التأويل فمن تأويلها ان الخطاب في قوله عليك الي العقل فانه الحجة الباطنة و الرسول الباطن و المانون هم النفوس الملهمة و اللوامة فلما كانت تلك النفوس عمياوات عن التوحيد الفعلي و عن رؤية الخلق من الله و الي الله و لاتري الا انفسها و تري الافعال افعالها و التصرفات تصرفاتها و تزعم بطبايعها لانفسها استقلالا اذ لاتري غيرها معها لهم قلوب لايفقهون بها و لهم اعين لايبصرون بها و لهم آذان لايسمعون بها ان هم الا كالانعام بل هم اضل اولئك هم الغافلون فكانت كالانعام لاتحس و لاتدرك الا ما حاذي حواسها و انطبع فيها حال الانطباع لا قبلها و لا بعدها لانه ليس لها مشعر مستعل علي الزمان يدرك ما كان سابقا او يكون لاحقا فتلك النفوس ايضا ليس لها مشعر تدرك ما فوقها و ما تحتها و انما تدرك ما يحاذيها و يصاقعها فهي لاتدرك الا نفسها و لاتري الافعال الا افعالها و لا الصنايع الا صنايعها و لاتدرك ربا و لا مبادي علل فلاجل ذلك هي اذا صدر عنها خير زعمت انها خيرة و اذا احسنت زعمت انها محسنة و اذا اساءت زعمت انها مسيئة و ان استنكفت من اسائة نسبتها الي اختها المساوية لها و هي جاهلة غافلة عن قوله تعالي قل كل من عند الله في التكوين و من قوله ما اصابك من حسنة فمن الله و ما اصابك من سيئة فمن نفسك في التشريع و من قوله و ما بكم من نعمة فمن الله و بذلك كان الانسان لفي خسر الا [ص 174] الذين اتبعوا العقل و سلموا له و اعتقدوا بخبره و صدقوه فانه الذي يعلم ان الكل من الله و المن لله بجميع ما بخلقه لا شريك له فتلك النفوس تعدد صنايعه في محضر العقل و تظهر الحول و القوة و القدرة و انها هي الفاعلة المختارة الصانعة لكل صنع فامر الله العقل ان يعلم تلك النفوس و يظهر لها ان النعمة و الحول و القوة و القدرة و الطول من الله جل و عز و انما انتن اسباب و سنن خلقية يفعل الله ما يشاء بقدرته و يحكم ما يريد بعزته فان فعل شيئا بكن فلستن فاعلين كما انكن اذا قطعتن بمدية ليست المدية قاطعة و لا شريكة لكن و لا مستقلة في القطع و انما هي آلة لكن و الفعل فعلكن كذلك ان ابي الله ان يجري الاشياء الا باسبابها و فعل بكن ما فعل لستن شركاء لله عز و جل و الفعل فعله و الخلق خلقه و جميع ما بكم من خير فهو من الله و بالله و هو المنعم به عليكم فلاتعددن الخيرات في افعالكن للعقول و تظهرن الاستقلال قال ابوجعفر عليه السلام ان في بعض ما انزل الله في كتبه اني انا الله لا اله الا انا خلقت الخير و خلقت الشر فطوبي لمن اجريت علي يديه الخير و ويل لمن اجريت علي يديه الشر و ويل لمن قال كيف ذا و كيف ذا انتهي ، بل الله يمن عليكم ان هداكم للايمان و الانقياد للعقل ان كنتم صادقين انكم مصادر خير او شر و مبادي حسنة او سيئة فان صدقتن ان اعمالكن حسنات فهي من العقل و ان كذبتن فلا حاصل في التعداد و يجري تأويل الآية في كل معجب و متكبر و فاخر و مستبد و امثالهم فافهم .
الباطن فمن بواطنه ان المراد بقوله يمنون اي [ص 175] اعداء علي عليه السلام الذين يضمرون العداوة له و لذريته و لمحبيهم و لشيعتهم الذين هم نجباء ولد آدم ان اسلموا معك و ذلك كما روي عن جابر بن عبدالله قال كنت عند رسول الله في حفر الخندق و قد حفر الناس و حفر علي عليه السلام فقال له النبي صلي الله عليه و آله بابي من يحفر و جبرئيل يكنس التراب بين يديه و يعينه ميكائيل و لميكن يعين احدا من الخلق قبله ثم قال النبي صلي الله عليه و آله لعثمان بن عفان احفر فغضب عثمان و قال لايرضي محمد ان اسلمنا علي يده حتي يأمرنا بالكد فانزل الله علي نبيه يمنون عليك ان اسلموا الي قوله صادقين و عن القمي نزلت في عثمان يوم الخندق و ذلك انه مر بعمار بن ياسر و هو يحفر الخندق و قد ارتفع الغبار من الحفرة فوضع عثمان كمه علي انفه و مر فقال عمار :
لايستوي من يعمر المساجدا فيها يصلي راكعا و ساجدا
كمن يمر بالغبار حائدا يعرض عنه جاحدا معاندا
فالتفت اليه عثمان فقال يا بن السوداء اياي تعني ثم اتي رسول الله صلي الله عليه و آله فقال لمندخل معك لتسب اعراضنا فقال له رسول الله صلي الله عليه و آله قد اقلتك اسلامك فاذهب فانزل الله يمنون عليك الي قوله صادقين اي ليس هم صادقين ان الله يعلم الي قوله تعملون انتهي ، و لا تمانع بين الحديثين لاحتمال وقوع الواقعتين فالمراد بقوله يمنون اي عثمان و من يصوب رأيه و يصدق قوله و يحذو حذوه و يواليه مع ما هو عليه ان اسلموا بحسب الظاهر مع ما يضمرون [ص 176] من الكفر و النفاق بعداوة علي عليه السلام و اولاده و انكار ولايتهم و اضمار غصب حقهم و عداوة اوليائهم قل لاتمنوا علي اسلامكم الظاهري الذي لا حقيقة له عندكم بل الله اي بل رسول الله يمن عليكم اي ينعم عليكم فان انعامه هو انعام الله و فعله فعل الله و هو و آله اولياء النعم ان هداكم للايمان و يجب عليكم شكر احسانه و الامتنان منه فان من لميشكر رسول الله لميشكر الله و لذا قرن الله شكره و شكر علي عليه السلام بشكره و قال ان اشكر لي و لوالديك و قد استفاض بين الخاصة و العامة قوله صلي الله عليه و آله انا و علي ابوا هذه الامة ، و انما وجب شكر النبي و الولي عليهما السلام لقوله تعالي انما انت منذر و لكل قوم هاد فوجب شكر النبي صلي الله عليه و آله لانذاره و شكر الولي لهدايته قال النبي صلي الله عليه و آله يؤتي بالعبد يوم القيمة فيوقف بين يدي الله عز و جل فيأمر به الي النار فيقول اي رب امرت بي الي النار و قد قرأت القرآن فيقول الله اي عبدي اني قد انعمت عليك و لمتشكر نعمتي فيقول اي رب انعمت علي بكذا و شكرتك بكذا و انعمت علي بكذا و شكرتك بكذا فلايزال يحصي النعمة و يعدد الشكر فيقول الله تعالي صدقت عبدي الا انك لمتشكر من اجريت لك النعمة علي يديه و اني قد آليت علي نفسي ان لااقبل شكر عبد لنعمة انعمتها عليه حتي يشكر من ساقها من خلقي و قال الرضا عليه السلام من لميشكر المنعم من المخلوقين لميشكر الله عز و جل انتهي ، فمن لميشكر اعظم المنعمين علي الخلق و هو محمد و آله عليهم السلام [ص 177] لميشكر الله و هو كافر بنعماء الله و له العذاب الشديد و شكرهم اظهار فضائلهم و ثنائهم و طاعتهم فيما امروا و الانزجار عما نهوا كما ان شكر الله ذكر ثنائه و طاعته و الاقرار بان النعمة منه عند انعامه ان كنتم صادقين في قولكم اسلمنا او آمنا فان صدقتم فلرسول الله و آله النعمة و عليكم شكرهم باظهار ثنائهم و فضلهم في العالم و طاعتهم و ان لمتصدقوا فانتم كاذبون و لا منة في الكذب .
ان الله يعلم غيب السموات و الارض و الله بصير بما تعملون .
القراءة عن ابنكثير يعملون بالياء لما في الآية السابقة من الغيبة و الباقون بالتاء للالتفات من الغيبة الي الحضور و لعله انسب بسبك القرآن و اقوي في تبكيتهم فان التبكيت في الحضور اقوي منه في الغياب و اعظم في تحذيرهم و تذليلهم .
الظاهر ثم اراد الله ردعهم من هذه المنة و تخويفهم بان لو شاء لاظهر بواطنكم و عرف المسلمين نفاقكم و انزل بذلك قرآنا يقرأ و يبقي عاره عليكم الي آخر الابد فقال ان الله يعلم غيب السموات و الارض و باطنهما و ذلك ان السموات و الارض لهما غيب و شهادة و المراد بغيبهما اربعة مقامات : احدها ما مضي من مثلهما و محيت من عرصة الزمان و اثبتت في الدهر و ذلك كقوله عز و جل ذلك من انباء الغيب نوحيه اليك بعد قصة مريم و قصة يوسف و ذلك انها قد غابت عن حواس الناس فلايدركونها بحواسهم و ثانيها ما سيأتي فانه لميوجد بعد و هو في عرصة الامكان كما روي عن ابيعبدالله عليه السلام في عالم الغيب و الشهادة ان [ص 178] الغيب ما لميكن و الشهادة ما كان ، و ثالثها عرصة الدهر و ما وراء الزمان فانها غيب الزمان المحجوب عن دركه كقوله عز و جل و لقد رآه بالافق المبين و ما هو علي الغيب بضنين ، و رابعها ما يغيب عن الانسان و يكون موجودا في غير مشهده كقوله و ماكنا للغيب حافظين فقوله ان الله يعلم غيب السموات و الارض يحتمل جميع هذه المعاني و هو عالم بكلها بها لايعزب عنه مثقال ذرة في السموات و لا في الارض و لا اصغر من ذلك و لا اكبر الا في كتاب مبين و لسنا بصدد بيان شرح هذه المسائل و انما الغرض شرح ما يشكل من الآية و الاشارة اليه فالذي يعلم غيب السموات و الارض لايخفي عليه غيب سموات قلوبكم و ارض ظواهر اجسادكم و ما عليها من اقوالكم و افعالكم و يعلم انكم باظهار الاسلام تريدون المن علي الله و رسوله و لاتريدون من اظهار الاسلام الاقرار به و الله بصير بما تعملون يبصر ما تعملونه في خلواتكم و علانيتكم مما ينافي الاسلام و اعلم انه ليس المراد بهذه الصفة و ما يضاهيها ان هذه الصفات ثابتة لله كثبوتها للمخلوقات فهو يبصر بعين و يسمع باذن و امثال ذلك و ليس الفاظها و لا معانيها و مداليلها و مفاهيمها و مصاديقها في الذات الاحدية جل قدسها لكنه خلق بلا كيف مبصرات و مسموعات علي طبق الحكمة و الصواب فعبرنا عنه بالبصير و السميع و الحكيم و امثالها يعني صنع صنع بصير بلا كيف و صنع سميع بلا كيف و صنع حكيم بلا كيف اسماؤه تعبير و صفاته تفهيم و كنهه تفريق فلما خلق الله عز و جل اعمالهم [ص 179] و قدرها علي حسب الحكمة و الصواب كما قال و الله خلقكم و ما تعملون قلنا انه بصير بما يعملون يعني لايخفي عليه الاعمال و هو مبديها و معيدها و خالقها في الدنيا و محضرها يوم القيمة فافهم .
التأويل قد قال جل و عز في الآية الاولي يعلم ما في السموات و ما في الارض من ظواهرهما بتلك المعاني فهنا اثبت علمه بغيبهما و من تأويلات السموات و الارض كل ممد و مستمد و مفيض و مفاض عليه و عالم و جاهل و قوي و ضعيف و هاد و مهتد و رجل و امرأة و سبب و مسبب و منير و نور و امر و خلق و هكذا فكل من غلب فيه جهة الرب حتي ظهر بكمال فهو له سماوية بالنسبة الي فاقده البتة و الله يعلم غيب الكل من بواطنها و ما مر من فعلياتها و ما سيأتي مما قد يوجد بعد و من مباديها و عللها و خزائنها التي نزلت منها و ما يمكن في قلوبها و صدورها و امثال ذلك و الله بصير بما تعملون و تظهرون به من الفعليات و الآثار و الانوار فان تدبرت في بعض ما مر من التأويلات يسهل لك معني هذه الآية في التأويل .
الباطن قوله ان الله بحسب الالفاظ الظاهرة هو بحذف المضاف اما بحسب الباطن فالمراد به رسول الله صلي الله عليه و آله فانه اسم الله العظيم جل جلاله كيف لا و في زيارة خليفته و وصيه السلام علي اسم الله الرضي و وجه المضيء يعلم غيب السموات و الارض لقوله عز و جل عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احدا الا من ارتضي من رسول و اما ما روي من نفي علم الغيب عنهم او نزل في الكتاب و عنده مفاتح الغيب لايعلمها الا هو فلا شك [ص 180] فيه و لا ريب يعتريه فانهم سلام الله عليهم لايعلمون ما غاب و لا ما حضر من عند انفسهم و بانفسهم و لانفسهم و انما هم يعلمون ما يعلمون بتعليم الله جل و عز و لا بدع ان يعلم احد الغيب بتعليم الله جل و عز فان جميع رعيتهم علموا بعض الغيب بما علمهم الله من امر الامم الماضية و من احوال الازمنة الآتية و القيمة و الجنة و النار فما بالهم لايعلمون بما علمهم الله و قد اخبر الله بذلك انه لايبخل بالغيب و قال و ما هو علي الغيب بضنين و قال عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احدا الا من ارتضي من رسول ، و قال ابوعبدالله عليه السلام والله لقد اعطينا علم الاولين و الآخرين فقال له رجل من اصحابه جعلت فداك اعندكم علم الغيب فقال له ويحك اني لاعلم ما في اصلاب الرجال و ارحام النساء ويحكم وسعوا صدوركم و لتبصر اعينكم و لتع قلوبكم فنحن حجة الله في خلقه و لنيسع ذلك الا صدر كل مؤمن قوي قوته كجبال تهامة الا باذن الله والله لو اردت ان احصي لكم كل حصاة عليها لاخبرتكم و ما من يوم و لا ليلة الا و الحصي تلد ايلادا كما يلد هذا الخلق و والله لتتباغضون بعدي حتي يأكل بعضكم بعضا و سئل عن الامام يعلم الغيب قال لا و لكن اذا اراد ان يعلم الشئ اعلمه الله ذلك ، و الاخبار الدالة في علمهم بالغيب متواترة معني لايمكن انكارها و لاينافي ما ورد من نفيه فانهم بانفسهم لايعرفون الشهادة ايضا و اما بتعليم الله فلا مانع من علمهم ما بالهم لايعلمون اذا علمهم الله هذا و الغيب ما غاب عن الشخص و هم لايغيب عنهم شئ لقوله [ص 181] تعالي بئس للظالمين بدلا مااشهدتهم خلق السموات و الارض و لا خلق انفسهم و ماكنت متخذ المضلين عضدا و مفهومه ان الله اشهد العادلين كما في دعاء رجب اشارة الي هذه الآية في صفتهم اعضاد و اشهاد و حفظة و رواد ، و الله بصير بما تعملون اي و رسول الله و حججه عليهم السلام يبصرون اعمالكم كما قال في آية اخري قل اعملوا فسيري الله عملكم و رسوله و المؤمنون و المراد بهم الائمة عليهم السلام و كيف لايبصرون الاعمال و قد خاطبهم الله في كتابه ليكون الرسول شهيدا عليكم و تكونوا شهداء علي الناس و قال يوم نبعث من كل امة بشهيد و جئنا بك علي هؤلاء شهيدا و لك ان تقول ان المراد بالسموات محمد صلي الله عليه و آله و الارض آله الاطهار او المراد بالسموات رجال المعصومين و الارض فاطمة عليها السلام او المراد بالسموات الحجج عليهم السلام و الارض شيعتهم او المراد بالسموات اهل عليين و اهل الجنة من المؤمنين و المراد بالارض اهل سجين و اهل جهنم من المنافقين كل ذلك حق و الله يعلم غيبهم فيعرف كل واحد منهم لايخفي عليه خافية في السموات و الارض و لكل ذلك شواهد من اصول علم آلمحمد عليهم السلام قد القوها الينا من كرمهم و جودهم و خصونا بها من دون العالمين ان افتريته فعلي اجرامي و انا بريء مما تجرمون و الحمد لله رب العالمين و قد كتبنا هذه الكلمات القليلة علي هذه السورة الجليلة امتحانا للنفس و استظهارا انه لو وفقني الله لتصنيف تفسير للكتاب المجيد كيف ينبغي ان يكتب [ص 182] و يصنف و تعليما للاخوان ان لو شاؤا ان يعلموا كيف ينبغي التفسير يرجعوا اليه و نحن لمنستقص تحقيق ما احتوي عليه هذه السورة من المسائل لانه كان غرضنا انموذج تفسير تام للكتاب و لو نفصل ما يحتوي عليه الكتاب لناء بالابل ذي القوة تفسيره و كان يصير متروكا لايراجع لتكسل النفوس عن مراجعته و لكنا اردنا انموذج تفسير تام بقدر ما يمكن لطلبة العلم الرجوع اليه و مع ذلك لو تم تفسير علي هذا المنوال لبلغ قريب خمسمائةآلاف بيت بل ازيد و يصير ايضا متروكا لايكتب و لايراجع و لاينتفع منه احد فلنختم هنا قائلا الحمد لله الذي هدانا لهذا و ماكنا لنهتدي لولا ان هدانا الله و صلي الله علي محمد و آله الطيبين و لعنة الله علي منكري فضائلهم اجمعين .
و قد فرغت من تسويد هذه الاوراق في ضحي يوم الخميس لثلاث بقين من شهر ربيع الاول من شهور سنة ست و ثمانين من المائة الثالثةعشرة من الهجرة حامدا مصليا مستغفرا . تمت .