. . . بعد تمام جهدي و استفراغ وسعي يحصل لي علم بتكليفي و ما اراد الله مني فان الامر بيده و انا طالب و قد امر بالجهاد و وعد بالهداية و انا جاهدت و هذا غاية ما حصل من جهدي فهذا ما اعطاني الله عز و جل و هذا حق لانه اعطاني و مايخلف عهده فعرفني ما الضرر في ذلك و ما يصير عليك و ما يلزمك اتخرج بذلك عن دين الاسلام او تخرج عن الايمان او تشرك بسببه او تغلو في دينك او يصير نقص في ائمتك او ضرر في اجتهادك اي ضرر يصيبك من ذلك مع انك تستريح من التزلزل و تطمئن من الاضطراب و تحصل لك الروح و الراحة مع انه اذا لمتقل به يحتمل ان يقول لك ربك يوم القيمة يا فلان انا اذنت لك في هذا القول بانزال كتاب او ارسال رسول او انزال وحي خاص لك او اجماع يخبر عن ذلك ام علي افتريت و علي كذبت حيث زعمت ان ديني همل و عبادي سدي و يدي مغلولة لماقدر علي تقريب البعيد و ابعاد القريب و اجراء الصلاح علي قلوبكم و السنتكم و زعمت ان حجتي ليست بالغة و حكمتي لمتكن كاملة و امري ليس محكم مع اني قلت اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا اي كمال كان لديني و اي تمام لنعمتي اذا كان [ص 20] ديني بلا راع و عبادي بلا سلطان لعمرك ماذا تجيب اذا قال لك ذلك اتقول ان دليلي جرني الي ذلك و ليس دليلك اذا لميطابق ما ذكرنا من الادلة من الكتاب و السنة و الاجماع و دليل العقل الثلث بمعتبر اتنبؤنه بما لايعلم في الارض و ان هي الا اسماء لا سلطان لها ،
هديتك علما بالتقي و الذي اري موافقتي فاختر لنفسك ما يحلو
و الثاني ان تقول لي ايهما اكمل ان يعرف الله كل احد تكليفه و ما يريد منه رأي العين او يبقيهم في الظن و التخمين و التحري و الزحمة لا شك انك تقول الاول فاقول ان كان الله كاملا و فعله كاملا ينبغي ان يكون خلقه ايضا كاملا و لا مانع لذلك ابدا و المقتضي موجود سرمدا و هو استعداد اوليائه للتمكن من التبليغ و عدم الفتور فيهم نعم لو لميكن له احد يبلغ مقصوده كان ذلك و لكن المفروض انك تقر ان المعصومين اذا امرهم الله بتبليغ شئ يعطيهم القدرة علي التبليغ و هم معصومون لايعصون فاذا كان العلم اكمل و المبلغون معصومين قادرين باذن الله علي الاداء فينبغي ان لايبقي احدا في تيه الجهل و التخمين و الظن بوجه من الوجوه و لا شك ان ذلك اولي و الاولي في نفسه راجح و الله لايترك الراجح و يختار المرجوح فاذا قلت ان الله قادر ان يخلق عبدا معصوما و يعطيه القدرة و القوة حتي يبلغ الي كل احد احد تعريفه و تكليفه بحيث يحصل له العلم بذلك و هذا اولي و اكمل فلايسعك ان تقول لميفعل فانه لايترك الاولي و الاكمل لعدم غرض و حاجة في نفسه و اقتضاء منه في الايجاد فيجب ان يكون ذلك حتما مقضيا معينا معلوما .
و الثالث لا شك و لا ريب انك اذا قلت انا لسنا رعايا سدي مهملين و لنا راع [ص 21] هو اعرف بمصالح غنمه ان شاء فرق بيننا و ان شاء جمع بيننا و انه هو المطلع علينا هو الذي يقرب البعيد في افهامنا اذا رأي مصلحتنا فيه و يبعد القريب عن اذهاننا اذا رأي ضررنا فيه و ان هذا الذي نفهمه بعد استفراغ الوسع و تمام الجهاد هذا هو الذي راعينا فهّمنا بعمد و رعاية و ذلك الذي صار مرجوحاً عندنا هو بعّده عنا ماضرّك يقينا لا في دينك و لا في دنياك و لا في آخرتك و لا في اجتهادك و لا في شئ مما هو لك مع ما فيه من مطابقة الكتاب و السنة و مع كونه اكمل و اتم و احسن و اقوي لقدرتهم و ارفع لشأنهم و ابلغ في كمالهم و ان قلت بانا همل سدي ليس لنا من يرعانا و ان الشرايع و الاديان و دماء المسلمين و فروجهم و اموالهم كلها موكول الي ما نظن بخيالنا و وهمنا و بتخميننا و خرصنا و من اي مكان حصل هذا الظن من الوهم و الخيال و العقل او حكاية او تاريخ او استحسان يمكن ان يقول لك ربك يوم القيمة ءالله اذن لكم ام علي الله تفترون و يمكن ان يكون موافقا للواقع لمخالفته للكتاب و السنة و متقدمي اصحابنا رضوان الله عليهم و جميع الاخباريين و كثير من المتأخرين و يمكن ان يكون تخصيصك الكتاب و السنة و هذا الاجماع بشئ دون شئ و وقت دون وقت من غير مخصص مرضي لله سبحانه مع انا نصيح بفساد هذا القول و نستشهد بهذه الادلة القاطعة الكتاب و السنة و الحكمة و الموعظة و المجادلة و الآيات فلا شك و لا ريب ان الاقرار بالاول اولي و الاجتناب عن الثاني احوط ليقين النجاة في الاول و احتمال الهلاك في الثاني .
و اما الاستدلال بالمجادلة بالتي هي احسن و هو ما صرف القوم عمرهم فيه بالقال و القيل و هو طريق مظلم كالليل الدامس كثير الشكوك و الشبهات و كثير [ص 22] الاعتراضات و الاختلافات بحيث ضل فيه كثير و هلك كثير لكثرة شبهاته فبقوا حياري في تيه الجهالة و لميهتدوا طريقا الي الدراية فلذلك اختلفت آراؤهم و تشتتت اهواؤهم فجعلوا امرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون و لكن هذا من حيث انهم ماجادلوا بالتي هي احسن بل بالتي هي اسوء و لو اتوا به بالتي هي احسن لوقعوا علي المحكمات و عرفوا المتشابهات و ردوها الي المحكمات و نجوا سالمين و فهموا غانمين و لكنهم بنوا امرهم علي اللجاج و قاموا في كل شئ بالدواحض من الاحتجاج و لو انصتوا و انصفوا لفهموا الحِجاج و عرفوا العلاج الحاصل فانك اذا انصت الي ما اقول و التفتت عما في يدك من القواعد و الاصول عرفت مرادي و اثلجت فؤادي و قبلته بالتسليم بعد الفهم و لكني اخاف عليك ذلك و الله خليفتي عليك و علي الله توكلت و اليه انيب .
اعلم انك اذا حصل لك العلم بان الارض لاتخلو من حجة لله قائمة ابدا منذ خلق الله السموات و الارض و علمت ان الائمة الطاهرين بعد خاتم النبيين عليهم صلوات المصلين هم حجج الله علي خلقه و امناؤه في بلاده و علمت انهم شهداء علي الخلق بنص القرآن و الاحاديث حيث قال الله تعالي قل اعملوا فسيري الله عملكم و رسوله و المؤمنون و لا شك ان المؤمنين ليس عاما لكل احد بل خاص فيهم و حيث قال ملة ابيكم ابرهيم هو سميكم المسلمين من قبل و في هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم و تكونوا شهداء علي الناس و هم آل ابراهيم في هذه الامة و اما من سواهم و ان كانوا لكن الله يقول ان اولي الناس بابرهيم للذين اتبعوه و هذا النبي و الذين آمنوا فهم اولي الخلق بابرهيم فهم آل ابرهيم الشهداء علي الخلق و قال و كذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء علي الناس و هم امة [ص 23] الوسط فان كل من سويهم ليس بمعصوم و كل من ليس بمعصوم اما مفرط او مفرّط و الحد الوسط هو العصمة كما قال عليه السلام عليك بالحسنة بين السيئتين و قال النبي عليه السلام خير الامور اوسطها ، فظهر ان المعصوم هو الامة الوسط و كل عاص اما مفرط او مفرط و ليس بوسط هذا اذا كان الوسط بالمعني الظاهر و اذا كان بمعني الاشرف فلا شك ان الخطاب ليس الي كل الامة فانهم كلهم ليسوا باشرف الناس ففيهم الكافر و المنافق و الفاسق فظهر انه متوجه الي امة خاصة و هم الذين هم شهداء علي الخلق لا كل الخاصة من المؤمنين و لميدع علي احد من غيرهم انه شهيد علي الخلق فثبت انهم هم عليه السلام شهداء علي الخلق بنص القرآن و قد نص علي هذه الاحاديث المتواترة بالمعني كما في زيارة الجامعة و ساير الزيارات و الاحاديث بحيث لايخفي علي ادني متتبع حتي الاطفال في المكاتيب يعرفون ذلك فاذا كان الامام عليه السلام اليوم حجة علي اهل الارض شرقها و غربها يري اعمالكم و احوالكم الظاهرية و الباطنية رأي العين فانه هو شأن الشاهد بل يري رأي العين ادق المعاني الخالج في قلبك بل يري اعلي حقايق معارفك منك و من جميع الناس بل جميع الخلق بل ربما اشتبه عليك امرك و لايشتبه عليه لان هذا شأن الشاهد علي العباد فانه ينبغي يوم القيمة ان يشهد علي الاعمال و العقايد و المعارف و جميع الاحوال فينبغي ان يري كل شئ رأي العين و لايكفي في ذلك اخبار الملئكة فان الشهادة مفهومها الرؤية و الاطلاع فليس شهادتهم شهادة علمية باخبار الملئكة بل شهادة عيان و احاطة فاذا عرفت ذلك و تيقنت ان الامر كذلك اتجوز ذلك ان يري الشاهد المطلع الحاضر انك تذهب علي الخطاء علي غير دينه و مذهبه و تفتي بين الناس و تضل رعيته و تضيع [ص 24] عباد الله و تفسد بلاده و تسفك الدماء و تحل فروج المسلمين و اموال اليتامي و هو المطلع علي ذلك القادر علي دفعه بادني اشارة فهو يشاهد ذلك و لايدفعه و يقول انا راعيكم الذي استرعاه الله امر غنمه و انا حجة الله عليكم اي حجية له علي هذه الرعايا الضعاف ح تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا بل علينا اذا رأيناه شاهدا و مطلعا هكذا ان نقول انه هو الحجة و الشاهد رآني فهمت هذا بتسديده و هدايته و كان مطابقا لدينه و مذهبه قرره لي فاكون بذلك ثلج الفؤاد بارد القلب و ان قلت لا شك ان تصرفه لطف و لازم و لكن منعت الموانع عن ذلك اقول ما المانع عن ذلك ان قلت غيبته اقول لايحتاج في هداية الهادي رؤية المهدي اياه و لايحتاج الي رؤية المقرر له المقرر بلا شك فهو يقدم ما يشاء و يؤخر ما يشاء حتي تقع علي ما يريد افتري ان الاجنة اذا احاطوا برجل يخفونه عن اعين الناس فلايرونه و ان الامام لايقدر ان يخفي عنك الحديث الذي ليس صلاحك و صلاح مقلديك فيه بل تقول ان الملئكة يتصرفون في الخلق و لاتجوزه في الامام بل تقول ان الاجنة ربما يخبطون عقل الرجل لايفهم شيئا و لاتجوز الامام يمسك فهم الرجل عن فهم ما لايريد العمل به بل تقول ان الشياطين يوسوسون في قلب الرجل و يقوّون ميله الي شئ بحيث لايحتمل في قلبه خلافه مثل الموسوس حيث يستيقن بما ليس بنجس انه نجس و ماتجوزه في الامام ان يصرف في يقينك حتي تستيقن علي ما يريد و يشككك في ما لايريد تلك اذا قسمة ضيزي فصار المعلوم انه يمكن ان يخفي الامام عنك الحديث او يصرف في فهمك و عقلك او يقرب البعيد او يبعد القريب حتي يوقعك علي ما يريد فان قلت نعم يمكن للامام و تصرفه لطف و لكن عدمه منا اقول اي مانع منا ان كان [ص 25] يخاف علينا من جهة دولة الباطل ان يلقي الينا الحكم الواقعي اقول يلقي الحكم الثانوي كما كانوا في عهدهم يصنعون و هو تكليفنا يقينا و ان كان المانع منا علي ان لا قابلية لنا اقول نحن اذا جاهدنا في الله عليه الهداية لا معني لعدم القابلية فان القابلية التي صارت سببا ان ينزلهم الله من عالم القدس الي هذه الدنيا هي بعينها سبب ان يهدونا الي سواء السبيل مع ان الله تعالي قال الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا الآية ، و ان قلت يخاف علي نفسه التقية فلا معني له لغيبته عن دولة الباطل و ان قلت لايحتاج الي تصرفه فانهم القوا الينا فروعا و اصولا امرونا بالتتبع فيه و الاستخراج عنه اقول فلم هذا الاختلاف حيث يقدح كل واحد منكم في الآخر و ينكر بعضكم بعضا و يخطئ بعضكم بعضا اكلكم علي الحق و ما من الله ليس فيه اختلاف و ان كلا منكم تكليفه ما ادي اليه ظنه و ان ادي الي خلاف الحق و الصواب فيضل و يضل ام اذا كان صوابا و من اين يعلم ذلك و ان قلت ان المجتهد اذا كان تكليفه ما ادي اليه ظنه ليس خلاف الحق و الصواب له اقول اذلك بامضاء الامام و رضاه حين شاهد فيكون تقريرا و يطابق ما قلنا ام بكره منه و سخط و من جهة العجز ماانكر عليه ذلك لانه يعجز عن دفعه فعلي المجتهد ان يقول و عليه ان يرضي او بكره منه و ليس بعاجز علي دفعه بل قادر علي ذلك و انما اهمل العباد و تركهم سدي مع انهم قالوا انا غير مهملين لامركم و لا ناسين لذكركم ، ما لكم كيف تحكمون الحاصل جملة القول ان كل منا باعين الامام و حضوره و هو شاهد و مطلع فان رأي اعمالنا و افهامنا علي طبق رضاه و قررنا فهو الحق الصواب لنا و ان رأي اعمالنا و افهامنا علي خلاف رضاه وجب عليه بما اوجب الله عليه و التزم به ان يردنا و لا معني [ص 26] لسكوته ح لانه ليس بعاجز و ليس الدين مفوضا الينا فعلينا ان نقول و عليه ان يرضي من باب اكل الميتة و الجيفة و ماادري ما الباعث علي صبره علي مضيض بطلان نور الله و دينه و افساد العباد و البلاد و تضييع الرعايا الضعفاء احكم الله عليه ذلك او عجز عن ردع ذلك و منعه و قد علمت ان الملئكة بل الشياطين و الاجنة يتصرفون في الناس بانواع التصرف علي ما شرحنا بعضها فاذا كانوا قادرين كل القدرة و الله سبحانه مااوجب عليهم و ماحكم عليهم ان يمسكوا و يسكتوا عن ذلك و يري رعيته في التضييع و الفساد و بلاده في الخراب ما الباعث علي ذلك و ما السبب لذلك بالله عليك هل يقول بذلك عاقل ام بل جاهل مع انهم بعثوا لهداية الخلق و ارسلوا لعمارة الارض و رسول الله خلفهم لحفظ دينه و مرمة شريعته كيف يقصرون في مثل هذا الامر العظيم و الخطب الجسيم و هم معصومون مطهرون لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون ابمحض انك مارأي عينك شخصهم انكرتهم و نحن بذلك اقررنا به ما لكم لاترجون لله وقارا و قد خلقكم اطوارا مع ان هذه الاحاديث المتواترة الكثيرة تنادي بثبات التصرف باي نوع و بوجود الحجة و حفظه للدين و مرمته للشريعة و انت اذا رأيت في باب الفروع حديثا واحدا مرسلا مقطوعا من غير معارض عملت به بظنك و لربما بمطلق الظن تعمل و تبني عليه امر دماء المسلمين و فروجهم و اموالهم و هذا في الاصول و الاحاديث متواترة و القرآن شاهد و الادلة قاطعة و الاصحاب متفقة مع هذا كله باستبعادك العقلي بظن و تخمين بفهم سخيف و عقل كثيف و وهم قاصر و علم فاتر و تخصص كل هذه الآيات و الاخبار بزمان مخصوص و شئ مخصوص بلا داع و لا سبب و لا باعث بمحض ما رأيت ان الالفاظ ظنية [ص 27] الدلالة هل هي ظنية الدلالة لك او لمن تكلم بها او مقطوع السند هل هو لك او للمحدث فمرة تقول الكتاب ليس بحجة و مرة تقول الاحاديث ظنية الدلالة ففيها اسقاط و حذف و سهو و غلط و مجاز و حقيقة و استعارة و نقل و عرف و اصطلاح هل كل هذه لك او للشاهد المطلع المتكلم فان كنت انت بعينه و فهمت غير مراده و اردت ان تفسد في بلاده و تخلل نظام عباده و وجب عليه ان يصرفك و يردعك و يصرفك و يردعك فما عليك من هذه الاحتمالات و الشبهات و التشكيكات العامية بل نقضت دليلك و ادحضت حجتك بذلك اذ كنت تزعم ان لك اماما و حجة شاهدا عليك قادرا علي ما يريد و ساويت بذلك العامة العمياء الماشين في الطخياء السارين في الظلماء و صرت سدي مهملا مثلهم و اما نحن فحاشا لنا ان نقول بذلك و انا نعلم يقينا ان الامام حين نظرنا علي الكتاب و السنة مطلع علينا شاهد قادر يسددنا بما يحب و يرضي فكلما فهّمنا و الهمنا نأخذه و نكون من الشاهدين فنجعل مقدمات مقابل مقدماتك و نأخذ نتيجة مقابل نتيجتك فنقول نحن نجاهد في الله مخلصا بنظرنا في كتابه المنزل و سنة نبيه المرسل و كل من يجاهد في الله مخلصا يجب ان يهتدي الي سبل الله بهداية من جعله الله شاهدا علي خلقه حافظا لدينه و استرعاه امر غنمه لان الله لايخلف عهده و قد قال الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا فنحن نهتدي بعد المجاهدة الي سبيل الله يقينا جزما فعلي منطقك نقول بعد استفراغ الوسع نحن جاهدنا في الله و كل من جاهد في الله هداه الله فالنتيجة ان الله هدانا ثم لانرتاب في ذلك و لانشك و لااقول ان حكم الله تابع لظن المجتهد كما تقول انت كل ما ادي اليه ظني فهو حكم الله في حقي و اقول ان كان ظنك تابعا لحكم الله يعني [ص 28] كل ما يكون حكم الله في الواقع ظنك يرجح ذلك فهذا معني بما لايرضي صاحبه فانك تقول يحتمل ان يترجح في نظري غير الواقع و لذا سميته ظنا و لو كان علي البت ظنك تابعا للواقع لكان ظنك يقينا و ان كان حكم الله تابعا لظنك فكل ما ظننت انت هو حكم الله في حقك فهذا هو القول بالشراكة فلك ان تظن و علي الله ان يرضي ضعفا و عجزا لانه لميجد بدا بغير هذا من باب اكل الميتة فتعالي الله عن ذلك علوا كبيرا و ان قلت قادر و لميفعل فهو اغراء بالباطل و هو من المعصومين محال فضلا عن الله و ان قلت قادر علي الدفع و فعل فمثلنا فغاية الكلام ان ظنك ان كان علي رضا الله و هو خلاك و قررّك فكان الحكم لله و هو دلك عليه فانه لا حول و لا قوة الا به فبهدايته و دلالته عرفته و له المنة و ان كان علي خلاف رضا الله و خلاك و تركك فاغراء بالباطل و حاش الله عن ذلك فان رضي بعد ما ظننت فعجز و ضعف انه يتقلب بتقلب الخلق و تعالي عن ذلك علوا كبيرا فلا مناص لك و لا محيص عن التخلف عنا و ان قلت فعلي ذلك ان الزاني ان كان فعل برضي الله فهو تقرير و ان كان بخلاف رضاه و خلاه فاغراء بالباطل قلت انه ليس علي الله ان يمنع العباد في افعالهم فان علي الله البيان قال انا هديناه السبيل اما شاكرا و اما كفورا و قال و ماكان الله ليضل قوما بعد اذ هديهم حتي يبين لهم ما يتقون فعلي الله ان يبين له ان الزنا حرام و لا عليه ان اختار الحرام عامدا ان يمنعه كما ان عليه ان يري المجتهد حكمه و دينه ثم ان افتي بغير ما انزل الله ليس عليه ان يردّه و ان قلت ان الامام يري ان هذا المجتهد يفسد البلاد و العباد فلم لايردعهم اقول ان للامام ان ينصب قرائن و علامات يدل علي فسقه و عدم دينه اذا اراد ان يشبّه علي الناس حتي [ص 29] لايقلدوه فاذا عرفوه فاسقا و قلدوه عامدين فلا عليه ان يمنعهم و هذا محال ان فاسقا يشبه علي الناس بحيث لايتبين منه خلاف العدالة و يفتي بغير ما انزل الله فان الامام لايترك رعيته هملا فلا بد ان يفضح ذلك و حاجّني بعض العلماء لما وصلت الي هنا و اطلع عليه قال ان الامام يسدد بعضا و يترك بعضا حتي يقع في الغلط و يصير ذلك بعد اطلاعه عليه هضما لنفسه و كسرا لاستعلائه و في هذا الغلط ايضا مصلحة له كما رأينا بعض العلماء افتي بشئ و باحثناه علي حكمه فرجع بعد زمان عن فتياه فلماجسر في حضوره ان اردّ عليه لعدم اصغائه الي و لكني اكتب لعله يطلع عليه فيرجع عن قوله فلعله كان فيه غالطا كما يري ذلك فاقول ان الفقيه اذا كان جاهدا في الله بقدر جهده لايصح ان يخليه الامام و لايهديه فان وعد الله حتم مقضي لايختلف فاذا جاهد و هدي الي شئ ثم بعد ذلك بمدة نازعه احد و ردّه عن قوله الاول فان ذلك ينسب الي انه كان تكليفه في كل هذه المدة ذلك الحكم فلما تغيرت طبيعته و تغير مقتضاها بعث الامام احدا يرده عما كان عليه بتسديده ثانيا فلايعد الحكم الاول غلطا لانه ايضا من الامام كما هو مشهور من امر علي بن يقطين حيث كان الحكمان من الامام فلايسوغ لاحد ان يقول حكمه الاول غلط نعم اذا لميجاهد اولا يقع في الغلط و كثير من هذا القبيل و ذلك اما لعدم مناسبة بينه و بين الامام بنفس قدسية او لعدم استفراغ الوسع او لعدم علم تام بمعاريض كلامهم و بلحنهم او لعدم فهم غائص يقدر علي استخراج الفروع من الاصول او غير ذلك من التقصيرات المانعة عن التوجه التام و اتيان البيت من بابه و ذلك ليس بتغليط من الامام و حاشاه عن الاغراء الي الباطل او الالقاء الي خلاف الحق او الاعراض عمن استهداه حاشاه [ص 30] عن ذلك و اعترض تاليا بانهم ليسوا معصومين و يجوز عليهم الغلط و الخطاء و النسيان اقول لهذا الكلام وجهان الاول انهم ليسوا معصومين يعني ربما يخطئون في طريق المجاهدة فلايهتدون الي الحق فنعم يمكن ذلك و اما اذا جاهدوا فلايمكن عليهم الخطاء ح فان جواز الخطاء عليهم ح جواز الاغراء بالباطل و التقصير في التبليغ للامام عليه السلام و هذا محال فلايجوز عليهم الخطاء و الغلط اذا جاهدوا و ان كانوا حين الجهاد ايضا بالنسبة الي انفسهم غير معصومين و لكن ما يلقي اليهم صحيح لايتطرق اليه الخطاء ابدا .
و اما الشاهد علي ما قلنا من الآيات الآفاقية و الانفسية ان مثل الامام عليه السلام كالشمس و لهم المثل الاعلي و الفقهاء كالمرايا فان كانت المرايا صافية معتدلة مستقيمة يري فيها شبح الشمس علي وفق صفتها بلا تفاوت و تغاير فالمرآة الصافية هي كقلب الفقيه المجاهد الذي اتي البيت من بابه فان الاستقامة لايمكن الا بسلوك سبيلهم و اخذ طريقتهم و شريعتهم و شريعتهم هي بابهم فاذا اتيتهم من بابهم الذي قرروه وصلت اليهم و ظهر في قلبك نورهم و شعاعهم الذي هو علومهم و احكامهم و يكون تلك العلوم مطابقا لما عندهم من اصلها و معدنها و مبدئها و اما اذا كانت المرآة كدرة عوجاء ملونة يري الشبح علي غير ما هو عليه بصرافته فتري الشمس تتبرؤ منه و تعاديه و لاتنسبه الي نفسها و انما تنسبها الي المرآة فهذه المرآة مثل للقلوب الغير المستقيمة اما بعدم نفس قدسية او بعدم توجه تام ملونة بالاصول و القواعد المبدعة من عند انفسهم و اعدائهم المنكوسة غير المتوجهة الي الشمس فلايري فيه الشبح او يري علي غير ما هو عليه فهو الخطاء و الغلط الذي يقعون فيه و اما اذا كانت المرآة مستقيمة عدلة صافية غير كدرة متوجهة الي الشمس [ص 31] و لا حاجب بينهما فمحال ان لايقع الشبح فيها عادة فهم عليهم السلام مع انهم معدن الرحمة و منبع الكرم كيف يمكن ان يتوجه اليهم سائل مسكين باذنهم مغرورا بوعدهم و كرمهم راجيا لفضلهم طارقا بابهم نازلا فناهم منقطعا اليهم مستهديا بهديهم مقتبسا نورهم و هم علي ما هم عليه من الكرم و الجود و الفضل و الشيمة و الهداية و الخير و النور فيمنعون هذا السائل المسكين و الفقير المستكين حاشاهم عن ذلك حاشاهم انما هو ظن الذين يئسوا من رحمة الله و قنطوا من فضله و هو كفر نعوذ بالله .
فهذا آخر ما اردنا ايراده في هذه الرسالة من محكمات الكتاب و السنة و دليل الحكمة و الموعظة الحسنة و المجادلة بالتي هي احسن و الامثال الآفاقية و الانفسية و لله الحمد علي ما وفقني للاتيان عليها و اسأل الله ان ينفعني و اخواني المؤمنين بما فيها .
تمت الرسالة علي يد مؤلفها في سنة احدي و خمسين بعد المأتين و الالف حامدا مصليا مستغفرا .