دارنا الا منحرفا و لايخرج الكلام من مجالسنا الا منحرفا عن جهة مقالتنا و ارادتنا و الحملة اخواننا المعتبرون كيف كان يمكن ان نقطع او نظن بصحة اخبار رويت من السنة جماعة مجهولة لم‌نرهم و تداولوها صدرا بصدر و اوائلهم لم‌تكن تعتني بالرسم بل كانوا يحفظون بظهر القلب ثم بعد مدة بعيدة شرعوا في الرسم و هم اكثرهم اجنبيون عن العلم [ص 274] و كانوا حدادا و نجارا و تمارا و علافا و حذاء و جمالا و امثال ذلك و اغلبهم غير عالم ثم لهم اعادي تدس في كتبهم و كانوا في تقية شديدة و ايم الله قسما بارا لولا مسئلة التسديد لكان يشك الذكي في جميع ما في ايدي الناس و لايعتمد علي شئ منه و كان يؤل امره الي الخروج عن هذا المذهب و عن كل دين اذ هذا المذهب اضبط اديان الدنيا و هو علي ما تري فعلي الله فليتوكل المتوكلون و علي رسوله فليعتمد المعتمدون و علي حججه في ارضه فليثق الواثقون نعم بهذا الاصل يصل الدين مبلغ العصمة و الطهارة و الهدي و الضبط و اليقين و العلم و يصلح ان يكون دين الله الذي يحتج به علي عباده يوم القيمة فاعرف ايها الناظر قدر ما اولي الله علينا و اولينا عليك و اتعبنا انفسنا به لاجلك و اردنا هدايتك به ،

فمنه الينا ما تلونا عليكم و منا اليكم ما تلوتم به عنا

فما لم‌يكن في كتاب و سنة و قام ضرورة مذهب العامة فيه ففيه الحجة لوجود الحجة فيه و ما لم‌يبلغ حد الضرورة العامة و بلغ حد الضرورة الخاصة ففيه الحجة لما مر و ما لم‌يكن كذلك و قام فيه اجماع خاص بك ففيه اليقين و الحجة و ما لم‌يكن كذا و قام فيه اجماع سكوتي او مركب ففيه الحجة و الرشاد و اما ما لم‌يكن كذا و قام عليه شهرة بين العلماء من غير نص يشهد لهم فلا عبرة بها عندي لان القول في موضع السكوت مستغني عنه و قوله عليه السلام خذ بما اشتهر بين اصحابك ، ظاهر في الرواية دون الفتوي المحض و ظاهر في الاجماع من جميع الاصحاب و المراد منه الخبر المعروف عند الكل و النادر هو الخبر المعروف عند البعض لا غير و ما نقل فيه اجماع و عرف انه من الضرورتين فهو كالخبر و ان كان عن محصل خاص او شهرة فتوائية فلايفيد اكثر من مفاده و ان كان [ص 275] عن سكوتي او مركب فيشكل الاعتماد عليه لانهما يحتاجان الي تتبع شديد و عدم ظهور قول لمحصله يحتمل عدم اظهار الامام له لخصوصية فيه و لو تتبعت انت وجدت لمكان تكليفك و اما الادلة العقلية فما ادي منها الي البداهة بحيث عرف العقول عدله ففيه الحجة لان عقل الحجة فيه و ما كان نظريا و لم‌ينته الي بديهي فهو الموضع الذي امرنا بترك النظر و الكف عنه و التثبت كما هو شيمة المقلد فان المقلد ان لم‌يجد نصا من العالم الذي يقلده يقف و لو نظر بعقله و عمل بما ادي اليه نظره لصار مساويا للعالم فاين التقليد الذي كان يقلده و الحجج عليهم السلام هم العلماء علماء لايفتون الا بنصوص مكنوزة عندهم لا برأي و لا اجتهاد و نحن المتعلمون المقلدون لهم فما وصل عنهم نعمل به و ما لم‌يصل نكله الي العالم حتي يأتينا بما يري من تكليفنا فان اتانا بشئ خاص نعمل به و ان لم‌يأتنا فنعمل بما وسع فيه من الامر بقوله كل شئ لك مطلق حتي يرد فيه امر او نهي ، و ما ذكرناه في المنفردات و اما اذا تعارضت الادلة و هو الاكثر الاوفر فان كان احد الطرفين مقررا و الآخر غير مقرر فغير المقرر مدحوض و ان كانا مقررين متعارضين فنحتاج الي المعينات فايهما يوافق الكتاب المجمع علي تأويله ففيه الرشاد و الآخر صادر تقية يقينا و ما لم‌يكن فايهما وافق السنة التي لا اختلاف فيها ففيه الرشاد و ما لم‌يكن فايهما وافق اجماع العامة ان عرف فالحق في خلافه و ما لم‌يكن فايهما كان مخالفا لبداهة العقول يترك و الآخر يؤخذ به فانه يعلم عند جميع ذلك ان المعارض صدر تقية و ان لم‌يكن فايهما خالف الاجماع القطعي يأول الي الاجماع و يعمل بما حصل الاجماع عليه فانه اصرح دلالة و ابين من الخبر و اما معارضة هذه المعارض فلايعقل بل ايها [ص 276] حصل يكفي في تعيين ما يعمل به و اما ما يوافق الاحتياط او كان راجحا في عدالة الراوي او فقهه او ورعه او كان اقوي او انسب او اولي او اقرب او غير ذلك فهي من المرجحات لا المعينات فلي الآن في وجوب الاخذ بها اشكال فان الجميع بمحضر الحجة فما قرر انه حق محض يؤخذ به و ما قرر انه باطل محض يترك و ما قرر الشيئين انهما حقان و هذا اولي من هذا او اقرب او انسب او اشبه او احوط او غير ذلك فنحن نقول بالرجحان من غير انكار للآخر و هذا وجه الاستحباب لا الوجوب و يشهد بذلك الاكتفاء بالابعاض للاشخاص في الاخبار ففي كل خبر بعضها و عمل كل راو بما عرّفوه منها و مضت قرون قبل صدور كل خبر و غفل عنه كل من لم‌يسمعه و الكل مقررون مصدقون و هذا امارة الاستحباب كما نعمل به و نقول في ساير الاحكام فليس كل واحد منها من الامور الواجبة العامة البلوي هذا و اغلبها في هذه الازمنة متعذرة كما حققناه في ساير كتبنا و لايمكن الاطلاع عليها هذا و نفس الاخبار المرجحة بانفسها متعارضة و لا مرجح لها و القول بان كلها من اسباب الترجيح فعند ايها سكن النفس هو المقدم لااعرف له وجها الآن فما رجح في النظر و ما زاد علي ذلك فهو مقرر علي الرجحان و الرجحان صفة الاستحباب و قولهم ان الاخذ بالمرجوح و ترك الراجح قبيح غير مسلم كلية و الا لكان كل تارك فضل عاصيا و انما يعاب ذلك علي الانبياء و حسنات الابرار سيئات المقربين فعندي في ايجاب الاخذ بالمرجحات اشكال عظيم بل لااعرف له وجها و اما الاستحباب فمسلم بل نقول ما كان لاحد المتعارضين مرجح منصوص فهو الراجح و ما لم‌يكن مرجح منصوص و كان مرجح معقول مما لاينافي المنصوصات فلا بأس بالاخذ به للتوسعة و لكن [ص 277] ينبغي للعامل بالمرجحات ان لاينفي الآخر و لايوجب الاخذ بالراجح فبعد ذلك لو ادام العمل بالراجح لكان حسنا و يكفي في اشعاره بذلك ان يقول الاولي كذا و الانسب كذا و الاحوط كذا و ان لم‌يكن مرجح اصلا و كانا مقررين فهو الذي جعله الشارع و الحجة موسعا فانهما مرويان قائمان بحضرته و قد قررهما و لم‌يرجح احدهما علي الآخر فكأنه قال هما والله سواء فما سوي بينهما الحجة فليس لاحد ان يقول بغير السعة فيهما فالقول الفصل في الجميع انا منتظرون لامر الحجة و الحاكم علينا و الشاهد الحاضر الناظر ناظرون الي يده مصغون الي كلامه فكل شئ اناره و قرره نقرره و كل شئ ردع عنه نرتدع عنه و كل شئ عينه نعين و كل شئ رجحه نرجح و كل شئ نقصه ننقصه و كل شئ سوي بينه و بين غيره نسوي ما قال آل‌محمد عليهم السلام قلنا به و ما دان آل‌محمد عليهم السلام دنا به و ما لنا ان لانتوكل علي الله و قد هدانا سبلنا و لنصبرن علي ما آذيتمونا و علي الله فليتوكل المتوكلون و لما وصل الكلام الي هنا و رأينا ان الكتاب قد طال و اخذنا الكلال و لنا اهم منه اشغال رأينا ان نختمه هنا و كان ذلك في عصر يوم الثلثاء ثامن‌عشر شهر شوال من شهور سنة احدي و سبعين بعد المأتين و الالف حامدا مصليا مستغفرا . تمت .