خاتمة - في الفقرتين الاخيرتين اللّتين ذيل بهما الامام عليه السلام الدعاء [ص 155] و ختمه بهما و غير سبكهما ،

فقال عليه السلام : اللهم اني اسألك بما انت فيه من الشأن و الجبروت و اسألك بكل شأن وحده و جبروت وحدها .

اعلم ان الشأن الامر و الحال و الخطب و القصد و اما الجبروت فهو من الجبر بمعني المَلِك و جبر العظم ضد الكسر و جبر الفقير الاحسان اليه و اغنائه فكأنه جبر كسر فقره و تجبر تكبر و الجبار اسم من اسماء الله اي كثير التكبر او كثير الجبر لكسر عباده و الجبار العظيم القوي و الجبروت التكبر و شؤن الله سبحانه اموره و احكامه في الملك قال الله سبحانه كل يوم هو في شأن فعن القمي قال يحيي و يميت و يرزق و يزيد و ينقص و عن اميرالمؤمنين عليه السلام كل يوم هو في شأن من احداث بديع لم‌يكن و عن النبي صلي الله عليه و آله قال من شأنه ان يغفر ذنبا و يفرج كربا و يرفع قوما و يضع آخرين انتهي ، فتبين ان شؤن الله اوامره و احكامه و ابداعه للخلق و هو كل يوم في شأن اي كل وقت و لاجل ذلك يسمي هذا اليوم بيوم الشأن لانه ليس المراد ان الله سبحانه في كل يوم شمسي في شأن واحد بل هو في كل طرفة عين بالنسبة الي كل ذرة من خلقه في شأن يحوله من حال الي حال و فهم هذه الآية مشكل جدا فانه قد روي انه جف القلم بما هو كائن و قد ختم علي فم القلم فلاينطق و قد جري حين جري بما كان و ما هو كائن الي ما لا نهاية له فحينئذ يشكل الجمع بينهما و ما رد به علي اليهود حيث قال قالت اليهود يد الله مغلولة غلت ايديهم و لعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء فعن الرضا عليه السلام يعنون ان الله قد فرغ من الامر فليس يحدث شيئا و عن ابي‌عبدالله عليه السلام لم‌يعنوا انه هكذا و لكنهم قالوا قد فرغ من الامر فلايزيد و لاينقص و قال الله جل جلاله تكذيبا لقولهم غلت ايديهم و لعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء الم‌تسمع الله عز و جل يقول يمحوا الله ما يشاء و يثبت و عنده ام الكتاب انتهي ، و الحال ان مقتضي جفاف القلم ان لايزيد بعد و لاينقص و الجواب من ذلك علي نهج الاختصار انه لا شك ان الله سبحانه عالم بما كان و ما يكون و لايعقل ان يزيد في علمه شئ لم‌يكن علمه بعلمه الازلي و لا ان ينقص من علمه شئ [ص 156] كان في علمه الازلي اذ لايضل ربي و لاينسي و ذلك محل اتفاق المسلمين و لايحتاج الي زيادة بيان و ان فصلناه في كتابنا الفطرة السليمة تفصيلا و ذلك العلم الذي لايتغير و لايتبدل هو ام الكتاب الذي عنده علي احد المعاني كما قال فما بال القرون الاولي قال علمها عند ربي في كتاب لايضل ربي و لاينسي فلا محو فيه و لا اثبات و هذه الحضرة هي الحضرة الازلية التي ليس فيها تجدد اوقات و لا اختلاف آنات و جميع ما كان و ما يكون بذواتها و صفاتها و اوقاتها و امكنتها و حدودها و قراناتها و ما يؤل اليها حاضر في تلك الحضرة بالحضور العلمي الاحدي الازلي لا الكوني و العيني بل و لا الامكاني و اما الموجودات باكوانها و اعيانها فهي في امكنتها و حدودها كلها ذوات اوقات و لها تجددات في تلك الاوقات انشأها منشيها في اوقاتها و يمدها بما ليس عندها في الاوقات التي تتجدد عليها فهي في مقامها متجددة بنزول الامداد و يمر عليها الاوقات و يصل اليها في كل وقت ما ليس عندها فيد الله عليهم مبسوطة ينفق عليهم كيف يشاء و لكن ليس يصل اليهم ابدا شئ لم‌يكن في علمه سبحانه فانه يشاء لهم علي حسب علمه و يعطيهم ما علم و لذلك تقول افعل ذلك ان شاء الله و لاتقدر ان تقول افعل ذلك ان علم الله ففي الكون يمحو الله ما يشاء و يثبت و يرفع و يضع و يعطي و يمنع و يحيي و يميت و يخترع و يبدع و اما في حضرة العلم فلايتجدد ما لم‌يكن علمه ابدا ففي حضرة العلم جف القلم فلاينطق ابدا و قد كتب ما كان و ما يكون الي ما لا نهاية له و اما في حضرة الاختراع و الابداع فيفعل ما يشاء بقدرته و يحكم ما يريد بعزته ففي هذه العرصة قال الله سبحانه مايعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم ، ادعوني استجب لكم و الدعاء يرد القضاء و لو ابرم ابراما و لكن ان دعا و رد كان في علمه انه يدعو و يرد و ان لم‌يدع كان في علمه انه لايدعو و لايرد و ليس يلجئ الخلق الي ما هم عليه علمه بهم فانه علمهم مختارين قبل اختيارهم و لم‌يكتب عليهم احد شقي الاختيار قبل ان يختاروه فاذا اختاروه كتبه عليهم و امضاه عند اختيارهم حين اختيارهم سأل رجل من اهل البصرة اباعبدالله عليه السلام عن الاستطاعة [ص 157] فقال ابوعبدالله عليه السلام اتستطيع ان تعمل ما لم‌يكون قال لا قال فتستطيع ان تنتهي عما قد كون قال لا فقال عليه السلام فمتي انت مستطيع قال لاادري فقال له عليه السلام ان الله خلق خلقا فجعل فيهم آلة الاستطاعة ثم لم‌يفوض اليهم فهم مستطيعون للفعل وقت الفعل مع الفعل اذا فعلوا ذلك الفعل فاذا لم‌يفعلوه لم‌يكونوا مستطيعين ان يفعلوا فعلا لم‌يفعلوه لان الله عز و جل اعز من ان يضاده في ملكه احد قال البصري فالناس مجبورون قال لو كانوا مجبورين كانوا معذورين قال ففوض اليهم قال لا قال فما هم قال علم منهم فعلا فجعل فيهم آلة الفعل فاذا فعلوا كانوا مع الفعل مستطيعين قال البصري اشهد انه الحق و انكم اهل بيت النبوة و الرسالة ، بالجملة معني انه ختم علي فم القلم فلاينطق ان كل شئ حاضر في علمه الازلي فلايزيد و لاينقص و اما في الفعل و الصنع ذي الاوقات و التجدد فانه يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد هو كل يوم في شأن و معني بسط اليد هو في الفعل و الصنع و غلها هو عدم تجديد الصنع و هو باطل كما عرفت فتدبر و من شاء التفصيل فقد كتبناه في الفطرة السليمة فليراجعه و لنرجع الي ما كنا بصدد بيانه فنقول شؤن الله جل و عز اموره و احكامه في ملكه بالرفع و الوضع و الحيوة و الموت و الصحة و المرض و الخراب و العمران و امثال ذلك و قوله ما انت فيه فليس المراد اقتران ذاته بالشؤن و اتصاف ذاته بها نعوذ بالله فيتكثر بل المراد ما يكون ظهورك فيه و بما تظهر به من الشأن كما تقول لزيد جئت بما انت فيه من كرم و جود و رحمة او غضب او علم و امثال ذلك و جميع ذلك صفاته و القي زيد في هويتها مثاله و اتصف بها عندها كما تقول زيد قائم و زيد قاعد فتحمل القيام و القعود علي زيد و ليس المراد حملهما علي ذات زيد فلو كان الذات قائمة لفنيت اذا صارت قاعدة فان القاعدة غير القائمة قطعا و الحال ان زيدا قائم و قاعد و آكل و شارب فضمير هذه المحمولات يرجع الي جهة فاعلية زيد لها و هي مثال زيد الملقي في هويتها كما اذا اشرقت الشمس علي زجاجات مصبوغة باصباغ مختلفة انصبغ نورها في بطونها فاذا نظرت من وراء تلك الزجاجات الي الشمس تصفها [ص 158] بالحمراء و الصفراء و الخضراء و هكذا و ليس شئ من هذه الاصباغ عارضة علي الشمس السماوية و انما انطبع مثالها فيها و انصبغ باصباغها كذلك زيد في رؤيته و سمعه و ذوقه و شمه و قيامه و قعوده فما الله فيه ليس صفات قد عرضت علي ذات الله نعوذ بالله بل هي صفات تجلي الله به و تلك الصفات شؤنه و اوامره و احكامه فشؤن الله خالقيته و رازقيته و راحميته و امثال ذلك و ان اخذت الامر بمعني الولاية كما تقول اَمَرَ فلان اي صار والياً و يسمي الوالي اميرا فشؤن الله سلطنته و مالكيته و قاهريته و قادريته و ولايته و رحمانيته و الوهيته و هكذا و كذلك اذا كان الشأن بمعني الخطب فان الخطب هو الامر صغر او عظم بالجملة جميع انوار الله و صفاته و اسماؤه غيره و غيره خلقه و خلقه امره و امره شأنه فقد فذلك القول في هذه الفقرات و جمع جميع ما قال علي نحو الكلية و ما لم‌يقل من الجزئيات فقال اللهم اني اسألك بما انت فيه من الشأن و الجبروت علي نحو الكلية ثم فصل فقال اللهم اني اسألك بكل شأن وحده و جبروت وحدها ليكون داعيا بجميع انوار الله و اسمائه و صفاته و يسأله بكل لسان و يتوسل اليه بكل وسيلة حتي يستحق جميع وجوه امداد الله و فيوضه و تجلياته و يصير مستحقا لما استحقوه سائلا ما سألوه فيحصل له جميع شؤن الربوبية كما بيناه مكررا و اما الجبروت فقد مر انها بمعني التكبر و الكبرياء و ان الله لايوصف بالكبر كما يوصف به خلقه من كبر الجثة و لكنه يتجلي بصفات هي كبيرة فيسمي الرب عندها و فيها بالكبر فالكبر غالبا يستعمل في كبر الجثة لاسيما اذا اجتمع مع العظمة و العلو و اذا انفرد قد يستعمل في المعاني ايضا كما يقال للسلطان هو كبير القوم و العظمة غالبا يستعمل في المعاني كعظم القدر و الشأن و العلم و الخلق و امثال ذلك و قد يستعمل بمعني الكبر كالعرش العظيم في قوله و اوتيت من كل شئ و لها عرش عظيم و العلو اذا اجتمع مع الكبر و العظم يستعمل في الاستعلاء الحقيقي و الجبروت تستعمل في جميع هذه المعاني اذا انفردت فتعم كبر الظاهر و كبر الباطن و كبر الحقيقة فيقال سلطان ذو الجبروت اي ذو الكبر سواء كان في الظاهر او الباطن او الحقيقة فجبروت الله [ص 159] كبرياؤه في جميع الاشياء في جميع العوالم و في جميع الاسماء و الصفات بل اكبريته من ان يوصف ففي كل ذرة ذرة من الخلق جبروت من الله تعالي تدل علي كبره و عظمته و جلاله و علوه و تشهد له بالكبرياء و ان اخذت الجبروت من الجبر بمعني الملك فهي مالكيته و سلطنته الظاهرة في كل مقام الغالبة علي كل شئ كما في الدعاء و بجبروتك التي غلبت كل شئ ، و له جبروت كلية في عالم الامر و جبروت جزئية ظاهرة في كل شئ و هي رؤس المشية و وجوهها المتعلقة بكل شئ و لك ان تجعل ما هو فيه من الشأن عالم الامر و سائر الشؤن سائر الاوامر الجزئية التي هي رؤس المشية الكلية و الجبروت الخاصة عالم العقل الكلي و سائر الجبروت العقول الجزئية و لك ان تجعل الشأن الخاص الكليات الغيبية كالعقل الكلي و النفس الكلية و الشؤن جزئياتهما و الجبروت عالم الشهادة فالخاصة العرش او السماوات و سائر الجبروت في الارض و المواليد و امثال ذلك من المعاني التي لكل شاهد من الاخبار فسأل الامام عليه السلام ربه اولا بما هو فيه من الشأن و الجبروت ثم فصل فقال اللهم اني اسألك بكل شأن وحده و جبروت وحدها لاجل ما ذكرنا بعينه و بجميع تلك المعاني و لما صار البناء علي الاختصار لكثرة الاسولة من الاطراف و لزوم اداء حقوق الكل نكتفي بقدر ما يتيسر و ان اخذت الشأن مقام محمد صلي الله عليه و آله و الجبروت مقام علي عليه السلام الذين هما ابوا هذه الامة و المراد بالامة جميع ما سواهما فلك فان الجبروت مقام الكبرياء و هو من مقام الصفات و الشأن هو الامر و هو صلي الله عليه و آله امر الله بالاصالة الامر المفعولي في مقام و الامر الفعلي في مقام ثم جميع ما في العالم من وجود و مادة فهو من جهة الاب و كل ما فيهم من صورة فهو من جهة الام و لما خلقهما و اخترعهما من نور ذاته خلق جميع ما سواهما من نورهما الا ان محمدا مقام الاب و الاجمال و عليا مقام الام و التفصيل فما فيهم من نور محمد صلي الله عليه و آله فهو مادتهم و ما فيهم من نور علي عليه السلام فهو صورتهم و مقام محمد صلي الله عليه و آله شأن الله و امره و مقام علي عليه السلام جبروت الله و كبرياؤه فسأل الامام [ص 160] عليه السلام ربه فقال اللهم اني اسألك بما انت فيه و يخصك و هو اقرب اليك و اولي بك من الشأن و الجبروت الذين هما محمد و علي و اسألك بكل شأن خلقته من نور محمد صلي الله عليه و آله وحده و بكل جبروت خلقته من نور علي عليه السلام وحدها و ليس يخرج شئ من ملك الله من ذلك فقد روي ان الله خلق المؤمن من نوره و صبغه في رحمته فالمؤمن اخ المؤمن لابيه و امه ابوه النور و امه الرحمة ، و النور هو محمد صلي الله عليه و آله فانه نور الله و هداية للعالمين و الرحمة هي علي عليه السلام كتب علي نفسه الرحمة و كل شئ كونا مؤمن و الكل من نورهما كوناً فكل شئ من جهة نور شأن الله و من جهة نور جبروت الله و قد سأل الامام عليه السلام ربه بكل شئ و بهاتين الجهتين منه ففكك الاشياء بعد ان دعاه بها و لك ان تجعل الشأن مقام محمد و الجبروت مقام علي عليه السلام و هما ما هو فيه من الشأن و الجبروت و اما كل شأن وحده اي كل نبي وحده و جبروت وحدها اي كل وصي وحده فان الانبياء حكاة نور محمد صلي الله عليه و آله و الاوصياء حكاة نور علي عليه السلام و لك ان تجعل الشأن الخاص مقام محمد صلي الله عليه و آله و الشؤن الائمة و الجبروت الخاص الانبياء و سائر الجبروت الاولياء و الاوصياء عليهم السلام و لك ان تجعل الشأن الخاص مقام محمد و آل‌محمد عليهم السلام و الشؤن مقام الانبياء و الاوصياء و الجبروت الخاص مقام النقباء و سائر الجبروت مقام النجباء او مع سائر افراد المؤمنين و لكل شواهد من الاخبار طوينا ذكرها للاختصار فافهم ان كنت تفهم .

قال عليه السلام : اللهم اني اسألك بما تجيبني حين اسألك فاجبني يا الله .

اعلم ان قوله بما تجيبني يحتمل امرين ان يكون ما مصدرية فيكون المعني اللهم اني اسألك باجابتك حين اسألك اي باجابتك المعدة لي حين اسألك و يحتمل ان تكون موصولة فيكون ضميره محذوفا اي بما تجيبني به من اسمائك و صفاتك المحجوبة او العظيمة التي لاترد دعوة داع دعاك بها و لكل وجه فاعلم ان الاجابة نور صادر عن المشية ينطبع في مرآة السؤال و ذلك النور قائم بالمشية قيام صدور لايحتاج في صدوره الي شئ غير [ص 161] المشية و هو من حيث الصدور عام لان المشية عامة و النور تابع للمنير فهو غير متخصص بشئ دون شئ و يقوم بالسؤال و الدعاء قيام ظهور فيتخصص في ظهوره بالاسولة و الادعية و يتعين بها فيصير رزقا و حيوة و عزة و شفاء و علما و ايمانا و هكذا فذلك النور بمنزلة البحر و السؤال بمنزلة المغرفة فتغترف بها من ذلك البحر و تقدر الماء علي قدر المغرفة فيتعين بها فاجابة الله جل و عز نور مستطير دائم بدوام المشية لا منع فيها ابدا الا انه لايظهر علي احد حتي يسأل و يدعو فاذا جاء باناء دعائه و مرآته امتلأ من ذلك البحر و استنارت بذلك النور فانصبغ فيه بصبغه و اختص فمحال حسب الوعد و الحكمة ان يسأله سائل و يخيب من الاجابة اللهم الا ان يكون الاناء منكوسا لايحتوي علي الاجابة و لايمسكها قال تعالي قل مايعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم ، و في الدعاء رب من ذا الذي دعاك فلم‌تجبه و من ذا الذي سألك فلم‌تعطه ، قال الله سبحانه ادعوني استجب لكم و قال اجيب دعوة الداع اذا دعان فالذي يدعو فلايستجاب له فلايسيئن الظن بربه ابدا فان ما منه غير ممنوع دائم بدوام مشيته نافذ في جميع خلقه فاجابته اقرب اليك من حبل الوريد و انت تحجبها عن نفسك بعدم دعائك ادع رء الاجابة حاضرة بل لنا كلام هنا اعلي و اشهي و هو ان الدعاء هو الاجابة اعني هما واحد في المنظر اثنان في المخبر فالدعاء من حيث الرب اجابة و من حيث النفس دعاء فمن من الله عليه بالدعاء لم‌يحرمه الاجابة و آية ذلك ان الله سبحانه يقول و ماتجزون الا ما كنتم تعملون و يقول سيجزيهم وصفهم و روي ان الاعمال صور الثواب و العقاب و الثواب هو الاجابة بل العقاب هو ايضا الاجابة فان من سأل ربه الخير اعطاه الخير و من سأله الشر اعطاه شرا فالعمل هو الدعاء و المسألة و المقتضي و الاجابة هي المقتضٰي و العمل صورة الجزاء و هما كما ذكرنا منظرا واحد و مخبرا اثنان و لاجل ذلك قال الله سبحانه من حيث المنظر سيجزيهم وصفهم و من حيث المخبر يقول ذلك بما قدمت ايديكم و يقول سيجزيهم بما كانوا يفترون فالدعاء اذا حصل حصل الاجابة معه لا محالة اللهم الا ان لم‌يكن الدعاء دعاء علي وفق المراد [ص 162] فلايحصل المراد الا ان جميع الاعمال لها اقتضاء و المقتضي بالفتح مقرون معه فالانسان دائما في عمل و دعاء و يستجاب له مقتضاه دائما و يعيش باجابة الله و يثاب باجابة الله و يعاقب باجابة الله في الدنيا و الآخرة الا انه قد يدعو علي خلاف مراده فلايستجاب له مراده فيحسب انه لم‌يستجب له و مثال ذلك ان المشي الي المشرق دعاء للتقرب الي المشرق و يجيب الله له دعاءه و المشي الي المغرب دعاء للتقرب الي المغرب و يجيب الله له فاذا كان نيتك الوصول الي المغرب فمشيت الي المشرق برهة من الزمان فلم‌تصل صرت تشتكي اني دعوت للوصول الي المغرب و ادعو منذ برهة من الدهر و لم‌يستجب الله لي و انت غافل انك دعوت للوصول الي المشرق و استجيب لك و ذلك ان الدعاء ليس بمحض اللسان و انما هو بجميع الاعضاء و المراتب و ما يضاف اليك و يتصل و يرتبط بك و تفاصيل هذه المراتب يطلب من كتابنا طريق النجاة ان شاء الله و الغرض هنا ان الاجابة نور مشرق من شمس المشية مطلق كمنيره و انما يتخصص بالمرايا و ينصبغ فيها علي حسبها و الاعمال اجابات عملية تظهر في مرآة الاشخاص كما ذكرنا فسأل الامام عليه السلام ربه باجابته و جعلها الواسطة بينه و بين ربه حتي ينتفي الدعاء من العبد و يرتفع الحاجة الي الظهور به فان الاجابة قائم بالمشية قيام صدور و لايحتاج في صدوره الي الدعاء فجعل الامام عليه السلام وسيلته الاجابة فانها لاتحتاج في صدورها الي الدعاء الذي يحتمل فيه الموافقة و عدمها و الكمال و عدمه و ذلك كما قال الشاعر :

ايا جود معن ناج معنا بحاجتي فليس الي معن سواك دليل

و في الدعاء اللهم اني اسألك بجودك ان تدنيني من قربك و ان توزعني شكرك و ان تلهمني ذكرك الدعاء ، فهذا التوسل نحو قولك عاملني بما انت اهله فانك اذا اردت ان تعاملني كما انا اهله فلربما اكون اهلا للرحمة و لربما لم‌اكن و لربما يتحقق معي شروط الرحمة و لربما لاتتحقق فعاملني كما انت اهله فان اهليتك لاتنقص عن الرحمة و هيهنا كذلك فسأله باجابته اي باجابة الله لا [ص 163] بدعائه فتدبر فانه لطيف دقيق و لما كان الاجابة من حيث الصدور لا عائق له قال فاجبني يا الله اذ لم‌يبق عائق لدعائي و ان كان المراد بالذي تجيبني به فالمراد منه الاسماء العظيمة التي حتم الله ان يستجيب دعاء من يدعوه بها فان تلك الاسماء لكمالها و استجماعها جاذبة للامداد منزلة للاجابة حتي ان منها ما لايتخلف و لاينصرف الرجل من دعائه الا بالاجابة و ذلك علي اقسام منها اعتقادي و منها حالي و منها مقالي و المقالي انواع منها اسم مؤلف من الحروف من دعا الله به استجيب له و هو علي اقسام شخصي و نوعي و جنسي و مطلق لكل شئ و منها ترتيب ما ينبغي من الاقوال بحيث يكمل بها جهات القابلية فيستجاب و لقد والله رأيت من هذا النوع عجبا اذ كنت مبتلي بحاجة عظيمة منذ سنين الي ان عازّتني و اشتدت علي فدعوت الله سبحانه كما ذكرت فلم‌اقم من مجلسي الا بالاجابة و الحمد لله رب العالمين و اتفق لي ذلك مرات و الحمد لله و منها معرفة المدعو و بابه و سبيله و معرفة الدعاء و الاخلاص و رفع العوائق و اليأس من الناس و امثال ذلك فاذا تحقق احد هذه الاسباب تحقق الاجابة فلاتحسبن الله مخلف وعده رسله فلما ذكر الامام عليه السلام ما ذكر مما علم انه من اسباب الاجابة و كان من الاسم الاعظم ما هو علمه مخصوص بالله و هو الحرف الذي استأثر به في علم الغيب عنده و به سخر جميع ما سواه و اذعن له بالذل و الطاعة او كان الدعاء ربما يقرأه غيره فلايعلم جميع الاسماء العظيمة او لايعرف معاني ما سبق من الاسماء او لايعلم شروط الاجابة قال عليه السلام اللهم اني اسألك بما تجيبني حين اسألك اي بما تعلم انك حتمت علي نفسك في حكمتك و ان لم‌اعلمه انا و ان لم‌اعرفه فاني اسألك بذلك الشئ و بذلك الامر فاجبني اذ ذلك عندك معين و انت تعرفه و حتمت علي نفسك ان تستجيب لمن دعاك به فانا اسألك بذلك الشئ بعينه فاجبني كما ورد في الدعاء يا من سمي نفسه بالاسم الذي يقضي به حاجة من يدعوه اسألك بحق ذلك الاسم فلا شفيع لي اقوي منه الدعاء ، و ذلك مثل ان يكون رجل عزيز علي صاحبك في بيت و انت لاتعرفه الا انك تعلم ان صاحبك حتم علي نفسه [ص 164] الاجابة لمن سأله بحقه فانت اذا عزمت علي صاحبك بحق من في هذا البيت فقد سألته بما اوجب علي نفسه الاجابة لمن سأله به و ان لم‌تعرفه فيحق عليه الاجابة فختم عليه السلام دعاءه بذلك حتي لايفقد هذا الدعاء شرطا من شروط الاجابة و بما ذكرنا عرف عظمة هذا الدعاء و احتواؤه علي الاسم الاعظم في كل فقرة فقرة فلايخيب من دعا به مخلصا ان شاء الله .

و لما بلغ الكلام الي هنا و قد احاط بي الهموم و الغموم من اندراس الدين و انطماس اليقين و طغيان الضالين و لعب الجاهلين بالدين المبين و ازرائهم بحملة الشرع المبين و تواردت علي مع ذلك مسائل من الاطراف و يلزم قضاء حقوق جميع السائلين و كان فيما ذكرنا كفاية و بلاغ رأيت ان اختم الكتاب هنا فكان الفراغ منه عصر يوم السبت التاسع و العشرين من شهر جمادي الاولي من شهور سنة اربع و سبعين بعد المأتين و الالف حامدا مصليا مستغفرا .