قال اطال الله بقاه و من كل مكروه وقاه : الرابع - بينوا ايضا كيف يكون الدورة المحمدية افضل من الدورة الاحمدية مع انه روحي فداه صاحب الاسم السماوي و النبي صلي الله عليه و آله صاحب الاسم الارضي بينوا برهانه .

اقول لعله ايده الله سمع هذا البيان من بعض اهل العدوان حيث غيروا و بدلوا و حرفوا الكلم عن مواضعه و القي في امنية قائله و مبينه الشيطان و لكن الله سبحانه ينسخ ما يلقي الشيطان ثم يحكم آياته فان هذا كلام السيد الاوحد الامجد اعلي الله مقامه في شرح القصيدة ذيل قول الناظم :

بضجيع حضرتك الجواد محمد و حفيدها و هو الامام الافضل

و هو صريح الحق و محضه و لايرد فيه الاشكال و لكن الاعادي لما ناصبوا لمشايخنا العداوة اخذوا شيئا من عبائرهم و حذفوا منها و زادوا فيها و خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا فاخرجوها عند بعض الجهال المساكين الذين لا بصيرة لهم في امر الدين و لا تتبع لهم في كتب العلماء العارفين فشبهوا الامر علي الجاهلين و نسبوا العلماء الراشدين الي الضالين المبدعين المكذبين جزاهم الله شر جزاء اهل سجين و حشرهم مع الثلثة الاولين .

و بالجملة ان سيدنا الاوحد روحي فداه لما عطف الكلام [ص 83] الي هذا البيان قال اولا : و قال تعالي و ما علي الرسول الا البلاغ المبين و الرسول عليه البيان اما بذاته او بنفسه او بيده فالاول في زمانه عند التمكن من خطابه الشريف و الثاني بعد زمانه عند عدم التمكن من امنائه و خلفائه و اصحابه القائمين مقامه و السادين مسده و الفاعلين فعله المتخلقين باخلاقه الاقرب فالاقرب و الثالث عند عدم التمكن من خلفائه و امنائه و اصحابه و هم العلماء المتقون و العرفاء الكاملون و حجبه المتوسطة بينهم و بين رعيتهم الغير البالغين . اقول انظر الي صراحة هذا الكلام فيما تقتضيه قواعد الاسلام ان علي الرسول البيان فهو يبين اما بذاته كما في زمانه الشريف و هو صدر زمان الاسلام او بنفسه و المراد من نفسه اولا اميرالمؤمنين عليه السلام كما في آية المباهلة و اخبار كثيرة صريحة ثم الائمة من ولده عليهم السلام كلهم نفس النبي (ص) كما لايخفي او بيده و المراد منها العلماء العاملون و العرفاء الكاملون و حجبه المتوسطة بينهم و بين رعيتهم و هم القري الظاهرة المتوسطة بين الرعية و القري المباركة و هم نقلة آثارهم و حملة اسرارهم فانهم منهم بمنزلة اليد بالنسبة الي الانسان فان لهم مع كل ولي اذنا سامعة و عينا ناظرة و لسانا ناطقا و يدا باطشة و هذا الكلام بلا شبهة لاينافي شيئا من امر الدين فان شيعتهم منهم بمنزلة ايديهم و السنتهم و كما انك اذا خالفت الراوي عن احد فقد [ص 84] خالفته كذلك الامر هنا من دون فرق قال ابوبصير للصادق (ع) ارأيت الراد علي هذا الامر كالراد عليك قال الراد عليك هذا الامر كالراد علي الله في عرشه و هو علي حد الشرك بالله . بالجملة الي ان قال السيد الاوحد اعلي الله مقامه بعد كلام : فتصدي صلي الله عليه و آله و سلم للجهاد و تعرض للقتال الي ان اختار الله له دار البقاء ففعل اولياؤه و خلفاؤه و امناؤه كفعله و مشوا علي منواله و احتذوا مثاله و كذلك العلماء البالغون تصدوا لاظهار ما تصدي رسول الله صلي الله عليه و آله لظاهر الشيعة و حكوا مثال اسمه الذي في الارض و هو محمد فان له صلي الله عليه و آله و سلم اسمان اسم في الارض و هو محمد و اسم في السماء و هو احمد الاسم هو الظهور يعني له ظهوران ظهور في العوالم الظاهرية مما يتعلق بظواهر الابدان من احكامها و افعالها و صفاتها و كينوناتها و مظهر هذا الظهور و موقع هذا النور المسمي بمحمد و له ظهور في العوالم الباطنية و الاسرار الغيبية و مظهر ذلك الاسم هو المسمي باحمد ، الي ان ذكر (اع) بعد بيان طويل يذكر فيه ان في رأس كل مأة يقوم من يروج الاحكام الي ان قال : فلما تمت الدورة الاولي لشمس النبوة التي هي متعلقة بتربية الظواهر التي هي مقتضي ظهور اسم محمد اتت الدورة الثانية لشمس النبوة لتربية الظواهر و البواطن في هذه الدورة تابعة كما ان الدورة [ص 85] الاولي لتربية الظواهر و البواطن كانت تابعة فكانت هذه الدورة الثانية فيها اسم رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم الذي في السماء و هو احمد فكان المروج و الرئيس في رأس هذه المأة احمد المسمي باحمد ، الي آخر كلامه علا مقامه . اقول اعلم اولا ان الظاهر ان في قوله (اع) اتت الدورة الثانية لشمس النبوة لتربية الظواهر و البواطن في هذه الدورة تابعة الخ ، فيه تقديم و تأخير من سهو النساخ و الصحيح لتربية البواطن و الظواهر في هذه الدورة تابعة كما يظهر ذلك من كلامه بعده بحكم المقابلة كما لايخفي علي اهل الفن و لكنا رويناه كما وجدنا . بالجملة انظر في هذا الكلام بنظر الدقة و تدبر فيه فانه مزلة الاقدام فاولا انظر الي ما حكيناه اولا من قوله (اع) ان الرسول عليه البيان اما بذاته او بنفسه او بيده فالاولي في زمانه عند التمكن من خطابه الشريف الخ ، فانه صرح ان الرسول (ص) بين في زمانه بذاته و لا شك انه (ص) بذاته مسمي بالاسمين جميعا فهو في الارض اي في الظاهر محمد و في السماء اي الباطن احمد و هو قول عيسي عليه السلام فيما حكي الله عنه مبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه احمد فهو جامع الاسمين و حاوي المرتبتين بلا شك و بلا مين و كان يربي الظواهر و البواطن في العالمين الا انه لما كان الناس اكثرهم لايشعرون و لايعقلون و كان الغالب منهم اهل الظاهر كان يظهر النبي صلي الله عليه و آله لهم بيان [ص 86] الظواهر و يخفي البواطن و ليس انه (ص) لم‌يكن من شأنه بيان البواطن و لم‌يكن من اهله بل الناس لم‌يكونوا من اهله و كان هو الواقف علي الطتنجين الناظر في المشرقين و المغربين الاتري انه صلي الله عليه و آله في مبدأ رسالته و بعثته لما دعا حمزة و خديجة رضوان الله عليهما اخذ عليهما ميثاق الولاية لأنهما كانا من اهل السر و لكن اغلق هذا الباب علي عامة الاقشاب حتي نزل عليه قرب ايام رحلته بلغ ما انزل اليك في علي و ان لم‌تفعل فمابلغت رسالته فكان هو صلي الله عليه و آله بذاته المقدسة القائمة في ذلك الزمان حاملا لاعباء الرسالة كلها و كان يؤدي الي كل ذي حق حقه و يسوق الي كل مخلوق رزقه الا ان الناس لما كان اكثرهم من اهل الظواهر كان (ص) اظهاره للظواهر اكثر و كان معروفا بهذا الاسم مع انه صاحب الاسمين جميعا ثم ان سيدنا الاوحد صرح بما ذكرنا ان للرسول (ص) و هو بلا شك ابن عبدالله بن عبدالمطلب و ابن آمنة له (ص) اسمان اسم في الارض و هو محمد و اسم في السماء و هو احمد فهو (ص) مسمي الاسمين و حاوي المنزلتين جميعا و ان كان اظهاره للظواهر التي هي من مقتضي اسم محمد اكثر و لايضر ذلك و لايوجب النقص الاتري ان المعلم الكامل يعلم الاطفال في بدو تعلمهم و لايعلمهم الا الحروف مع انه عالم بعلوم كثيرة و لكن الاطفال لايحتملون علومه فيخفيها عنهم و لايعلمهم [ص 87] و لو سألت الاطفال عن منتهي علم المعلم لم‌يعرفوا من ذلك شيئا الا علمه بالحروف علي حسب ما اظهره لهم ثم ان المعلم يربي احد الاطفال و يعلمه علومه اجمع او ما شاء الله بحسب قابليته و يجعله خليفة له علي الاطفال في غيبته و الاطفال ح قد ترقوا و حازوا علم الحروف فيعلمهم الخليفة علما اعلي من ذلك و اشرف فهذا العلم و ان كان اشرف من علم الحروف و لكن لايدل ذلك علي ان الخليفة اشرف من المعلم فان الخليفة ايضا تعلم هذا العلم الاشرف من المعلم و لعله لم‌يحز منتهي علم المعلم بعد و كلما علم فهو من علم المعلم و بتعليمه و لا شرف له و لا فخر علي المعلم و ان كان ما اظهره المعلم لعامة الاطفال اولا علم الحروف و هو ادني العلوم و ما اظهره الخليفة للاطفال علم اعلي من علم الحروف و لكن الاعلي و الادني كليهما من علم المعلم و لم‌يعلم الخليفة شيئا الا بتعليم المعلم فتدبر في هذا المثال حتي تقف علي بعض المراد ، ثم انه اعلي الله مقامه قال و كذلك العلماء البالغون تصدوا لاظهار ما تصدي رسول الله (ص) لظاهر الشيعة و حكوا مثال اسمه الذي في الارض ، و في هذا الكلام التام نكتة شريفة من علمها استقام و وقف علي المرام و هو انه (اع) صرح بأنهم حكوا مثال اسمه الذي في الارض و لم‌يقل حكوا اسمه الذي في الارض و ذلك انه صلي الله عليه و آله بنفسه و ذاته قام في مقام القطبية و القلبية [ص 88] و هو مقام الرسالة ثم سطع من وجهه الانور و جبينه الازهر نور يتلألأ فخلق من ذلك النور حقايق الانبياء صلوات الله عليهم و لهم (ع) من جهة قربهم من مبدئهم و قوة نورانيتهم فضل نور ايضا فانعكس منه نور آخر ادني من الاول الي المقام الادني كما ينعكس نور الشمس الظاهر في صحن الدار الي البيوت الاولة ثم منها الي الثانية ثم منها الي الثالثة و هكذا فلذلك الانبياء صلوات الله عليهم لكمال قربهم من آل‌محمد (ص) مواجهون لهم فينطبع نور آل‌محمد (ع) في حقايقهم الكونية و يخلق من ذلك النور روح النبوة فيهم ثم ينعكس من نور روح النبوة في قوابل مؤمني الانس من شيعة آل‌محمد عليهم السلام و يخلق من هذا النور روح التشيع ثم ينعكس منه النور الي قوابل مؤمني الجن و هكذا كما ثبت في السلسلة الطولية علي حسب مداليل اخبار اهل العصمة (ص) فاذا عرفت هذه المقدمة نقول ان الاسم ما انبأ عن المسمي و هو نور المنير و قدرة القدير و ظهور العزيز الخبير فحقايق آل‌محمد عليهم السلام في مقام الرسالة و الامامة مقام المسمي و المنير و نورهم الاول و هو ما ظهر في مقام الانبياء هو مقام الاسم الذي ينبأ عن المسمي و النور المنعكس منه في قوابل الشيعة هو مثال الاسم و اسم ادني الي مقام الرعية كما ان النور الظاهر في البيت ادني الي البيت من النور الظاهر في صحن الدار و انسب بحال البيت و ارفق بضعف [ص 89] بصر البيت فاذا عرفت هذه المقدمة فانصف من نفسك انه اعلي الله مقامه عبر عن نفس الرسول و ذاته بالمسمي فله اسم و الاسم لا محالة دون درجة المسمي ثم للاسم مثال و المثال دون درجة ذي المثال و الحاكون لمثال الاسم هم الشيعة فهؤلاء العلماء المذكورون هنا علماء الشيعة المسمون ظاهرا بمحمد المربون لظاهر الشيعة المبينون لظاهر الشريعة و الراوون عن اهل العصمة كالمحمدين الثلث و هم الكليني و الصدوق و الشيخ الطوسي (ره) و من بعدهم علماؤنا المحدثون المسمون بمحمد الي ان انتهي الامر الي المجلسي رحمه الله فان هؤلاء حكوا مثال الاسم الارضي اي نور نورهم و ظهور ظهورهم و انما سميت الشيعة شيعة لأنهم خلقوا من شعاع نور آل‌محمد (ع) كما في الخبر فنور آل‌محمد (ص) حقيقة الانبياء و شعاع نورهم حقيقة الشيعة فهم حكوا مثال الاسم و تمثاله لا نفس الاسم و لا نفس المسمي و كذلك الامر في الحاكين للاسم السماوي انما حكوا مثال الاسم السماوي و هو الدرجة الثالثة اي شعاع نور المسمي و هذا المثال ان قيل انه اشرف فهو اشرف من مثال الاسم الارضي و بعبارة صريحة العلماء الكاملون من اهل الباطن من الشيعة اشرف من العلماء الظاهريين من الشيعة و هذا كلام لاينكره من له ادني مسكة و اقل انصاف و اخبار آل‌محمد عليهم السلام صريحة في هذا المعني كما سيأتي لا ان اهل الباطن من العلماء اشرف [ص 90] من آل‌محمد عليهم السلام و العياذ بالله فان مقامهم فوق ما لايتناهي بما لايتناهي و الظاهر و الباطن كلاهما من شئونهم و علومهم و دعوتهم و هم قد انالوا الظاهر و الباطن جميعا الا انه لما كان الغلبة في ذلك الزمان لاهل الظاهر كان اكثر اظهارهم (ع) للعلوم الظاهرة و ما تري من الاخبار في المعارف و البواطن التي جمعت يومنا هذا في المجموعات فانما هي كانت من اسرارهم في الزمن الاول و لم‌يكونوا يظهرونها الا لاهل التسليم و الاخبات من وراء الاستار و السبحات و قد من الله علينا في زماننا هذا و ظهرت لنا رزقنا الله فهمها و العمل بمقتضاها فما اشرتم من ان الدورة الاحمدية افضل من الدورة المحمدية انما هو راجع الي الدورتين في عرصة علماء الشيعة من اول زمان الغيبة الكبري الي آخر الزمان و اما النبي (ص) فهو صاحب الدورتين و المسمي بالاسمين الاعليين لايدانيه احد و لايقاس به غيره حتي ان الحجة بن الحسن صلوات الله عليه و علي آبائه الطاهرين و ان كان من نوره و طينته و لكنه مع ذلك ادني منه و تابع له و لايعمل الا بامره و حكمه فكيف بعلماء شيعتهم الذين هم من آثار وجودهم و انوار وجوههم بل شعاع نورهم كما عرفت .

و ان اشكل عليك ان كل دورة اثناعشر مأة و مبدأ دورة المحمدين من اول الهجرة و هو زمان النبي (ص) و اذا كان الدورة الثانية اشرف من الدورة الاولي و هي شاملة [ص 91] لزمان النبي (ص) ايضا فيبقي الاشكال المذكور بحاله قلت قد بينت في مثال المعلم و الاطفال ما يغنيك و يزيح عنك هذا الاشكال و هو ان هذه الشرافة و الخساسة بحسب ما اظهره رسول الله صلي الله عليه و آله في الدورتين جميعا و لايضر ذلك اذا كانا معا منه اليس ان رسول الله صلي الله عليه و آله اظهر امر الولاية بعد ساير الشرايع و الولاية اشرف و اعلي من الكل بل هي غاية الرسالة كما قال بلغ ما انزل اليك في علي و ان لم‌تفعل فمابلغت رسالته و لايضر ذلك بشرف النبي (ص) و فضله في اول بعثته فالدعوة الظاهرة و الباطنة كلتاهما من دعوة النبي (ص) و قد ابلغ في زمانه (ص) بعض الظواهر ثم اتمها اوصياؤه صلوات الله عليهم في ازمنتهم ثم نقحوها العلماء الاخيار و جمعوها و دونوها و بوبوها في ازمنتهم ثم بلغ الامر الي موقع بيان البواطن و قد بينها النبي و الائمة (ص) في ازمنتهم و لكن تحت خبايا و استار فأتي العلماء من اهل الباطن و اخرجوا تلك الدرر من اصداف بحار علم آل‌محمد عليهم السلام و نظموها علي ما تري و الكل راجع اليهم (ص) و لا حق و لا صواب الا ما خرج من بيوتهم الاتري مشايخنا العظام (اع) لايبينون شيئا من فضايل آل‌محمد عليهم السلام الا و يستدلون عليه باخبار آل‌محمد عليهم السلام و آيات الكتاب و لايتكلمون بشئ برأيهم و هواهم ابدا فكل حق و صواب قيل او يقال فهو منهم و اليهم [ص 92] و ما قال آل‌محمد (ع) قلنا و ما دانوا دنا فيما اسروا و فيما اعلنوا و فيما بلغنا عنهم و فيما لم‌يبلغنا و هكذا يكون الامر حتي ينسب الي النبي (ص) انه قد بلغ و ذلك ان الله سبحانه يقول النبي اولي بالمؤمنين من انفسهم و ازواجه امهاتهم فاذا كان هو الاولي بالمؤمنين كان ابلاغ المؤمنين ابلاغه و ان لهم مع كل ولي اذنا سامعة و عينا ناظرة و لسانا ناطقا و هذا هو باطن ما رواه عبدالله بن بكير الرجائي قال قال لي الصادق (ع) اخبرني عن الرسول اكان عاما للناس بشيرا اليس قد قال الله و ماارسلناك الا كافة للناس لاهل الشرق و الغرب و اهل السماء و الارض من الجن و الانس هل بلغ رسالته اليهم كلهم قلت لاادري قال يا بن بكير ان رسول الله صلي الله عليه و آله لم‌يخرج من المدينة فكيف ابلغ اهل الشرق و الغرب قلت لاادري قال ان الله امر جبرئيل فاقتلع الارض بريشة من جناحه و نصبها لرسول الله (ص) فكانت بين يديه مثل راحته في كفه ينظر الي اهل الشرق و الغرب و يخاطب كل قوم بالسنتهم و يدعوهم الي الله و الي نبوته بنفسه فمابقيت قرية و لا مدينة الا و دعاهم النبي (ص) بنفسه . اقول لم‌يصرح بمن لم‌يكن في ذلك الزمان و لكن صرح بمن لم‌يكن في ذلك المكان لقربه من الاذهان و امرهما واحد و قد ابلغ النبي (ص) بنفسه الي كافة الناس ممن كان او يكون قال (ع) الا و انا نحن النذر الاولي [ص 93] و نذر الآخرة و الاولي و نذر كل زمان و اوان ، فهم عليهم السلام صاحب الدورات و علي عليه السلام مع الدور قبل الدور و مع الكور قبل الكور فمن يكون افضل منهم او يضاهيهم او يقاس بهم حاشا و حاشا فلايغرنك الذين لايعقلون و هم عن الحق معرضون و قد وعدت آنفا ان اذكر لك اخبارا تدل علي اشرفية علماء آخر الزمان من علماء الصدر الاول نوعا ففي الكتاب المبين عن الصادق عن آبائه عليهم السلام قال قال النبي صلي الله عليه و آله لعلي عليه السلام يا علي و اعلم ان اعظم الناس يقينا قوم يكونون في آخر الزمان لم‌يلحقوا النبي صلي الله عليه و آله و حجب عنهم الحجة فآمنوا بسواد في بياض و عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله سيأتي قوم من بعدكم الرجل الواحد منهم له اجر خمسين منكم قالوا يا رسول الله نحن كنا معك ببدر و احد و حنين و نزل فينا القرآن فقال انكم لو تحملوا لما حملوا لم‌تصبروا صبرهم و قال سيد العابدين عليه السلام من ثبت علي ولايتنا في غيبة قائمنا اعطاه الله اجر الف شهيد مثل شهداء بدر و احد و عن ابي‌خالد الكابلي عن علي بن الحسين عليهما السلام قال تمتد الغيبة بولي الله الثاني‌عشر من اوصياء رسول الله صلي الله عليه و آله و الائمة بعده يا اباخالد ان اهل زمان غيبته القائلون بامامته المنتظرون لظهوره افضل اهل كل زمان لان الله تعالي ذكره [ص 94] اعطاهم من القول و الافهام و المعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة و جعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله صلي الله عليه و آله بالسيف اولئك المخلصون حقا و شيعتنا صدقا و الدعاة الي دين الله سرا و جهرا و قال انتظار الفرج من اعظم الفرج و عن ابي‌جعفر عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله ذات يوم و عنده جماعة من اصحابه اللهم لقني اخواني مرتين فقال من حوله من اصحابه اما نحن اخوانك يا رسول الله فقال لا انكم اصحابي و اخواني قوم في آخر الزمان آمنوا بي و لم‌يروني لقد عرفني ( عرفنيهم خ‌ل ) الله باسمائهم و اسماء آبائهم من قبل ان يخرجهم من اصلاب آبائهم و ارحام امهاتهم لاحدهم اشد بقية علي دينه من خرط القتاد في الليلة الظلماء او كالقابض علي جمر الغضا اولئك مصابيح الدجي ينجيهم الله من كل فتنة غبراء مظلمة . اقول و الاخبار في فضل مؤمني آخر الزمان اكثر من ان تحصي في هذه العجالة و قد روي حديث طويل شريف عن النبي صلي الله عليه و آله في اظهار العطف و الاشتياق اليهم و ذكر فضائلهم لايسع هذه الرسالة لذكره اجمع و هو مذكور في الكتاب المبين و لانروي منه هنا الا بعض فقراته و ان شئت فراجع اليه فعنه صلي الله عليه و آله قال اتدرون ما غمي و في اي شئ تفكري و الي اي شئ اشتياقي قال اصحابه لا [ص 95] يا رسول الله صلي الله عليه و آله ماعلمنا بهذا من شئ اخبرنا بغمك و تفكرك و تشوقك قال النبي (ص) اخبركم ان شاء الله تعالي ثم تنفس الصعداء و قال هاه شوقا الي اخواني من بعدي فقال ابوذر يا رسول الله أولسنا اخوانك قال لا انتم اصحابي و اخواني يجيئون من بعدي شأنهم شأن الانبياء الي ان قال و اعلم يا اباذر ان للواحد منهم اجر سبعين بدريا يا اباذر ان الواحد منهم اكرم علي الله من كل شئ خلق الله علي وجه الارض يا اباذر قلوبهم الي الله و علمهم لله لو مرض احدهم له فضل عبادة الف سنة صيام نهارها و قيام ليلها و ان شئت حتي ازيدك يا اباذر قلت نعم يا رسول الله زدني قال يا اباذر لو ان واحدا منهم اذا مات فكأنما مات من في سماء الدنيا من فضله علي الله الي ان قال حكاية عن الله تعالي خطابا الي الملائكة يا ملائكتي ان وليي عندي كمثل نبي من انبيائي و لو دعاني وليي و شفع في خلقي شفعته في اكثر من سبعين‌الفا و لعبدي و وليي في جنتي ما يتمني الي ان قال و ان شئت حتي ازيدك يا اباذر قلت نعم يا رسول الله قال صلي الله عليه و آله يجلس اليهم قوم مقصرون مثقلون من الذنوب فلايقومون من عندهم حتي ينظر الله اليهم فيرحمهم و يغفر ذنوبهم لكرامتهم علي الله ثم قال النبي صلي الله عليه و آله المقصر منهم افضل عند الله من الف مجتهد من غيرهم الحديث ، و هو طويل شريف يحوي فضائل كثيرة منهم [ص 96] فلاجل ذلك قال سيدنا الاوحد اعلي الله مقامه انهم يحكون مثال الاسم السماوي يعني شعاع نوره كما قالوا (ع) انما سميت الشيعة شيعة لأنهم خلقوا من شعاع نورنا ، فلايذهبن بك المذاهب و ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا و لاتصغ الي ما ينسبون الي مشايخنا العظام (اع) كذبا و زورا و بهتانا فيحذفون من كلماتهم و يضيفون اليها حتي يخرجوها من موافقة الكتاب و آثار الائمة الاطياب (ص) فمرة ينسبوننا الي الغلو في آل‌محمد عليهم السلام مع انا لم‌نقل في فضلهم الا دون ما هم عليه من الشأن لقلة معرفتنا كما قال (ع) في حديث النورانية لاتجعلونا اربابا و قولوا في فضلنا ما شئتم فانكم لاتبلغوا كنه ما فينا و لا نهايته فان الله عز و جل قد اعطانا اكبر و اعظم مما يصفه واصفكم او يخطر علي قلب احدكم فاذا عرفتمونا هكذا فانتم المؤمنون . اقول فما عسي ان نقول فيهم و ما عسي ان نعرف من فضلهم و الله ولي التوفيق و مرة ينسبوننا الي التقصير فيهم (ص) و تفضيل بعض علماء امتهم عليهم مع انا والله لانجترأ ان نسوي علماءنا لبعض كبار الاصحاب كسلمان و ابي‌ذر و اضرابهما و ذلك لأنهم بانفسهم لم‌يدعوا هذا الشأن و نحن ايضا لانعرفهم بحقيقة المعرفة فليس لنا البت و التحكم بشئ حتي يعرفنا الله اياهم و ليس للناس اداة ينالون بها المعرفة حتي يكون الله هو المعرف لهم و علي الله البيان و لايكلف الله نفسا الا ما آتاها [ص 97] اي ما عرفها فافهم و تبصر .

قال ايده الله تعالي : الخامس - ما الفرق بين الانبياء و النقباء ان الانبياء صاحب التصرف في الملك و النقباء ايضا صاحب التصرف في الملك فما الفرق بينهم .

اقول يمكن الجواب عن هذا السؤال بالاختصار و الاجمال بضرب بعض الامثال و لكن لما كان غرضكم تحقيق الحال لا بد من تفصيل المقال فاقول اما المثل في ذلك ان نقول ان الانسان هو الكاتب الناطق الباطش مثلا و يده كاتبة باطشة و لسانه ناطق فما الفرق بين اليد و اللسان و بين نفس الانسان فكل ما تقول هنا قل فيما نحن فيه علي ما يقتضيه المقام و ان اردت التحقيق فاصغ لما اقول حتي تفوز بالمأمول فاقول و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم ان بيان ذلك يستدعي رسم مقدمات ان اردنا الاستقصاء فيها لطال بنا المقال و لكن بالاشارة لايضيق العبارة فاعلم ان الله سبحانه احد و قد تجلي بمشية واحدة و احدث بها الاشياء و لما لم‌يكن في مشيته سبحانه اختلاف و تكثر كما قال و ما امرنا الا واحدة و قال و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا كانت الاشياء من حيث حكايتها عن مشية الله تعالي علي نهج واحد و ان كانت متكثرة علي حسب قوابلها و مهياتها مختلفة بحسب مقاماتها و درجاتها كما حكي الله سبحانه عنها بقوله و ما منا الا له مقام معلوم و لكن [ص 98] من حيث حكايتها عن المشية كان كل شئ فيه معني كل شئ و كليات الاشياء هي العوالم الثمانية التي سمعت مكررا و رأيت في كتب مشايخنا اعلي الله مقامهم و هي الفؤاد و العقل و الروح و النفس و الطبع و المادة و المثال و الجسم و قد يلحق الفؤاد بعالم السرمد و مقام المشية لانه حيث اسفله و مقام الامكان الجايز و يعد العوالم سبعا من العقل الي الجسم و علي اي حال تلك العوالم كلها علي نهج واحد نوعا و ان كانت بحسب المادة و الصورة مختلفة فالمواد مختلفة في اللطافة و الكثافة و الصور مختلفة في التكثر و البساطة و المحدودية و الاطلاق و لكن لما كانت كلها علي نهج واحد و صادرة من مبدأ واحد و ان كان علي الترتب كان آية كل واحد في كل واحد فالجسم جسم بحسب فعليته و لكن فيه آيات من العقل و الروح الي المثال و كذلك العقل عقل بحسب فعليته و لكن فيه آيات من الجسم و المثال الي الروح و هكذا البواقي فكلها جامعة للجميع و ان كانت القوة و الغلبة و الفعلية لاحدها و البواقي آيات و اشباح و اظلال فالجسم مثلا جسم بحسب الفعلية من اعلاه الي اسفله و لكن فيه آية من العقل و هي عرشه و آية من الروح و هي الكرسي من حيث ذاته و آية من النفس و هي فلك البروج و المنازل و آية من الطبع و هي الشمس و آية من المادة و هي اشراق الشمس في الافلاك الستة و آية من المثال و هي الافلاك الستة [ص 99] و كمال قوة الجسمانية و غلبتها في العناصر و علي هذا المنوال في ساير العوالم الا ان غلبة كل عالم في رتبته الخاصة فغلبة العقل في عالمه في عرشه و غلبة الروح في عالمها في كرسيه و هكذا و ان كان كل ما في عالم العقل عقلانيا و كلما في عالم الروح روحانيا كما ان كل ما في عالم الجسم جسماني و لكن الامر علي ما ذكرنا ثم اعلم ان لكل عالم من تلك العوالم السبعة مواليد علي حذو ما تري في هذا العالم فمواليد عالم الاجسام المعادن و النباتات و مواليد عالم المثال الحيوانات و مواليد عالم المادة الملائكة و مواليد عالم الطبع الجن و مواليد عالم النفس الاناسي و مواليد عالم الروح الانبياء و مواليد عالم العقل الائمة و الخاتم صلوات الله عليهم و قد يختلف النظر هنا فتعد الانبياء من عالم العقل و الائمة من عالم الفؤاد و سيأتي بيانه فيختص كل عالم بما يمكن فيه من المواليد و لايتجاوز شئ منها ما وراء مبدئه فالنبات لايصعد الي عرصة المثال و الحيوان لايصعد الي عرصة الملائكة و هكذا و لكن كل عال منها يمكن له النزول الي عالم دون عالمه بل ما لم‌تكن كليات الحكمة تامة في بطونها تامة في ظهورها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم فلا بد من ظهور للمواليد العالية في العوالم الدانية فالحيوان و ان كان من عرصة المثال لكن له بدنا نباتيا و جماديا و الملائكة و ان كانوا من عرصة المادة و لكن في اجرائهم ما امروا به في عالم الاجسام لا بد لهم من [ص 100] ظهورات جسمانية من اشراقات الكواكب و السحاب و المطر و الهواء و غيرها مما علم الله سبحانه و كذلك الامر في المواليد العالية و الغرض ان كل دان لايتجاوز ما وراء مبدئه و لكن كل عال يتنزل الي اسفل الدرجات لاكتساب الكمالات و مشاهدة الآيات ثم اعلم ان مواليد كل عالم بحسب استعداد موادها انما تترقي و تصعد الي رتبة تصلح للصعود اليها فالنبات المعروف في هذا العالم يصعد الي ظاهر فلك القمر و نباتية الحيوان تصعد الي فلك القمر و بعض من ظواهر غيره من الافلاك علي اختلاف درجاتها و نباتية الانسان تصعد الي فلك البروج و المنازل من هذا العالم و نباتية الانبياء تصعد الي الكرسي و نباتية ابدان آل‌محمد عليهم السلام تصعد الي عرش هذا العالم و كذلك الامر في مواليد كل عالم و لكل درجات مما عملوا الا ان مواليد عالم العقل لكمال وحدته و تجرده و بساطته النسبية كان كلهم كبعضهم و بعضهم ككلهم بل المولود في ذلك العالم كمجموعه و انما الاختلاف بحسب ظهوراتهم (ص) في العوالم الدانية لا من حيث انفسهم فان نورهم و طينتهم واحدة طابت و طهرت بعضها من بعض فاذا عرفت ذلك و تبينت ما هنالك فاعلم ان آية العالم الاعلي في العالم الاسفل و ان كانت آية له لكن لا شك انها ليست بقوة ذلك العالم الاعلي و كمال فعليته و غلبته فالعقل في عالمه في غاية القوة و كمال الفعلية لكن [ص 101] آيته الظاهرة في الروح او النفس او ما دونهما ليست بهذه القوة و الفعلية بداهة لغلظة مادة السافل و ضيقها و عدم حكايتها عن الاعلي علي ما ينبغي الاتري ان العقل الاول مع كمالاته اللانهاية لما امر بالادبار ادبر حتي نزل الي هذا التراب و هو الآن موجود في التراب لكن تبدل حيوته بالموت و علمه بالجهل و احاطته بالمحدودية و قوته و قدرته بالعجز و هكذا تغير في كل عالم عن كيانه الاول علي حسب قربه و بعده و طول سفره و قصره و استعداد مادته فكل عالم دان يحكي من آيات العوالم العالية علي حسب شأنه و رتبته و لايحكيها كما هي في عالمها و لو كان له استعداد ذلك كان من اوله جزءا من ذلك العالم الاعلي فان عطاء الله سبحانه علي حسب استعداد القوابل و مسألتها فلو كان للمادة السافلة هذا الاستعداد كانت من اول الامر في صورة العالم الاعلي و ماكان عطاء ربك محظورا فاذا لم‌يكن فهذا مما لايكون ان يصير الجسم مثالا و المثال مادة و هكذا فآية العقل ليست كالعقل و آية الروح ليست كالروح و هكذا بل الآية التي للعقل في الجسم ليست كآية العقل في المثال او كآيته في النفس مثلا بل يترتب الدرجات و المقامات فآية العقل في عالم الروح آية العقل من غير فصل و واسطة لاتصال الروح بالعقل و اشبه الآيات به و لكن آية العقل في النفس آية آية العقل فهي آيته بواسطة و آيته في [ص 102] الطبع آية آية آية العقل فهي آيته بواسطتين و هكذا و كلما بعدت الآية عن مبدئها ضعفت بنيتها و قلت فعليتها بلا شك و ان كان ظهور كل عال في الداني و لكن مع ذلك العالي في علوه اقوي و اشد من الداني في دنوه كما لايخفي فتدبر فيما ذكرت لتفوز بالمراد فانه دقيق و بالتدبر فيه حقيق ثم اعلم ايضا ان مشية الله سبحانه التي خلق الله بها الاشياء كلها لما كانت امكانية مطلقة لايدرك فيها و منها كمال الله سبحانه الا بظهورها في الكون بل لايتم وجودها الا بالتمثل كما يظهر من قوله (ع) لم‌يمثل فيكون موجودا ، تمثلت في صورة العقل و جعلته وكرها و كمها و موقع اظهار افعالها و كمالاتها اجمع بحيث لايشذ عنها شاذ و لايخرج من تحتها خارج فاول ما تجلت به المشية العقل و من هنا ورد في اخبار كثيرة ان اول ما خلق الله العقل اي اول ما خلق الله من الاكوان و لا شك ان العقل اذا كان اول مخلوق فخلق و الخلق سابق عليه و هو قول الصادق (ع) خلق الله العقل من اربعة اشياء من العلم و القدرة و النور و المشية بالامر فجعله قائما بالعلم دائما في الملكوت . اقول فالمشية سابقة عليه الا ان الغرض انما يحصل في صورة العقل و تكوينه بالجملة ثم ان الاشياء كلها انما تصدر عن المبدأ بوساطة العقل و هو قوله تعالي تنزل الملائكة و الروح فيها باذن ربهم من كل امر و نزول الآية بكل امر فان من دال علي [ص 103] التبعيض و لا تبعيض هنا و كل الامور بواسطة الروح و هي العقل و تقديم الملائكة ليس من باب شركتهم مع الروح في الوساطة بل من باب انهم اياديه و آلاته كقولك كتبت بالقلم و كتبت ايديهم و لعله يمكن ارجاع ضمير فيها الي الملائكة علي احد المعاني فان النزول من شأن الملائكة و لكن الروح محيط بها مستول عليها محيط بالاشياء من جميع جهاتها فهو في نفسه لايحتاج الي النزول لانه من شأن المحدود المتناهي فالملائكة تتنزل و الروح فيها كالروح في البدن مثلا و اعلم اني لم‌ار نصا يدل علي ما ذكرت و من هنا قلت لعله و لكن رأيت النص و الحمد لله و هو ما سئل ابوجعفر عليه السلام عن قول الله ينزل الملائكة بالروح من امره علي من يشاء من عباده فقال جبرئيل الذي نزل علي الانبياء و الروح تكون معهم و مع الاوصياء لاتفارقهم تفقههم و تسددهم من عند الله الخبر و سئل ابوعبدالله (ع) عن قوله و كذلك اوحينا اليك روحا من امرنا فقال منذ انزل الله ذلك الروح علي محمد (ص) لم‌يصعد الي السماء و انه لفينا انتهي ، فتدبر فانه معني دقيق لطيف و الغرض ان الاشياء كلها انما تصدر عن المبدأ بوساطة العقل و هو قول اميرالمؤمنين عليه السلام في صفة العقل جوهر دراك محيط بالاشياء من جميع جهاتها عارف بالشئ قبل كونه فهو علة الموجودات و نهاية المطالب و في حديث عن النبي (ص) حكاية عن الله تعالي [ص 104] خطابا اليه ماخلقت خلقا اعظم منك و لا اطوع منك بك ابدئ و بك اعيد لك الثواب و عليك العقاب ، و الاخبار بهذه المعاني كثيرة و بعبارة اخري كلما يوجد في الملك فانما يوجد باسماء الله و معانيه الظاهرة في مشيته تعالي و المشية كما عرفت تتمثل اولا في الفؤاد ثم في العقل و لولا العقل لم‌يكن لله سبحانه مشية و ذلك لأنها فعل لا بد ان يتعلق بمفعول و لايتصور الفعل بلا مفعول الا كما يترائي في الظاهر من الافعال الضعيفة غير الجارية و مع ذلك لاتخلو عن المفعول الحقيقي و فعل الله سبحانه قوي لا ضعف فيه و من هنا ورد انه لايكون الارادة الا و المراد معه فلا مشية الا و العقل الذي هو اول المشاءات معها و هو ظاهرها و كمها و وكرها فلايجري شئ من افعال الله سبحانه في الملك الا بهذا السبب الاعظم و ابي الله ان يجري الاشياء الا بالاسباب و هذا العقل هو روح محمد صلي الله عليه و آله التي قال تعالي و كذلك اوحينا اليك روحا من امرنا ماكنت تدري ما الكتاب و لا الايمان و لكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء و هو روح النبي و نوره (ص) الذي هو اول ما خلق الله كما في حديث جابر و غيره و لما كان سببا لخلق كل شئ فالنبي صلي الله عليه و آله و الائمة (ص) ايضا حيث انهم مشاركون له في تلك الروح كما قالوا انه لفينا يقدرون باذن الله و عونه علي ما يشاؤن من غير استثناء فان جميع [ص 105] افعال الله سبحانه صدرت منه علي ايديهم و هم اياديه و اسبابه في الملك كما قال (ع) و نحن السبب فيما بينكم و بين الله و تقرأ في الزيارة ان من شئ لنا الا و انتم له السبب و اليه السبيل ، فلو شاؤا لخرقوا الارض و صعدوا السماء و جعلوا السماء ارضا و الارض سماءا و الدنيا آخرة و الآخرة دنيا و لايشاؤن مع ذلك الا ما يشاء الله و لايعجزون عن شئ و هم قدرة الرب و مشيته كما في حديث طارق ابن شهاب عن اميرالمؤمنين (ع) فاذا كانوا سلام الله عليهم قدرته تعالي فقد استطالت قدرته علي كل شئ فلايمكن تحديد افعالهم و معجزاتهم بأنها تسعة مثلا او ثمانية بل هي بقدر افعال الله فانها كلها جارية علي ايديهم و الحروف الاثنان و السبعون من الاسم الاعظم كلها عندهم و قد علم آصف بن برخيا حرفا منه من ظل ما علموا فأتي بعرش بلقيس من سبأ الي سليمان (ع) قبل ان يرتد اليه طرفه و كان عند آصف علم من الكتاب اي بعضه فكيف بمن كان علم الكتاب كله عنده حيث قالوا عليهم السلام علم الكتاب كله والله عندنا ، بالجملة و الغرض ان افعال الله سبحانه كلها جارية علي ايديهم و الفرق بين المعجزات و غيرها انها ان جرت علي مقتضي الحكمة العامة و عادة الله سبحانه في نوع الملك فهي من الامور العادية و منهم خرجت و بهم قامت و ان لم‌تعرف الجهال ذلك [ص 106] لخفاء سببيتهم فيها لأنها ظاهرا بالاسباب العامة و ان جرت بمقتضي الحكمة الخاصة و امره تعالي خلافا لعادته علي ايديهم و السنتهم الظاهرة فهي معجزة يعجز الخلق عن الاتيان بمثلها و الا فلو كان لنا معرفة و بصيرة و كنا نشاهد فاعليتهم من وراء كل سبب و آلة في الملك لم‌نحتج الي سؤال المعجز و مشاهدته بالجملة ثم ان الانبياء صلوات الله عليهم علي ما ذكرنا و هو الظاهر من بعض الاخبار انهم من مواليد عالم الروح دون العقل و العقل مختص بآل‌محمد عليهم السلام و لكن الظاهر من بعض الاخبار انهم ايضا من مواليد عالم العقل ففي حديث عن رسول الله صلي الله عليه و آله و لابعث الله رسولا و لا نبيا حتي يستكمل العقل و يكون عقله افضل من عقول امته و في حديث جنود العقل عن ابي‌عبدالله عليه السلام لاتجتمع هذه الخصال كلها من اجناد العقل الا في نبي او وصي نبي او مؤمن قد امتحن الله قلبه للايمان و اما ساير ذلك من موالينا فان احدهم لايخلو من ان يكون فيه بعض هذه الجنود حتي يستكمل و ينقي من جنود الجهل فعند ذلك يكون في الدرجة العليا مع الانبياء و الاوصياء و انما يدرك ذلك الفوز بمعرفة العقل و جنوده و مجانبة الجهل و جنوده وفقنا الله و اياكم لطاعته و مرضاته و عن الكاظم عليه السلام مابعث الله نبيا الا عاقلا حتي يكون عقله افضل من جميع جهد المجتهدين و كذلك ورد عن اميرالمؤمنين [ص 107] عليه السلام في حديث في السابقين انهم انبياء مرسلون و غير مرسلين فيهم خمسة ارواح روح القدس و روح الايمان و روح القوة و روح الشهوة و روح البدن فبروح القدس بعثوا انبياء مرسلين و غير مرسلين و بروح الايمان عبدوا الله و لم‌يشركوا به شيئا الي ان قال ثم قال تلك الرسل فضلنا بعضهم علي بعض منهم من كلم الله و رفع بعضهم فوق بعض درجات و آتينا عيسي بن مريم البينات و ايدناه بروح القدس ثم قال في جماعتهم و ايدهم بروح منه يقول اكرمهم بها و فضلهم علي من سواهم الحديث ، و كذلك اخبار اخر دالة علي وجود روح القدس فيهم و معهم و انه من الله و لايلهو و لايلعب و لايتغير و لايصيبها الحدثان و بها علموا ما دون العرش الي ما تحت الثري و لكن هنا حديث يدل علي ان الروح روحان روح القدس و روح من امر الله و ما من نبي و لا ملك الا و نفخ فيه من احدي الروحين غير اهل البيت سلام الله عليهم فانه نفخ فيهم من الروحين جميعا فاطيب بها طيبا و يمكن الجمع بين مختلفات الاخبار بان نقول ان مقام آل‌محمد عليهم السلام عرصة الفؤاد فوق العقل و هو قوله تعالي ماكذب الفؤاد ما رأي اي ماكذب فؤاد محمد ما رأت عيناه و قوله تعالي ان في ذلك لآيات للمتوسمين و هم المتوسمون حقيقة و انما تجلوا في عرصة الروح روح القدس و هو يخدمهم هنا و يذوق من حدايقهم باكورة [ص 108] الوجود و هو قول العسكري عليه السلام ان روح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقنا الباكورة ، و اما الانبياء سلام الله عليهم فهم بحسب ذاتيتهم من عرصة الروح روح القدس كما يظهر من الاخبار و من هنا قال العسكري (ع) عقيب ذلك ان الكليم لما عهدنا منه الوفاء البسناه حلة الاصطفاء ، ثم من بعد ذلك تنزل الانبياء في عرصة الروح الملكوتي و دونه الي آخر الدرجات و هذا وجه وجيه صحيح يظهر من الاخبار و بوجه آخر يرتفع به اشكال آخر نقول ان كلية روح القدس و جمعه و كماله انما هو مختص بهم (ص) لايشاركهم فيه احد و هو قولهم (ع) نفخ فينا من الروحين جميعا و اما الانبياء صلوات الله عليهم فلم‌ينفخ فيهم الروح بكله و جمعه و لكنهم بمنزلة مواليد هذا العالم و فيهم وجوه الروح و رأوسه و شأونه و هي من حيث الصدور من هذا العالم و لكن ظهورها علي نحو التشخص و الخصوصية في عرصة الروح الملكوتي فمن هنا سلب عن الانبياء (س) روح القدس تارة لانه بكله و جمعه مختص بآل‌محمد عليهم السلام و ثبت لهم اخري لان رأوسه و وجوهه فيهم بالجملة فعلي اي حال روح القدس و هو العقل اول ما خلق الله من الاكوان انما هو من الارواح الخمسة الثابتة للانبياء سلام الله عليهم و لكنه كما عرفت فيهم جزئي متشخص متعين و يصدر منه المعجزات و خوارق العادات و لكن لكل واحد [ص 109] منهم بعض المعجزات فلبعضهم تسع آيات مثلا و بعضهم يبرء الاكمه و الابرص و يحيي الموتي باذن الله و ينبأ بما يأكلون و يدخرون مثلا و لااحكم باختصاص قدرتهم (س) فيما فعلوا و لكن الغرض ان اجزاء الروح ليست كالروح المطلق كما ان اجزاء الجسم ليست كالجسم المطلق الجامع لجميع جزئياته بداهة فللروح الكلي قدرة و هيمنة علي جميع الافعال فانه علة الموجودات و نهاية المطالب و لكن الارواح الجزئية ليست بهذه الدرجة و من هنا يصدر من نبينا (ص) و الائمة (ع) معجزات جميع الانبياء اذا شاؤا و ارادوا و لاتختص آياتهم في اشياء خاصة و اما الانبياء فلهم آيات خاصة و كذلك علم آل‌محمد (ع) لايحد بحد و علم الانبياء (س) علي حسب درجاتهم و هكذا و كل ذلك من جهة اختصاص الروح في الانبياء و كليته في آل‌محمد عليهم السلام و لكن مع ذلك للانبياء سلام الله عليهم نصيب من الروح و هو فيهم بالفعل ثم دون درجتهم (ع) مقام الاولياء من النقباء و النجباء و الابدال و الاوتاد و هو قول اميرالمؤمنين عليه السلام في الخبر الذي مر بعضه و اما ما ذكرت من اصحاب الميمنة فهم المؤمنون حقا باعيانهم فجعل فيهم اربعة ارواح روح الايمان و روح القوة و روح الشهوة و روح البدن اقول فروح القدس بذاته علي حذو ما يكون في الانبياء سلام الله عليهم لايكون في اصحاب الميمنة و يدل علي ذلك قول [ص 110] علي بن الحسين عليهما السلام ان الله عز و جل خلق النبيين من طينة عليين قلوبهم و ابدانهم و خلق قلوب المؤمنين من تلك الطينة و جعل ابدان المؤمنين من دون ذلك الحديث ، و لايخفي ان قلوب المؤمنين من طينة ابدان النبيين في عليين و لعليين درجات لا محالة و طينة قلوب الانبياء اعلي و اشرف من طينة ابدانهم و يصرح بهذا المعني ايضا قوله (ع) حيث يقول الطينات ثلثة طينة الانبياء و المؤمن من تلك الطينة الا ان الانبياء من صفوتها هم الاصل و لهم فضلهم و المؤمنون الفرع من طين لازب الحديث ، و فصل المقامات في حديث رسول الله صلي الله عليه و آله لجابر حيث قال اول شئ خلق الله تعالي ما هو فقال نور نبيك يا جابر خلقه الله ثم خلق منه كل خير الي ان قال ثم نظر اليه بعين الهيبة فرشح ذلك النور و قطرت منه مأة‌الف و اربعة و عشرون‌الف قطرة فخلق الله من كل قطرة روح نبي و رسول ثم نفست ارواح الانبياء فخلق الله من انفاسها ارواح الاولياء و الشهداء و الصالحين . اقول فلا شك ان الاولياء من الشيعة دون درجة الانبياء عليهم السلام بحسب الطينة و المقام و قد قامت ضرورة الفرقة المحقة علي ذلك و اليها يرد ما خالف ذلك فان المتشابهات ترد الي المحكمات و من المتشابهات هنا ما ورد في المؤمنين من كمال عقلهم كما سمع جعفر بن محمد عليهما السلام يقول لايكون المؤمن مؤمنا [ص 111] حتي يكون كامل العقل ، و كذا ورد عن الصادق (ع) في جنود العقل انها لاتجتمع الا في نبي او وصي نبي او مؤمن قد امتحن الله قلبه للايمان و من المتشابهات ما ورد من سنن ادريس علي نبينا و آله و عليه السلام ان الله لما احب عباده وهب لهم العقل و اختص انبياءه و اولياءه بروح القدس فكشف لهم عن سرائر الديانة و حقايق الحكمة الي آخر و كذا من المتشابهات ما ورد عن ابي‌جعفر (ع) سمع يقول ان الله خلقنا من اعلي عليين و خلق قلوب شيعتنا مما خلقنا منه ثم تلا هذه الآية كلا ان كتاب الابرار لفي عليين و ما ادراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون الحديث . اقول و يرفع التشابه مرة بملاحظة ما سبق من البيان ان آيات المراتب العالية موجودة في المراتب الدانية و هي مسماة باساميها كما تسمي الشبح في المرآت باسم الشاخص و نور الشمس باسم الشمس و هو حق و حقيقة بعد حقيقة و لكن مع ذلك ليس الشبح كالشاخص و لا نور الشمس كالشمس بداهة و ان كان لاتظهر آثار الشمس الا من نورها و لكن مع ذلك النور نور و تابع و الشمس منيرة و متبوعة و اين الثريا من يد المتناول فالفرق بينهما كثير و لايبلغ النور درجة المنير و ان كان النور اذا خلص و صفا لايري منه الا المنير و لكن مع ذلك تري ان نور السراج ينطبع في عينك بحيث لاتري منه الا السراج و لكنك تعلم علما انه نور السراج و لو كان السراج نفسه لاذاب عينك و احرقها [ص 112] و هنا ايضا نقول ان آيات الروح و العقل تظهر في المراتب الدانية و هي دون الحقايق العالية بسبعين درجة و لايقاس بها كما لايقاس نور الشمس بالشمس و ان كان لايري من الآية الا ذو الآية و لايسمي الا باسمها فتدبر و مرة يرفع التشابه بملاحظة ما سبق ايضا ان الاعالي لها ظهورات و جلوات في العوالم الدانية فاذا قيل ان المؤمن من طينة الانبياء او الائمة (ع) فالمراد من ذلك ان للانبياء و الائمة (ع) ظهورات في عرصة المؤمنين و ارواحا من سنخ ارواح المؤمنين في مقام انا بشر مثلكم فيقاس طينة المؤمن الي تلك الطينة التي من جنس طينتهم و قد مر من الاخبار ما يدل علي هذا المعني و يدل عليه ايضا ما روي عن ابي‌الحجاج قال قال لي ابوجعفر عليه السلام يا اباالحجاج ان الله خلق محمدا و آل‌محمد من طينة عليين و خلق قلوبهم من طينة فوق ذلك و خلق شيعتنا من طينة دون عليين و خلق قلوبهم من طينة عليين فقلوب شيعتنا من ابدان آل‌محمد الحديث . اقول فحاصل الكلام ان الاولياء دون درجة الانبياء و حقيقة العقل الفعال و روح القدس لاتظهر فيهم اذ ليسوا من اهل تلك العرصة و لكن اشباح المراتب العالية و اظلالها تظهر فيهم و تسمي باسمهم و تعمل عملهم بحسب مقامها و لكن العامل حقيقة هو المنير لا النور من حيث نفسه اليس انك تقعد في نور الشمس فيسخنك فتقول ان [ص 113] الشمس سخنتني و الشمس حارة و هو الحق لا غير و لا سخونة و حرارة للنور من حيث نفسه بل هو من حيث نفسه ظلمة باردة و من حيث حكايته و دلالته علي الشمس نور حار محرق فعمله ايضا عمل الشمس و فعله فعلها و ان كان لاتعمل الشمس شيئا الا بالنور في موضع النور حتي انك لو سرت في درجات النور صاعدا الي حيث يبلغ غاية اللطافة و الصفاء وصلت الي مقام لاتحس حرارة الشمس بل و لعل نورها ايضا لايحس علي حذو ما يحس في الارض و في الهباء و ذلك لان الفعل لا بد ان يكون من جنس المنفعل فان كان المنفعل كثيفا لا بد ان يظهر الفعل في مظاهر كثيفة فيتكثف الفعل و يتغلظ حتي يدركه المنفعل فنور الشمس ان كان بلطافته اذا صدر عن الشمس لم‌تكد تدركه اعين اهل الارض و تلمسه اخماسهم الاتري الهواء في رأوس قلل الجبال ابرد مع انك تعلم ان المسافة بينها و بين الشمس اقل من وجه الارض لا محالة و لكن رأوس الجبال لما كان الهواء لطيفا و الهباء رقيقا هناك لم‌تحك من حرارة الشمس الا اقل ما يحكي منها في الارض بالجملة و الغرض ان الآثار العلوية مهما لم‌تظهر في مظاهر سفلية لم‌يؤثر في السفليات حق التأثير و من هنا قلنا ان الانبياء و الائمة (ص) ايضا لهم ابدان و ظهورات في مقام انا بشر مثلكم و فيها و منها يظهرون الآيات و المعجزات ليتم الحجة بذلك علي ساير البشر و في ذلك نكتة اخري دقيقة [ص 114] اشار اليها النبي صلي الله عليه و آله في احتجاجه علي المشركين حيث قال و اما قولك لي و لو كنت نبيا لكان معك ملك يصدقك و نشاهده بل لو اراد ان يبعث الينا نبيا لكان انما يبعث ملكا لا بشرا مثلنا فالملك لاتشاهده حواسكم لانه من جنس هذا الهواء لا عيان منه و لو شاهدتموه بان يزاد في قوي ابصاركم لقلتم ليس هذا ملكا بل هذا بشر لانه انما كان يظهر لكم بصورة البشر الذي الفتموه لتفهموا عنه مقاله و تعرفوا خطابه و مراده فكيف كنتم تعلمون صدق الملك و ان ما يقوله حق بل انما بعث الله بشرا و اظهر علي يده المعجزات التي ليست في طبايع البشر الذين قد علمتم ضماير قلوبهم فتعلمون بعجزكم عما جاء به انه معجزة و ان ذلك شهادة من الله تعالي بالصدق له و لو ظهر لكم ملك و ظهر لكم علي يده ما يعجز عنه البشر لم‌يكن في ذلك ما يدلكم ان ذلك ليس في طبايع ساير اجناسه من الملائكة حتي يصير ذلك معجزا ألاترون ان الطيور التي تطير ليس ذلك منها بمعجز لان لها اجناسا يقع منها مثل طيرانها و لو ان آدميا طار كطيرانها كان ذلك معجزا فالله عز و جل سهل عليكم الامر و جعله بحيث يقوم عليكم حجته و انتم تقترحون عمل الضعيف الذي لا حجة فيه الخبر . اقول نقلته بطوله لكثرة محصوله و تدبر فيه و اعرف منه صحة ما ذكرنا انه لا بد ان تكون للحجج سلام الله عليهم مظاهر من جنس ساير [ص 115] البشر و لا بد و ان تظهر معجزاتهم علي ايدي تلك المظاهر حتي يعرف البشر بذلك انها معجزة و لو اقتصروا علي صورهم الحقيقية في عرصة الروح مثلا لم‌يدركهم الناس اولا و لو زيد في قوي ابصارهم حتي يدركوهم فاولا قالوا انهم بشر لانه لا بد و ان يظهروا بصورة البشر و ثانيا لو لم‌يكونوا بصورة البشر المباشر لهم و ظهر علي ايديهم المعجزات لم‌يكن في ذلك ما يدلهم اي الناس علي انه ليس في طبايع ساير اجناسهم اي الحجج ممن لم‌يبعث و لم‌يرسل لأنهم باجمعهم مؤيدون بالروح و يمكن ان يظهر منهم الآيات و المعجزات علي حذو ما مثل النبي (ص) بالطيور فتدبر في الحديث الشريف و ما اشرنا اليه من البيان حتي تعرف انه لا بد للحجج ان يظهروا في عالم الاناسي اي النفس الملكوتية التي هي دون رتبة الحجج في صورة الاناسي محدودة بحدودها متعينة بتعيناتها حتي اذا اظهروا الآيات و المعجزات يعرف ساير البشر عجزهم عن الاتيان بمثلها فيتم لهم الحجة بذلك بالجملة ماكنت بصدد هذا البيان و لكنه جري استطرادا فتدبر تجد و الحاصل ان الحجج و ان ظهروا علي هياكل ناسوتية و لكن لهم ارواح جبروتية حقيقية و يظهر منها المعجزات علي مقتضي عالم الجبروت و هياكلهم الناسوتية ايضا من اعدل ما في تلك العرصة و اشرفها و الطفها و احكاها للمبادي العالية و لولا ذلك الاعتدال و اللطافة ماكانت تحكي [ص 116] عنها فان قيل ان تلك الهياكل بشر مثلكم فالمراد منه المماثلة في الجنس لا انها من صنفهم و نوعهم فان الخطاب الي مجموع الانواع و لايمكن المماثلة الا ان يكون المراد المماثلة في الجنس فقط فتلك الهياكل اعدلها و افضلها لا محالة فلهم حقايق جبروتية و ظهروا علي هياكل ناسوتية بشرية و اما غيرهم من ساير الاولياء فليس لهم تلك الارواح حقيقة و لكن تظهر فيهم اشباحها و انوارها علي حسب استعداد القوابل و المثل في ذلك للتقريب ان المشاعر البرزخية لاتحصل حقيقة الا في حيوانية الانسان بكمال لطافتها و حكايتها عن شئون النفس الملكوتية و صفاتها و لكن قد يري بعض آثارها و اظلالها في بعض الحيوانات المعتدلة فيري فيها اثر الخيال بل الفكر و الوهم و ذلك لاعتدالها في الجملة و كذلك الامر فيما نحن فيه و لهم المثل الاعلي فاذا عرفت ذلك علي نحو الاجمال اقول ان لآل‌محمد صلوات الله عليهم في عرصة النفس الملكوتية ظهورات من اشرفها و الطفها و هو عرش العالم العلوي لايشاركهم في هذا المقام احد حتي الانبياء (ص) و للانبياء صلوات الله عليهم ظهورات في العالم العلوي و هي من كرسي هذا العالم و لايشاركهم في حقيقته المؤمنون و انما يؤخذ ارواح المؤمنين و هم اصحاب الميمنة و حقايقهم في ذلك العالم اذا ترقوا و بلغوا و كملوا من فلك البروج و المنازل الا ان من باب ان كل شئ فيه [ص 117] معني كل شئ هذا المقام ايضا له اعلي و اسفل و درجات علي حسب كلية العوالم فالنقباء من المؤمنين يصلون الي عرش هذا المقام مما يلي حقيقة الكرسي اي يصعدون الي ظاهر الكرسي و الانبياء هم الاصل و الاولياء الفرع من طين لازب متصل بالاصل فان الفرع ان انفصل عن الاصل ذبل و يبس و انقطع و النجباء يصلون الي كرسي ذلك المقام و افلاكه اي مقام فلك البروج و المنازل علي حسب مراتبهم ثم ان نور العرش و الكرسي الحقيقيين الذين هما طينة الائمة و الانبياء (س) يظهر في مقام المؤمنين فيظهر من النقباء منهم آثار و استجابة دعوات و لكن كما ان نفس طينتهم فرع طينة الائمة و الانبياء (س) و هم الاصل كذلك الآثار الناشئة عنهم فرع الآثار الناشئة عن الانبياء و انما هي قائمة بالاصل لا بنفسها و الاثر اثر الاصل و الفعل فعله كما ان ثمر الشجرة من الاصل و لولا الاصل لم‌يثمر و لو انك اخذت فرعا من كبار الاغصان مقطوعا من الاصل فعما قريب ييبس ورقه و ثمره و لايفيد شيئا و لكن مهما كان متصلا بالاصل مستمدا منه متقويا به يثمر و يفيد فالثمر ثمر الاصل اخرجه في ذلك الغصن لا من الغصن نفسه و كذلك الامر فيما نحن فيه فان الشيعة اذا كملوا و بلغوا فهم فروع شجرة آل‌محمد عليهم السلام و الانبياء دوحتها و معظم فروعها و لاتنفك الدوحة بل الفروع ايضا من الاصل و ما ذكرنا من باب الفرض كان لاجل [ص 118] ان تعرف الفرق بين الاصل و الفرع و الا فكيف ينقطع الفرع الذي هو بالنسبة الي الاصل كشعاع الشمس من الشمس و قد قالوا (ع) ان شيعتنا منا كشعاع الشمس من الشمس فمنهم بدئوا و اليهم يعودون و ورد انه مهما بدا لله في شئ فلايبدو له في امامة امام و نبوة نبي و ايمان مؤمن امتحن الله قلبه للايمان رويته بالمعني و الغرض انه لاينفك الفرع عن الاصل بعون الله و حفظه و يستمد الفرع من الاصل و يظهر نور الاصل في الفرع و لكن النور نور الاصل و الظهور ظهوره و يشرح ما ذكرنا و يبينه ما قال العسكري عليه السلام في حديث وقع ظهور كرامات من احد مواليه (ع) و قد اتهمه الوالي بالسرقة و آذاه و ضربه لكن لم‌تعمل ضرباته فيه شيئا الي ان قال الوالي له عليه السلام قد رأيت منه المعجزات قال الامام عليه السلام للوالي و انت فقد كذبت كذبة لو تعمدتها و كذبتها لابتلاك الله بضرب الف سوط و سجن ثلثين سنة في المطبق قال و ما هي يا بن رسول الله قال بزعمك انك رأيت له المعجزات ان المعجزات ليست له انما هي لنا اظهرها الله فيه ابانة لحجتنا و ايضاحا لجلالتنا و شرفنا و لو قلت شاهدت فيه المعجزات لم‌انكره عليك اليس احياء عيسي الميت معجزة افهي للميت ام لعيسي اوليس خلقه من الطين كهيئة الطير فصار طيرا باذن الله أهي للطائر او لعيسي اوليس الذين جعلوا قردة خاسئين معجزة افهي معجزة للقردة [ص 119] او لنبي ذلك الزمان فقال الوالي استغفر الله و اتوب اليه . اقول فالامر علي ما ذكره عليه السلام و ان كان الفرق بين مواليهم الضعفاء و شيعتهم النقباء رضوان الله عليهم كالفرق بين الارض و السماء و لكن مع ذلك هم (ص) الاصل و الانبياء سلام الله عليهم الذين هم بمنزلة الدوحة ايضا لهم اصالة بالنسبة الي الفروع و الاغصان و وساطة و سفارة لا محالة و لهم فضلهم و اما المؤمنون فهم الفرع من طين لازب و قد يظهر علي ايديهم الكرامات و لكنها معجزات من الائمة (ع) اظهروها اثباتا لحجتهم و كرامة لشيعتهم و قد يظهر من عمل سلمان اعلي الله مقامه في دعائه علي اليهود الذين آذوه و ضربوه انهم رضوان الله عليهم لايسبقون ائمتهم (ع) في اظهار الكرامات و هم بامرهم يعملون حيث انه رفع الله شأنه لم‌يدع علي اليهود احتياطا من ان يكون فيهم من قد علم الله انه سيؤمن حتي انفرج له حائط البيت الذي هو فيه مع القوم و شاهد رسول الله صلي الله عليه و آله و هو يقول يا سلمان ادع عليهم بالهلاك فليس فيهم احد يرشد كما دعا نوح علي قومه لما عرف انه لن‌يؤمن من قومه الا من قد آمن و ليكن الامر في جميعهم هكذا و انما يجري علي ايديهم الافعال بمسألة آل‌محمد (ع) الله تعالي كما ان عمر بن الفرات رضوان الله عليه ايضا اظهر بعض الكرامات لزيد بن كثير فاجاب عن مسائله قبل ان يسأل و ارسله بطي الارض الي مكة ليحج [ص 120] و اعاده اليه فلما عاد يقول زيد عدت الي سيدي ابي‌الحسن عليه السلام فقال لي ارأيت فضل الله علينا و علي بابي عمر بن الفرات فقلت نعم يا مولاي فقد رأيت فلله الشكر و الحمد و لكم الحمد الكثير فقال ذلك والله بمسألتي الله تعالي فيه . اقول فكل ما يجري علي ايديهم انما هو بمسألتهم الله تعالي في شيعتهم حتي انهم قد يظهرون امثال ذلك علي ايدي اضعف منهم كما ان عمار رضوان الله عليه شكا الي اميرالمؤمنين عليه السلام من ضلع الدين فقال له ادع الله بحقي ان يجعل لك هذا الحجر ذهبا فدعا بحقه (ع) و انقلب الحجر ذهبا ثم تعسر عليه تقطيعه فقال (ع) يا ضعيف اليقين ادع الله تعالي بحقي ان يلينه لك فدعا الله تعالي و اجابه من ساعته فامثال عمار ضعفاء اليقين و لم‌يظهر فيهم من اثر الروح ما يشتد و يقوي يقينهم و لكن امثال سلمان و نظراؤه اعلي الله مقامهم اثر الروح فيهم علي كمال ما ينبغي فيهم و هم مع ذلك محدثون ملهمون بالهام امامهم و اينما رأوا الصلاح في اظهار امر يظهرون بقوة نور الامام (ع) في قلوبهم و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين و نكتفي بما ذكرنا في جواب مسائلكم و قد كنت اريد ان اكتب الجواب بالفارسية توضيحا لكم حتي رأيت ان المسائل صعبة علمية و بيانها علي ما ينبغي بالعربية اسهل و اهنأ علي [ص 121] انها كلما كانت مستورة علي الجهلة من اهل التعنت و العناد اولي و احري و جعلنا من بين ايديهم سدا و من خلفهم سدا فاغشيناهم فهم لايبصرون .