الباب الثامن

في الاستخارة بطلب تعريف الخيرة علي السنة الاخوان .

كما روي في قوله تعالي و شاورهم في الامر يعني الاستخارة فانها ايضا طلب خير و ذلك باب كامل في حده يرجي فيه الاطلاع علي حقيقة الخيرة و هو حري بان نبسط القول فيه و كأنه قد انقرض هذا الامر في آخر الزمان لاعجاب كل ذي رأي برأيه و عدم اعتماد بعض الناس علي بعض و اختلاف القلوب و النفاق الشايع و عدم الصداقة [ص 68] بين الناس الا في قليل من المؤمنين فاني ابسط القول في هذا الباب عسي الله ان يجدد هذا الامر بين اخواننا اعلم ان الله سبحانه هو خالق الخلق العليم به الخبير بحقايقه الايعلم من خلق و هو اللطيف الخبير ، هو اعلم بكم اذ انشأكم و اول ما خلق العقل فجعله جوهرا دراكا علة للاشياء محيطا بها من جميع جهاتها عارفا بها قبل كونها و هو ملك استودعه الله علم ما كان و ما يكون و جعله بكليته في محمد و آل‌محمد عليهم السلام و هو الروح القدس كما شرحناه في ساير كتبنا و له رؤس بعدد الخلايق يشرق نور كل رأس في قلب مخلوق و به يكون ذلك المخلوق عالما بما اريد له و منه فان اتبعه يكون علي حسب ما خلق له و يدعوه الي ما اراد الله منه و يكون بذلك مؤمنا محبوبا مرضيا لله سبحانه عارفا بالاشياء علي حسب ما قدر له و ان اختار عليه النفس الامارة التي هي وزير الجهل و اتبعها يعمي عن الحق و الحقايق علي الحق و يضل عن سواء السبيل فيكون كافرا و مشركا [ص 69] او منافقا او ضالا مبغوضا لله سبحانه فالمؤمنون هم المتبعون للعقل العارفون بالحقايق بقدر ما قدر لهم من ذلك العقل العالمون بما يرضي الله سبحانه و يحبه فقد روي في الكافي بسنده عن ابي‌عبدالله عليه السلام من كان عاقلا كان له دين و من كان له دين دخل الجنة و عن ابي‌جعفر عليه السلام انما يداق الله العباد في الحساب يوم القيمة علي قدر ما آتاهم من العقول في الدنيا و عن ابي‌عبدالله عليه السلام في حديث ان الثواب علي قدر العقل و عن النبي صلي الله عليه و آله ماقسم الله للعباد شيئا افضل من العقل فنوم العاقل افضل من سهر الجاهل و اقامة العاقل افضل من شخوص الجاهل و لابعث الله نبيا و لا رسولا حتي يستكمل له العقل و يكون عقله افضل من عقول جميع امته و ما يضمر النبي في نفسه افضل من اجتهاد المجتهدين و ماادي العبد فرايض الله حتي عقل عنه و لابلغ جميع العابدين في فضل عبادتهم ما بلغ العاقل و العقلاء هم [ص 70] اولوا الالباب الذين قال الله تبارك و تعالي انما يتذكر اولوا الالباب ، و عن موسي بن جعفر عليهما السلام في حديث هشام يا هشام ان العقل مع العلم فقال و تلك الامثال نضربها للناس و مايعقلها الا العالمون الي ان قال يا هشام مابعث الله انبياءه و رسله الا ليعقلوا عن الله فاحسنهم استجابة احسنهم معرفة و اعلمهم بامر الله احسنهم عقلا و اكملهم عقلا ارفعهم درجة في الدنيا و الآخرة يا هشام ان لله علي الناس حجتين حجة ظاهرة و حجة باطنة فاما الظاهرة فالرسل و الانبياء و الائمة و اما الباطنة فالعقول الي ان قال يا هشام نصب الحق لطاعة الله و لا نجاة الا بالطاعة و الطاعة بالعلم و العلم بالتعلم و التعلم بالعقل يعتقل و لا علم الا من عالم رباني و معرفة العلم بالعقل الي ان قال يا هشام ان اميرالمؤمنين عليه السلام كان يقول ان من علامة العاقل ان يكون فيه ثلث خصال يجيب اذا سئل و ينطق اذا عجز القوم عن الكلام و يشير بالرأي الذي يكون فيه صلاح اهله [ص 71] فمن لم‌يكن فيه من هذه الخصال الثلث شئ فهو احمق ان اميرالمؤمنين عليه السلام قال لايجلس في صدر المجلس الا رجل فيه هذه الخصال الثلث او واحدة منهن فمن لم‌يكن فيه شئ منهن فجلس فهو احمق و قال الحسن بن علي عليه السلام اذا طلبتم الحوائج فاطلبوها من اهلها قيل يا ابن رسول الله و من اهلها قال الذين قص الله في كتابه و ذكرهم فقال انما يتذكر اولوا الالباب قال هم اولوا العقول و عن ابي‌عبدالله عليه السلام دعامة الانسان العقل و العقل منه الفطنة و الفهم و الحفظ و العلم و بالعقل يكمل و هو دليله و مبصره و مفتاح امره فاذا كان تأييد عقله من النور كان عالما حافظا ذاكرا فطنا فهما فعلم بذلك كيف و لم و حيث و عرف من نصحه و من غشه فاذا عرف ذلك عرف مجراه و موصوله و مفصوله و اخلص الوحدانية لله و الاقرار بالطاعة فاذا فعل ذلك كان مستدركا لما فات و واردا علي ما هو آت يعرف ما هو فيه و لاي شئ هو هيهنا و من اين يأتيه و الي ما هو [ص 72] صاير و ذلك كله من تأييد العقل و عنه عليه السلام العقل دليل المؤمن و عنه عليه السلام قال قال اميرالمؤمنين عليه السلام اعجاب المرء بنفسه دليل علي ضعف عقله ، الي غير ذلك من الاخبار فالعاقل هو الذي اجتباه الله و حباه العقل و جعله عارفا بخيره و شره و صلاحه و فساده بل و حقايق الاشياء علي حسب عقله و قد فرق الله العقل في عباده و جعل في كل واحد شيئا منه فكل احد يعرف شيئا او اشياء او وجها منها او وجوها و جعل كل احد جاهلا بشئ او اشياء ليذله و يحوجه الي من يعرف ذلك الشئ او تلك الاشياء و يرتبط بذلك الخلق بعضه ببعض و لايحيط بجميع الاشياء الا العقل الكلي فبذلك احتاجت العقول الجزئية الي ارسال الرسل و انزال الكتب من الله سبحانه و احتاج كل احد فيما يجهله الي ان يتعلم ممن يعلمه فلو استبد فيما يجهله بجهله افسد عليه امره لا محالة فمن اراد صلاح امره و نجاته لزمه ان يستعلم في ما يجهله من يعلمه حتي يكون عالما [ص 73] و لذلك روي اعلم الناس من جمع علم الناس الي علمه ، و لاتقولن ان فلانا اقل عقلا مني و لا حاجة لي اليه فان كل احد يعلم شيئا لايعلمه غيره حتي الحمقاء و لاجل ذلك لم‌يأنف رسول الله و الائمة عليهم السلام من مشاورة الرعية تعليما لنا و ان كان عقولهم كاملة فعن معمر بن خلاد قال هلك مولي لابي‌الحسن الرضا عليه السلام يقال له سعد فقال اشر علي برجل له فضل و امانة فقلت انا اشير عليك فقال شبه المغضب ان رسول الله صلي الله عليه و آله كان يستشير اصحابه ثم يعزم علي ما يريد و عن الفضيل بن يسار قال استشارني ابوعبدالله عليه السلام مرة في امر فقلت اصلحك الله مثلي يشير علي مثلك قال نعم اذا استشرتك و قال علي عليه السلام لعبدالله بن عباس و قد اشار عليه في شئ لم‌يوافق رأيه عليك ان تشير علي فاذا خالفتك فاطعني و عن علي بن مهزيار قال كتب الي ابوجعفر عليه السلام ان سل فلانا ان يشير علي و يتخير لنفسه فهو اعلم بما يجوز في بلده و كيف [ص 74] يعامل السلطان فان المشورة مباركة قال الله لنبيه في محكم كتابه و شاورهم في الامر فاذا عزمت فتوكل علي الله فان كان ما يقول مما يجوز كتبت اصوب رأيه و ان كان غير ذلك رجوت ان اضعه علي الطريق الواضح ان شاء الله و شاورهم في الامر قال يعني الاستخارة ، فاحزم الناس من يسترشد العقلاء في امره و يستشير العلماء في جميع ما يستقبله و ان كان بحسب ظنه عالما بما يريد فان كل احد لو انصف من نفسه علم انه ليس يحيط بجهات شئ واحد فضلا عن جميع الاشياء فالعاقل من يستشير العقلاء في جميع اموره و ان كان عالما بصلاحه فان اشاروا عليه علي حسب علمه يتأكد علمه و يستيقن ان ما علمه صواب و ان اشاروا عليه بخلاف علمه يطلع علي جهات الشئ و ادلتهم و يميز بين الخير و الشر كما اذا اراد الانسان تصنيفا في علم من غير ان يراجع كتب العلماء بذلك العلم كان اصابته قليلا و كان معرفته باطراف مسائل ذلك العلم في غاية القلة [ص 75] و اذا جمع كتب القوم و اطلع علي ما عرفه كل واحد و ادلته و كان له مميزة عرف كثيرا من مسائل ذلك العلم و اطرافها و جهاتها و كان اصابته اكثر من خطائه و كذلك ساير امور العالم فاذا شاور الانسان اهل الخبرة بما يريد يطلع علي جهات معارفهم و ادلتهم و وجوه علومهم و صار علي بصيرة من امره فعن علي عليه السلام اضمم آراء الرجال بعضها الي بعض ثم اختر اقربها من الصواب و ابعدها من الارتياب الي ان قال قد خاطر بنفسه من استغني برأيه و من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطاء هذا مع ما فيها من المنافع العظيمة فمنها ان الانسان يطلع علي جهات ما يريد و يصير علي يقين من خيره و شره و منها ان يطلع علي مقدار عقول من يشاورهم و مقدار علمهم بالاختبار فيطيع من عرفه عاقلا عالما و يجتنب من عرفه غير عاقل فلايغتر بفهمه بعد و منها انه يطلع علي وليه و عدوه و يعرف الناس في لحن قولهم و مما يشيرون عليه من الخير و الشر [ص 76] و منها انه اذا عمل بقولهم لايقدرون علي ملامته اذا اصابه نكبة فيما يستقبله و يفعله احيانا و منها ان بها يتألف القلوب و يزداد المحبة بين المؤمنين حيث يعرف المشير المستشير ساكنا اليه معتمدا عليه تابعا له و منها انه يزداد عقول المؤمنين اذا استعملوها دائما في معرفة الخير و الشر و يكتسب بعضهم من بعض الخبرة و الاطلاع علي العواقب و منها ان الانسان يصير بذلك مستنبطا للعواقب من المبادي و المقدمات و مستخرجا للاقضية من المقادير و منها انه يصير مجربا حازما سديد الرأي سواء كان مشيرا او مستشيرا و يصير اصوب رأيا في اغلب الامور بعد و اذا بنوا علي ذلك يعتبر آراؤهم في اغلب الامور للممارسة و التجربة و يحصل لهم اعتبارات معتبرة في اغلب الامور فان اخطاوا مرة عرفوا وجه خطائهم و اجتنبوه في المرات الاخر فان رياضة المشاعر في استعمالها فيما خلقت لاجلها و منها ان كل احد يطلع علي ما يشهده و ليس يطلع علي ما يغيب عنه [ص 77] و صاحبه مطلع علي ما يغيب عنه فاذا ضم الانسان مقتضيات ما يشهده الي مقتضيات ما يغيب عنه كان اقرب الي الصواب و الاصابة لامحة ، و منها انه اذا تألف المؤمنون و سكن بعضهم الي بعض و حصل بينهم التوالي و الاعتماد كان يد الله عليهم و ينظر اليهم فيؤيدهم و يسددهم و يهديهم الي سبيل الرشاد لاسيما اذا قدم المستشير الاستخارة من الله ان يجري خيره علي لسان اخيه و سأل اخوه الله عز و جل ان يجري الخير علي لسانه لاخيه و دعاء كل واحد في ظهر غيب اخيه لاخيه مستجاب فيجري علي السنتهم الخير لامحة ، و منها ان الاستشارة يلين عريكة العدو الباطني اذا رآك ركنت اليه و اظهرت له امرك و ظننته ناصحا فيميل اليك و يلين جانبه بالنسبة اليك و في ذلك منفعة كثيرة لك و منها ان المؤمنين اذا اجتمعوا علي امر و اجمعوا عليه و كان شوريهم في امر عدو وهن ذلك العدو امره و رعب قلبه و انكسر لما يطلع عليه من اتفاق الاخوان [ص 78] و عزمهم علي ذلك الامر و لربما يعين بعض الاخوان بعضا ايضا فيما اشار بعضهم علي بعض لتحقيق اختياره و رأيه الي غير ذلك من المنافع الجليلة التي يطلع عليها عند حصولها فلاجل ذلك امر الله سبحانه نبيه الذي هو عقل الكل بالشوري فقال و شاورهم في الامر فاذا عزمت فتوكل علي الله ان الله يحب المتوكلين و مدح قوما يستعملونها و قال الذين استجابوا لربهم و اقاموا الصلوة و آتوا الزكوة و امرهم شوري بينهم و مما رزقناهم ينفقون و ورد الحث الاكيد عليها في الاخبار فلنعنون لبيان اطرافها فصولا :

فصل - في الاخبار الواردة في الحث علي المشورة ففي الوسائل بسنده عن ابن‌القداح عن جعفر بن محمد عليهما السلام عن ابيه قال قيل يا رسول الله ما الحزم قال مشاورة ذوي الرأي و اتباعهم و عن خالد عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال فيما اوصي به رسول الله صلي الله عليه و آله عليا عليه السلام قال لا مظاهرة اوثق من المشاورة [ص 79] و لا عقل كالتدبير و عن ابي‌الجارود عن ابي‌جعفر عليه السلام قال في التورية اربعة اسطر من لايستشير يندم و الفقر الموت الاكبر كما تدين تدان و من ملك استأثر و عن سماعة بن مهران عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال قال لن‌يهلك امرأ عن مشورة و عن اميرالمؤمنين عليه السلام انه قال لا غني كالعقل و لا فقر كالجهل و لا ميراث كالادب و لا ظهير كالمشاورة قال و قال عليه السلام من استبد برأيه هلك و من شاور الرجال شاركها في عقولها قال و قال عليه السلام الاستشارة عين الهداية قال و قال عليه السلام خاطر بنفسه من استغني برأيه .

فصل - فيمن يستشار منه للطاعة ، و معرفة ذلك من المهمات اذ رب مشير غاش لو اطعته لاوردك موارد الهلكة فلا بد و ان يكون فيه صفات :

الاولي ان يكون رجلا لا امرأة لقول علي عليه السلام من شاور الرجال شاركها في عقولها و لقوله صلي الله عليه و آله لعلي عليه السلام في النساء لاتولي القضاء [ص 80] و لاتستشار يا علي سوء الخلق شوم و طاعة المرأة ندامة يا علي ان كان الشوم في شئ ففي لسان المرأة .

الثانية ان يكون ذا رأي و قد مر عن النبي صلي الله عليه و آله في معني الحزم انه مشاورة ذي الرأي و اتباعه .

الثالثة ان يكون خاشيا من الله سبحانه حتي يخشاه فيك و لايضلك فقد قال ابوعبدالله عليه السلام استشر في امرك الذين يخشون ربهم و قال علي عليه السلام شاور في حديثك الذين يخافون الله .

الرابعة ان يكون عاقلا لما مر من الادلة في فضل العاقل و استبصاره و قد قال ابوعبدالله عليه السلام استشر العاقل من الرجال الورع فانه لايأمر الا بخير و اياك و الخلاف فان مخالفة الورع العاقل مفسدة في الدين و الدنيا و عنه عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله مشاورة العاقل الناصح رشد و يمن و توفيق من الله فاذا اشار عليك الناصح العاقل فاياك و الخلاف فان في ذلك العطب و عنه عليه السلام [ص 81] ما يمنع احدكم اذا ورد عليه ما لا قبل له به ان يستشير رجلا عاقلا له دين و ورع ثم قال ابوعبدالله عليه السلام اما انه اذا فعل ذلك لم‌يخذله الله بل يرفعه الله و رماه بخير الامور و اقربها الي الله و عن ابي‌عبدالله عليه السلام ان المشورة لاتكون الا بحدودها فمن عرفها بحدودها و الا كانت مضرتها علي المستشير اكثر من منفعتها له فاولها ان يكون الذي تشاوره عاقلا و الثانية ان يكون حرا متدينا و الثالثة ان يكون صديقا مواخيا و الرابعة ان تطلعه علي سرك فيكون علمه به كعلمك بنفسك ثم يسر ذلك و يكتمه فاذا كان عاقلا انتفعت بمشورته و اذا كان حرا متدينا اجهد نفسه في النصيحة لك و اذا كان صديقا مواخيا كتم سرك اذا اطلعته عليه و اذا اطلعته علي سرك فكان علمه به كعلمك به تمت المشورة و كملت النصيحة .

الخامسة ان يكون ورعا متقيا يحترز المحارم و لايكون غير مبال بنكبتك و افساد امرك و اذاك غير مشير عليك بالمحرم و ما فيه فساد دينك و قد دل عليه [ص 82] ما مر آنفا .

السادسة ان يكون ناصحا لك غير مشوب القلب بغل او غش بالنسبة اليك يقول لك خالص الرأي و لايكتم عليك خيرك و شرك و النصيحة للمسلمين امر لازم للمسلم كما قال رسول الله صلي الله عليه و آله انسك الناس انصحهم جيبا و اسلمهم قلبا و قال ابوعبدالله عليه السلام عليك بالنصح لله في خلقه فلن‌تلقاه بعمل افضل منه و عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال اتي رجل اميرالمؤمنين عليه السلام فقال له جئتك مستشيرا ان الحسن و الحسين و عبدالله بن جعفر خطبوا الي فقال اميرالمؤمنين عليه السلام المستشار مؤتمن اما الحسن فانه مطلاق للنساء و لكن زوجها الحسين فانه خير لابنتك و عن ابي‌عبدالله عليه السلام من استشار اخاه فلم‌ينصحه محض الرأي سلبه الله عز و جل رأيه ، و قد مر ما يدل علي لزوم كون المستشار ناصحا .

السابعة ان يكون ذا دين فلربما يكون الرجل عاقلا [ص 83] ذا رأي و بصيرة مجرب ناصح لك و لكن لا دين له لايبالي ان تخرج من اي شئ و تدخل في اي شئ اذا كان لك منفعة دنياوية و يرشدك علي منفعة دنياك و ان كان فيه تلف دينك او تلف بعض اخوانك فلا بد و ان يكون المستشار متدينا معتنيا بالحلال و الحرام مراعيا لحدود الايمان و شرايطه و اركانه حتي يقول لك خير دينك و دنياك و آخرتك معا و قد مر ما يدل عليه .

الثامنة ان يكون حرا اي عن القيود الباطلة الدنياوية و الاعتبارات الفانية فلايكون رقا للدنيا و اهله فان المقيد ببعض الاعتبارات الزايلة ربما يفوته كثير من الخير فكل شئ يراه مضرا ببعض الاعتبارات التي هو بنفسه مقيد بها يمنعك عنها و كلما يراه نافعا بها يأمرك بها كما جربناه فلا بد و ان يكون المستشار حرا متدينا كما مر في الخبر يعني حرا عن الاعتبارات الزايلة رقا للدين و اما الحر الظاهري فلايجب فلرب عبد اعقل من احرار كما روي عن ابي‌الحسن الرضا عليه السلام [ص 84] فذكر اباه عليه السلام فقال كان عقله لاتوازن به العقول و ربما شاور الاسود من سودانه فقيل له تشاور مثل هذا فقال ان الله تبارك و تعالي ربما فتح علي لسانه قال فكانوا ربما اشاروا عليه بالشئ فيعمل به من الضيعة و البستان .

التاسعة ان يكون صديقا مواخيا فان الصديق اكثر اعتناء بامر صديقه و اشد استعمالا لعقله و فكره في معرفة خير صديقه و انسب بصديقه و اولي بان يلهمه الله خير صديقه و اعلم بسراير الصديق و ساير احواله و اموره مما يرتبط بما استشاره فيه و الاجنبي قليل الاطلاع و الاعتناء لامحة و قد مر ما يدل عليه فلايتجاوزن الاصدقاء و الاخوان فانه ان تعداهم لايبقي له الا الاجانب و الاجنبي ربما يشير بخير و لكن لايكتم عليك سرك و اقل ما يفشي امرك عند صديقه و لكل احد صديق و كل قول جاوز الاثنين شاع و الاثنان هما الصديقان المواخيان في الدنيا و الدين .

العاشرة ان يكون من تشاوره متعددا لاتكتفي [ص 85] بمشاورة واحد مع الامكان و اكمل ذلك عشرة من الاخوان فان يد الله علي الجماعة و ان لم‌تجد عشرة تكرر المشاورة فلعلهم يلتفتون في النظر الثاني الي ما لم‌يلتفتوا اليه في النظر الاول حتي انك ان لم‌تجد الا واحدا كررت مشاورته عشر مرات حتي تكمل العدة لما يأتي من الرواية و المقصود من المشاورة ضم الآراء و كل احد يري ما لايراه غيره و يلتفت الي ما لايلتفت اليه غيره و في التعدد يتبين لك الآراء الطبيعية و العادية و الآراء العقلية و التدبيرية فلاتقتصرن بمشاورة واحد و اثنين ما امكنك الاستشارة من المتعددين الي العشرة و لااري مشاورة اكثر من ذلك و من امرك بهذا العدد يوقع خيرك في لسانهم و لا حاجة الي الازيد بل اذا كان الامر مما لايجوز اشاعته فقلل المستشارين و كرر الاستشارة و روي المجلسي رحمه الله في مفتاح الغيب عن النبي صلي الله عليه و آله ما معناه كل قوم تشاوروا و فيهم من اسمه محمد او حامد او محمود او احمد [ص 86] ظهر لهم خيرهم البتة انتهي ، فذلك يمن آخر ينبغي مراعاته في اهل الشوري و عدم اهماله .

فصل - و كما يجب ان يكون المستشار موصوفا بصفات ينبغي ان لايكون فيه صفات اعد منها ما يتيسر :

الاولي ان لايكون امرأة فانها ضعيفة العقل و ضعيفة النفس و ضعيفة الايمان و قليلة التجربة و قليلة الاطلاع بالامور و عواقبها متصفة باغلب الصفات المنهي عنها من الجبن و البخل و الحرص و الشهوة و المكر و الخديعة و الحسد و امثال ذلك و ليست المرأة باهل الاستشارة ابدا و لذا قال النبي صلي الله عليه و آله فيها لاتولي القضاء و لاتستشار و في لسانها الشوم كما مر في الخبر و عن ابي‌عبدالله عليه السلام اياكم و مشاورة النساء فان فيهن الضعف و الوهن و العجز و عن علي عليه السلام كل امرأ تدبره امرأته فهو ملعون ، نعم يجوز مشاورة المرأة لان تخالفها ففيها البركة و الخير و هي استخارة حسنة فان الغالب عليهن النفس الامارة يقينا فكلما [ص 87] اشرن عليك انما هو هوي النفس الامارة و يجب مخالفتها كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام في خلاف النساء البركة و عن النبي صلي الله عليه و آله اعصوهن في المعروف قبل ان يأمرنكم بالمنكر و روي كان رسول الله صلي الله عليه و آله اذا اراد الحرب دعا نساءه فاستشارهن ثم خالفهن انتهي ، فهن رأيهن استخارة مقلوبة و لعلها اوفق من كثير من المشاورات بل الاستخارات اذا غلب علي الزمان السيئات و لم‌يعلم ان ما يقول القائل من عقل او هويً فهن رأيهن مسلم معلوم انه من جهة النفس و في خلافها الخير و البركة مسلما فان عدمت رجالا كاملي الشروط لم‌تعدم النساء فانهن كاملات الشروط لامحة في حدهن و كفي في فضلهن ما قال اميرالمؤمنين عليه السلام معاشر الناس لاتطيعوا النساء علي حال و لاتأمنوهن علي مال و لاتذروهن يدبرن امر العيال فانهن ان تركن و ما اردن اوردن المهالك و عدون امر المالك فانا وجدناهن لا ورع لهن عند حاجتهن و لا صبر لهن عند شهوتهن [ص 88] التبرج لهن لازم و ان كبرن و العجب لهن لاحق و ان عجزن لايشكرن الكثير اذا منعن القليل ينسين الخير و يحفظن الشر يتهافتن بالبهتان و يتمادين في الطغيان و يتصدين الشيطان فداروهن علي كل حال و احسنوا لهن المقال لعلهن يحسن الفعال .

الثانية و الثالثة ان لايكون عبدا و لا سَفِلَةً و المراد من العبد الذي لايجوز استشارته العبد الدني الطبع السفيه كما عليه اغلب العبيد لا العبد العاقل الحر الطبع فنفس العبودية و الرقية ليستا بمؤثرتين في الامر و انما المراد ما ذكرنا فقد روي عن ابي‌عبدالله عليه السلام يا عمار ان كنت تحب ان تستتب لك النعمة و تكمل لك المروة و تصلح لك المعيشة فلاتستشر العبيد و السفلة في امرك فانك ان ائتمنتهم خانوك و ان حدثوك كذبوك و ان نكبت خذلوك و ان وعدوك موعدا لم‌يصدقوك ، و في رواية لاتشارك انتهي ، فتبين ان المراد بالعبد من كان موصوفا بما ذكر و اما من جربته و وجدته عاقلا متدينا [ص 89] امينا فلا بأس بمشاورته كما مر و علي رواية لاتشارك يمكن الاستدلال علي المنع بها ايضا لما ذكر انهم ان ائتمنتهم خانوك و ان حدثوك كذبوك ، و لا بد و ان تطلع المستشار علي سرك و تركن الي قوله فلايمكن استشارة العبيد و السفلة .

الرابعة الفجار الذين لايخشون الله فان من لايخشي الله لايكون لسان الله في اداء خيرك اليك و لايؤتمن علي سر و لايبالي من الغش و قد روي عن ابي‌عبدالله عليه السلام انه قال كان ابي عليه السلام يقول قم بالحق و لاتعرض لما فاتك و اعتزل ما لايعنيك و تجنب عدوك و احذر صديقك من الاقوام الا الامين و الامين من خشي الله و لاتصحب الفاجر و لا تطلعه علي سرك و لاتأمنه علي امانتك و استشر في امورك الذين يخشون ربهم .

الخامسة و السادسة و السابعة و الثامنة الكذاب و البخيل و الاحمق و قاطع الرحم فان هؤلاء لايؤتمنون علي شئ و روي منع محادثتهم فضلا عن استشارتهم [ص 90] فعن ابي‌عبدالله عليه السلام عن ابيه قال قال لي ابي علي بن الحسين عليهم السلام يا بني انظر خمسة فلاتصاحبهم و لاتحادثهم و لاترافقهم في طريق فقلت يا ابه من هم عرفنيهم قال اياك و مصاحبة الكذاب فانه بمنزلة السراب يقرب لك البعيد و يبعد لك القريب و اياك و مصاحبة الفاسق فانه بايعك باكلة و اقل من ذلك و اياك و مصاحبة البخيل فانه يخذلك في ماله احوج ما تكون اليه و اياك و مصاحبة الاحمق فانه يريد ان ينفعك فيضرك و اياك و مصاحبة القاطع لرحمه فانه وجدته ملعونا في كتاب الله في ثلثة مواضع قال الله فهل عسيتم ان توليتم ان تفسدوا في الارض و تقطعوا ارحامكم اولئك الذين لعنهم الله فاصمهم و اعمي ابصارهم و قال الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه و يقطعون ما امر الله به ان يوصل و يفسدون في الارض اولئك لهم اللعنة و لهم سوء الدار و قال في سورة البقرة الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه و يقطعون ما امر الله به ان يوصل و يفسدون [ص 91] في الارض اولئك هم الخاسرون انتهي ، و اجمل لك القول ان المستشار اما لسان الله في ارشادك الخير و اما لسان الشيطان فان كان مؤمنا صالحا تقيا مواخيا صديقا كان لسان الله و يرشدك الي الخير و الا كان لسان الشيطان و هو لكم عدو فاتخذوه عدوا انما يدعو حزبه ليكونوا من اصحاب السعير فلاتركنوا الي الذين ظلموا فتمسكم النار ، و الاستشارة اعظم الركون فانظر من تستشيره و لاتبد سرك الي غير المؤمن المواخي فتندم بقي شئ و هو ان ما يستشار فيه امور شتي من امر نكاح او تجارة او زراعة او سفر او كسب و عمل او مصاحبة او غير ذلك و لكل امر اهل خبرة فلا كل مؤمن تقي له خبرة بالزراعة و لا بالتجارة و لا بالسفر و الطرق مثلا و لا بد في المستشار ان يكون اهل خبرة و اطلاع في ذلك الامر الذي تستشيره و مثل الاستشارة كمثل الاستفتاء في علم الاديان و الابدان فلو استشرت في مسائل دينك طبيبا مؤمنا متقيا لم‌يدر ما يقول لك [ص 92] و كذا لو شكوت الي فقيه حال مرضك لم‌يقدر ان يصف لك دواء فاطلب لحاجتك اهل خبرة تلك الحاجة و ليكن مؤمنا مواخيا و هما جماع الشروط و اعلم ان الناس ثلثة رجل لايجوز ان تستشيره و تطلعه علي سرك و هو غير المؤمن المتقي و رجل يجوز ان تستشيره و لايجوز العمل بقوله كالمؤمن الضعيف الذي ليس له ذلك العقل و رجل يجوز ان تستشيره و تعمل بما يشير عليك فهو المؤمن المواخي العاقل الخبير كما روي عن النبي صلي الله عليه و آله استرشدوا العاقل و لاتعصوه فتندموا و عن ابي‌عبدالله عليه السلام استشر العاقل من الرجال الورع فانه لايأمر الا بخير و اياك و الخلاف فان مخالفة الورع العاقل مفسدة في الدين و الدنيا و عنه عن النبي صلي الله عليه و آله مشاورة العاقل الناصح رشد و يمن و توفيق من الله فاذا اشار عليك الناصح العاقل فاياك و الخلاف فان في ذلك العطب انتهي ، فمدار المستشار المؤمن المتقي علي العاقل المواخي فلاتتجاوزه الي غيره [ص 93] و ان ظفرت به فقد غنمت خير الدنيا و الآخرة .

فصل - في كيفية الاستشارة و الاشارة فاول ما يجب في ذلك ان ترجع الي الله سبحانه و تستخيره بما مر من الاستخارات المطلقة او الاستخارة الخاصة و تتضرع اليه و تنيب في طلب الخير و تعريفه ثم تراجع اهل الاستشارة و تستشيرهم مستشيرا من الله سبحانه راجيا اياه ان يلقي خيرك علي السنتهم فان اجمعوا علي شئ و رأيك ايضا معهم فتعمل به ان شاء الله ففيه الخير و ان اختلفوا فسل كل واحد عن دليله و رجح بين ادلتهم فكل رأي منهم يوافق كليات الكتاب و السنة او جزئياتها و يوافقه الادلة العقلية و التجربية ففيه الرشاد فاعزم عليه قال الله تعالي و شاورهم في الامر فاذا عزمت فتوكل علي الله و ان لم‌تقدر علي الترجيح و بقيت حيران فرأي اعقلهم و احزمهم و اكثرهم تجربة و اورعهم اقرب الي الصواب و ان كانوا في ذلك سواء فراجع ربك و استخرج الحق بالرقاع او السبحة او غير ذلك [ص 94] فقد روي عن النبي صلي الله عليه و آله ماحار من استخار و ماندم من استشار و قد روي عن ابي‌عبدالله عليه السلام اذا اراد احدكم امرا فلايشاورن فيه احدا من الناس حتي يبدأ فيشاور الله تبارك و تعالي قيل جعلت فداك و ما مشاورة الله قال تبتدأ فتستخير الله فيه اولا ثم تشاور فيه فانه اذا بدأ بالله اجري الخيرة علي لسان من يشاء من الخلق و روي تقول مائة مرة « استخير الله » ثم تشاور الناس و روي في مفتاح الغيب عن السيد بسنده عن الصادق عليه السلام ما معناه اذا اراد احدكم ان يشتري شيئا او يبيع او يدخل في امر فليستخر الله اولا بان يقول « اللهم اني اريد امرا فان كان خيرا لي في ديني و دنياي و آخرتي و عاجل امري و آجله فيسره لي و ان كان شرا لي في ديني و دنياي فاصرفه عني رب اعزم لي علي رشدي و ان كرهته و ابته نفسي » ثم يشاور عشرة من المؤمنين فيه و ان لم‌يجد فخمسة منهم يشاور كل واحد مرتين و ان لم‌يجد الا مؤمنين فليشاور كل واحد خمس مرات [ص 95] و ان لم‌يجد الا مؤمنا فليشاوره عشر مرات انتهي ، نقلته بالمعني و سر التكرير انه يظهر للانسان في التفكر في الامر مرات امور لاتظهر في التفكر الاول فان اتفق الانظار فهو و الا فيحتاج الي الترجيح كما مر .

و اما آداب الاشارة ، فلاينبغي للمؤمن ان يبادر الي الاشارة من غير روية و من غير فحص عن حال المستشير و اطراف المسئلة و مقتضياتها و موانعها و اسبابها و عللها و يجب عليه مراعاة الحلال و الحرام في جميع الامور و مراعاة عزة الدين و اهله و مراعاة ساير الاخوان فلا خير للمستشير في امر ينتفع به و يهلك فيه جمع من المؤمنين و يجب ان يتفكر فيه و لايجب ان يجيب في مجلس الشوري من غير روية فان فهم يجيب و ان لم‌يفهم فليرجئه حتي يقوم فيه و يقعد و يصلي و ينام و يتفكر حتي يعرف بعقله خيره و ينبغي ان يعتني بمشورة اخيه و يتفكر فيه جهده فان فهم شيئا اجاب و ان لم‌يفهم اقر عنده باني ماعرفت وجه الخير و لا ضير [ص 96] و ليرشده الي من يعرف ان كان يعرفه و يجب ان ينصح اخاه و يشير عليه بما عرفه خيرا حقيقة و لايغش معه فيخفي عنه خيره او يشير عليه بما هو شر عليه بزعمه فعن ابي‌عبدالله عليه السلام من استشار اخاه فلم‌ينصحه محض الرأي سلبه الله عز و جل رأيه و عن النبي صلي الله عليه و آله انه قال انا بريء ممن استشاره مسلم فلم‌ينصحه و عن ابي‌عبدالله عليه السلام يجب للمؤمن علي المؤمن ان يناصحه و عن النبي صلي الله عليه و آله الدين نصيحة قيل لمن يا رسول الله قال لله و لرسوله و لائمة الدين و لجماعة المسلمين و في حديث الحقوق عن السجاد عليه السلام و حق المستشير ان علمت ان له رأيا حسنا اشرت عليه و ان لم‌تعلم ارشدته الي من يعلم و حق المشير عليك ان لاتتهمه فيما لايوافقك من رأيه و ان وافقك حمدت الله عز و جل و حق المستنصح ان تؤدي اليه النصيحة و ليكن مذهبك الرحمة له و الرفق و حق الناصح ان تلين له جناحك و تصغي اليه بسمعك [ص 97] فان اتي بالصواب حمدت الله عز و جل و ان لم‌يوافق رحمته و لم‌تتهمه و علمت انه اخطأ و لم‌تؤاخذه بذلك الا ان يكون مستحقا للتهمة فلاتعبأ بشئ من امره علي حال و لا قوة الا بالله ، هذا آخر ما اردنا ايراده في هذه العجالة و كتبها بيمناه الداثرة مصنفها كريم بن ابرهيم و فرغ منها في الليلة الثانية من شهر رجب المرجب من شهور سنة سبع و سبعين من المائة الثالثة‌عشرة حامدا مصليا مستغفرا . تمت .