الباطن الخطاب في قوله تعالي يا ايها الذين آمنوا راجع الي رؤساء المنافقين الذين اظهروا الايمان و ابطنوا الكفر فدخلوا بذلك الدرك الاسفل من النار فان الكافر الذي ظاهره و باطنه سواء فاولا صدق في ما اظهر من اعتقاده و ثانيا باظهاره لكفره و سوء ضميره عرفه الناس و لم‌ينخدعوا بخدعه و لكن المنافق و لاسيما العليم اللسان اعاذنا الله من شره ضل و اضل كثيرا و اهلك الناس بخدعه و حسن ظاهره كما لايخفي و لسنا بصدد التفصيل و الخطاب الي هؤلاء المنافقين فنهاهم الله بقوله لاتلهكم اموالكم اي ما اجتمعت في بيت مال المسلمين بعد ايام النبي [ص 124] صلي الله عليه و آله و اضيف اليهم لما غصبوها و تصرفوا فيها و الا فهي حقيقة ليست لهم و اولادكم اي اتباعكم الذين بمتابعتهم لكم صاروا منكم و جزءا لكم كما قال من تبعني فانه مني فلاتشتغلوا بهم و لاتغتروا برياستكم عليهم و لاتنسوا ذكر الله يعني اميرالمؤمنين عليه السلام و رسول الله صلي الله عليه و آله كما قال و ما هو الا ذكر للعالمين و قال ذكرا رسولا ، و عن سدير الصيرفي قال سمعت صامتا بياع الهروي و قد سأل اباجعفر عليه السلام عن المرجئة فقال صل معهم و اشهد جنائزهم و عد مرضاهم و اذا ماتوا فلاتستغفر لهم فانا اذا ذكرنا عندهم اشمأزت قلوبهم و اذا ذكر الذين من دوننا اذا هم يستبشرون يعني بذلك عليه السلام تأويل قوله تعالي و اذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لايؤمنون بالآخرة و اذا ذكر الذين من دونه اذا هم يستبشرون ، و قال ابوجعفر عليه السلام في حديث في قوله تعالي و لذكر الله اكبر و نحن ذكر الله و نحن اكبر ، اقول و لك ان تجري الآية في كل زمان في من يتولي ما تولوا و تفسر ذكر الله ايضا بشيعة آل‌محمد عليهم السلام فانهم ايضا آيات الله و ذكره و يصرح بذلك الخبر الاول في قوله و اذا ذكر الله وحده لو دققت النظر فيه فتدبر .

قال الله تعالي : و انفقوا مما رزقناكم من قبل ان يأتي احدكم الموت فيقول رب لولااخرتني الي اجل قريب فاصدق و اكن من الصالحين و لن‌يؤخر الله نفسا اذا جاء اجلها و الله خبير بما تعملون .

القراءة في مجمع البيان قرأ ابوعمرو و اكون بالنصب و الباقون و اكن [ص 125] بالجزم و قرأ حماد و يحيي بما يعملون بالياء و الباقون بالتاء و قال الرازي و قرئ فاكون و هو علي لفظ فاصدق و اكون قال المبرد و اكون علي ما قبله لان قوله فاصدق جواب للاستفهام الذي فيه التمني و الجزم علي موضع الفاء و قرئ ابي فاتصدق علي الاصل و اكن عطفا علي موضع فاصدق و انشد سيبويه ابياتا كثيرة في الحمل علي الموضع منها : فلسنا بالجبال و لا الحديدا ، فنصب الحديد عطفا علي المحل و الباء في قوله بالجبال للتأكيد لا لمعني مستقل يجوز حذفه و عكسه .

اللغة في المعيار نفقت الدراهم نفقا كنصر و نفقا كفرح فرحا نفدت و فنيت و انفقها صاحبها انفاقا كاستنفقها علي استفعل فهو منفق كمحسن ج بالواو و النون و الاسم النفقة ج نفاق كرقبة و رقاب و رقبات كقصبة و قصبات و كذلك الزاد يقال نفقت نفاقهم اي فنيت نفقاتهم و الاجل غاية الوقت في الموت و حلول الدين و مدة الشئ و وقته الذي يحل فيه ج آجال و صلح الشئ صلوحا كقعد و صلاحا كسحاب و حكي ككرم و كنفع لغة ثالثة نقيض فسد الي ان قال و فلان اتي بالصلاح كسحاب و هو الخير و الصواب ، اقول و لغات الآيتين منها قد مرت في تلو السورتين و منها واضحة .

الظاهر قال الطبرسي (ره) في مجمع البيان و انفقوا مما رزقناكم في سبيل الله البر فيدخل فيه الزكوات و ساير الحقوق الواجبة من قبل ان يأتي احدكم الموت اي اسباب الموت فيقول رب لولااخرتني الي اجل قريب اي هلااخرتني و ذلك اذا عاين علامات الآخرة فيسأل الرجعة الي الدنيا ليتدارك الفائت قالوا و ليس في الزجر عن التفريط في حقوق الله آية [ص 126] اعظم من هذه و قوله الي اجل قريب اي مثل ما اجلت لي في دار الدنيا فاصدق اي فاتصدق و ازكي مالي و انفقه في سبيل الله و اكن من الصالحين اي من الذين يعملون الاعمال الصالحة و قيل من الصالحين اي من المؤمنين و الآية في المنافقين عن مقاتل و قيل في المطيعين لله و الآية في المؤمنين عن ابن‌عباس قال ما من احد يموت و كان له مال فلم‌يؤد زكوته و اطاق الحج فلم‌يحج الا سأل الرجعة عند الموت قالوا يا بن‌عباس اتق الله فانما يري هذا الكافر يسأل الرجعة فقال انا اقرأ عليكم قرآنا ثم قرأ هذه الآية الي قوله من الصالحين قال الصلاح هنا الحج و روي ذلك عن ابي‌عبدالله عليه السلام و لن‌يؤخر الله نفسا اذا جاء اجلها يعني الاجل المطلق الذي حكم بان الحي يموت عنده و الاجل المقيد هو الاجل المحكوم بان العبد يموت عنده ان لم‌يقتطع دونه او لم‌يزد عليه او لم‌ينقص منه علي ما يعلمه الله من المصلحة و الله خبير بما تعملون اي عليم باعمالكم يجازيكم بها .

النظم وجه اتصال هذه الآية الاخيرة بما قبلها ان معناها انه سبحانه لو علم انكم تتوبون لجعل في آجالكم تأخيرا الي وقت آخر و لكنه علم انكم لاتتوبون و قال الرازي في قوله تعالي و الله خبير بما تعملون اي لو رد الي الدنيا مازكي و لاحج و يكون هذا كقوله و لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه و المفسرون علي ان هذا خطاب جامع لكل عمل خيرا او شرا ، اقول المعني علي ما ذكروا قريب و لا حاجة الي تفسير زايد و لكن في باب الاجل روي القمي (ره) باسناده عن ابي‌بصير عن ابي‌جعفر عليه السلام في قول [ص 127] الله و لن‌يؤخر الله نفسا اذا جاء اجلها قال ان عند الله كتبا موقوفة يقدم منها ما يشاء و يؤخر فاذا كان ليلة القدر انزل الله فيها كل شئ يكون الي ليلة مثلها فلذلك قوله و لن‌يؤخر الله نفسا اذا جاء اجلها اذا انزله و كتبه كتاب السموات و هو الذي لايؤخره و في الكتاب المبين عن الصادق عليه السلام في قوله تعالي ثم قضي اجلا و اجل مسمي عنده قال الاجل الذي غير مسمي موقوف يقدم منه ما يشاء و يؤخر منه ما يشاء و اما الاجل المسمي فهو الذي ينزل مما يريد ان يكون من ليلة القدر الي مثلها من قابل فذلك قول الله اذا جاء اجلهم لايستأخرون ساعة و لايستقدمون و الآخر له فيه المشية ان شاء قدمه و ان شاء اخره ، اقول لتحقيق ذلك بيان طويل الذيل و لسنا بصدد التفصيل هنا و مجمل الكلام ان الله سبحانه علم المعلومات بعلمه الذي هو ذاته اذ لا شئ غيره ثم تجلي بعلمه لمشيته بها و امكن المعلومات فيها و جعلها قوة صالحة للتجلي بها في عرصات الامكان و الاكوان و الاعيان ثم تجلي بمشيته الي ارادته ثم الي القدر ثم الي القضاء و في جميع تلك المراتب و ان كان تعين كل دان اكثر من عاليه و لكن مع ذلك كلها مراتب الصلوح و الامكان و يجري فيها المحو و الاثبات حتي ينزل القدر في ليلته التي هي مقام القابلية فيتعين و يتشخص و يوجد و يمضي و يخرج من حد المحو و الاثبات في اصل وجوده الا ان يجري المحو في مدة بقائه التي لم‌تمض بعد فالآجال نوعا مذكورة في الكتب الموقوفة التي هي عبارة عن مراتب الفعل و تقبل هنا المحو و الاثبات و التقديم و [ص 128] التأخير و لكن اذا نزل القدر الي القابلية امضي هنا و لايستأخر ساعة و لايستقدم قال الرضا عليه السلام في حديث و رويت عن العالم عليه السلام انه قال القدر و العمل بمنزلة الروح و الجسد فالروح بغير الجسد لايتحرك و لايري و الجسد بغير الروح صورة لا حراك له فاذا اجتمعا قويا و صلحا و حسنا و ملحا كذلك القدر و العمل فلو لم‌يكن القدر واقعا علي العمل لم‌يعرف الخالق من المخلوق و لو لم‌يكن العمل بموافقة من القدر لم‌يمض و لم‌يتم و لكن باجتماعهما قويا و صلحا و لله فيه العون لعباده الصالحين ، اقول يجري الخبر في جميع المقامات و لايختص بالاعمال فاذا حصل قابلية الموت يموت الانسان بقدر الله تبارك و تعالي و ازيدك خبرا آخر يشرح غوامض هذا العلم و لا حول و لا قوة الا بالله سئل العالم عليه السلام كيف علم الله قال علم و شاء و اراد و قدر و قضي و امضي فامضي ما قضي و قضي ما قدر و قدر ما اراد فبعلمه كانت المشية و بمشيته كانت الارادة و بارادته كان التقدير و بتقديره كان القضاء و بقضائه كان الامضاء فالعلم مقدم المشية و المشية ثانية و الارادة ثالثة و التقدير واقع علي القضاء بالامضاء فلله تبارك و تعالي البداء فيما علم متي شاء و فيما اراد لتقدير الاشياء فاذا وقع القضاء بالامضاء فلا بداء فالعلم في المعلوم قبل كونه و المشية في المنشأ قبل عينه و الارادة في المراد قبل قيامه و التقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها و توصيلها عيانا و قياما و القضاء بالامضاء هو المبرم من المفعولات ذوات الاجسام المدركات من ذي لون و ريح و [ص 129] وزن و كيل و ما دب و درج من انس و جن و طير و سباع و غير ذلك مما يدرك بالحواس فلله تبارك و تعالي فيه البداء مما لا عين له فاذا وقع العين المفهوم المدرك فلا بداء و الله يفعل ما يشاء و بالعلم علم الاشياء قبل كونها و بالمشية عرف صفاتها و حدودها و انشاءها قبل اظهارها و بالارادة ميز انفسها في الوانها و صفاتها و حدودها و بالتقدير قدر اقواتها و عرف اولها و آخرها و بالقضاء ابان للناس اماكنها و دلهم عليها و بالامضاء شرح عللها و ابان امرها ذلك تقدير العزيز العليم ، اقول شرح عليه السلام و روحي فداه تلك الكتب الموقوفة التي يقدم فيها ما يشاء و يؤخر ما يشاء و الاجل المسمي الذي نزل في ليلة القدر و لايستقدم و لايستأخر فتلك الكتب مقامات الفعل و هذا الاجل الذي كتبه كتاب السموات و الارض و هو الممضي المبرم من الآجال فتدبر .

التأويل اعلم ان الرزق كما عرفت سابقا مكررا تأويله العلم كما يشهد به صريح الاخبار لانه الرزق النفساني الذي خلقه الله تعالي من مادة النفس الانسانية التي هي ارض العلم كما قال تعالي باوضح بيان كلا انا خلقناهم مما يعلمون فالنفوس الانسانية مخلوقة من ارض العلم و رزق كل صنف من الخلق انما هو من جنس مادتهم و انفاق العلم تعليمه و نشره و بثه قال اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث في تفضيل العلم علي المال و اعلموا ان كثير المال مفسدة للدين مقساة للقلوب و ان كثرة العلم و العمل به مصلحة للدين سبب الي الجنة و النفقات تنقص المال و العلم يزكو علي انفاقه و انفاقه بثه علي حفظته و رواته ، اقول و لا شك [ص 130] في وجوب انفاقه و قد قال رسول الله صلي الله عليه و آله من كتم علما نافعا الجمه الله يوم القيمة بلجام من النار و عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال قرأت في كتاب علي عليه السلام ان الله لم‌يأخذ علي الجهال عهدا بطلب العلم حتي اخذ علي العلماء عهدا ببذل العلم للجهال فان العلم كان قبل الجهل انتهي ، و اعلم ان الموت يأول بالجهل و الكفر و امثالهما قال اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث في فضل العلم يرفع الله به اقواما يجعلهم في الخير ائمة يقتدي بهم ترمق اعمالهم و تقتبس آثارهم و ترغب الملئكة في خلتهم يمسحونهم باجنحتهم في صلوتهم لان العلم حيوة القلوب و نور الابصار من العمي و قوة الابدان من الضعف ، اقول فاذا كان العلم حيوة القلوب و نور الابصار و قوة الابدان كان الجهل خلاف ذلك في جميع الصفات و كتم العلم و عدم انفاقه يوجب سلب العلم و الابتلاء بالجهل و قد قال اميرالمؤمنين عليه السلام من كتم علما فكأنه جاهل و عن زين‌العابدين عليه السلام قال و اما حق رعيتك بالعلم فان تعلم ان الله عز و جل انما جعلك قيما لهم فيما آتاك من العلم و فتح لك من خزائنه فان احسنت في تعليم الناس و لم‌تخرق بهم و لم‌تضجر عليهم زادك الله من فضله و ان انت منعت الناس علمك و خرقت بهم عند طلبهم العلم كان حقا علي الله عز و جل ان يسلبك العلم و بهاءه و يسقط من القلوب محلك ، اقول فكتمان العلم في غير محله يورث الجهل و بديهي ان ترك مذاكرة العلم و بثه و نشره يوجب نسيان العلم و اذا نسي صار كأنه جاهل و قد [ص 131] ارشده تعالي و هداه بقوله و انفقوا مما رزقناكم اي علموا مما علمناكم من قبل ان يسلب عنكم العلم و بهاؤه و يسقط من القلوب محلكم فتتمنوا من الله و تسألوه لولااخرتنا و لم‌تسلب عنا علمنا الذي به حيوتنا الي اجل قريب فنصدق اي ننشر العلم و نبثه كما قال رسول الله صلي الله عليه و آله ماتصدق الناس بصدقة مثل علم ينشر و قال صلي الله عليه و آله افضل الصدقة ان يعلم المرأ علما ثم يعلمه اخاه و قال صلي الله عليه و آله مااهدي المرأ المسلم الي اخيه هدية افضل من كلمة حكمة يزيده الله بها هدي و يرده عن ردي و قال اميرالمؤمنين عليه السلام شكر العالم علي علمه ان يبذله لمن يستحقه و عن ابي‌جعفر عليه السلام قال زكوة العلم ان تعلمه عباد الله ، و اما كونه بذلك من الصالحين فما اكثر في الاخبار مما يدل علي فضل نشر العلم و بثه و كثيرا ما يستعمل الصلاح في مثل تلك الفضائل و المثوبات فعن ابي‌عبدالله عليه السلام قال فيما اوصي به رسول الله صلي الله عليه و آله عليا عليه السلام يا علي ثلث من حقايق الايمان الانفاق من الاقتار و انصاف الناس من نفسك و بذل العلم للمتعلم و عنه عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله يجيئ الرجل يوم القيمة و له من الحسنات كالسحاب الركام او كالجبال الرواسي فيقول يا رب اني لي هذا و لم‌اعملها فيقول هذا علمك الذي علمته الناس يعمل به من بعدك و حضرت امرأة عند الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام فقالت ان لي والدة ضعيفة و قد لبس عليها في امر صلوتها شئ و قد [ص 132] بعثتني اليك اسألك فاجابتها فاطمة عليها السلام عن ذلك فثنيت فاجابت ثم ثلثت الي ان عشرت فاجابت ثم خجلت من الكثرة فقالت لااشق عليك يا ابنة رسول الله قالت فاطمة هاتي و سلي عما بدا لك ارأيت من اكتري يوما يصعد الي سطح بحمل ثقيل و كراه مأة‌الف دينار يثقل عليه فقالت لا فقالت اكتريت انا لكل مسألة باكثر من ملأ ما بين الثري الي العرش لؤلؤا فاحري ان لايثقل علي سمعت ابي صلي الله عليه و آله يقول ان علماء شيعتنا يحشرون فيخلع عليهم من خلع الكرامات علي قدر كثرة علومهم و جدهم في ارشاد عباد الله حتي يخلع علي الواحد منهم الف الف حلة من نور ثم ينادي منادي ربنا عز و جل ايها الكافلون لايتام آل‌محمد عليهم السلام الناعشون لهم عند انقطاعهم عن آبائهم الذين هم ائمتهم هؤلاء تلامذتكم و الايتام الذين كفلتموهم و نعشتموهم فاخلعوا عليهم خلع العلوم في الدنيا فيخلعون علي كل واحد من اولئك الايتام علي قدر ما اخذوا عنهم من العلوم حتي ان فيهم يعني في الايتام لمن يخلع عليه مأة‌الف خلعة و كذلك يخلع هؤلاء الايتام علي من تعلم منهم ثم ان الله تعالي يقول اعيدوا علي هؤلاء العلماء الكافلين للايتام حتي تتموا لهم خلعهم فتضعفوها لهم فيتم لهم ما كان لهم قبل ان يخلعوا عليهم و يضاعف لهم و كذلك من يليهم فقالت فاطمة عليها السلام يا امة الله ان سلكة من تلك الخلع لافضل مما طلعت عليه الشمس الف الف مرة و ما فضل فانه مشوب بالتنغيص و الكدر ، اقول فكون العالم بذلك من الصالحين مما [ص 133] لا شك فيه و الاخبار في فضلهم اكثر من ان تحصي و لن‌يؤخر الله نفسا اذا جاء اجلها و الله خبير بما تعملون فانه اذا اختار الجهل و نسي ما علمه لايذكره الله بسوء اختياره كما قال و يقبضون ايديهم نسوا الله فنسيهم و لعله يأول قبض الايدي بعدم انفاق العلم ايضا و قال نسوا الله فانساهم انفسهم و هذا غاية الجهل ان ينسي الانسان نفسه و لايعرفها و لايعرف ربه فهو الموت الحقيقي المستلزم لما اختاره من نسيان الله تعالي عصمنا الله منه بل هو عين ما اختاره و لو قيل ان كل احد له اجل و اذا اول الموت بالجهل جري ذلك في من لايستحقه قلت قال ابوعبدالله عليه السلام ان الله تعالي لم‌يجعل للمؤمن اجلا في الموت يبقيه ما احب البقاء فاذا علم منه انه سيأتي بما فيه بوار دينه قبضه اليه مكرما ، اقول فليس للمؤمنين اجل محتوم و موتهم ايضا بالقبض اليه مكرمين اي احياءا مرزوقين بالعلم و الايمان قال الله تعالي و لقد كرمنا بني آدم و حملناهم في البر و البحر و رزقناهم من الطيبات اي من طيبات العلوم و قال و لاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله و قالوا عليهم السلام في اموات المؤمنين انهم شهداء و ان ماتوا علي فرشهم بالجملة فهذا احد التأويلات للآية الشريفة و لك ان تعم الرزق في جميع النعم و الخيرات من القوة و القدرة و العزة و غير ذلك مما يرزق الله عباده و قد امر بالانفاق منها في سبيله و اداء حقوق الاخوان المؤمنين كما لايخفي علي من تتبع في اخبار آل‌محمد عليهم السلام .

[ص 134] الباطن اعلم ان الرزق الباطني معرفة آل‌محمد عليهم السلام و ولايتهم حقيقة فان الرزق هو المدد الذي يصل الي العبد من الله تعالي و هو من سنخ مادته كما تري في الظاهر حرفا بحرف و مادة المؤمن نور الله و نور آل‌محمد عليهم السلام فعن الصادق جعفر بن محمد عن ابيه عن آبائه عليهم السلام قال حدثنا الحسن بن علي صلوات الله عليه قال سمعت جدي رسول الله صلي الله عليه و آله يقول خلقت من نور الله عز و جل و خلق اهل بيتي من نوري و خلق محبيهم من نورهم و ساير الخلق في النار و قال اميرالمؤمنين عليه السلام اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله قيل فقلت يا اميرالمؤمنين كيف ينظر بنور الله قال عليه السلام لانا خلقنا من نور الله و خلق شيعتنا من شعاع نورنا فهم اصفياء اطهار متوسمون نورهم يضيئ علي من سواهم كالبدر في الليلة الظلماء ، اقول و الاخبار بهذا المعني كثيرة فمادة المؤمن من نور آل‌محمد عليهم السلام و من اجل ذلك تحن اليهم و تستمد بنورهم و ولايتهم و معرفتهم قال ابوعبدالله عليه السلام خلقنا من عليين و خلق ارواحنا من فوق ذلك و خلق ارواح شيعتنا من عليين و خلق اجسادهم من دون ذلك فمن اجل تلك القرابة بيننا و بينهم قلوبهم تحن الينا و عنهما عليهما السلام في حديث و كانت لطينتنا نضح فجبل طينة شيعتنا من نضح طينتنا فقلوبهم تحن الينا و قلوبنا تعطف عليهم تعطف الوالد علي الولد و نحن خير لهم و هم خير لنا و رسول الله لنا خير و نحن له خير ، اقول و لا شك [ص 135] انه اذا حن اليهم يستمد منهم و يتقوي و يستنير بنورهم و يستكمل ايمانه بهم قال رسول الله صلي الله عليه و آله في حديث من مات علي حب آل‌محمد مات مؤمنا مستكمل الايمان ، اقول فالرزق الباطني الحقيقي للمؤمن حب آل‌محمد عليهم السلام و معرفتهم ان كانت علي بصيرة و يقين فان المعرفة علي وجهين و لنبين ذلك بالرواية عنهم عليهم السلام و قد كتب الصادق عليه السلام الي المفضل في جواب سؤاله الي ان قال ثم اني اخبرك ان الدين و اصل الدين هو رجل و ذلك الرجل هو اليقين و هو الايمان و هو امام امته و اهل زمانه فمن عرفه عرف الله و دينه و من انكره انكر الله و دينه و من جهله جهل الله و دينه و لايعرف الله و دينه و حدوده و شرايعه بغير ذلك الامام كذلك جري بان معرفة الرجال دين الله و المعرفة علي وجهين معرفة ثابتة علي بصيرة يعرف بها دين الله و يوصل بها الي معرفة الله فهذه المعرفة الباطنة الثابتة بعينها الموجبة حقها المستوجب اهلها عليها الشكر لله التي من عليهم بها من من الله يمن به علي من يشاء مع المعرفة الظاهرة و معرفة في الظاهر فاهل المعرفة في الظاهر الذين علموا امرنا بالحق علي غير علم لاتلحق باهل المعرفة في الباطن علي بصيرتهم و لايصلون بتلك المعرفة المقصرة الي حق معرفة الله كما قال في كتابه و لايملك الذين يدعون من دونه الشفاعة الا من شهد بالحق و هم يعلمون فمن شهد شهادة الحق لايعقد عليه قلبه و لايبصر ما تكلم به لايثاب عليه مثل ثواب من عقد عليه قلبه علي بصيرة فيه [ص 136] كذلك من تكلم بجور لايعقد عليه قلبه لايعاقب عليه عقوبة من عقد عليه قلبه و ثبت علي بصيرة فقد عرفت كيف كان حال رجال اهل المعرفة في الظاهر و الاقرار بالحق علي غير علم في قديم الدهر و حديثه الي ان انتهي الامر الي نبي الله و بعده الي من صاروا اوصياؤه و الي من انتهت اليه معرفتهم و انما عرفوا بمعرفة اعمالهم و دينهم الذي دان الله به المحسن باحسانه و المسيئ باساءته و قد يقال انه من دخل في هذا الامر بغير يقين و لا بصيرة خرج منه كما دخل فيه رزقنا الله و اياك معرفة ثابتة علي بصيرة و اخبرك اني لو قلت ان الصلوة و الزكوة و صوم شهر رمضان و الحج و العمرة و المسجد الحرام و البيت الحرام و المشعر الحرام و الطهور و الاغتسال من الجنابة و كل فريضة كان ذلك هو النبي الذي جاء به من عند ربه لصدقت لان ذلك كله انما يعرف بالنبي و لولا معرفة ذلك النبي و الايمان به و التسليم له ماعرف ذلك فذلك من من الله علي من من عليه و لولا ذلك لم‌يعرف شيئا من هذا فهذا كله ذلك النبي و اصله و هو فرعه و هو دعاني اليه و دلني عليه و عرفنيه الي ان قال فمن قال لك ان هذه الفريضة كلها انما هي رجل و هو يعرف حد ما يتكلم به فقد صدق و من قال علي الصفة التي ذكرت بغير الطاعة فلايغني التمسك في الاصل بترك الفروع كما لاتغني شهادة ان لا اله الا الله بترك شهادة ان محمدا رسول الله و لم‌يبعث الله نبيا قط الا بالبر و العدل و المكارم و محاسن الاخلاق و محاسن الاعمال و النهي عن الفواحش ما ظهر [ص 137] منها و ما بطن فالباطن منه ولاية اهل الباطل و الظاهر منه فروعهم الي ان قال و انه من عرف اطاع و من اطاع حرم الحرام ظاهره و باطنه و لايكون تحريم الباطن و استحلال الظاهر انما حرم الظاهر بالباطن و الباطن بالظاهر معا جميعا و لايكون الاصل و الفروع و باطن الحرام حرام و ظاهره حلال لايحرم الباطن و يستحل الظاهر كذلك لايستقيم ان يعرف صلوة الباطن و لايعرف صلوة الظاهر و لا الزكوة و لا الصوم و لا الحج الحديث ، و قد ذكرت كثيرا من فقراته هنا و سابقا لمقام الحاجة و الغرض ان المعرفة و الولاية انما هي الرزق الباطني و اقصي ذلك انها ان كانت علي بصيرة كانت لها حقيقة ثابتة و ان لم‌يكن علي بصيرة خرج منها كما دخل فيها و اذا كان لها حقيقة كان لها نور و فضل وجود و جود و انفاق فان علي كل حق حقيقة و علي كل صواب نورا و كل شئ اذا تحقق في مقام و استكمل ثبت له فضل وجود و نور يضيئ به علي من سواه و من هنا يقول تعالي انفقوا مما رزقناكم حيث امرهم بالانفاق اي نشر فضائل آل‌محمد عليهم السلام و تعريفهم و الدعوة اليهم و قد عاتب الله الكاتمين لفضلهم في قوله ان الذين يكتمون ما انزل الله من الكتاب و يشترون به ثمنا قليلا ، كما قال العسكري عليه السلام فيه قال الله في صفة الكاتمين لفضلنا اهل البيت ان الذين يكتمون ما انزل الله من الكتاب المشتمل علي ذكر فضل محمد صلي الله عليه و آله علي جميع النبيين و فضل علي علي جميع الوصيين و يشترون به ثمنا قليلا يكتمونه ليأخذوا عليه عرضا من الدنيا يسيرا و [ص 138] ينالوا به في الدنيا عند جهال عباد الله رياسة قال الله عز و جل اولئك مايأكلون في بطونهم الا النار بدلا من اصابتهم اليسير من الدنيا لكتمانهم الحق و لايكلمهم الله يوم القيمة بكلام خير بل يكلمهم بان يلعنهم و يخزيهم و يقول بئس العباد انتم غيرتم ترتيبي و اخرتم من قدمته و قدمتم من اخرته و واليتم من عاديته و عاديتم من واليته و لايزكيهم من ذنوبهم و لهم عذاب اليم موجع في النار و قال ابوجعفر عليه السلام في صفة الداعين الي الهدي في رسالته الي سعد الخير الي ان قال يا اخي ان الله عز و جل جعل في كل من الرسل بقايا من اهل العلم يدعون من ضل الي الهدي و يصبرون معهم علي الاذي يجيبون داعي الله و يدعون الي الله علي بصيرة فابصرهم رحمك الله فانهم في منزلة رفيعة و ان اصابتهم في الدنيا وضيعة انهم يحيون بكتاب الله الموتي و يبصرون بنور الله من العمي كم من قتيل لابليس قد احيوه و كم تايه ضال قد هدوه يبذلون دمائهم دون هلكة العباد ما احسن اثرهم علي العباد و اقبح آثار العباد عليهم ، اقول و اذا لم‌ينشروا فضل آل‌محمد عليهم السلام و لم‌ينفقوا مما رزقوا و انكروا فضلهم من بعد ما عرفوا كما قال يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها كان ذلك موجبا لكفرهم و تكذيبهم الذي هو الموت الحقيقي كما قال ثم كان عاقبة الذين اساؤا السوئي ان كذبوا بآيات الله و كانوا بها يستهزؤن و في الخبر و الانكار لفضائلهم هو الكفر ، و الكفر هو الموت الحقيقي كما ورد في تفسير قوله تعالي يخرج الحي من الميت و يخرج الميت من الحي قال [ص 139] ابوعبدالله عليه السلام في حديث بعد ذكر الآية فالحي المؤمن الذي يخرج طينته من طينة الكافر و الميت الذي يخرج من الحي هو الكافر الذي يخرج من طينة المؤمن فالحي المؤمن و الميت الكافر و ذلك قوله عز و جل اومن كان ميتا فاحييناه فكان موته اختلاط طينته مع طينة الكافر و كان حيوته حين فرق الله عز و جل بينهما بكلمته كذلك يخرج الله عز و جل المؤمن في الميلاد من الظلمة بعد دخوله فيها الي النور و يخرج الكافر من النور الي الظلمة بعد دخوله الي النور و ذلك قوله عز و جل لينذر من كان حيا و يحق القول علي الكافرين ، اقول ثم ان الكافر اذا جاءه الموت الظاهري يتمني التأخير و يسأل الرجوع الي الدنيا كما قال حتي اذا جاء احدهم الموت قال رب ارجعون لعلي اعمل صالحا فيما تركت و لايتمني تأخير الموت الحقيقي و هو الكفر في الدنيا لانه مهما لم‌يمت بالموت الظاهري و لم‌يخرج عن الدنيا لايظهر له سوء عمله و لايندم علي ما فرط و لك ان تقول ان باطن الموت هو القائم عليه السلام الذي علي يده هلاك الاعداء عجل الله فرجه و سهل مخرجه و تقدر الولي في قوله و لن‌يؤخر الله نفسا و في قوله و الله خبير و قد استدللنا علي هذا المعني في سورة الجمعة تلو قوله فتمنوا الموت و لانعيد الكلام لما بي من الاشغال و اختلال البال و تشتت الحال و اسأل الله بحق محمد و آل‌محمد صلوات الله عليهم ان يتقبل عني ذلك و يعفو عني فيما اخطأت و يعرفني و يوفقني عليه و الله العالم بحقايق كتابه و الراسخون [ص 140] في العلم و جعلنا الله ممن آمن بالله و باوليائه و حججه و صدقهم و اتبع آثارهم بجاه محمد و آل‌محمد عليهم السلام .

تمت علي يد مصنفه العبد الاثيم و الفاني الرميم زين‌العابدين بن كريم بن ابرهيم عفا الله عن جرائمهم بحق محمد و آل‌محمد صلوات الله عليهم حامدا مصليا مستغفرا .