قاعدة - في حشر صنوف الخلق . اعلم ان الايجاد هو التكليف انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون فكن منه تكليف و الانوجاد هو العمل و العبادة فلايقوم الخلق في اي عالم الا بالتكليف و الامتثال غاية الامر ان في بعض العوالم التكليف و الامتثال ذاتيان و في بعضها عرضيان و لا تكليف الا بالبيان و لا بيان الا بمبين و لا تبيين الا برسول من جنس المكلف و الشرع هو صفات ذلك الرسول التي هي تفاصيل كمالاته الذاتية الوحدانية و ظهوراتها لانه الكامل المكمل فان من شيء دخل عرصة الوجود الا و هو مكلف و له شرع و رسول و غاية التكليف الجزاء و السبب الي الجزاء العمل و الامتثال و الجزاء هو ذلك التكليف الا انه تكليف نزولا و جزاء صعودا الاتري انه [ص 190] قال اذكروني اذكركم فجعل ذكره للعبد جزاء مع ان ذكره للعبد مقدم علي ذكر العبد له فما لم‌يذكر الله جل جلاله العبد بالتوفيق لم‌يذكره العبد بالطاعة الاتري انك ما لم‌تنظر الي المرآة لاينظر الشبح اليك فنظرك اليه نزولا تكليف له بان انظر الي فاذا نظر اليك نظرك اليه اخيرا جزاء نظره و ما من الله مقدم ابدا علي ما من العبد فالتكليف اي نور الشارع هو تكليف نزولا يحمله قول افعل و لاتفعل و هو الجزاء صعودا و دار الانوجاد هو دار العمل و يعقبها دار الجزاء فالعود علي البدء كما بدأكم تعودون و الجزاء علي حسب العمل و لقد علمتم النشأة الاولي فلولاتذكرون فتعلق بك الايجاد كما انوجدت فعلي ذلك لكل من دخل عرصة الوجود دار عمل و دار جزاء و انما يجزون في دار كلفوا فيها فمن حيث انها دار جزاء آخرة و قيامة و من حيث انها دار تكليف عالم ذر سابق و لا بد و ان يعود كل مخلوق الي ربه حيث ذكره و بدأه فان هناك دار جزائه و غاية ايجاده فمن بدأه الله من الدنيا يعود اليها و يجزي فيها فان عود كل كائن الي حيث هو هو بدأ لا الي حيث يعدم مثلا في الجماد الياقوت لا بد و ان يعود الي حيث بدئ ياقوتا فيكون في معاده ياقوتا كما كان في بدئه ياقوتا و في دار عمله ياقوتا و لايكون ياقوتا الا في الدنيا فمعاد الياقوت في اوقات كونه ياقوتا و لا بد و ان يجزي في اوقات كونه ياقوتا بعمله الياقوتي فان الياقوت اما مطيع او عاص و اما اذا تفرق و اختلط بالعناصر فقد عدم و عاد عود ممازجة لا تعين له فمعاده للجزاء في اوقات كونه ياقوتا كما روي في تمرة فيها سواد ان الملك يضربها بمنقاره لانها تركت ذكر الله فجوزيت في اوقات كونها تمرة لا بعد فسادها و عودها الي العناصر فمعاد الجماد و النبات الدنيا اذ بدؤهما فيها و هي حينئذ دار تكليفهما فعودهما فيها و هي محشرهما و ثوابهما [ص 191] و عقابهما فيها و كذلك هناك دار عملهما لانها دار امتثالهما و قبولهما و اما الحيوان فبدنه الجمادي و النباتي العرضيان فكذلك و اما نفسه الحيوانية فهي من غيب الافلاك اي مادتها من غيب جوزهر القمر و صورتها الشخصية من قبول النفس النباتية فاذا تفرق النباتية بطلت صورة الحيوانية الشخصية و عادت المادة النوعية الي غيب الافلاك عود ممازجة و مرادي بغيب الافلاك نفسها و حقيقتها التي بها هي هي فمحشر الحيوان ايضا الدنيا الا انه في رتبة فلك القمر فانه بعد تفرق بدنه يعود بعد حين عود ممازجة لانه له خيال ضعيف و وهم ضعيف و بقدر قوة خياله و وهمه يبقي و هو يوم حشره فيقتص للجماء من القرناء ثم يموت الحيوان و يعود عود ممازجة لانه تعينه من طبعه فاذا تفرق الطبايع زالت الشخصية كما انه اذا تفرق الدخان زالت الخراطة و الصفرة و لحق النار بكرتها عود ممازجة او استهلكت في الطبايع و قوام الشعلة بالدخان و كذلك اذا اعتدلت النفس النباتية التي هي البخار و ساوي جسم فلك القمر اشتعل فيه نور فلك القمر و حيوته متعينا بتعينه فكان سبعا او بهيمة علي حسب البخار فاذا تفرق البخار بقي الاسد و الغنم مثلا قليلا بقدر قوة مشعرهما الباطني ثم يفني و لحق الحيوة النوعية بكله بالجملة محشر الحيوان ايضا غيب هذه الدنيا ما دام هو هو قبل ان يتفكك و يبطل و اما النفس الظلية الانسانية و حقيقتها التي بها هي هي و بها تكون انسانا دون ان تكون حيوانا فهي ليست تابعة للجسد في التعين بحيث لولا الجسد لكان مادة نوعية بل هي متشخصة بما تحصلت من العلوم و الاعمال اعني ان المادة النوعية الظلية الناشئة من النفس الكلية المتعلقة ببدن زيد قد تحصلت في بدن زيد علوما و اعمالا قد تعينت بها بحيث تعرف في عالمها بتلك العلوم و الاعمال فاذا تخلل البدن بقيت تلك الحصة من المادة بصورة [ص 192] تلك العلوم و الاعمال باقية التركيب في البرزخ فيحشر هناك و يجزي هناك لانه نودي من هناك و بدئ من هناك و يعود الي هناك و قولنا الناشئة من النفس الكلية فيه اشارة خفية و هي ان الابدان العرضية جزء من اجزاء العالم الكلي الذي هو ظهور النفس الكلية و ليست تنزل سكنتها و لاتعود اليها كبدن زيد العنصري النباتي الدنياوي العرضي فانه ليس تنزل زيد و ليس بجسمه و انما هو اجزاء من بسايط العالم قد تألفت بيتا سكن فيه نفس اياما و ستفارقه و يسكن فيه غيرها بعد ما رمّ و ليس بتنزل نفسه و لايعود اليها و لايثاب عليها و لايعاقب عليها و كذلك البدن المثالي لزيد فليس تنزل نفس زيد و لو كان تنزل نفس زيد لماعاد عود ممازجة و لمافني في البرزخ و كان من الآخرة و الي الآخرة و لكنه حصص من بسايط الاظلة التي هي تنزل النفس الكلية قد تألفت بدنا مثاليا و سكن فيه نفس زيد و اشتعاله بزيد اشتعال عرضي كاشتعال المرآة بشبح الشمس فافهم فمثل حصص من الافلاك قد تألفت لبدن زيد فكانت بدنا مثاليا علي هيئة علوم زيد و اعماله يسكن فيه نفس زيد نعم يسكن عقل زيد في عرشه و نفسه في كرسيه و مشاعره في افلاكه و طبايعه في طبايعه كسكني النار في دخان الشعلة فاذا بطلت الحيوانية بقيت المثالية مدة البرزخ لشدة اعتدالها و انتضاجها فاذا نفخ في صور الصور نفخة الصعق و جذب عنها المواد تفككت المثل و لحقت ببسايطها الكلية و اما النفس الانسانية فهي قد بدئت مركبة و حيوتها ركنية و لم‌تبدأ من بسايط مستقلة قبل التركيب و هي اصلها من تأييد العقل و عرصتها وسط الدهر و وقتها ثابتة دائمة و بدؤها من الدهر و عودها اليه و قد ذكرها الله هنالك و ستعود اليه هنالك و تجزي هنالك كما دعيت هنالك و اجابت هنالك و هي حقيقة [ص 193] زيد و حقيقة الانسان المبدوءة المكلفة الممتثلة العاصية المثابة و المعاقبة و لما كان بدؤها مركبا في الدهر يكون عودها اليه و ليس يتفكك تركيبها و تجزي باقية التركيب و يكون جزاؤها خالدا لكونه دهريا .

بقي شيء و هو اني ذكرت سابقا ان الايجاد هو التكليف و الانوجاد هو العمل و الامتثال و يعبر عن الوجود المفاض من الايجاد بالست بربكم لانه هو الذي به عرف الله نفسه له و هو صفة تعريفه نفسه لعبده و هو حقيقة جميع ما كلف به و عبر عنه بالست بربكم لانه ليس علي نحو الالزام بل علي نحو الاختيار لانه موقوف علي القبول و الامتثال و الانوجاد و يعبر عن الانوجاد ببلي ففي الكون الايجاد هو التكليف و الوجود هو المكلف به و الشريعة نزولا و الانوجاد هو العمل انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون فكن هو التكليف و الكون هو المكلف به و يكون هو العمل فاذا انوجد و كان اثيب بالوجود و الكون و هو التوحيد المفاض عليه و ما عرف الله نفسه له به و هو الغاية فانه اذا وصل اليه فاز بالغاية التي هي الدوام الابدي و الهيمنة علي جميع ما سواه من آثاره و القدرة الكاملة و العلم الكامل و الحيوة الابدية و الربوبية المستعلية بالنسبة الي آثاره و هو الربح المشار اليه في القدسي خلقتكم لتربحوا علي و ماخلقتكم لاربح عليكم ، نقلته بالمعني و هو الجنة الموعودة يا نعيمي و جنتي و يا دنياي و آخرتي و بهذا الثواب قد وصل كل من دخل عرصة الوجود لانه لم‌يعصه احد و لم‌يخالف امره موجود سبحان من دانت له السموات و الارض بالعبودية و اقرت له بالوحدانية و شهدت له بالربوبية و ان من شيء الا يسبح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم ، كل قد علم صلوته و تسبيحه و لما عمرت الديار و عبد الجبار في جميع الاقطار حصل بين الخلق نسبة اخري و هي نسبة الاداني الي الاعالي و نسبة الناقصين [ص 194] الي الكاملين و ذلك ان في الكائنين صلوحات ثانية يجب ان يظهر بها الجبار لئلايخلو مظهر من المظاهر من ظهور الله الاحد غير المتناهي جل جلاله و لا بد لاستخراج تلك الصلوحات و القوي من اسباب مصاقعة فجعل الله الاعالي اكمام ايدي ارادته و اخبي ارادته فيها و انصبغت فيها و خرجت عنها ارادة وصفية و هي المشية الشرعية و هي هي المشية الكونية الظاهرة في الاعمال ان الله جعل قلوب اوليائه وكرا لارادته ، ارادة الله في مقادير اموره تهبط اليكم و في بيوتكم الصادر عما فصل من احكام العباد ، فنور اولئك الاعالي هو الشرع و هو الوجود الوصفي الشرعي و الكون الشرعي و قول الست بربكم و هو شبح منفصل من تلك المشية الشرعية و نور اشرق من صبح الازل فلاح علي هياكل التوحيد آثاره و يحمل ذلك النور الاوامر و النواهي الشرعية فبلغهما الله آذان قلوب الكاينات و هيهنا اختلفوا فمنهم من قال بلي و امتثل و اجاب فظهر ذلك النور في كل رتبة منه علي حسبه ففي فؤاده بالمعرفة و المحبة و في عقله باليقين و الرجاء و في نفسه بالعلم و الخوف و في جسده بالاعمال و منهم من قال نعم علي تفصيل ذكر في محله و لسنا الآن بصدد بيانه فبذلك التكليف و الهداية استخرج الله من قوي تلك الكاينات صورا شرعية و تلك الصور هي امتثال الكاينات و ذلك النور هو الجزاء النوعي و بذلك الامتثال يتخصص بالمكلف فالاعمال صور شخصية للثواب فاذا عمل المكلف بالاوامر و كمل المقتضي و اجتنب النواهي و ارتفع الموانع ملك ذلك النور فاثيب به و ذلك النور هو المحمدية الغراء و العلوية البيضاء و الجنة و التوحيد الكامل الشرعي و الحيوة الابدية و الاستيلاء و الهيمنة و القدرة علي ما يشاء و ما لا عين رأت و ما لا اذن سمعت و لا خطر علي قلب بشر و ما كتمه في الصدور اولي من رسمه في السطور كما كانت تلك الصفات ثابتة لتلك [ص 195] المشية الشرعية فاذا دار جزاء كل احد و معاده حيث ذكره ربه و جزاؤه ذكر الرب اياه و لا بد من ان يكون باقي العين في دار جزائه و لما كان الجمادات و النباتات من التركيبات الدنيوية اي تتفتت في الدنيا كما كانت متفرقة الاجزاء قبل تركيبها في وقت يكون دار جزائها الدنيا فمعادها في الدنيا حيث تجازي و اما النفوس الحيوانية فلما كان بدؤ ايجادها من الافلاك كان عودها اليها و محشرها عند جوزهر القمر ثم تموت و تتفتت و تكون ترابا و تلحق باصولها الفلكية و اما النفوس المثالية البرزخية فليست مركبة في الدنيا و لا من غيبها و لم‌يكن لها اجزاء مستقلة في الدنيا قبل تركيبها و ليست تتفتت في الدنيا فهي تبقي بعد خراب البدن في البرزخ فان المراد منها الصورة المثالية الافلاكية القائمة بالمادة الدهرية و اما النفوس الدهرية الانسانية فهي خلقت مركبة في الدهر و لم‌تكن مسبوقة باجزاء مستقلة و لايلحقها التفتت و التحلل فهي ابدا باقية و دار تكوينها و تكونها و جزائها الدهر و علي ما عرفت لا بد من مصاقعة دار التكليف و العمل و الجزاء و ما كان يقال ان الدنيا دار تكليف و الآخرة دار جزاء فذلك كلام ظاهري و في الحقيقة لا بد من المصاقعة فالاعمال الدنياوية جزاؤها في الدنيا و البرزخية في البرزخ و الاخروية في الآخرة و ان كانت الاعمال الثلثة تصدر من الانسان في الدنيا بحسب مراتبه و اما الجن فنفوسهم نفوس ظلية مثالية لانهم خلقوا من مارج من نار حصلت من الشجر الاخضر النابت من التراب الذي خلق منه الانسان و نفوسهم ظل نفوس الاناسي فمحشرهم تحت محشر الاناسي و جزاؤهم ظل جزاء الاناسي سعداؤهم في حظاير الجنان بين السماء و الارض و اشقياؤهم في ضحضاح جهنم فوق الارض و الاناسي هم في السموات و نسبتهم الي الاناسي نسبة انوار الكواكب بالنسبة الي الكواكب فنفوسهم شعاع نفوس الاناسي تظهر [ص 196] و تتعين بحصص ارضية طبيعية كما يتعين الحيوانية بالنباتية و الفرق بينهم و بين الحيوان ان الحيوان تألفه دنياوي يفني و تألف الجن دهري يبقي و هم برازخ بين النفس القدسية و الحيوانية اسافلهم اكثر شبها بالحيوان و اعاليهم اكثر شبها بالانسان و هم ملحقون بالدهر دون رتبة الاناسي فلا انقراض لوجودهم و يخلدون في الحظاير و الضحضاح و اما الملئكة فرتبتهم دون رتبة الجن في عالم الهباء و الهباء حصص من ارض المحشر و هي ايضا دهرية باقية ثابتة و هذه الملئكة خدم و سفلية في الدهر و هم غير سكنة الجنان و سدنتها المعاشرين مع الاناسي في درجاتهم .

بقي شيء و هو ان كل ما دخل عرصة الوجود و كتب اسمه في اللوح فلا فناء له و لا زوال عند ربه لربه و هو موجود ابدا حيث ذكره ربه علي ما ذكره مجزي بجزاء عمله في محل ذكره الا ان الجماد و المعدن و النبات و الحيوان و الظل يفنون في انفسهم في الامتدادات الدنيوية و يبقون لربهم و اما الانسان و الجن فهم باقون لربهم سرمدا بل ازلا و في انفسهم دهرا و كذلك كل ذي حيوة اشراقي فان عند مشرقه من انسان او غيره و ان كان في نفسه ثابتا حيث كتب .

و قد اتينا و الحمد لله علي ما اردنا ايراده في هذه الرسالة الشريفة من احقاق حق ما ذكره الملا صدرا عليه الرحمة في رسالته العرشية و قد كتبنا المسائل علي نحو ترتيبها و ان كان ترتيبه علي خلاف ما نراه من ترتب مسائل الحكمة فلايتعرضن علينا متعرض و وقع الفراغ من تصنيفها في ليلة الاحد لليلة بقيت من شهر رجب المرجب من شهور سنة السبع و السبعين من المائة الثالثة‌عشر حامدا مصليا مستغفرا . تمت .