قال سلمه الله : لكن ترددت فيه لان المادة النوعية مع صورتها تصدق علي المادة و الصورة الشخصيتين كما يقال زيد انسان هذا و النسبة بين المادة النوعية [ص 19] مع الصورة و المادة الشخصية مع الصورة الاثرية و المؤثرية مع قطع النظر عن تخصص المادة النوعية بتلك الشخصية و لا كذلك الامر بين زيد و المؤمن الوصفي المختص به .
اقول نعم ان النوع يعطي افراده اسمه و حده فزيد انسان و عمرو انسان و بكر انسان و ذلك ان الافراد لا من حيث هي هي تمثلات النوع و وجوداته في الخارج و هو بها متمثل و ظاهر كالاحد في الاعداد فلاجل ذلك يصدق النوع علي كل فرد فرد لا من حيث هي هي و كذلك زيد يصدق علي القاعد و القائم و الآكل و الشارب و زيد نوع بالنسبة اليها و هي افراد شرعية له يعطيها اسمه و حده فالقاعد زيد و القائم زيد و الآكل زيد كما ان زيدا انسان و عمرا انسان و بكرا انسان و اما قوله ان النسبة بين النوع و افراده الاثرية و المؤثرية و لا كذلك الامر بين زيد و المؤمن بلي كذلك الامر في الجواني فان صلّي فعل زيد و الصلوة اثر زيد و المصلي مشتق من الصلوة و هو اسم فاعل الصلوة و هو زيد و كذا آمن ايمانا و المؤمن فالمؤمن اثر زيد و هو الفرد الصوري الشرعي و لاينافي ذلك ما ذكرنا ان الايمان نور ساطع من الشارع فيشرق علي هيكل زيد الكوني فاذا استشرق به يكون مؤمنا فانا ذكرنا ان هذا الاشراق براني و جواني فالاشراق البراني عرضي كاشراق الشمس علي المرايا و ذلك ليس بشئ و يعود النور بعد كسر المرآة عود ممازجة لعدم بقاء تعين و تشخص له و اما الاشراق الجواني فهو نور ينجم و يطلع من جيب الكون كما ان الكتابة نور ينجم من جيب يدك مع انها فعل نفسك و ليست بنور يشرق علي اليد من خارج ذات اليد بل يظهر من غيب اليد علي ظاهرها كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها [ص 20] مثاله فاظهر عنها افعاله ، فالنور المشرق من الشارع علي ظواهر المكلفين هو الدعوة الظاهرة اشرقت علي المؤمن و المنافق و اضاءهما فسمي المنافق بذلك مؤمنا يا ايها الذين آمنوا آمنوا بالله و رسوله و لكن ذلك عرضي علي المؤمن و المنافق و النور المشرق منه علي بواطن المكلفين هو نور جوهري كوني سطع من الشارع فاستجن في امكان اكوانهم ثم لاح من اكوانهم و اضاء من اعيانهم عيانا مصليا و صائما و قائما و قاعدا و امثال ذلك فحين استجن في امكانهم اتحد بهم من شدة الامتزاج و هو المثال الملقي في هويتهم فما دام خموله في الامكان لميكن منشأ اثر و اذ لاح بالاكوان صار مبدأ اثر و اذ اضاء بالاعيان صار منشأ آثار فصدر عنه الفعل حين التعين فصلي صلوة و صار بها مصليا فصلي فعل الشارع صادر منه لكن ظاهر علي يد زيد ، بنعمتي قويت علي معصيتي و بقوتي اديت الي فرايضي و ذلك اني اولي بحسناتك منك و انت اولي بسيئاتك مني ما اصابك من حسنة فمن الله و ما اصابك من سيئة فمن نفسك اشهد انك قد اقمت الصلوة و آتيت الزكوة و امرت بالمعروف و نهيت عن المنكر ، فالصلوة التي علي ظاهر زيد و وجهه هي نور الشارع قد اشرق عليه و لكن من الجو لا البر و حين اذ كان من الجو فزيد هو الفاعل اذ هو وكر فعل الشارع و مشيته فزيد موقع اسم الفاعل للشارع و الشارع مصل بزيد بالجملة زيد هو المصلي و هو المؤثر و النوع و المصلي اثره و الفرد فالمصلي زيد كما ان العرش جسم حرفا بحرف و ليس المراد من الشرع الا الصور الشخصية في كل مقام و حصول الصور الشخصية هكذا في كل مقام و انما نشأ الاشكال من الغفلة عن العمل الجواني و البراني فتفطن .
قال سلمه الله : هذا مع ان كل شئ لا بد له من مادتين و صورتين كما [ص 21] ذكرتم مكررا و الوجود الشرعي شئ و الكوني شئ آخر فلكل مادتان و صورتان غير ما للآخر فكيف تكون المادة الشخصية الكونية مادة نوعية للوجود الشرعي بل الانسان الشرعي مع صورته هو المادة و الصورة النوعيتان للمؤمن و قد ذكرتم مكررا ان المؤمن لباس لزيد و هو في لباسه و اللباس غير المتلبس .
اقول نعم كل شئ بلحاظ تمامه له مادتان و صورتان مادة نوعية مع صورتها و مادة شخصية مع صورتها كما ان السرير له مادة نوعية و هي اهبية الخشب و صورة نوعية هي الصورة الخشبية ثم يؤخذ من المركب منهما او من ظهوره حصة هي المادة الشخصية و تصور بصورة السرير و هي الصورة الشخصية و هما الحلان و العقدان المشار اليهما في الفلسفة الذان لا بد منهما في تمامية الشئ و بعبارة اخري لا بد في الصنعة من احداث المادة اولا ثم تصويرها كما قال من نطفة خلقه فقدره و المادة لاتحدث الا في مادة و صورة نوعيتين ثم يؤخذ منها حصة و هي المادة الشخصية و تصور بصورة شخصية فالوجود الشرعي بلحاظ تماميته له مادة و صورة نوعيتان و هما ركنا النور الصادر من الشارع و شخصيتان و هما حصة من ذلك النور مع صبغ قابلية المكلف و الكوني ايضا له مادة و صورة نوعيتان و هما ركنا الماء النازل من سحاب المشية الكونية و مادة و صورة شخصية و هما حصة من ذلك الماء و صورة حاصلة من تراب قابلية الكائن و اما بلحاظ ان الكون بعض الشئ و الشرع بعضه فالكون له مقام المادة النوعية و الصورة النوعية و الشرع مقام المادة الشخصية و الصورة الشخصية الاتري ان زيدا يمكن ان يكون قائما و قاعدا و آكلا و شاربا فهو نوع بالنسبة الي هذه الافراد ثم حصة من ظهور زيد تتصور بالاكل و حصة بالشرب و حصة بالقيام و حصة بالقعود فالقائم حينئذ [ص 22] شئ له مادتان و صورتان و هذا الشئ هو المحشور المثاب المعاقب اذ الكون يثاب بصورة الشرع و يعاقب و الاعمال صور الثواب و العقاب لا ان الانسان الشرعي وحده يحشر و الكوني لايحشر فزيد الكوني الذاتي يعود و يثاب بصلوته و يعاقب بسرقته فافهم و لاتغلط و اما قولي ان المؤمن لباس لزيد فحق اي صفة المؤمن لباس تلبس به زيد لقوله تعالي هن لباس لكم و لباس التقوي ذلك خير و اللباس غير المتلبس علي ما شرحنا و بينا .
قال سلمه الله : و ان قلتم ان الوجود الكوني يستحيل بالوجود الشرعي في بطنه فلايختلفان في المخبر بل يختلفان في المنظر قلت ففي المنظر لكونهما اثنين لكل مادتان و صورتان غير ما للآخر و اما في المخبر فليس الا المادة النوعية و صورتها الشرعيتين و هو الانسان الشرعي و المادة الشخصية و صورتها الشرعيتين و هو المؤمن و صورته فليس المادة الشخصية الكونية و صورتها بمادة نوعية و صورة نوعية للوجود الشرعي ايضا .
اقول نحن نقول باستحالة الكون في الشرع لا لاجل هذا و في هذا المعني بل بمعني ان الخشب لا سعادة فيها و لا نحوسة و اما اذا صورته بصورة الضريح سعد الخشب و اذا صورته بصورة الصنم خبث الخشب كما ان مادة الكلب ما دامت بصورة الكلب كانت نجسة و اذا استحال ملحا طهرت و كذلك زيد اذا كان كافرا كان نجسا و اذا آمن طهر و صار طاهرا مع ان زيدا كوني و له مادتان و صورتان و المؤمن له مادتان و صورتان و الكافر له مادتان و صورتان و ذلك ان الله خلق اولا زيدا تام الخلقة و كان صالحا لان يعرض عليه الايمان فيقبل او الكفر فيقبل فاذا عرض عليه الايمان و قبل كان الايمان المعروض مادته و صورته النوعيتان من الشارع و تعلق به فقبل و تخصص به و تشخص فزيد تام الخلقة امكان للمؤمن [ص 23] و الكافر يخرجهما المكمل من كمونهما كما يخرج الفاخور صورة الفخار من كمون الطين مع ان صورة الفخار لها مادة نوعية و صورة نوعية هما اثرا فعل الفاخور و اخذ حصة منهما و تشخص بهذا الطين و حصة بطين آخر و حصة بطين آخر و هكذا و الطين خلق تام قبله و معه و بعده و ليس الطين بمادة نوعية و صورة نوعية للفخار الشرعي البتة الا اذا اخذت الصورة الشرعية صورة فتحتاج الصورة الي مادة و مادتها الطين يعني ان الفخار الظاهر مركب من مادة و هي الطين و صورة هي صورة الفخار و ان كان للطين حلاه و عقداه قائما بمؤثره و للصورة الفخارية حلاها و عقداها قائمة بمؤثرها ففي الموجودات الظاهرية الدنياوية اي الجمادية و النباتية و الحيوانية هذه المادة عرضية اي مادة الفخار و هي الطين و مادة النبات و مادة الحيوان فكلها عرضية تعود الي جواهرها عود ممازجة و يبطل تشخص الجماد و النبات و الحيوان فلايستمر بعد تفرق المادة في الزمان اذ كان وقتها الزمان و كانت زمانية و اما الانسان الكوني فاصل وجوده الكوني دهري ثابت لايزول لانه من جواهر علمية و عناصر علمية و ليس بزماني اذ ليس بجماد و لا نبات و لا حيوان و ليست هذه من اجزاء وجوده و لا من مراتبه و انما هو الجوهر الحي الدراك العليم و عرصته الدهر فلما خلقه الله في الدهر في حده و مقامه اشرق عليه نور الشارع الحق و وقع عليه ظل الشيطان و هو ممكن يمكن ان يطاوع الرحمن و يمكن ان يطاوع الشيطان و كلاهما اشرق عليه اشراقا جوانيا فاشرق عليه الرحمن من جهة وجوده و اشرق عليه الشيطان من جهة ماهيته و كل اشراق مركب من مادة و صورة نوعيتين من حيث الصدور و تشخص حصة منهما في وجود هذا الانسان او ماهيته فظهر بصورة ذلك الاشراق فتلك الصورة هي شخصية زيد الكوني بعينه فان صورته الشخصية اما علي طبق اشراق الرحمن [ص 24] او الشيطان و ليس هنا صورة كونية غير الصورة الشرعية الا بنظر الاطلاق و التقييد مثلا تأخذ الحب مطلقا كونيا و حب الاولياء صورة ايمان و حب الاعداء صورة كفر و هذان تمثلا الحب الاطلاقي و لا تحقق لحب مطلق بدون متعلق يخصصه و يقيده فلا صورة كونية للانسان الا مقيدة بالشرع فصورة الانسان هي الصورة الشرعية و مادته اذاً هي المادة الشرعية لان العمل جواني لا براني و ان الشارع الحق اشرق عليه بوجوده و الشيطان اظل عليه بماهيته و انما الفرق بالاطلاق و التقييد الاتري ذلك في المؤثرين ايضا و ذلك ان الجسم المطلق هو المؤثر الكوني و العرش هو الشارع و العرش هو تمثل الجسم و لا تحقق للجسم في الخارج الا في صورة العرش فاذا نظرت الي العرش من حيث الاطلاق هو جسم و مؤثر كوني و اذا نظرت الي العرش من حيث التقييد هو عرش و مؤثر شرعي فالعرش هو وكر الجسم و محله و لا تمثل للجسم و لا وجود الا بالعرش فكذلك اثر العرش اذا نظرت اليه بنظر الاطلاق فهو اثر حيث اطلاقه و اذا نظرت اليه من حيث التقييد فهو اثر حيث تقييده فاثر العرش له هذان المقامان و لكن المتمثل في الخارج واحد فاذا نظرت اليه بنظر الاطلاق فهو اثر اطلاق العرش و له حلاه و عقداه كونية و ان نظرت اليه بنظر التقييد فهو تقييد العرش و له حلاه و عقداه شرعية و امثل لك حتي تبصره ان نور السراج اثر السراج الشخصي الموضوع علي الطاق المعين و لكن لهذا السراج حيث اطلاق تبصر فيه السراج المطلق و حيث تقييد و تشخص و هو ما تراه موضوعا علي الطاق و كذلك لنوره فان نظرت اليه من حيث الاطلاق تري نورا اطلاقيا و هو محقق في حلين و عقدين و لميصل اليه هذا الفيض الا بهذا السراج الشخصي و ان نظرت اليه من حيث التقييد رأيت نورا مقيدا بهيئة هذا السراج المقيد علي شكله و له حلاه و عقداه [ص 25] و هذان الحلان و العقدان شرعيان فان اخذتهما تمام خلق الصورة فهي صورة و له مادة و هي ذلك النور بالنظر الكوني فذلك الكون مصور بهذه الصورة فهذا هو العمل الجواني و كذلك خلقة الانسان بخلاف ما يشرق علي المرآة من الشمس فانه براني و كذلك ما يشرق من ظل الحيوان علي النبات الخارجي فانه براني و ما يشرق من ظل الانسان علي الحيوان الخارجي فانه براني و من لميفرق بين البراني و الجواني يتحير اذ يقيس الجواني بالبراني فالانسان المحشور هو الانسان الكوني المصور بالصورة الشرعية و يثاب بها او يعاقب فان الاعمال صور الثواب و العقاب و الكون مادة ظاهرية للشرع فتدبر بالدقة تجده واضحا .
قال ايده الله : فبينوا لي حقيقة الامر حتي اكون من الفايزين بالمطلب ، الي ان قال ايده الله و سدده : و ذكرتم ايضا ان المخرج للصورة الشرعية من الكون هو رب تلك الصورة و هو الشارع صلوات الله و سلامه عليه و تلك الصورة من حيث انتسابها الي ذلك رب و من حيث نفسه جهة نفس و ليس لجهة الرب في الكون معني و نحن نري الامر كذلك في الكون لان المخرج للصورة الكونية من المادة هو رب كوني فالصورة الكونية من حيث انتسابها الي ذلك الرب جهة رب و من حيث نفسها جهة نفس غاية الامر ان هذه الجهة الي الرب كونية و تلك شرعية هذا و لا شك ان الانسان ممتثل للشارع بمقتضي جهة ربه و جهة الرب علي ما ذكرتم تلك الصورة الامتثالية و هي ما كانت قبل امتثاله الاول فما كان له جهة رب فكيف امتثل اللهم الا ان يكون الممتثل نفس تلك الصورة من حيث هي هي و تكون من حيث انتسابها الي الشارع جهة الرب فهي ممتثلة بلحاظ و جهة رب بلحاظ فتفضلوا علي ببيان ذلك كله علي نحو التفصيل و الله يمدنا بمددكم و يطيل لنا في مددكم و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .
[ص 26] اقول هذا آخر كلامه وفقه الله ، اعلم ان معني جهة الرب و معرفتها عسيرة جدا و اكثر المزاولين يلوكونه بين لهواتهم و فكوكهم و لايعرفونه مطلقا و نحن ايضا نقتصر فيه كثيرا علي ظاهر اللفظ و في الحقيقة ماحان بعد وقت الافصاح به كل الافصاح و ان شاء الله نذكر هنا من عرصة التأويل شيئا لعدم تحمل الزمان ازيد منه
اعلم ان الله سبحانه احد و لا شئ سواه حيث هو فهناك رب اذ لا مربوب علي معني الامتناع الوجودي و الوجداني و تجلي جل شأنه كما ذكرنا بالكينونة الاحدية الوصفية فهي اذ هي لا شئ سواها علي معني النفي الكوني و الامتناع الوجداني ثم تجلي بتلك الكينونة بالوجود المطلق الذي مكانه الامكان المطلق و وقته السرمد و هو الرب اذ لا مربوب علي معني النفي الوجودي و الوجداني و هو مقام الواحدية و في هذه المقامات لايعقل جهة رب و جهة نفس ثم خلق الله جل جلاله بمشيته العقل الكلي و هو اول شجرة نبتت في الجنان الصاقورة و اول مثني بالفعل خلقه الله من المقيدات ثم امره بالادبار فادبر و تحقق من ادباره الروح ثم النفس ثم الطبع ثم المادة ثم المثال ثم الجسم ثم العرش ثم الكرسي ثم الافلاك ثم العناصر علي ترتيبها و التراب غاية ادبار العقل و غاية نقصان حيوته و شعوره و قدرته و كماله و وحدته ثم امره بالاقبال فصعد جمادا ثم معدنا ثم نباتا ثم حيوانا ثم انسانا ثم نبيا ثم جامعا و المراتب النزولية هي حروف الكلمة و المراتب الصعودية هي الكلمات الحاصلة بعد حصول الحروف و لا كلمة تامة غير الجامع و هي المشار اليها بقوله اعوذ بكلمات الله التامات التي لايجاوزهن بر و لا فاجر ، اي لايقدر بر و لا فاجر ان يمتنع عن الانزجار لها و عن طاعتها و ما سويها كلها كلمات ناقصة لمتستوف جميع الحروف الكونية و انقص من تلك الكلمات نفس الحروف فانها لايحكي كل واحد منها [ص 27] الا جهة واحدة من جهات الكلمة التامة و الوجود المقيد بجميع حروفه تمثل الوجود المطلق و الوجود المطلق تمثل الكينونة اي ظهورها فجميع الذرات الوجودية شيئا علي شئ تمام ظهور الكينونة و كل ذرة ظهور شأن من شؤنها و جهة من جهاتها و كل ذرة ظهور بالفعل فيما هو عليه و تجلي العالي به و ليس يحكي منه غير ما هو عليه بالفعل فكل ذرة فاقد شيئا يجده غيره و واجد شيئا يفقده غيره و الكلمة الجامعة هي المستكملة جميع الحروف الكونية فهي مجمع جميع ظهورات الرب و تمثلاته و وجوداته لميتجل في غيرها كذلك ابدا و اما الكلمات الناقصة فهي واجدة بعض الحروف و فاقدة بعض فليس يحكي واحدة منها جميع شؤن الرب و وجوداته و مرادي بالوجودات الظهورات علي اصطلاح سادتي سلام الله عليهم فاذا جميع الكلمات الناقصة حروف بالنسبة الي الكلمة التامة و ان كانت كلمات من حيث حروفها و الحروف كائنة ما كانت نواقص بالنسبة الي الكلمات و لاتسمي بالحروف الا من حيث الطرفية للكلمة و الجزئية و النقصان و لاتسمي الكلمة كلمة الا من حيث الجامعية للحروف فيطلق الحرف علي الشئ عند ملاحظة الجزئية و التبعية للكلمة و النقصان عن درجة الكلمة و يطلق الكلمة علي الشئ عند ملاحظة الجامعية و حيازة الحروف الاتري ان السورة يري فيها الجزئية بالنسبة الي الكتاب و الجامعية بالنسبة الي الآي و كذلك الآي اجزاء السورة و لكن لكل آية جامعية بالنسبة الي الكلمات و الكلمة جزء للآية و لكن جامعة للحروف و كذلك كل حرف جزء بالنسبة الي الكلمة و له جامعية بالنسبة الي مادته و صورته و كمه و كيفه و جهته و رتبته و هكذا فكل شئ لوحظ بالنسبة الي ما دونه كلمة و بالنسبة الي الاعلي حرف و جزء و اذا لوحظ في شئ الكلية و الجامعية ليس انه يساوي كل كلمة في الدنيا و يحصل فيه ما يحصل [ص 28] في كل كلمة بل لكل منها مقام معلوم و حد معين
و هنا شئ يحسن الاشارة اليه و هو ان عند قاصري الانظار ان الخل و العسل مقدمان علي السكنجبين و هو يحصل بعدهما و عند اهل التدقيق السكنجبين مقدم وجودا علي الخل و العسل مؤخر عنهما ظهورا اذ الوحدة مقدمة علي الكثرة فالسكنجبين هو اقرب الي الامر الواحد الاعلي من الخل و العسل البتة و احكي له و هما حاكيان جهتي ما فيه و تفصيلا وحدته و تنزلاه حقيقة فالخل ظهور ما في السكنجبين من الحموضة و العسل ظهور ما فيه من الحلاوة فهما تابعان في الوجود له و ليس هو بتابع لهما الا في الظهور فاذا الحروف تابعة للكلمة و حاكية جهاتها و هي ناقصة و ابعد من المبدء و الكلمة تامة اقرب الي المبدء و اكمل و اعلي و ان كانت ظهورا تحصل بتألف الحروف و بعدها و ما قيل ان المركب متأخر عن اجزائه ليس علي اطلاقه بل هو مقدم وجودا و مؤخر ظهورا يعني ان الاجزاء اذا تألفت في الزمان و اتصلت و حصل جسم واحد مؤلف منها صار هذا الجسم الحاصل مرآة وحدانية متوجهة الي جهة واحدة بالنسبة فيشرق عليها من المبدء نور واحد هو الوجود المقدم الذي هو اقرب الي المبدء و المرآة هي الظهور المؤخر عن الاجزاء فالسكنجبين له روح و جسد روحه النور الوحداني المشرق علي جسده من تحت حجاب الواحدية و جسده هو الحاصل في الزمان من الاجزاء و بعدها زمانا و ان كان هو ايضا اعلي فان الزمان صاعد و الاثنان كائنا ما كان ابعد عن المبدء من الواحد كائنا ما كان فالخل و العسل مرآتان يتوجه كل واحدة منها الي جهة غير جهة الاخري و يقع في كل واحدة نور مبدء مغاير للمبدء الآخر و المركب الوحداني بالنسبة متوجه الي جهة واحدة و مبدء واحد و يشرق عليه نور ذلك المبدء الواحد الذي هو مهيمن علي ذينك المبدئين فافهم ، فالكلمة التامة اقرب الي المبدء من [ص 29] جميع ما في الوجود ثم الاجمع فالاجمع .
بقي شئ و هو ان في عرصة الظهور الحروف مادة للكلمة لانها مؤلفة منها و الكلمة صورة فعلية استخرجت من تلك الحروف و البست عليها و كلمية الكلمة بتلك الصورة و لولاها لكانت حروفا و اهبية لا كلمة و الحروف هي الوجود الكوني خلقها الله في حلين و في عقدين و كانت اهبية لا معني لها غير نفسها كما قال الرضا عليه السلام ثم اخذ الله منها حروفا صالحة لخروج صور كلمات من كمونها كصورة ابجد و باجد و جابد و دابج و دجبا و بجدا و جبدا و هكذا من حروف ا ب ج د فاخرج منها مثلا صورة ابجد فهذه الصورة هو صورة شرعية اما سعيدة نحو علي و اما منحوسة نحو عمر و ما من كلمة الا و هي اما من كلمات عليين و حق او من كلمات سجين و باطل فصورة الكلمات عرصة السعادة و النحوسة و عرصة الشريعة و اما عرصة الحروف فلا سعادة فيها و لا نحوسة و جميع الحروف مبراة عن هذه السعادة و النحوسة من حيث انها حروف للكلمات فانهما من خواص الصورة الكلمية العارضة عليها و جهة الرب في كل مقام جهة السعادة و الخير و النور و جهة النفس هي جهة الشقاوة و الشر و الظلمة فكلمة علي سعيدة و جهة الرب عليها غالبة و كلمة عمر شقية و جهة النفس عليها غالبة و جهة السعادة هي الوجود لا بمعني المادة و جهة الشقاوة هي الماهية لا بمعني الصورة و ان كان الوجود يطلق في الخلق النوعي علي المادة ايضا و الماهية علي الصورة و لكن في الخلق الشخصي الكلمي فالوجود هو جهة السعادة و الماهية هي جهة الرب و ليس جهة السعادة مادة الكلمة و لا جهة الشقاوة صورة الكلمة بل اذا توجه الحروف الي عليين و انقادت للشارع الحق العلييني انطبع علي مرآتها نوره الحق و ظهر عليها صورة حق وحدانية سعيدة و لها الحلان و العقدان و ان توجهت الي سجين و انقادت [ص 30] للشارع الباطل السجيني انطبع علي مرآتها ظل الباطل و ظهر علي مرآتها صورة باطلة شقية لها الحلان و العقدان كما عرفت و لكن لايلحظ الحل و العقد في النظر الشرعي فعلي اي حال جهة الرب اعتبار شرعي غير المادة و اما الموجود الكوني الذي هو اثر المشية الكونية فمادته من مادة المشية و صورته من صورة المشية و خلقه الله لا من شئ و لا علي شئ و ليس مادته اولي بالله من صورته اذ الاولوية في الشرع لانها فرع المناسبة و المناسبة بين شيئين متصاقعين فليس المادة اولي بمن خلقها لا من شئ من الصورة بمن خلقها لا علي احتذاء شئ فيدل عليه الصورة كما يدل عليه المادة بلا تفاوت و ان قلت ان المادة جهة الوحدة و الصورة جهة الكثرة قلت ان الرب جل و علا بريء من هذه الوحدة و الكثرة لايجري عليه ما هو اجراه و لايعود فيه ما هو ابداه و الكثرة تدل عليه كما يدل الوحدة عليه و لايحجبه الكثرة كما لايحجبه الوحدة فان نسبتهما الي الرب فنسبتهما واحدة و هي عدم النسبة و ان نسبت الكثرة الي الوحدة فهي نسبة شرعية و امثل لك مثالا واضحا ان الارض جسم كما ان السماء جسم و ليس اسم الجسم باشد صدقا علي السماء من الارض و ليس السماء اولي به من الارض و ليس الارض احجب له من السماء ابدا سجد له سواد الليل و بياض النهار و لله يسجد ما في السموات و ما في الارض و ان من شئ الا يسبح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم و ان نسبت الارض الي السماء فهي نسبة شرعية فالارض كثيفة متكثرة و السماء لطيفة متوحدة و السماء عليون و الارض سجين و صور تقتضيها السماء صور عليين و صور تقتضيها الارض صور سجين و كذلك الامر في الشرع الوجودي و الوجود الشرعي ففي الشرع الوجودي لا كافر و كلها مؤمن فكلها جهة رب و في الوجود الشرعي مؤمن و كافر فالمؤمن جهة الرب و الكافر جهة النفس فليس في [ص 31] الاكوان المادة جهة الرب و الصورة جهة النفس فلو كان كذلك لكان المادة من خلق الله و الصورة لمتكن بخلق الله و بمشية الله و لاتؤل الي الله بل كانت قائمة بنفسها الاتري ان المؤمن من نور الشارع و الكافر ليس منه و لا اليه من اتبعني فانه مني و من يتولهم منكم فانه منهم و الحال ان في الكون المادة و الصورة كلتيهما بمشية الله و ارادته و قدره و قضائه و اذنه و اجله و كتابه فتبين ان لكل شئ خلقين خلق كوني و هو الخلق النوعي و فيه خلق زيد زيد صالح للسعادة و الشقاوة و الوجود في هذا الخلق بمعني المادة و الماهية في هذا الخلق بمعني الصورة و هو المعني الاولي لهما و خلق شخصي و فيه يكون زيد مؤمنا او كافرا سعيدا او شقيا و الوجود في هذا الخلق بمعني جهة الرب و الايمان و السعادة و الماهية في هذا الخلق بمعني جهة النفس و الكفر و الشقاوة و ان كان صورة الايمان و الكفر جوانيتين كما ذكرنا و الشارع الحق يظهر الايمان من جهة المادة فانها جهة الوحدة و الشارع الباطل يظهر الكفر من جهة الصورة فانها جهة الكثرة علي ما شرحنا و ذكرنا آنفا ان الارض بالنسبة الي السماء سجين و السماء بالنسبة الي الارض عليين ، و لو راجعت رسالتي هذه بتفكر علمت اني اودعت فيه لك مطالب جليلة و الله خليفتي عليك و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .
قد فرغ من تصنيفه مصنفه و من تسويده كاتبه كريم بن ابرهيم في يوم التاسععشر من محرم الحرام من سنة ثمان و سبعين بعد المأتين و الالف من الهجرة المقدسة حامدا مصليا مستغفرا . تمت .